سلسلة من تاريخ المغرب | الحلقة الخامسة
حين دخل المغرب العقود الأخيرة من القرن الخامس عشر، لم يكن ينتقل من أسرة حاكمة إلى أخرى فحسب؛ كان يقف أمام تحولات أعادت رسم موازين القوة حول البحر المتوسط والمحيط الأطلسي. انتهى الحكم المريني المباشر، واستقر البرتغاليون في عدد من الثغور، واقتربت غرناطة من نهايتها، وتغيرت بعض طرق التجارة، بينما بدأت في الجنوب قوى دينية واجتماعية وسياسية جديدة تشق طريقها نحو الحكم.
وسط هذه التحولات برز بنو وطاس، وهم أسرة زناتية وثيقة الصلة ببني مرين، عرفت دواليب الدولة من داخلها قبل أن تحمل السلطنة باسمها. ولذلك لم تنشأ الدولة الوطاسية في المغرب من فراغ، ولم تكن قطيعة كاملة مع العصر المريني؛ فقد ورثت فاس ومؤسساتها، وجهازاً سياسياً تكون خلال قرون، وشبكة من العلماء والفقهاء والتجار والصناع، كما ورثت تحديات لم تجتمع للدول المغربية السابقة بالصورة نفسها.
تؤرخ أكثر الجداول السلالية المعتمدة للسلطنة الوطاسية المستقلة من سنة 1472م إلى 1554م. غير أن هذه المدة تحتاج إلى توضيح: فقد انتهى الحكم الوطاسي المتصل في فاس بدخول السعديين سنة 1549م، ثم عاد أبو حسون الوطاسي إلى فاس في مطلع سنة 1554م، بمساندة قوة عثمانية قادها صالح ريس، حاكم إيالة الجزائر العثمانية التي اتخذت من مدينة الجزائر مركزاً لها. غير أن حكمه لم يدم سوى أشهر؛ إذ قُتل في شتنبر من العام نفسه، فاستعاد السعديون فاس، وانتهت بذلك الدولة الوطاسية.
أما نفوذ بني وطاس داخل الدولة المرينية فأقدم من السلطنة المستقلة بنحو نصف قرن؛ إذ بدأت وصايتهم على السلطان المريني الصغير عبد الحق الثاني بعد أزمة سنة 1420م. وهكذا تتكون القصة من مرحلتين مختلفتين: مرحلة الوزارة والوصاية داخل الدولة المرينية، ثم مرحلة الحكم الوطاسي المستقل من فاس.
وكثيراً ما يقدم هذا العصر بوصفه فترة فاصلة بين المرينيين والسعديين، لكن اختزاله في كلمة «الانتقال» يحرمه من ملامحه الخاصة. ففي عهده ظلت فاس حاضرة للعلم والإدارة والحرف، واستقبل المغرب موجات أندلسية متتابعة، ونهضت تطوان من جديد، واستمرت الصلات عبر الصحراء، وخاضت الدولة مواجهات مع التوسع البرتغالي كان من أبرزها انتصار المعمورة سنة 1515م. لقد حكم الوطاسيون في زمن صعب، وكانت قيمة تجربتهم في قدرتهم على حفظ قدر مهم من استمرارية الحكم والمجتمع والمؤسسات وسط عالم سريع التغير.
الوطاسيون امتداد سياسي للمرحلة المرينية
في الحلقة السابقة تابعنا تاريخ الدولة المرينية في المغرب، ورأينا كيف جعل بنو مرين فاس عاصمة للحكم والعلم والعمران، وكيف أحاطوا القرويين بشبكة من المدارس والمنشآت. ولم تختف هذه البنية بزوال السلطان المريني؛ فقد انتقلت إلى العصر الوطاسي واستمرت في أداء وظائفها.
وهذا مدخل أساسي لفهم تاريخ المغرب: تتبدل الأسر الحاكمة، لكن المدن والمؤسسات والصلات الاجتماعية لا تبدأ من الصفر مع كل انتقال سياسي. كان الوطاسيون يعرفون البيئة المرينية من داخلها، لأن رجالهم مارسوا الوزارة والوصاية والإدارة، وعرفوا دواوين فاس وعلاقاتها بأعيان المدن والقبائل والجهات.
أصل بني وطاس وصلتهم ببني مرين
ينتمي بنو وطاس، مثل بني مرين، إلى زناتة الأمازيغية. ويصفهم كليفورد إدموند بوزورث في مرجعه الزمني للسلالات الإسلامية بأنهم فرع قريب من بني مرين، استقر في شمال شرق المغرب والريف، وتولى بعض رجاله مهام إدارية وعسكرية لدى أقربائهم المرينيين. وتذكر المراجع أيضاً صلتهم بحصن تازوطة في المجال الريفي، واشتغالهم ولاةً ووزراء قبل انتقالهم إلى السلطنة.
ولا تعني القرابة أن الأسرتين كانتا بيتاً سياسياً واحداً؛ فبنو وطاس حافظوا على عصبيتهم ومصالحهم، ثم اتسع نفوذهم عندما ضعفت قبضة السلاطين المرينيين. لكن هذه الصلة تفسر لماذا كان صعودهم مختلفاً عن صعود المرابطين أو الموحدين: لم يأتوا من حركة بعيدة عن العاصمة، بل نما نفوذهم داخل الدولة القائمة نفسها.
أبو زكرياء يحيى الوطاسي وبداية الوصاية
بدأ التحول الحاسم بعد اغتيال السلطان المريني أبي سعيد عثمان الثالث سنة 1420م، واعتلاء ابنه عبد الحق الثاني العرش وهو طفل. عندئذ برز أبو زكرياء يحيى بن زيان الوطاسي، والي سلا، فساند السلطان الصغير وتولى الوصاية والوزارة، ثم أصبح صاحب النفوذ الفعلي في فاس.
تجعل دراسات كثيرة سنة 1420م بداية الوصاية الوطاسية، بينما يبدأ جدول بوزورث التفصيلي مرحلة أبي زكرياء بسنة 1428م. ولا يلزم أن يكون التاريخان متناقضين تماماً؛ فالأول يؤرخ لبداية الوصاية عقب أزمة العرش، والثاني يمكن فهمه بوصفه تأريخاً لترسخ الحكم الفعلي. والأدق تحريرياً أن يقال إن نفوذ بني وطاس بدأ في عشرينيات القرن الخامس عشر، وتأكد خلال تلك المرحلة، من غير تحويل اختلاف الجداول إلى يقين مصطنع.
امتدت تجربة أبي زكرياء إلى وفاته سنة 1448م، ثم استمر رجال من أسرته في الوزارة والنفوذ. ومن أبرز محطات عهده نجاح القوات المغربية في إفشال الحملة البرتغالية على طنجة سنة 1437م وأسر الأمير فرناندو. وقد زاد ذلك من مكانة الوزير الوطاسي، وبرهن مبكراً على أن تاريخ الأسرة قبل السلطنة المستقلة تضمن أيضاً خبرة في حشد القوى لمواجهة الضغط البرتغالي.
من نهاية الوصاية إلى قيام السلطنة
استطاع السلطان المريني عبد الحق الثاني في أواخر عهده أن يتحرر من الوصاية الوطاسية، ووقعت سنة 1459م نكبة كبيرة أصابت رجال الأسرة. ثم انتهى حكم عبد الحق بمقتله في ثورة فاس سنة 1465م. ولم ينتقل العرش فوراً إلى بني وطاس؛ فقد عرفت فاس مرحلة حكم شريف إدريسي وتمزقاً سياسياً استمر إلى مطلع سبعينيات القرن الخامس عشر.
هذه السنوات مهمة لأنها تمنع رواية مبسطة تجعل الوطاسيين يخلفون المرينيين في يوم واحد. بين مقتل آخر السلاطين المرينيين واستقرار محمد الشيخ الوطاسي في فاس مرت نحو سبع سنوات من التنافس وإعادة ترتيب موازين القوى. ثم دخل محمد الشيخ المدينة سنة 1472م، فبدأت السلطنة الوطاسية المستقلة بالمعنى الدقيق.
محمد الشيخ الوطاسي وتأسيس الدولة المستقلة
يعد أبو عبد الله محمد الشيخ بن يحيى الوطاسي المؤسس الفعلي للدولة. كان من الناجين من محنة أسرته، واستفاد من خبرة بني وطاس الطويلة في الإدارة، ومن صلاتهم بفاس وأعيانها، حتى تمكن من تثبيت سلطانه في العاصمة سنة 1472م.
لم يكن دخوله فاس نهايةً لكل أشكال الانقسام في البلاد؛ فقد ظلت سلطة المركز متفاوتة بين الجهات، واستمرت قوى محلية في الجنوب والجبال والسواحل. لكن السيطرة على فاس منحت السلطان الجديد الشرعية السياسية ومفاتيح الدواوين والمال والقضاء، وأتاحت له بناء حكم استمر إلى وفاته سنة 1504م، أي أكثر من ثلاثة عقود.
كانت مدة حكم محمد الشيخ طويلة قياساً بسنوات الاضطراب السابقة، وفيها تحولت أسرة الوزراء إلى بيت سلطاني. غير أن بداية حكمه تزامنت مع خسارة أصيلة وانتقال طنجة إلى السيطرة البرتغالية سنة 1471م. وتذكر المصادر البرتغالية أن أصيلة أُخذت بهجوم عسكري، وأن سكان طنجة غادروها بعد سقوط أصيلة فدخلها البرتغاليون؛ ثم عقد محمد الشيخ هدنة في سياق سعيه إلى تثبيت فاس. لذلك لا يصح تبسيط الوقائع في عبارة توحي بأن المدينتين سُلّمتا بلا قتال، كما لا يصح تجاهل أن تثبيت الحكم الداخلي جرى تحت ضغط خارجي قاسٍ.
فاس مركز الدولة
لم يبحث الوطاسيون عن عاصمة جديدة، بل حافظوا على فاس مركزاً للسلطان. وكان الاختيار طبيعياً؛ فالمدينة لم تكن قصراً للحكم فحسب، وإنما شبكة من العلماء والقضاة والتجار والحرفيين والأسواق والخزائن والمدارس. ومن يريد تتبع مسارها الطويل يمكنه الرجوع إلى مقال تاريخ مدينة فاس.
وتصف اليونسكو مدينة فاس العتيقة بأنها بلغت ذروة بارزة في القرنين الثالث عشر والرابع عشر في العصر المريني، لكنها حافظت بعد ذلك على مكانتها الثقافية والروحية. وهذا الاستمرار هو ما يهم في العصر الوطاسي: لم يعد العمران الفاسي يبدأ من نقطة جديدة، بل واصل أداء وظائف تراكمت عبر أجيال.
سلاطين الدولة الوطاسية في المغرب: التسلسل الدقيق
تختلف القوائم المختصرة أحياناً لأنها تسقط أصحاب العهود القصيرة أو تدمج فترة الوصاية في حكم سلطان آخر. ويتيح مرجع بوزورث، مع مقارنته بكتاب أوغست كور ودراسة جميل أبو النصر، ترتيب الحكام على النحو الآتي:
| الحاكم | مدة الحكم أو وضعه السياسي | ملاحظة توضيحية |
| أبو عبد الله محمد الشيخ بن يحيى | 1472–1504م | مؤسس السلطنة الوطاسية المستقلة في فاس. |
| أبو عبد الله محمد البرتقالي بن محمد | 1504–1526م | ابن المؤسس، وارتبط عهده بذروة الضغط البرتغالي وواقعة المعمورة. |
| أبو الحسن علي، المعروف بأبي حسون | 1526م | ظهر سلطاناً منافساً أو مطالباً بالحكم لفترة وجيزة؛ وهو نفسه الذي عاد إلى فاس سنة 1554م. |
| أبو العباس أحمد بن محمد | 1526–1545م | حكم حتى أسره السعديون. |
| ناصر الدين محمد القصري بن أحمد | 1545–1547م | ابن أبي العباس أحمد؛ تولى في ظل وصاية عمه أبي حسون. |
| أبو العباس أحمد بن محمد، للمرة الثانية | 1547–1549م | عاد إلى الحكم بعد إطلاقه، وانتهى عهده بدخول السعديين فاس سنة 1549م. |
| أبو الحسن علي أبو حسون، للمرة الثانية | 1554م | عاد بمساندة قوات صالح ريس، وحكم فاس أشهراً قبل مقتله وانتهاء الدولة. |
يفسر هذا الجدول سبب الاضطراب في بعض المقالات العامة: فأبو حسون ليس شخصين مختلفين، بل هو علي بن محمد الوطاسي الذي نافس على الحكم سنة 1526م، ثم صار وصياً على ناصر الدين القصري، ثم قاد آخر محاولة وطاسية سنة 1554م. كما أن أبا العباس أحمد حكم على فترتين فصل بينهما أسرُه وحكمُ ابنه تحت الوصاية.
المغرب في زمن شديد التحول
لم يتسلم الوطاسيون مغرب القرن الثالث عشر الذي عرفه المرينيون في بداية صعودهم. كان المشهد المتوسطي والأطلسي قد تغير، وبدأت أدوات الحرب والاتصال والاقتصاد تتبدل بسرعة.
ففي الشمال ثبتت قواعد برتغالية على الساحل، وفي شبه الجزيرة الإيبيرية كانت غرناطة تتراجع، وعلى المحيط كان البرتغاليون يتوسعون جنوباً ثم يتجهون حول إفريقيا إلى المحيط الهندي. وفي الشرق أخذ الوجود العثماني في الجزائر يتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة. أما داخل المغرب فكانت سلطة فاس تتعامل مع جهات لا تخضع لها دائماً بالدرجة نفسها، ومع شبكات قبلية ومدينية ومحلية لها حساباتها الخاصة.
هذا السياق لا يعفي أي دولة من مسؤولية اختياراتها، لكنه يفسر لماذا لا تكفي أوصاف عامة من قبيل «القوة» و«الضعف». كان الوطاسيون يحكمون بأدوات دولة متأخرة من العصور الوسطى في عالم يدخل زمناً جديداً تحكمه الأساطيل البعيدة المدى والمدفعية والحصون الساحلية وشبكات التجارة الأطلسية.
الوجود البرتغالي على السواحل المغربية
يشغل الوجود البرتغالي مساحة واسعة في تاريخ العصر الوطاسي، لكنه بدأ قبل قيام السلطنة المستقلة بوقت طويل. ومن الضروري ترتيب محطاته وعدم جمعها في موجة واحدة.
من سبتة إلى طنجة وأصيلة
استولى البرتغاليون على سبتة سنة 1415م في أواخر العهد المريني، وكانت الواقعة بداية وجودهم العسكري الدائم على ساحل المغرب. ثم أخذوا القصر الصغير سنة 1458م، قبل قيام السلطنة الوطاسية المستقلة أيضاً. وفي سنة 1471م سقطت أصيلة بعد هجوم عسكري، ثم أخليت طنجة ودخلها البرتغاليون بعد أيام.
تؤكد الموسوعة الأكاديمية للتوسع البرتغالي هذا الترتيب: سبتة أولاً، ثم القصر الصغير، فأصيلة وطنجة. كما تبين أن نفوذ هذه المواقع لم يكن سيطرة متصلة على شمال المغرب كله؛ فقد كانت في الأساس مراكز محصنة تعتمد على الإمداد البحري، ويتفاوت أثرها خارج الأسوار بحسب الظروف والتحالفات المحلية.
وكانت الخسائر قاسية سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، لكن المقاومة المغربية لم تتوقف. فقبل السلطنة الوطاسية المستقلة هُزمت الحملة البرتغالية على طنجة سنة 1437م، وفي العهد الوطاسي استمرت محاولات الضغط على أصيلة وطنجة، وإن لم تنجح في استعادتهما.
آسفي وأزمور والمراكز الأطلسية
في مطلع القرن السادس عشر تحول جانب كبير من المشروع البرتغالي إلى الساحل الأطلسي الأوسط والجنوبي. وهنا ينبغي التمييز بين التجارة أو دفع الإتاوة أو التبعية المتقلبة من جهة، والاحتلال العسكري المباشر من جهة أخرى.
دخلت آسفي تحت السيطرة البرتغالية المباشرة سنة 1508م، لا سنة 1488م كما تذكر بعض القوائم التي تخلط بين بدايات النفوذ التجاري والسياسي وبين الاستيلاء العسكري. ثم أخذ البرتغاليون أزمور سنة 1513م، وأنشؤوا أو دعموا قواعد في مواضع أخرى، منها سانتا كروز دو كابو دي غي في موقع أكادير منذ مطلع القرن السادس عشر، وقلعة مازاغان في الجديدة ابتداء من سنة 1514م تقريباً.
وتظهر دراسة منشورة في International Journal of Middle East Studies عن دكالة وسوس أن مدناً مثل آسفي كانت تتمتع قبل الاحتلال بهامش واسع من الاستقلال عن فاس، وأن التوسع البرتغالي اعتمد، إلى جانب القوة، على اتفاقات مع بعض الزعامات المحلية وشبكات تجارية ومناطق نفوذ غير مستقرة. لذلك لا ينبغي رسم خريطة حديثة ذات حدود صلبة فوق واقع القرن السادس عشر؛ فالسلطة كانت تتدرج، والتحالفات تتغير، والحصن الساحلي لا يعني حكماً كاملاً للداخل.
ماذا استطاع الوطاسيون أن يفعلوا؟
لم يكن الرد المغربي واحداً في كل مكان. شاركت قوات سلطانية، وقوى قبلية ومحلية، ومدن، وقيادات من الشمال والغرب في مقاومة المواقع أو مهاجمة محيطها أو قطع امتدادها إلى الداخل. وفي أوقات أخرى لجأ السلاطين إلى الهدن والمفاوضات وتبادل الأسرى، لأن الحرب البحرية والحصارية كانت مكلفة، ولأن الدولة تواجه خصوماً ومنافسين داخل البلاد أيضاً.
تلك السياسة المركبة لا تسمح بوصف الوطاسيين بأنهم وقفوا دائماً موقف المتفرج، ولا بتقديمهم في صورة دولة تمكنت من طرد البرتغاليين من جميع المواقع. الحقيقة بين الطرفين: خسر المغرب ثغوراً مهمة، لكنه منع تحويل شبكة الحصون إلى سيطرة برتغالية مستقرة على البلاد، وحقق انتصارات أوقفت مشروعات خطرة.
واقعة المعمورة سنة 1515م: انتصار بالمدفعية والحصار
أوضح الأمثلة هو ما وقع في المعمورة عند مصب نهر سبو، قرب المهدية الحالية، سنة 1515م. أرسل الملك البرتغالي مانويل الأول حملة بقيادة أنطونيو دي نورونيا لإنشاء حصن وقاعدة عند المصب. وتذكر دراسة متخصصة في التنظيم العسكري البرتغالي أن الحملة غادرت لشبونة بنحو ثمانية آلاف رجل ومئتي سفينة. وتوجد في بعض المراجع أرقام أخرى، لذلك فالأفضل اعتماد هذه الأرقام بوصفها تقديراً موثقاً لا رقماً نهائياً لا يقبل النقاش.
كان اختيار الموقع خطراً على فاس، لأن قاعدة ثابتة عند سبو يمكن أن تفتح منفذاً إلى منطقة الغرب وتدعم التقدم نحو الداخل. تحرك السلطان محمد البرتقالي، وشارك أخوه مولاي الناصر في تطويق الموقع. وركزت المدفعية المغربية نيرانها على التحصين وعلى السفن في المصب، مستفيدة من صعوبة الملاحة وحركة المد والجزر.
انتهت العملية بانسحاب برتغالي مضطرب وخسائر كبيرة في الرجال والسفن والعتاد. وتقدر بعض الدراسات الخسائر بنحو أربعة آلاف شخص ومئة سفينة، لكن أرقام القتلى والقطع المفقودة آتية في جانب منها من روايات عسكرية ويجب التعامل معها بوصفها تقديرات. أما النتيجة الثابتة فهي فشل بناء القاعدة وإجلاء الحملة وانتصار القوات المغربية.
وتكمن أهمية المعمورة في ثلاثة أمور: أنها منعت إقامة قاعدة استراتيجية على الطريق النهري المؤدي إلى عمق البلاد، وأثبتت أن الجيش الوطاسي امتلك مدفعية قادرة على التأثير في حصن وسفن، وأظهرت أن التفوق البحري البرتغالي لم يكن ضماناً للنجاح على الأرض المغربية. ولهذا تستحق الواقعة مكانها في قلب تاريخ الدولة، لا في هامشه.
محمد البرتقالي: سلطان عاش زمن الضغط الأطلسي
بعد وفاة محمد الشيخ سنة 1504م تولى ابنه أبو عبد الله محمد الثاني، المعروف بمحمد البرتقالي، وحكم إلى سنة 1526م. وترجع شهرته بهذا اللقب إلى أسره في صغره لدى البرتغاليين وإقامته بينهم سنوات قبل عودته إلى المغرب.
كان عهده في قلب المرحلة التي بلغت فيها الضغوط البرتغالية ذروة كبيرة، ولا سيما بين 1505م و1515م. ففي هذه السنوات ثبت البرتغاليون مواقع على الساحل الأطلسي، وسعوا إلى ربط الحصون بالمبادلات والولاءات المحلية. وفي المقابل خاض السلطان محاولات عسكرية وضغوطاً على بعض المواقع، وحقق الانتصار الأبرز في المعمورة.
ومن الخطأ أن يجعل لقبه أو تجربة أسره دليلاً آلياً على اتجاه سياسي ثابت نحو البرتغال. لقد جمع حكمه بين المواجهة والتفاوض، وهي سمة شائعة في علاقات القوى المتحاربة آنذاك؛ فالحرب والهدنة والتجارة وتبادل الأسرى كانت تجري أحياناً في الوقت نفسه.
كما كان بلاطه جزءاً من شبكة دبلوماسية ومعرفية أوسع، وارتبط به الحسن الوزان الذي أصبح لاحقاً من أشهر من وصفوا مدن شمال إفريقيا وغربها في الكتابة الأوروبية.
فاس الوطاسية: العلم والقضاء والحرف
لم تتوقف الحياة العلمية في فاس بانتهاء العصر المريني. بقيت حلقات الدرس والمدارس والخزائن والبيوت العلمية جزءاً من بنية المدينة، واستمر التفاعل بين الفقه والقضاء والتوثيق والتجارة.
جامع القرويين واستمرار المؤسسة العلمية
ظل جامع القرويين مركزاً للتدريس والفتوى، محاطاً بالمدارس التي شيدها المرينيون وبخزائن الكتب والأوقاف. ولم يكن هذا الاستمرار مجرد أثر من عصر سابق؛ فقد واصل العلماء والطلبة والنساخ والقضاة استعمال المؤسسة وإنتاج المعرفة داخلها في الزمن الوطاسي.
والدقة تقتضي التمييز بين الجامع الذي تأسس في القرن التاسع الميلادي، والخزانة المنظمة التي اتخذت صورتها المؤسسية في العصر المريني ثم استمرت في العصور اللاحقة. ويعرض مقال خزانة القرويين بفاس هذا المسار بتفصيل أوسع.
أحمد الونشريسي وكتاب «المعيار»
من أبرز علماء المرحلة أبو العباس أحمد بن يحيى الونشريسي، المولود نحو سنة 1430م والمتوفى في فاس سنة 1508م. نشأ وتعلم في تلمسان، ثم انتقل إلى فاس سنة 1469م تقريباً، أي قبل استقرار السلطنة الوطاسية بقليل، ودرّس الفقه المالكي فيها وأصبح من كبار فقهائها.
ألّف الونشريسي في فاس كتابه الضخم «المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب»، وهو مجموعة واسعة حفظت فتاوى ووثائق ومسائل من الغرب الإسلامي. وتشير مكتبة الكونغرس في تعريفها بأعماله إلى أن انتقاله إلى فاس أتاح له مواصلة بحثه وتأليف «المعيار».
تكشف سيرة الونشريسي عن حيوية الوسط العلمي الفاسي: خزائن عامة وخاصة، ومدارس للتدريس، وعلماء يتبادلون النصوص، وحاجة اجتماعية وقضائية إلى جمع الفتاوى. كما تكشف فتاواه المتعلقة بمسلمي الأندلس تحت الحكم المسيحي عن أن سقوط المدن الأندلسية لم يكن حدثاً بعيداً عن علماء فاس، بل مسألة حاضرة في أسئلتهم وأحكامهم.
الأسواق والحرف والنقد
استمرت فاس في صناعات الجلود والنسيج والنحاس والوراقة والأغذية وغيرها. ولم تكن الحرف هامشاً إلى جانب السياسة؛ فقد وفرت للمدينة مواردها وطبقاتها المهنية وشبكاتها التجارية، وحملت الخبرة بين الأسر والورش والأحياء.
واستمر الوطاسيون في سك النقود، وتعرف مجموعات المسكوكات دراهم فضية مربعة وأنصاف دراهم تحمل أسماء عدد من حكامهم. ولا تثبت النقود رخاءً شاملاً بمفردها، لكنها دليل مادي على ممارسة وظائف السلطان: ضرب العملة، وإعلان الاسم واللقب، وربط الأسواق بمركز الحكم.
سقوط غرناطة وانتقال الأندلسيين إلى المغرب
انتهى الحكم الإسلامي في غرناطة في 2 يناير 1492م، ثم صدرت في السنة نفسها قرارات طرد اليهود من مملكتي قشتالة وأراغون. أما انتقال المسلمين الأندلسيين إلى المغرب فلم يكن موجة واحدة وقعت كلها في ذلك اليوم؛ فقد بدأت الهجرة قبل سقوط غرناطة مع تقدم الحرب، ثم تواصلت بعد 1492م، واشتدت مع سياسات التنصير القسري في مطلع القرن السادس عشر، وتبعتها موجات موريسكية لاحقة.
هذا التمييز ضروري حتى لا نخلط بين الأندلسيين الذين غادروا خلال حرب غرناطة، واللاجئين بعد سقوطها، والموريسكيين الذين وصلوا في فترات متأخرة. وفي جميع الأحوال استقبل المغرب مسلمين ويهوداً أندلسيين، واستقرت أسر كثيرة في فاس وتطوان وشفشاون ومدن أخرى.
فاس تستقبل الأسر والعلماء والصناع
وجد القادمون إلى فاس مدينة ذات مؤسسات وأسواق وحرف وخزائن. دخل بعضهم في التجارة والصناعة، والتحق آخرون بالتعليم والقضاء والكتابة، وحملت أسرهم لغات وخبرات وعادات حضرية من مدن الأندلس.
لا تسمح المصادر بإحصاء دقيق شامل لأعداد الوافدين إلى فاس أو بحصر الأثر في مهنة بعينها، لذلك من الأفضل تجنب الأرقام الكبيرة غير الموثقة. لكن توسع الجماعات الأندلسية واليهودية السفاردية في المغرب بعد 1492م ثابت في الدراسات، وكذلك حضورها في اقتصاد المدن وثقافتها وعمرانها.
إعادة بناء تطوان وحضور علي المنظري
تقدم تطوان أوضح نموذج على إعادة التشكيل الأندلسي لمدينة مغربية في أواخر القرن الخامس عشر. كانت المدينة قد تعرضت للخراب في القرن السابق، ثم أعاد بناءها وتحصينها القائد الغرناطي أبو الحسن علي المنظري ومعه جماعات قدمت من الأندلس، وبدأ ذلك قبل سقوط غرناطة النهائي أو في السنوات القريبة منه.
وتؤكد اليونسكو في ملف مدينة تطوان أثر الحضارة الأندلسية في تخطيط المدينة وعمارتها وفنونها. ولم تكن إعادة البناء مجرد نقل شكل معماري؛ كانت تأسيساً لمجتمع حضري يضم تجاراً وصناعاً وعائلات مسلمة ويهودية، ويعيش في صلة دائمة بالمضيق ومدن الشمال.
حافظت تطوان على قدر من الاستقلال المحلي وتفاوضت مع السلطة الوطاسية، كما شاركت في مقاومة المواقع الإيبيرية القريبة. ومن ثم فإن نهضتها في هذا العصر تجمع بين الهجرة والعمران والحرفة والدفاع عن المجال الساحلي.
أثر الهجرة في الحرف والعمران والحياة العلمية
أسهم القادمون الأندلسيون في تطوير بعض الصناعات الدقيقة، وطرائق البناء وتنظيم البيوت والأحياء، والموسيقى والعادات الحضرية، وشبكات التجارة عبر المضيق. كما أضاف العلماء والكتاب والفقهاء إلى البيئة العلمية في فاس وتطوان وغيرها.
لكن الأثر لم يكن طريقاً في اتجاه واحد؛ فقد اندمج الوافدون في مجتمع مغربي قائم، وتعلموا من مؤسساته وتفاعلوا مع سكان المدن والقبائل المحيطة. والأدق وصف النتيجة بأنها صياغة مغربية أندلسية جديدة، لا نسخة من الأندلس منقولة بحذافيرها.
الحسن الوزان: فاسي التعليم ورحالة بين عوالم متعددة
من أشهر أبناء هذه البيئة الحسن بن محمد الوزان، المعروف في المصادر الأوروبية باسم ليون الإفريقي. ولد في غرناطة على الأرجح في أواخر ثمانينيات القرن الخامس عشر أو مطلع تسعينياته، وانتقلت أسرته إلى المغرب وهو صغير، فنشأ في فاس وتلقى تعليمه فيها.
ارتبط الوزان ببلاط السلطان محمد البرتقالي، وشارك في أسفار ومهام سياسية وتجارية عبر شمال إفريقيا ومصر وبلاد السودان. ثم أسره قراصنة مسيحيون سنة 1518م وهو عائد عبر البحر المتوسط، ووصل إلى روما، حيث كتب لاحقاً وصفاً لإفريقيا صار واسع الانتشار في أوروبا.
ما الثابت في رحلات تمبكتو وغاو؟
تقدم ناتالي زيمون ديفيس في كتابها Trickster Travels إعادة بناء دقيقة لحياة الوزان من نصوصه وآثار مرحلته. وترجح أنه صحب عمه في رحلة ذات صلة بخدمة سلطان فاس، ووصل إلى مدن في دولة صنغاي، من بينها تمبكتو وغاو. كما تكشف كتاباته معرفة مباشرة أو قريبة بطرق التجارة والمجتمعات الواقعة جنوب الصحراء.
ومع ذلك لا توجد بين أيدينا وثيقة تعيين مستقلة تسجل كل محطة ووظيفة بالتفصيل. لذلك من الآمن القول إن الوزان ارتبط بخدمة البلاط الوطاسي وشارك في مهام وأسفار، وإنه زار تمبكتو وغاو بحسب روايته وإعادة بناء الباحثين، من غير تحويل كل رحلة ذكرها إلى سفارة رسمية مؤكدة.
فاس بوابة إلى إفريقيا لا مدينة منعزلة
تكشف حياة الوزان أن فاس لم تكن محصورة في أفق البحر المتوسط. فالطرق التي قادت إلى سجلماسة ودرعة ثم إلى بلاد السودان حملت التجار والكتب والأخبار والرسل. وكانت الروابط مع إفريقيا جنوب الصحراء تجارية وعلمية ودينية وسياسية بدرجات متفاوتة، لا «سياسة إفريقية» موحدة بالمفهوم الحديث.
لقد دوّن الوزان، بعد انتقاله القسري إلى إيطاليا، معرفة اكتسب جانباً منها في فاس وأسفاره. وهكذا أصبح واحداً من أشهر الوسطاء المعرفيين بين إفريقيا وأوروبا في مطلع العصر الحديث، وكانت المدينة الوطاسية جزءاً أساسياً من تكوينه.
العلاقات الخارجية: شبكة مصالح لا محاور حديثة
لا يصح إسقاط مفاهيم الدولة القومية والتحالفات الدائمة في زمننا على القرن الخامس عشر والسادس عشر. كانت العلاقات الخارجية الوطاسية مزيجاً من المراسلات والهدن والتجارة وتبادل الأسرى والبعثات والبحث عن توازنات مؤقتة.
البرتغال والقوى الإيبيرية
كانت البرتغال الخصم العسكري الأكبر على السواحل المغربية، لكنها كانت أيضاً طرفاً في الهدن والمفاوضات والتجارة. وفي الجهة الإيبيرية الأخرى توسعت قشتالة ثم الملكية الإسبانية، واستولت على مليلية سنة 1497م. كما فرض سقوط غرناطة واقعاً جديداً أنهى وجود دولة إسلامية حليفة أو شريكة على الضفة الشمالية.
لم يكن موقف فاس من هذه القوى ثابتاً في صورة حرب متصلة أو سلم دائم؛ فقد حاول السلاطين كسب الوقت، وفك الأسرى، ومنع تقارب خصومهم، واستعمال المفاوضات حين تضيق القدرة العسكرية. وتلك ممارسات دولة تبحث عن هامش حركة في ظرف غير متكافئ، لا دليلاً وحده على الخضوع أو القوة.
إفريقيا جنوب الصحراء
استمرت القوافل بين المغرب وبلاد السودان رغم تحول بعض طرق التجارة وصعوبة إخضاع الصحراء لسلطة مركزية مباشرة. وتدل رحلة الوزان وشبكات التجار على استمرار الاتصال بتمبكتو وغاو وغيرها. لكن لا ينبغي الادعاء بأن الوطاسيين سيطروا سياسياً على تلك البلاد؛ كانت الصلات في الغالب تجارية ومعرفية ودبلوماسية، تمر عبر وسطاء ومدن وواحات متعددة.
العثمانيون في الجزائر
في العقود الأولى من القرن السادس عشر ظهر في الجزائر نظام سياسي وعسكري مرتبط بالدولة العثمانية. وفي البداية كان تأثيره على فاس غير مباشر، ثم صار عاملاً حاسماً في السنوات الأخيرة للصراع الوطاسي السعدي.
بحث أبو حسون عن دعم من حكام الجزائر، وأبدى اعترافاً بالسلطان العثماني طلباً للمساندة. لكن هذا الارتباط لم يحول المغرب إلى إيالة عثمانية مستقرة، ولم ينشئ إدارة عثمانية دائمة في فاس. كانت مساعدة سنة 1554م تدخلاً عسكرياً لإعادة حليف محلي وإضعاف السعديين، ثم انسحبت القوة الأساسية بعد مدة قصيرة.
صعود السعديين في سوس ودرعة
في أوائل القرن السادس عشر بدأت قوة جديدة تتشكل في جنوب المغرب. كان السعديون أسرة شريفة ذات جذور في درعة، ثم برزت قيادتها في سوس عندما دعت قوى محلية وزعامات دينية أبا عبد الله القائم إلى قيادة المقاومة ضد المواقع البرتغالية.
وتؤرخ جداول بوزورث لبداية سلطان أبي عبد الله القائم في سوس بسنة 1510م. ثم تولى ابناه أحمد الأعرج ومحمد الشيخ توسيع النفوذ، وربطا مقاومة البرتغاليين ببناء سلطة جنوبية منظمة.
دخول مراكش سنة 1524م
دخل السعديون مراكش سنة 1524م واتخذوها مركزاً لهم. وترد سنة 1523م في بعض المراجع بسبب تحويل السنوات الهجرية أو اختلاف تأريخ مراحل السيطرة، لكن سنة 1524م هي الأشيع في المراجع السلالية الحديثة، ومنها بوزورث.
منذ ذلك الحين أصبح في المغرب مركزان كبيران: فاس تحت الوطاسيين، ومراكش والجنوب تحت السعديين. ولم تكن الحدود بينهما خطاً حديثاً ثابتاً؛ فقد تحرك النفوذ بحسب ولاءات القبائل والمدن ونتائج الحملات.
من المنافسة إلى هدنة تادلة
أدى الاحتكاك إلى مواجهة عسكرية ثم إلى اتفاق في تادلة سنة 1527م، اعترف عملياً بمجال سعدي في سوس ومراكش وبقاء فاس والشمال في يد الوطاسيين. منحت الهدنة الطرفين وقتاً لترتيب أوضاعهما، وأتاحت للسعديين التركيز على المواقع البرتغالية في الجنوب.
ثم حقق السعديون نصراً مهماً باستعادة أكادير سنة 1541م، وأخلت البرتغال بعده آسفي وأزمور. رفع ذلك مكانة السعديين وزاد قدرتهم على منافسة فاس، لكنه لا يلغي مقاومة الوطاسيين السابقة ولا انتصار المعمورة؛ بل يبين انتقال مركز الثقل العسكري تدريجياً من فاس إلى الجنوب.
أبو العباس أحمد والسنوات المضطربة من 1526م إلى 1549م
بعد وفاة محمد البرتقالي سنة 1526م ظهر أخوه أبو الحسن علي أبو حسون منافساً لفترة وجيزة، ثم استقر الحكم لأبي العباس أحمد بن محمد. وقد واجه أحمد وضعاً أكثر تعقيداً من عهد جده؛ فالسعديون صاروا قوة منظمة، والبرتغاليون ثبتوا عدداً من مواقعهم، والأسلحة النارية أصبحت أكثر حضوراً في الحروب.
لم تنه المنافسة بين فاس ومراكش الحياة الطبيعية في كل مكان. بقيت الأسواق تعمل، واستمرت مؤسسات فاس، وحافظ الوطاسيون على ولاءات مهمة في الشمال. كما تكشف مقاومة قطاعات من أهل فاس لدخول السعديين أن صلة المدينة بالبيت الوطاسي لم تكن مجرد تبعية لقصر، بل ارتبطت باستمرار نظام عرفه الناس خلال عقود.
أسر السلطان أحمد وحكم ناصر الدين القصري
في سنة 1545م نجح السعديون في أسر السلطان أبي العباس أحمد خلال حملة في وسط البلاد. عندئذ تولى ابنه ناصر الدين محمد القصري، وكان صغير السن، تحت وصاية عمه أبي حسون.
استمر هذا الوضع إلى سنة 1547م، حين أطلق السعديون السلطان أحمد فعاد إلى فاس وتولى الحكم مرة ثانية. وتفيد هذه المرحلة بأن الحكم الوطاسي لم ينتقل في خط مستقيم من أحمد إلى أبي حسون؛ فقد وقع بينهما حكم ناصر الدين القصري وعودة أحمد، وهو ما تسقطه بعض القوائم المختصرة.
عودة أحمد ثم اقتراب السعديين من فاس
حكم أبو العباس أحمد للمرة الثانية من 1547م إلى 1549م. لكن موازين القوى كانت قد مالت لمصلحة محمد الشيخ السعدي، الذي وحد القيادة في مراكش بعد إقصاء أخيه أحمد الأعرج، ثم توجه شمالاً.
كانت فاس هدفاً عسكرياً ورمزياً معاً. فامتلاكها يعني الانتقال من قوة جنوبية إلى سلطان يطالب بحكم المغرب. ومع ذلك لم يكن دخولها سهلاً؛ فقد احتاج السعديون إلى حملة وحصار ومفاوضات مع القوى المدينية، ثم تمكنوا من الاستيلاء عليها سنة 1549م.
من دخول السعديين فاس إلى عودة أبي حسون من 1549م إلى 1554م
تمثل السنوات الخمس الأخيرة أكثر مراحل التاريخ الوطاسي عرضة للخلط. ففيها تبدلت السلطة في فاس مرتين، وتدخلت قوات من الجزائر، وانتهت الدولة نهائياً.
سنة 1549م: نهاية الحكم الوطاسي المتصل
دخل محمد الشيخ السعدي فاس سنة 1549م، وهي السنة التي يعتمدها بوزورث وجميل أبو النصر وجمهور من الدراسات الحديثة. وتذكر بعض الكتابات سنة 1550م، إما لأنها تؤرخ لاستكمال السيطرة على المجال المحيط أو بسبب اختلاف تحويل السنة الهجرية، لكن التأريخ الأقوى لدخول المدينة هو 1549م.
بهذا الحدث انتهى حكم أبي العباس أحمد الثاني، وتوقف السلطان الوطاسي المتصل في العاصمة. ولم تصبح جميع الجهات هادئة دفعة واحدة؛ فقد بقي للوطاسيين أنصار، كما اتجه أبو حسون إلى الخارج بحثاً عن قوة تعيده إلى فاس.
أبو حسون وصالح ريس: طبيعة المساندة القادمة من الجزائر
كان صالح ريس حاكم الجزائر في إطار السيادة العثمانية، وقاد سنة 1554م حملة غرباً دعمت أبا حسون. ولهذا فعبارة «قوات عثمانية» صحيحة من حيث الانتماء السياسي العام، لكنها تحتاج إلى شرح: القوة جاءت عملياً من الجزائر، وضمت عناصر عسكرية مختلفة، ولم تصل من إسطنبول لإقامة إدارة عثمانية دائمة في المغرب.
هزمت الحملة القوات السعدية في طريقها، ودخلت فاس في يناير 1554م، فعاد أبو حسون إلى السلطان. وتصف بعض المصادر علاقته بالعثمانيين بالتبعية، بينما تركز أخرى على كونها اتفاق مساعدة عسكرية مقابل الاعتراف السياسي والمكافآت. الثابت أنه طلب دعمهم وقبل سيادة اسمية للسلطان العثماني، لكن وجودهم المباشر في فاس كان قصيراً، ولم تتحول البلاد إلى ولاية عثمانية.
وبعد انسحاب القسم الأكبر من قوات صالح ريس، بقي أبو حسون مع أنصاره يحاول تثبيت حكمه. وتكشف عودته أن للبيت الوطاسي قاعدة من الولاء داخل فاس، لكنها تكشف أيضاً أن استعادة المدينة لم تعد ممكنة بموارده المحلية وحدها.
شتنبر 1554م: النهاية الدقيقة للدولة
أعاد محمد الشيخ السعدي تنظيم قواته وتقدم نحو الشمال. وفي شتنبر 1554م دارت المواجهة الحاسمة في تادلة، فهُزم أبو حسون وقُتل. ثم دخل السعديون فاس من جديد، وانتهت آخر محاولة وطاسية للحكم.
تختلف بعض الروايات في تحديد يوم المعركة أو يوم الدخول النهائي إلى فاس، فتذكر أياماً مختلفة من شتنبر. ولذلك يكفي الجزم بالشهر والسنة ما لم نعتمد وثيقة معاصرة تفصل بين يوم القتال ويوم دخول المدينة. أما النتيجة فلا خلاف جوهري فيها: مقتل أبي حسون، وانتهاء الدولة الوطاسية سنة 1554م، واستقرار السلطان السعدي في فاس.
ولا يعني دعم الجزائر لأبي حسون أن نهاية الوطاسيين كانت «فتحاً عثمانياً» للمغرب، كما لا ينبغي تجاهل أثر التدخل. كانت الواقعة صراعاً مغربياً على السلطان دخلت فيه قوة إقليمية كبرى لمصلحة أحد الطرفين، ثم خرجت قبل استقرار حكم دائم.
الاقتصاد والمجتمع في زمن التحول
أثرت الحروب وتعدد مراكز السلطة في التجارة والزراعة والجباية، ولا سيما في الجهات الواقعة بين فاس ومراكش وعلى السواحل. كما حولت الملاحة الأطلسية بعض المسالك التجارية التي ازدهرت في قرون سابقة. لكن الحديث عن انهيار شامل لا تدعمه صورة المدن والأسواق والنقود.
ظلت فاس مركزاً للصناعة والتبادل، واستمرت القوافل بين الشمال والجنوب، وعملت الموانئ حتى تحت أشكال سيادة متنازعة. وكانت بعض المدن الساحلية تفاوض السلطان والبرتغاليين والقوى المحلية في وقت واحد، وهو ما يكشف اقتصاداً يتحرك داخل السياسة ولا ينتظر استقرارها الكامل.
كما أن الهجرة الأندلسية أضافت مهارات وشبكات جديدة، ونمت تطوان بوصفها مدينة تجارية وحرفية، وواصلت فاس جذب الطلاب والعلماء. هذه الاستمرارية الاجتماعية لا تلغي الضغوط، لكنها تمنع وصف ثمانين سنة من التاريخ بأنها فراغ بين دولتين.
ماذا أضاف الوطاسيون إلى تاريخ المغرب؟
لا تقاس قيمة دولة بعدد القصور والمنشآت الكبرى وحدها. وقد يكون العمران الوطاسي أقل ظهوراً من العمران المريني، لكن الأسرة أدت أدواراً تركت أثرها في مسار المغرب.
حافظوا على مركز السلطان في فاس
بعد أزمة 1465م وسنوات التنافس، أعاد محمد الشيخ تثبيت سلطة في فاس استمرت عقوداً. وكان بقاء مركز حكم مغربي قائماً مهماً في وقت ثبتت فيه قوى إيبيرية على السواحل وتعددت السلطات المحلية.
أبقوا المؤسسات العلمية والحضرية حية
استمر القرويون والتدريس والقضاء والوراقة والخزائن والأسواق. وفي فاس الوطاسية ألف الونشريسي «المعيار»، ونشأ الحسن الوزان في بيئة علمية وإدارية أهلته للأسفار والكتابة.
قاوموا مشروعات برتغالية خطرة
لم يستعيدوا كل الثغور، لكنهم لم يتركوا التوسع البرتغالي يتحول إلى سيطرة سهلة على الداخل. ويظل انتصار المعمورة سنة 1515م أوضح دليل على قدرتهم على الحشد واستعمال المدفعية وإفشال مشروع قاعدة استراتيجية.
استوعب المغرب في عهدهم موجات أندلسية متتابعة
وجد القادمون من الأندلس موطناً جديداً في مدن المغرب، وأسهموا في العمران والحرف والتجارة والعلم. وكانت إعادة بناء تطوان واحدة من أبرز نتائج هذا الانتقال البشري والثقافي.
حافظوا على صلات المغرب الإفريقية
تكشف طرق القوافل وحياة الحسن الوزان أن فاس بقيت متصلة ببلاد السودان. لم تكن تلك الصلات سيطرة سياسية، لكنها كانت امتداداً تجارياً ومعرفياً ودبلوماسياً مهماً.
عبروا بالمغرب عتبة العصر الحديث
بدأ الوطاسيون سلطانهم في أواخر العصر الوسيط، وانتهى حكمهم والمغرب داخل عالم المدافع والأساطيل الأطلسية والإمبراطوريات الإيبيرية والضغط العثماني. وكانت دولتهم حلقة حقيقية في انتقال مؤسسات الحكم المغربي من زمن إلى آخر.
خاتمة: دولة حكمت بين أمواج متعارضة
ليس من الإنصاف أن نتذكر الدولة الوطاسية في المغرب لأنها جاءت بعد المرينيين وقبل السعديين فحسب. كانت لها قصتها الخاصة: أسرة زناتية قريبة من بني مرين، بدأت بالوزارة والوصاية في عشرينيات القرن الخامس عشر، ثم أقامت سلطنة مستقلة في فاس سنة 1472م.
حافظ الوطاسيون على عاصمة ذات وزن علمي واقتصادي، وتعاملوا مع عالم يتغير حولهم بسرعة. واجهوا قواعد برتغالية تعتمد على البحر والمدفعية، وحققوا انتصاراً بارزاً في المعمورة، واستوعبت مدن المغرب في عصرهم موجات أندلسية حملت معها خبرات جديدة، وظلت فاس جسراً بين المغرب والأندلس وإفريقيا.
لم تكن سنواتهم خالية من الخسائر أو الانقسامات، ولم تكن سلطتهم متساوية في كل البلاد. لكن الحكم التاريخي الناضج لا يختزل التجربة في نهايتها. لقد حكموا في ظرف إقليمي ودولي بالغ الصعوبة، وحافظوا، ضمن حدود قدرتهم، على قدر مهم من الاستمرارية السياسية والعلمية والحضرية.
وعندما انتهى الحكم الوطاسي سنة 1554م، انتقلت القيادة إلى الدولة السعدية التي نمت في درعة وسوس، وجعلت مراكش مركزاً لها، ثم دخلت فاس ووحدت قسماً كبيراً من المجال المغربي. ومن هنا تبدأ الحلقة السادسة: الدولة السعدية في المغرب؛ من مقاومة المواقع البرتغالية إلى معركة وادي المخازن وعصر أحمد المنصور الذهبي.
المصادر والمراجع الأساسية
- Jamil M. Abun-Nasr, A History of the Maghrib in the Islamic Period, Cambridge University Press, 1987، ولا سيما الفصل الخاص بالمغرب في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
- C. E. Bosworth, The New Islamic Dynasties: A Chronological and Genealogical Manual, Columbia University Press / Edinburgh University Press, 1996، ص 48–49 في ترتيب بني وطاس.
- Auguste Cour, La dynastie marocaine des Beni Wattâs, 1420–1554, Constantine, 1920.
- A. R. Disney, A History of Portugal and the Portuguese Empire, Cambridge University Press, 2009، الجزء الخاص بالإمبراطورية البرتغالية وشمال إفريقيا.
- Sanjay Subrahmanyam, “The Islamic World and the Making of the Portuguese Empire, 1450–1520”, Itinerario, Cambridge University Press.
- Jorge Correia, “Military Borders, Political Frontiers: Settling the Portuguese Urban Space in North Africa”، دراسة في المدن والحصون البرتغالية في المغرب.
- Vincent J. Cornell, “Socioeconomic Dimensions of Reconquista and Jihad in Morocco: Portuguese Dukkala and the Saʿdid Sus, 1450–1557”, International Journal of Middle East Studies, 1990.
- Bethwell A. Ogot (ed.), General History of Africa, Vol. V: Africa from the Sixteenth to the Eighteenth Century, UNESCO.
- Natalie Zemon Davis, Trickster Travels: A Sixteenth-Century Muslim Between Worlds, 2006، في سيرة الحسن الوزان وعلاقته ