خزانة القرويين بفاس: ذاكرة علمية ممتدة عبر القرون

من وقف أبي عنان المريني إلى مخطوط ابن خلدون ومشروع الترميم والرقمنة، دراسة موسعة في خزانة القرويين بفاس ودورها في حفظ ذاكرة العلم المغربي عبر القرون.

خزانة القرويين بفاس

تمثل خزانة القرويين بفاس واحدة من أبرز المؤسسات العلمية التي حفظت ذاكرة المعرفة في المغرب عبر قرون طويلة. وفي قلب فاس العتيقة، داخل المجال الذي تشكلت فيه حلقات الدرس والفتوى والنسخ والوقف، ارتبطت هذه الخزانة بتاريخ القرويين وبمكانة المدينة العلمية. قيمة الخزانة لا تختصر في قدم مبناها ولا في شهرة بعض مخطوطاتها، بل في كونها مؤسسة عاشت داخل مدينة صنعت لنفسها مكانة علمية ممتدة، وجمعت بين الجامع والمدرسة والخزانة والوقف والوراقة في منظومة واحدة. حين نفتح سجل خزانة القرويين فإننا لا نقرأ أسماء كتب فقط؛ نقرأ حركة علماء، وقرارات سلاطين، وأوقاف محسنين، وطرق قراءة ونسخ ومقابلة، وصلات ربطت فاس بالأندلس وتلمسان وإفريقية والمشرق وإفريقيا جنوب الصحراء.

وتكتسب خزانة القرويين أهميتها الخاصة لأنها تختزن وجهاً من وجوه الاستمرارية المغربية. فقد تغيرت الدول والسلالات، وانتقلت العواصم، وتبدلت وسائل إنتاج الكتاب، لكن مؤسسة القرويين ظلت حاضرة في حياة فاس وفي صورة المغرب العلمية. ومن العصر الإدريسي الذي نشأ فيه الجامع، إلى المرابطين الذين وسعوه، ثم المرينيين الذين بلغ في عهدهم التنظيم العلمي والعمراني مرحلة بارزة، ثم الوطاسيين والسعديين والعلويين، ظلت الكتب جزءاً من هذا النسيج. ولهذا يستحق تاريخ الخزانة أن يُقرأ بوصفه تاريخ مؤسسة، لا حكاية «أقدم مكتبة» تُختزل في رقم أو لقب دعائي.

هذه الدراسة توسع المقال القديم المنشور في «كوكب المعرفة» وتعيد بناء موضوعه على أساس المصادر المغربية الرسمية والفهارس المتخصصة والدراسات الحديثة. وهي تميز بوضوح بين تاريخ جامع القرويين الذي بدأ في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي، وبين تاريخ الخزانة المؤسسة التي اتخذت صورتها المنظمة في العصر المريني. كما تتوقف عند وقفية ابن خلدون، ونفائس الحديث والفقه واللغة والطب والفلك، وتاريخ الفهرسة والجرد، ومخاطر الرطوبة والضياع، ومشروع الترميم الحديث، ثم تسأل كيف يمكن للرقمنة والبحث الرقمي أن يعيدا وصل هذا الرصيد العلمي بالأجيال الجديدة.

القرويين وفاس: مدينة جعلت العلم جزءاً من بنيتها

لفهم خزانة القرويين لا بد من البدء بفاس نفسها. تأسست المدينة في العصر الإدريسي، ثم نمت من عدوتين متجاورتين إلى حاضرة سياسية واقتصادية وعلمية ذات إشعاع واسع. ويعرض مقال تاريخ مدينة فاس: رحلة عبر 12 قرناً من العلم والحضارة المسار الطويل الذي جعل المدينة مركزاً للدولة والعلم والتجارة. أما مركز اليونسكو للمدينة العتيقة فيؤكد أن فاس بلغت مرحلة ازدهار كبرى خلال القرنين السابع والثامن الهجريين/الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين في العصر المريني، وأنها حافظت بعد انتقال العاصمة السياسية على موقعها الثقافي والروحي داخل المغرب. هذا الاستمرار هو البيئة التي تفسر نشوء خزانة قادرة على جمع الكتب وخدمة العلماء عبر أزمنة متعاقبة.

فاس لم تكن مدينة مسجد واحد أو مدرسة واحدة. كانت شبكة من الجوامع والمدارس والزوايا والكتاتيب ودور القضاة والفقهاء والوراقين، تتصل بالأسواق والمنازل والأوقاف والحرف. في هذا الوسط كان الكتاب أداة عمل يومية: يقرأ في درس، ويقابل على نسخة أخرى، ويستنسخ لطلبة جدد، وتثبت في آخره سماعات وإجازات، ثم ينتقل بالشراء أو الهبة أو الوقف. ولهذا فإن تاريخ الخزانة يكشف كيف تحولت المدينة إلى بيئة معرفية كاملة، حيث كان إنتاج العلم وحفظه وتداوله مرتبطاً بمؤسسات مادية وقانونية واجتماعية متماسكة.

وكان موقع فاس داخل شبكة الطرق المغربية والمغاربية عاملاً إضافياً في إثراء الحياة العلمية. فالقادمون من الأندلس وتلمسان وسبتة وسجلماسة وبلاد السودان والمشرق كانوا يحملون كتباً وأسانيد وأسئلة علمية، ويعود بعضهم بنسخ جديدة. هذا الحراك يفسر وجود خطوط مغربية وأندلسية ومشرقية داخل الخزانة، كما يفسر تنوع موضوعاتها. الكتاب الذي يستقر في رف بالقرويين قد يكون نتيجة رحلة طويلة سبقت وصوله إلى فاس، وقد يبدأ منه مسار جديد حين ينسخه طالب ثم يحمله إلى مدينة أخرى.

من تأسيس الجامع إلى ظهور الخزانة المنظمة

فاطمة الفهرية وبداية جامع القرويين سنة 245هـ/859م

تربط المصادر المغربية جامع القرويين بفاطمة الفهرية، أم البنين، التي شرع في بناء المسجد في أول رمضان 245هـ الموافق 30 نونبر 859م في عهد الدولة الإدريسية. وتعرض وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هذا التاريخ ضمن موادها الخاصة بجامع القرويين، كما يضعه السياق العام في المرحلة التي كانت فيها فاس تتسع وتستقبل سكاناً جدداً. ويتيح مقال دولة الأدارسة: من وليلي إلى فاس وبدايات الدولة المغربية قراءة أوسع للمرحلة السياسية والعمرانية التي ظهر فيها الجامع.

من المهم أن ندرك أن الجامع في المدينة الإسلامية لم يكن مكان صلاة فقط. حوله تشكلت حلقات تعليم في القرآن والفقه واللغة والحديث، ومع الزمن نمت وظائف علمية متخصصة. وكل تعليم مستمر يحتاج إلى كتب، حتى لو كانت في البداية موزعة بين العلماء أو محفوظة في خزائن صغيرة. لذلك سبقت الحاجة إلى الكتاب ظهور الخزانة المؤسسية بزمن طويل. لكن وجود كتب بجوار الجامع شيء، وإنشاء خزانة ذات مكان محدد ووقف وقواعد وقيم مسؤول عن الضبط والمناولة شيء آخر. هذا التحول المؤسسي هو ما سيأتي بقوة في العصر المريني.

المرينيون وبناء البيئة المؤسسية للعلم

حين انتقلت فاس إلى قلب المشروع السياسي المريني، شهدت المدينة توسعاً في المدارس والأوقاف والمنشآت المرتبطة بالتعليم. لم تكن المدارس المرينية منافسة للقرويين، بل شكلت حولها بنية مساندة تؤوي الطلبة وتوفر فضاءات للدرس وتربط التعليم بموارد ثابتة. وقد تناولنا هذا السياق بتفصيل في مقال الدولة المرينية في المغرب: عصر فاس والعلم والعمران. في هذه المرحلة أصبح الكتاب جزءاً من سياسة علمية أوسع، فحبست المصنفات على المدارس والمساجد، وأنشئت خزائن تحفظها وتتيحها للدارسين.

وتشير دراسة وزارة الأوقاف عن وقف الكتب في المغرب إلى سنة 750هـ/1349م بوصفها لحظة حاسمة في نشوء خزانة جامع القرويين بصورتها المنظمة، في عهد السلطان أبي عنان المريني. وتذكر المصادر أن السلطان صنع للخزانة موضعاً، وزودها بكتب في علوم متعددة، وعيّن لها قيماً يتولى الضبط والمناولة، ووضع قواعد للقراءة والمطالعة والنسخ. هذه التفاصيل مهمة لأنها تجعلنا أمام مؤسسة ذات نظام، لا مجرد تجميع للكتب. فالخزانة أصبحت جزءاً من آلية إنتاج المعرفة: تحفظ الأصل، وتسمح بالمطالعة، وتيسر النسخ، وتراقب حركة الكتاب.

أبو عنان المريني: حين صار حفظ الكتاب سياسة علمية

ترتبط خزانة القرويين في الذاكرة المؤسسية باسم السلطان أبي عنان فارس المريني، الذي حكم في منتصف القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي. وتظهر نصوص الوقف أن اهتمامه لم يكن شكلياً؛ فالغرض المعلن كان خدمة طلبة العلم وتيسير القراءة والنسخ والمطالعة والمقابلة. وتورد وزارة الأوقاف في دراسة دور الوقف خلال العصر المريني نصوصاً تؤكد أن الخزانة زودت بكتب في «علوم الأديان والأبدان والأذهان واللسان» وغيرها، وهي عبارة تكشف تصوراً واسعاً للمعرفة يتجاوز تخصصاً واحداً.

في زمن المخطوط، كان إنشاء خزانة علمية عملاً مكلفاً يحتاج إلى المال والإدارة والثقة. فالكتاب قد ينسخ في أشهر، ويحتاج إلى ورق وحبر وناسخ ومصحح ومجلد، وقد يصبح فقدانه خسارة لا تعوض بسهولة. لذلك كان تعيين القيّم جزءاً من جوهر المشروع. وهو مسؤول عن معرفة مواضع الكتب، ومناولتها، وتسجيل حركتها، وصون الوقفيات. كما أن الخزانة احتاجت إلى قواعد تمنع خروج النفائس بلا ضمان وتحدد آجال الاستعارة عند السماح بها. هذه الوظائف تجعل خزانة القرويين مثالاً مبكراً على الإدارة المنظمة للمعرفة في المغرب.

ويظهر المعنى الوطني لهذه المبادرة في أنها ربطت السلطة بالعلم من خلال مؤسسة باقية. فالقصور تتغير وظائفها، أما الكتاب المحبّس فيستمر أثره كلما قرأه طالب أو قابله عالم أو نسخه ناسخ. من هنا يمكن فهم لماذا بقي اسم أبي عنان حاضراً في تاريخ القرويين، ولماذا تحمل بعض الكتب نفسها آثار التحبيس السلطاني والتوقيعات والقيود التي تصل بين النص والراعي والمؤسسة.

الوقف العلمي: النظام الذي منح الخزانة قدرة على الاستمرار

قوة خزانة القرويين لم تأت من قرار تأسيس واحد، بل من تراكم الوقف. فالكتاب المحبّس يخرج من دائرة الملك الشخصي إلى منفعة محددة للعلم والقراءة، وتصبح شروط الواقف جزءاً من طريقة استعماله. وقد عرفت المدن المغربية هذا النظام على نطاق واسع، فحبست الكتب على الجوامع والمدارس والزوايا، وربطت أحياناً برواتب القيمين أو بمصاريف الإصلاح والتجليد. وتوضح دراسة وزارة الأوقاف عن نظام وقف الكتب أن العصر المريني شهد توسعاً واضحاً في الخزانات الحبسية، وكانت خزانة القرويين أبرزها في فاس.

أنتج الوقف أثراً يتجاوز تمويل الخزانة. فقد ساعد على بناء فكرة أن الكتاب مورد عام منظم، وأن صيانته واجب ممتد. وحين يكتب الواقف شروط الانتفاع، فهو يحدد علاقة بين الحاضر والمستقبل: يسمح بالقراءة والنسخ، ويقيد الخروج، ويعين جهة للنظر، ويجعل الأصل محفوظاً ما أمكن. بهذه الصيغة يصبح الوقف إطاراً قانونياً لحماية المعرفة من التشتت الذي يصيب المكتبات الخاصة بعد وفاة أصحابها أو تغير أحوال أسرهم.

كما سمح الوقف بتعدد مصادر الإثراء. السلطان يحبس، والعالم يحبس، والتاجر والمحسن والأسرة العلمية قد يضيفون كتباً. وبذلك لا تصبح الخزانة صورة لذوق شخص واحد، بل حصيلة أجيال. وتكمن قيمة هذا التراكم اليوم في أنه يسمح للباحث بتتبع تاريخ الاهتمامات العلمية: أي كتب كانت مطلوبة في الفقه والحديث؟ ما شروح النحو المتداولة؟ كيف دخلت كتب المنطق أو الطب أو الفلك؟ وما الذي تكشفه التملكات والهوامش عن شبكات القراء؟

ابن خلدون ووقف «كتاب العبر» على طلبة العلم بفاس

من أبلغ الوثائق التي تكشف مكانة خزانة القرويين وقفية عبد الرحمن بن خلدون. ففي صفر 799هـ/نونبر-دجنبر 1396م تقريباً حبس مؤلف «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر» كتابه على طلبة العلم بمدينة فاس، وجعل مقره خزانة الكتب بجامع القرويين. وتعرض وزارة الأوقاف نص الوقفية ودراستها، كما تسجل مواد «نوادر المخطوطات الحبسية» بقاء الجزأين الثالث والخامس من النسخة ذات الأسفار السبعة التي وقفها ابن خلدون، مع إثبات خطه على الوقف.

تكشف الوقفية تفاصيل عملية تثير الإعجاب بدقتها. فالكتاب جعل للقراءة والمطالعة والنسخ، ووضع له شرط عند الخروج من الخزانة إلى ثقة أمين مع رهن وثيق، وحددت مدة لا تتجاوز شهرين، وهي مدة رآها الواقف كافية للمطالعة أو النسخ. نحن هنا أمام تنظيم واضح لعلاقة الباحث بالمخطوط قبل قرون من المكتبات الحديثة: حق في الانتفاع، ومسؤولية في الحفظ، وسقف زمني، وضمان يعيد الكتاب إلى موضعه.

وتحمل هذه الوثيقة معنى يتجاوز شهرة ابن خلدون. فهو لم يختر فاس مصادفة، ولم يجعل كتابه في خزانة هامشية؛ اختار مؤسسة يعرف أن طلبة العلم يقصدونها وأن نظامها قادر على حفظ النسخة وتداولها. وبذلك تصبح وقفية «العبر» شهادة من مؤلف كبير على المكانة التي بلغتها القرويين في نهاية القرن الثامن الهجري. وهي أيضاً مصدر لدراسة تاريخ القراءة: فالوقف صيغ لكي يُستعمل الكتاب، لا لكي يغلق عليه في خزانة لا تمتد إليها يد الباحث.

التحبيسات السلطانية واستمرار الرعاية عبر العصور

بعد المرينيين استمرت الخزانة في تلقي الكتب والعناية السلطانية. وتوثق الدراسات المغربية تحبيسات سعدية وعلوية ضمت كتباً في الحديث والتفسير والفقه واللغة والتاريخ وغيرها. وتكشف مادة خروم خزانة القرويين والتحبيسات السلطانية أن سجل الكتب يحمل أسماء سلاطين ومصنفات متعددة، بما في ذلك كتب كبيرة مثل «فتح الباري» و«الإصابة» و«مفاتيح الغيب» و«الجامع الصحيح» لمسلم وغيرها. هذه السلسلة تجعل الخزانة مرآة للذائقة العلمية في مراحل متتالية.

وفي العصر الوطاسي، واصلت فاس وظيفتها التعليمية رغم التحولات السياسية الكبرى، وظلت القرويين محوراً للدرس والفتوى. ويمكن الرجوع إلى مقال الدولة الوطاسية في المغرب: فاس ومواجهة التحولات الكبرى لفهم هذه المرحلة. أما العصر العلوي فشهد استمرار الصلة بين الدولة والخزائن العلمية، وظهرت أوامر سلطانية تتعلق بالجرد والإصلاح واسترجاع الكتب وتمييز ما تمزق منها. وهذا النوع من الوثائق يكشف أن صيانة المكتبة كانت عملاً إدارياً يحتاج إلى متابعة متكررة، لا مبادرة عابرة.

ومن النماذج اللافتة أمر سلطاني سنة 1202هـ/1787-1788م تقريباً يدعو إلى الوقوف مع الأمناء والنظار في أمر الخزانة، وجرد كتبها، والنظر في الممزق منها، وتوزيع ما يحتاج إلى نسخ على الطلبة، ثم إثبات ذلك في كناش. هذه اللغة الإدارية توضح كيف كان النسخ نفسه وسيلة إنقاذ: إذا تضررت نسخة، أمكن توظيف شبكة الطلبة والنساخ لإعادة إنتاج النص قبل ضياعه. وهكذا ارتبط الحفظ بالتعليم مباشرة.

كيف كان الكتاب يعيش داخل القرويين؟

المخطوط في خزانة القرويين لم يكن جسماً ساكناً. كان يقرأ في الحلقة، ويعرض على شيخ، ويصحح على أصل، ثم يحمل هامشاً أو سماعاً أو إجازة أو تملكاً. وربما انتقل من خزانة خاصة إلى وقف عام، أو من جامع آخر في فاس إلى القرويين. ولذلك فإن تاريخ كل نسخة يمكن أن يكون قصة قائمة بذاتها. الباحث في تاريخ الكتاب يسأل: من نسخه؟ أين؟ عن أي أصل؟ من قرأه؟ من صححه؟ من حبسه؟ وهل أضيفت إليه أوراق أو شروح في زمن لاحق؟

وتفسر هذه الحركة لماذا تمثل الحواشي والقيود أهمية كبيرة. فقد تكشف كلمة قصيرة اسم عالم مجهول في مصدر آخر، أو تاريخ وصول كتاب إلى فاس، أو طريق رواية نص حديثي، أو علاقة بين مدرستين علميتين. وفي بعض النسخ يصبح الهامش سجلاً موازياً للنص: تصحيحات، اعتراضات، فوائد، إحالات إلى كتب أخرى. لهذا يتعامل علم المخطوط الحديث مع الصفحة بوصفها طبقات من الاستعمال، لا مجرد حامل لعبارات المؤلف.

كما أن النسخ والمقابلة كانا من أهم وظائف البيئة العلمية. النسخة الجديدة لا تكتسب قيمتها بمجرد اكتمال الكتابة؛ كان المطلوب أن تقابل على أصل موثوق، وأن تسجل أحياناً وجوه الاختلاف. وتبرز أهمية هذا الأمر بوضوح في مخطوطات الحديث التي حفظتها القرويين، حيث تتصل بعض النسخ بسلاسل رواية وتصحيح تمتد بين المغرب والأندلس والمشرق.

مخطوطات صحيح البخاري: شاهد على دقة المدرسة المغربية في الرواية

تقدم دراسة محمد بن عبد العزيز الدباغ حول مخطوطات صحيح البخاري بخزانة القرويين مثالاً قوياً على قيمة الخزانة للبحث في تاريخ النص. فهي لا تكتفي بإحصاء نسخ من «الصحيح»، بل تتبع الروايات والأصول والمقابلات والسماعات، وتبين صلة عدد من النسخ المغربية بروايات الفربري والهروي والباجي والصدفي وابن سعادة وغيرهم. هذا النوع من الدراسة يوضح كيف حافظ علماء المغرب على نصوص الحديث من خلال شبكات قراءة وتصحيح موثقة.

وتوجد في الخزانة أجزاء ونسخ تحمل إشارات إلى المقابلة بأصول قديمة، وأخرى ترتبط بالرواية اليونينية أو برواية الأصيلي، كما تكشف بعض القطع عن انتقال أجزاء من النسخة الواحدة بين خزائن مختلفة. ومن زاوية تاريخية، هذه التفاصيل ثمينة لأنها تسمح بإعادة بناء الطرق التي وصلت بها الكتب إلى المغرب وكيف استقر بعضها في فاس. ومن زاوية علم الحديث، تساعد في فهم العناية بالنص وضبطه ومقارنته على أصول معتبرة.

وهنا تظهر فائدة الفهرسة العلمية الدقيقة. فالقول إن الخزانة «تملك نسخة من صحيح البخاري» لا يكفي. القيمة البحثية تبدأ حين نعرف رقم النسخة، وعدد أجزائها، وتاريخ نسخها، وخطها، وروايتها، وسماعاتها، والكتب التي قوبلت عليها، وتاريخ دخولها الخزانة. كل معلومة من هذه المعلومات تحول المخطوط من عنوان عام إلى وثيقة قابلة للتحقيق والمقارنة.

علوم الخزانة: الفقه والحديث إلى جانب الطب والفلك والمنطق والأدب

بحكم ارتباط القرويين بالتعليم الديني، تحتل علوم القرآن والحديث والفقه المالكي والأصول مساحة مهمة من رصيد الخزانة. لكن صورة القرويين تصبح أكثر اكتمالاً حين ننظر إلى بقية العلوم: اللغة والنحو والبلاغة والأدب، المنطق والحساب والفرائض، الفلك والتوقيت، الطب والصيدلة، التاريخ والتراجم والرحلات. وتؤكد التقارير المتعلقة بالخزانة بعد ترميمها أن مجموعاتها تمتد عبر هذه الحقول، وهو ما ينسجم مع طبيعة التعليم في المدن الإسلامية الكبرى حيث تتجاور الأدوات الشرعية واللغوية والعقلية.

وتساعد هذه المخطوطات على دراسة تاريخ العلوم في المغرب من الداخل. فكتاب في الطب قد يكشف طريقة تلقي مؤلف مشرقي في فاس، وكتاب في الفلك قد يحمل جداول أو تصحيحات محلية، وشرح نحوي قد يظهر كيف كان المدرس يفسر المتن لطلبته. أما كتب الرحلات والتاريخ فتربط الخزانة بحركة الناس والأخبار. وفي هذا السياق يمكن قراءة سيرة ابن بطوطة الرحالة المغربي لفهم كيف كان المغرب جزءاً من فضاء واسع للحركة العلمية والجغرافية في القرن الثامن الهجري.

كما تتيح الخزانة دراسة علاقة العلوم بالمؤسسات. فالطب والفلك والحساب لم تكن عناوين منفصلة عن الحياة اليومية؛ ارتبطت بالمواقيت والمواريث والمعاملات والصحة والتقويم. ومن هنا فإن تنوع الرصيد دليل على تنوع الأسئلة التي واجهها العلماء، وعلى اتساع وظائف المدرسة المغربية عبر القرون.

نفائس لا تقاس بالندرة وحدها

تشير المصادر والدراسات إلى مصاحف قديمة بالخط الكوفي، وأجزاء من «العبر» لابن خلدون، ونسخ عتيقة من كتب الحديث والفقه، ومؤلفات في علوم متعددة. وتذكر مواد صحفية وتقارير ترميمية عدداً من القطع التي ارتبطت بأسماء كبيرة، لكن القيمة العلمية لأي ادعاء بالتفرد أو الأصالة تتأكد بالفحص المادي والفهرسة المقارنة. لذلك تعتمد هذه النسخة الموسعة من المقال على ما يمكن إسناده إلى فهارس ودراسات مؤسسية، وتعرض الأخبار الأشهر في سياقها من دون تضخيم.

فالنسخة المهمة قد تكون مهمة لأنها قديمة، أو لأنها بخط مؤلف أو تلميذ، أو لأنها قوبلت على أصل مفقود، أو لأنها تحمل سماعات موثقة، أو لأنها تمثل فرعاً نصياً نادراً. وقد تكون قطعة ناقصة أثمن للباحث من مجلد كامل إذا حفظت قراءة مفقودة أو تملكاً مؤرخاً. هذه النظرة تحرر قيمة الخزانة من منطق «أندر كتاب» و«أقدم نسخة» إلى منطق علمي أوسع يرى كل مخطوط عقدة في شبكة انتقال النصوص.

كم عدد مخطوطات خزانة القرويين؟ ولماذا تختلف الأرقام؟

تظهر في المصادر أرقام مختلفة لرصيد الخزانة، ويحتاج هذا الأمر إلى تفسير بدل اختيار رقم واحد وتقديمه كأنه نهائي. ففهرس محمد العابد الفاسي في أربعة أجزاء، الصادر ما بين 1979 و1989، تصفه مؤسسة الفرقان بأنه يصف 1727 مخطوطاً. وفي مسح آخر لمؤسسة الفرقان ترد الإشارة إلى نحو 2030 مخطوطاً عربياً في الخزانة. وفي تقارير إعلامية مرتبطة بترميم 2016 ذُكر رقم يقارب أربعة آلاف من النصوص النادرة والمخطوطات. اختلاف هذه الأرقام قد ينتج عن اختلاف تاريخ الجرد، وطريقة عد المجلدات والمجاميع والقطع، وضم وثائق أو كتب أخرى إلى بعض الإحصاءات.

لذلك فالأدق عند الكتابة عن الخزانة هو الإحالة إلى الفهرس أو الجرد الذي ينتمي إليه الرقم. ويمكن القول بثقة إن الخزانة تضم رصيداً كبيراً من المخطوطات العربية والوثائق والكتب، وإن فهرس محمد العابد الفاسي وحده يصف 1727 مخطوطاً بحسب بطاقة مؤسسة الفرقان. أما العدد الحالي الشامل فيحتاج إلى جرد رسمي حديث منشور يوضح منهج العد وفئات المواد.

هذه المسألة ليست تفصيلاً إحصائياً. حين يختلف تعريف «المخطوط» قد يحسب المجلد الواحد عنصراً واحداً رغم احتوائه على عدة رسائل، أو تحسب القطع منفصلة، أو تضم الكتب المطبوعة النادرة والوثائق إلى رقم عام. ومن ثم فإن الشفافية في منهج الجرد جزء من جودة البحث.

فهرس محمد العابد الفاسي: تحويل الرفوف إلى خريطة بحث

من أكبر الخدمات التي قدمت لدراسة خزانة القرويين «فهرس مخطوطات خزانة القرويين» لمحمد العابد الفاسي، الذي صدر في أجزاء متعددة، وتوجد بياناته في مكتبات عربية وعالمية، ومنها دار الكتب الوطنية بتونس ومؤسسة الفرقان. أهمية الفهرس أنه نقل معرفة الرصيد من ذاكرة الأمناء والبطاقات المحلية إلى أداة يمكن للباحث أن يبدأ منها عمله قبل الوصول إلى فاس.

الفهرسة في مكتبة مخطوطات عمل بحثي في حد ذاته. فكثير من النصوص لا تحمل صفحة عنوان حديثة، وقد يبدأ المخطوط من وسطه أو ينقص آخره، وقد يكون اسم المؤلف مختلفاً في المصادر، أو يضم المجلد أكثر من رسالة. ويحتاج المفهرس إلى قراءة الاستهلال والختام، ومقارنة العناوين، وضبط الأسماء، ووصف المادة والخط والحالة. ولهذا فإن الفهرس الجيد لا يعكس الكتب فقط، بل يعكس خبرة علمية واسعة بتاريخ التأليف.

ومع الأدوات الرقمية الحديثة أصبح بالإمكان تطوير هذا العمل من دون إلغاء قيمة الفهرس المطبوع. يمكن بناء قاعدة بيانات تربط رقم المخطوط بوصفه وصوره ووقفياته وأسماء النساخ والمالكين، وتسمح بالبحث في العلاقات بين الكتب والأشخاص والأماكن. هكذا يتحول الفهرس من قائمة إلى شبكة معرفة.

المخطوط بوصفه مادة: الورق والحبر والتجليد والآثار الصامتة

أحد أهم التحولات في دراسة المخطوطات اليوم هو الاهتمام بالمادة نفسها. فالنص يمكن نشره في كتاب مطبوع، لكن الأصل يحمل معلومات لا تنتقل كاملة إلى الطباعة. نوع الورق، العلامة المائية، تركيب الكراسة، لون الحبر، أسلوب التجليد، آثار الإصلاح، ثقوب الحشرات، بقع الرطوبة، وحتى مواضع اتساخ أطراف الصفحات يمكن أن تكشف تاريخ الاستعمال والحفظ.

وفي خزانة مثل القرويين، حيث عبرت الكتب قروناً طويلة، تصبح هذه الطبقات جزءاً من تاريخ المغرب العلمي. قد تشير ورقة أندلسية إلى مصدر النسخة، وقد يكشف خط مغربي متأخر عن إعادة نسخ نص أقدم، وقد يسمح تجليد لاحق بفهم مرحلة من مراحل الصيانة. لذلك تحتاج عملية الرقمنة إلى صور عالية الدقة، لكنها تحتاج أيضاً إلى وصف مادي منظم يبقي الصلة بين الصورة الرقمية والكتاب الحقيقي.

القرويين والمدارس المرينية: شبكة واحدة لصناعة العالم والطالب

ازدهار الخزانة في العصر المريني يرتبط بازدهار المدارس التي أحاطت بالقرويين، مثل مدارس العطارين وبوعنانية والصهريج وغيرها. هذه المؤسسات قدمت للطلبة السكن والدرس والموارد، بينما بقي الجامع مركزاً أساسياً للتدريس والفتوى. ومن ثم تشكلت في فاس بيئة تجمع الأستاذ والطالب والوراق والخزانة والوقف في مجال حضري متقارب. يمكن للقارئ التوسع في هذا الجانب عبر مقال الدولة المرينية في المغرب الذي يشرح كيف ارتبط العمران برعاية العلم في فاس.

واللافت أن المكتبة لم تكن ملحقاً ثانوياً بهذه المنظومة. فالدرس المتقدم يحتاج إلى الرجوع إلى الشروح والأصول، وإلى مقابلة النصوص، وإلى نسخ ما لا يملكه الطالب. وحين تتسع دائرة المؤلفات، تصبح الخزانة ذاكرة للمؤسسة التعليمية كلها. وهكذا يمكن النظر إلى القرويين بوصفها نظاماً معرفياً متكاملاً أكثر من كونها مبنى منفرداً.

فاس في شبكة الغرب الإسلامي: من الأندلس إلى إفريقيا

حركة الكتب في خزانة القرويين تكشف أن فاس لم تكن منعزلة. الخطوط والروايات والتملكات تشهد على صلات مع الأندلس وتلمسان وسبتة وتونس والقاهرة والحجاز وغيرها. وفي الاتجاه الجنوبي ارتبط المغرب بقوافل الصحراء ومدن إفريقيا الغربية. هذه العلاقات صنعت فضاءً تنتقل فيه المعرفة مع التجار والحجاج والطلبة والقضاة والسفراء.

والأثر لا يقاس فقط بوصول الكتب إلى فاس؛ فطلبة القرويين حملوا بدورهم معارفهم إلى مناطق أخرى. ومن خلال هذه الحركة ساهمت المدرسة المغربية في بناء شبكة علمية واسعة. دراسة المخطوطات قادرة على جعل هذه الشبكة مرئية من جديد، لأن كل سماع أو تملك أو إجازة قد يربط مدينة بأخرى وشخصاً بآخر.

الوراقون والنساخ: الاقتصاد اليومي الذي جعل الخزانة ممكنة

وراء كل مخطوط وصل إلى خزانة القرويين سلسلة طويلة من المهن والمهارات. فالناسخ يحتاج إلى ورق مناسب وحبر وأقلام، والمجلد يحتاج إلى جلد وخيوط وألواح، والعالم يحتاج إلى أصل يراجعه، والطالب قد يدفع مقابل نسخ كتاب لا يستطيع اقتناءه جاهزاً. وفي مدينة علمية مثل فاس نشأت حول الطلب على الكتاب حركة للوراقة والنسخ والتجليد، وكانت الأسواق والقرب من الجوامع والمدارس بيئة طبيعية لهذه الحرف. هذه الحلقة الاقتصادية تفسر كيف استطاعت مؤسسة تعليمية كبيرة أن تحافظ على تدفق الكتب قبل عصر الطباعة.

وكان الناسخ جزءاً من عملية علمية لا مجرد حرفي ينقل الكلمات. في الكتب الدقيقة، وخصوصاً الحديث والفقه، قد يسجل الناسخ الأصل الذي اعتمد عليه، ثم تأتي مرحلة المقابلة والتصحيح. وفي نسخ أخرى تظهر أسماء من قرأ الكتاب أو راجعه أو أذن بروايته. لذلك تستطيع دراسة خطوط النساخ وتواريخ الفراغ من النسخ أن تكشف مواسم النشاط العلمي ومسارات انتقال النصوص، وأن تربط بين أسر علمية وبيوت للوراقة ومدارس محددة داخل فاس وخارجها.

أما التجليد والإصلاح فكانا خط الدفاع المادي عن الكتاب. المخطوط المستعمل يومياً يتعرض لضعف العطفات وانفصال الأوراق وتآكل الأطراف، ولذلك كان يعاد تجليده أو تقوية كراريسه. بعض عمليات الإصلاح القديمة أخفت معلومات أو غيرت ترتيب الأوراق، وبعضها أنقذ نصوصاً من الضياع. واليوم يستطيع المرمم أن يقرأ هذه التدخلات بوصفها جزءاً من سيرة النسخة، فيميز بين المادة الأصلية والإضافات اللاحقة، ويحافظ قدر الإمكان على الشواهد التي تركها القراء والمرممون السابقون.

فاطمة الفهرية وعزيزة الشاوني: صورتان مغربيتان في بداية الحكاية وتجددها

يحمل تاريخ القرويين مفارقة جميلة في الامتداد الزمني: في القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي ارتبط تأسيس الجامع باسم فاطمة الفهرية، وفي القرن الحادي والعشرين ارتبط مشروع تأهيل الخزانة بمعمارية مغربية من فاس هي عزيزة الشاوني. بين الاسمين أكثر من أحد عشر قرناً، لكنهما يلتقيان في فكرة بناء مؤسسة للمعرفة ثم ضمان قدرتها على الاستمرار. الأولى حاضرة في الذاكرة المغربية بوصفها صاحبة المبادرة المؤسسة، والثانية قادت عملاً هندسياً معقداً لحماية المبنى والكتب من مشكلات العصر الحديث.

هذه الصلة تمنح القرويين بعداً إنسانياً يتجاوز السرد السياسي. فالمؤسسات الكبرى لا تبقى بقرارات الدول وحدها، بل بأعمال أفراد من مهندسين وعلماء وقيمين وناسخين ومرممين. وكل جيل يضيف نوعاً مختلفاً من الرعاية: بناء، وقف، نسخ، فهرسة، إصلاح، تصوير، أو رقمنة. ومن هنا تبدو خزانة القرويين مؤسسة مغربية تتجدد لأن المجتمع والدولة والعلماء أعادوا في أزمنة مختلفة تعريف مسؤوليتهم تجاهها.

المخاطر التي واجهت الرصيد: الضياع والرطوبة والتشتت

لم تصل جميع كتب الخزانة إلى الحاضر. وتكشف تقارير تاريخية أن الرصيد عرف نقصاً بسبب عوامل متعددة: الإعارة التي لم تعد بعض كتبها، وتلف الورق، والرطوبة، وتسرب المياه، وتفرق أجزاء بعض النسخ، والاضطرابات التي تمس المؤسسات في أزمنة الأزمات. وتذكر الدراسات المقارنة بين السجلات القديمة والموجودات اللاحقة أن عدداً من الكتب فقد مع مرور الزمن. وهذه الخسائر تفسر لماذا كان الجرد والإصلاح موضوع أوامر سلطانية متكررة.

العامل البيئي شديد الأهمية في فاس العتيقة. المباني القديمة تتعامل مع شبكة مائية ورطوبة وتغيرات حرارية، والمخطوط حساس لهذه الظروف. الرطوبة تشجع نمو العفن وتضعف الورق، والحرارة والضوء يسرعان تدهور الأحبار، والحشرات قد تحول صفحات كاملة إلى شبكة من الثقوب. ومن هنا جاء الانتقال الحديث إلى الحفظ الوقائي القائم على مراقبة البيئة قبل وقوع التلف.

كما أن حماية الرصيد تحتاج إلى أمن إداري لا يقل أهمية عن المناخ. فتوثيق مكان كل مخطوط، وحركة الباحثين، وعمليات التصوير، والإصلاح، والاستعارة الداخلية، كلها عناصر تمنع الضياع. وقد عرف تاريخ الخزانة ترتيبات دقيقة لهذا الغرض منذ قرون، وهو ما يتيح بناء سياسة حديثة تستند إلى تقاليد مؤسسية راسخة.

ترميم 2012-2016: إنقاذ المبنى وتحديث شروط الحفظ

دخلت خزانة القرويين في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين مرحلة ترميم واسعة. وتشير مواد جامعة تورنتو وتقارير 2016 إلى أن المعمارية المغربية عزيزة الشاوني كلفت سنة 2012 بقيادة مشروع تأهيل الخزانة، بعد ظهور مشكلات بنيوية وتسربات ومرافق قديمة. استمر العمل عدة سنوات، وركز على معالجة البنية والصرف والعزل، مع الحفاظ على الطابع المعماري للمكان. وفي 15 يونيو 2016 أشرف الملك محمد السادس على تدشين الخزانة بعد إنجاز مرحلة أساسية من الأشغال، بحسب وكالة اتحاد إذاعات دول منظمة التعاون الإسلامي.

وشملت عملية التأهيل أنظمة للتحكم في الحرارة والرطوبة، وتحسين الصرف، وتحديث الحماية، وتجهيز مختبر لمعالجة المخطوطات وتصويرها ورقمنتها. ويمكن الاطلاع على تفاصيل المشروع عبر مادة جامعة تورنتو عن ترميم خزانة القرويين، وكذلك الخبر الذي سجل إعادة افتتاح الخزانة بعد الترميم. قيمة هذا المشروع أنه تعامل مع المبنى والمخطوط باعتبارهما وحدة: لا فائدة من ترميم الرفوف إذا بقيت المياه تهدد الأساسات، ولا فائدة من تحسين المبنى إذا لم توجد أدوات لصيانة الورق.

كما حمل المشروع معنى رمزياً قوياً: مؤسسة علمية مغربية عريقة تتجدد بأدوات الهندسة والحفظ الحديثة من دون أن تفقد شخصيتها. وفي هذا الجمع بين الصيانة والتحديث رسالة مهمة للمؤسسات التاريخية كلها؛ الاستمرارية لا تتحقق بتجميد المكان، بل بتمكينه من أداء وظيفته في شروط العصر.

الرقمنة: من حماية الأصل إلى توسيع دائرة الباحثين

الرقمنة واحدة من أقوى الأدوات المتاحة لخزانة القرويين. فالصورة الرقمية الجيدة تقلل عدد مرات لمس المخطوط الأصلي، وتسمح للباحث بتكبير التفاصيل ومقارنة الصفحات، وتوفر نسخة احتياطية في حال وقوع طارئ. لكن نجاح الرقمنة مرتبط بجودة الفهرسة؛ صورة مجهولة السياق أقل فائدة من صورة مرتبطة برقم ثابت، وعنوان مضبوط، ووصف مادي، وبيانات عن الناسخ والتاريخ والوقف والحالة.

والمرحلة الأكثر طموحاً هي بناء بوابة بحثية تربط الفهارس بالصور والبيانات المعيارية. عندها يستطيع الباحث البحث باسم مؤلف، أو ناسخ، أو مدينة، أو تاريخ، أو موضوع، ثم الانتقال بين النسخ ذات الصلة. ويمكن كذلك ربط بيانات القرويين بفهارس المكتبات المغربية والعالمية، ما يساعد على اكتشاف الأجزاء المتفرقة من النسخة الواحدة أو تحديد فروع نصية لم تكن واضحة من قبل.

وقد ناقشنا في مقال مستقبل المكتبات في عصر الذكاء الاصطناعي كيف يمكن للتقنيات الحديثة أن تساعد في التعرف الأولي على الخطوط، واكتشاف الصفحات المتشابهة، وربط الأسماء، وبناء أدوات بحث جديدة. في حالة القرويين يمكن لهذه الأدوات أن تسرع أعمالاً كانت تستغرق وقتاً طويلاً، مع بقاء التحقق العلمي بيد المتخصصين.

لماذا يبقى المخطوط الأصلي أساسياً بعد الرقمنة؟

الصورة الرقمية تفتح باب الوصول، لكنها لا تنقل كل ما في الأصل. الباحث في النص قد يكتفي بصورة واضحة، أما الباحث في تاريخ الكتاب فيحتاج أحياناً إلى رؤية سمك الورق، ومقاس الكراسة، وخياطة التجليد، وتسلسل الطبقات، والآثار التي لا تظهر في تصوير مسطح. كما أن الألوان الدقيقة للأحبار والمواد قد تتأثر بإعدادات التصوير والشاشة.

لهذا فإن أفضل سياسة هي التكامل: حفظ الأصل في بيئة مستقرة، وإنتاج صور معيارية عالية الجودة، وتوفير وصف مفصل، وتنظيم الوصول المباشر للحالات التي تحتاج إلى فحص مادي. بهذه الطريقة تخدم الرقمنة الحفظ بدلاً من أن تصبح ذريعة لإهمال الكتاب الحقيقي.

ما الذي يستطيع الباحث أن يدرسه في خزانة القرويين اليوم؟

مجالات البحث التي تتيحها الخزانة واسعة. يستطيع محقق النصوص مقارنة نسخ متعددة لكتاب واحد. ويستطيع مؤرخ التعليم دراسة الكتب التي كانت متداولة في حلقات القرويين. ويستطيع الباحث في الوقف تحليل الشروط القانونية والاجتماعية للتحبيسات. أما مؤرخ العلوم فيتتبع حضور الطب والفلك والحساب، بينما يدرس مؤرخ اللغة الشروح والحواشي والقراءات. ويمكن للباحث في تاريخ الفن والكتاب أن يركز على الخط والزخرفة والتجليد.

هناك أيضاً مجال متنام لدراسة «اجتماعيات القراءة»: من كان يقرأ؟ كيف كانت الكتب تنتقل؟ ما مدة الاستعارة؟ ما الكتب التي كثرت عليها السماعات؟ ما المناطق التي جاء منها النساخ؟ وقفية ابن خلدون وحدها تفتح أسئلة عن علاقة المؤلف بالمؤسسة وعن تصور زمن القراءة والنسخ. وعندما تجمع هذه البيانات من مئات المخطوطات، يمكن بناء صورة دقيقة للحياة العلمية في فاس على مدى قرون.

كما أن المقارنة بين سجلات الخزانة ومجموعات مكتبات أخرى قد تكشف حركة الكتب داخل المغرب. أجزاء من نسخة واحدة قد تتوزع بين فاس والرباط ومراكش، أو تنتقل نسخة من جامع إلى آخر. هذا العمل يحتاج إلى تعاون بين المؤسسات، وإلى فهارس قابلة للبحث وتبادل البيانات.

خزانة القرويين والهوية العلمية للمغرب

تقدم الخزانة دليلاً مادياً على أن تاريخ المغرب العلمي ليس سلسلة أسماء معزولة، بل مؤسسات تحفظ وتعلم وتمول وتدير المعرفة. فالعالم يحتاج إلى كتاب، والكتاب يحتاج إلى ناسخ ومصحح ومجلد وخزانة، والخزانة تحتاج إلى وقف وأمين وسجل وصيانة. هذا التكامل هو الذي سمح لأعمال كثيرة بالبقاء إلى اليوم.

كما تكشف الخزانة عن استمرارية الدولة المغربية في رعاية العلم عبر عصور متعددة. من الأدارسة الذين نشأ في زمنهم جامع القرويين، إلى المرابطين الذين وسعوا الجامع، والمرينيين الذين نظموا الخزانة وأحاطوا فاس بالمدارس، ثم الدول اللاحقة التي واصلت التحبيس والجرد والإصلاح. ويمكن تتبع جانب من هذه السلسلة في مقال دولة المرابطين: النشأة ويوسف بن تاشفين ومعركة الزلاقة، إلى جانب حلقات تاريخ المغرب الأخرى في الموقع.

وهذا الاعتزاز لا يحتاج إلى مبالغات من نوع الأرقام غير الموثقة. قوة القرويين قائمة في الوثائق نفسها: وقفيات مكتوبة، مخطوطات تحمل خطوط أصحابها، فهارس، أوامر سلطانية، نسخ مقروءة ومصححة، ومبنى ظل يؤدي وظيفة علمية في قلب فاس. كلما قُدمت هذه الأدلة بدقة ازداد حضور القرويين قوة في الوعي الوطني والعالمي.

من الخزانة المغلقة إلى المؤسسة التعليمية المفتوحة بقدر الحفظ

السؤال المعاصر ليس فتح كل شيء للجميع ولا إبقاء الخزانة بعيدة عن المجتمع. الحل الأذكى هو درجات من الإتاحة. يمكن للباحث المتخصص الوصول إلى الأصول وفق شروط دقيقة، بينما يستفيد الطلبة من النسخ الرقمية، ويطلع الجمهور على معارض مختارة ونسخ طبق الأصل وشروح تعليمية. بهذه الطريقة تحافظ المؤسسة على المواد الهشة وتوسع أثرها في الوقت نفسه.

ويمكن أن يكون للخزانة دور كبير في تعليم تاريخ الكتاب المغربي لطلبة المدارس والجامعات: كيف كان الورق يصنع؟ كيف ينسخ النص؟ ما معنى الوقف؟ ما الفرق بين المخطوط والمطبوع؟ كيف يقرأ الباحث الحواشي؟ هذه الأسئلة تقرب الأجيال الجديدة من تاريخ المعرفة من خلال أشياء ملموسة، وتمنح المكتبة وظيفة تعليمية تتجاوز قاعة الباحثين.

أولويات السنوات المقبلة: ما الذي يضاعف قيمة الخزانة؟

المستقبل الأقوى لخزانة القرويين يقوم على الجمع بين الصيانة والبحث والإتاحة. وفي مقدمة الأولويات يأتي استكمال الجرد الرقمي وربطه بصور عالية الجودة، مع مراجعة الفهارس القديمة وتحديث أسماء المؤلفين والعناوين والبيانات المادية. كما تحتاج ملفات الرقمنة إلى نسخ احتياطية موزعة وسياسات واضحة للصيغ طويلة الأمد والحماية من فقدان البيانات.

  • إنشاء بوابة رسمية موحدة للمخطوطات والوثائق، تربط رقم الخزانة بالوصف والصور المتاحة وشروط الاستفادة.
  • توسيع برامج تكوين المرممين والمفهرسين في علوم المخطوط والحفظ الوقائي والتصوير الرقمي وإدارة الكوارث.
  • إطلاق مشروعات بحث جماعية لدراسة الوقفيات والتملكات والسماعات وشبكات تداول الكتب بين فاس وبقية المدن المغربية.
  • ربط فهرس القرويين بفهرسة المكتبات الوطنية والجامعية المغربية، ثم بالمشروعات الدولية المتخصصة في المخطوطات.
  • إعداد معارض رقمية ومواد تعليمية بالعربية ولغات أخرى تعرف بنفائس الخزانة من دون إخراج الأصول الهشة من شروط الحفظ المناسبة.
  • استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مهام مساعدة مثل اقتراح قراءة أولية للخط، واكتشاف التشابه بين الصفحات، وربط الأعلام، مع مراجعة بشرية متخصصة لكل نتيجة.

هذه الخطوات تجعل الخزانة منصة إنتاج معرفة جديدة، لا مجرد مكان لحفظ القديم. فكل مخطوط يُوصف بدقة ويُرقمن ويُربط بسياقه يفتح باباً لمقال وتحقيق وأطروحة ودراسة، وربما يعيد تصحيح فكرة مستقرة في تاريخ علم أو مؤلف. القيمة الحقيقية للمكتبة تظهر حين يعود رصيدها إلى دائرة السؤال والبحث.

أسئلة شائعة حول خزانة القرويين بفاس

من أسس جامع القرويين ومن نظم الخزانة؟

يرتبط تأسيس جامع القرويين بفاطمة الفهرية، وبدأ بناؤه سنة 245هـ/859م وفق الرواية المغربية المشهورة والمصادر الرسمية. أما خزانة الكتب بصورتها المؤسسية المنظمة فترتبط بالعصر المريني، وبخاصة السلطان أبي عنان الذي نظمها سنة 750هـ/1349-1350م، وزودها بالكتب وعيّن لها قيماً ووضع ترتيبات للقراءة والنسخ.

هل خزانة القرويين هي نفسها جامعة القرويين؟

الخزانة جزء من المنظومة العلمية للقرويين، ووظيفتها حفظ الكتب والمخطوطات وخدمة الدرس والبحث. أما جامعة القرويين فهي المؤسسة التعليمية التي تطورت حول الجامع وحلقات العلم. الارتباط بينهما وثيق، لكن وظيفة الخزانة متخصصة في الرصيد المكتوب وإدارته.

هل ما زال في الخزانة مخطوط بخط ابن خلدون؟

تسجل مصادر وزارة الأوقاف بقاء الجزأين الثالث والخامس من النسخة ذات الأسفار السبعة من «كتاب العبر» التي وقفها ابن خلدون على الخزانة، ويحمل الجزء الخامس نص الوقفية وشهادة ابن خلدون وتصحيحه بخطه. وهذه من أثمن الوثائق التي تربط المؤلف مباشرة بخزانة القرويين.

كم يبلغ عدد مخطوطات الخزانة؟

لا يوجد رقم واحد يصلح لكل المصادر والأزمنة. ففهرس محمد العابد الفاسي يصف 1727 مخطوطاً بحسب مؤسسة الفرقان، بينما يورد مسح آخر للمؤسسة نحو 2030 مخطوطاً عربياً، وظهرت أرقام أعلى في تقارير إعلامية تشمل فئات أوسع. الأفضل ذكر مصدر الرقم وتاريخه وطريقة العد.

ما الذي أضافه ترميم 2012-2016؟

عالج المشروع مشكلات بنيوية وتسربات ورطوبة، وحسن أنظمة الصرف والحماية والتحكم البيئي، وأنشأ مختبراً لصيانة المخطوطات وتصويرها ورقمنتها. وقد أعيد تدشين الخزانة في يونيو 2016 بعد مرحلة أساسية من هذه الأعمال.

هل الرقمنة تكفي لحماية المخطوطات؟

الرقمنة تقلل التداول وتوسع الوصول وتوفر نسخة احتياطية، لكنها جزء من منظومة أوسع تشمل ضبط الحرارة والرطوبة، والترميم، والتخزين المناسب، والجرد، والحماية، وتحديث الصيغ الرقمية. الأصل المادي يظل مصدراً لا تعوضه الصورة في كل أنواع البحث.

للتوسع في السياق المغربي

يرتبط تاريخ الخزانة بمراحل متعددة من تاريخ المغرب وفاس، ولهذا يمكن توسيع القراءة عبر المقالات التالية في «كوكب المعرفة»:

خاتمة: خزانة تحفظ تاريخ المعرفة المغربية وتفتح أبواب المستقبل

خزانة القرويين بفاس واحدة من المؤسسات التي تسمح للمغربي أن يرى تاريخ العلم في بلاده في مادته الأصلية: كتب موقوفة، خطوط نساخ، سماعات علماء، أوامر سلاطين، فهارس، آثار استعمال، ومبنى عاش تحولات المدينة والدولة. بدأت الحاجة إلى الكتاب مع نشوء حلقات القرويين، ثم اتخذت الخزانة صورتها المؤسسية في العصر المريني، وتراكم رصيدها عبر الوقف والرعاية والعلماء، حتى أصبحت من أهم خزائن المخطوطات في المغرب والغرب الإسلامي.

وقيمتها اليوم لا تقف عند حفظ الماضي. الترميم والرقمنة والفهرسة الجديدة قادرة على تحويلها إلى مختبر عالمي لدراسة تاريخ الكتاب والعلوم والمجتمع المغربي. كل ورقة تُنقذ، وكل قيد يُقرأ، وكل نسخة تُفهرس بدقة، تضيف سطراً جديداً إلى فهمنا لأنفسنا ولعلاقات المغرب بمحيطه. وبذلك تبقى خزانة القرويين ذاكرة علمية حية: شاهداً على أن المغاربة لم يكتفوا بإنتاج المعرفة، بل بنوا مؤسسات لحفظها ونقلها جيلاً بعد جيل.

المصادر والمراجع

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *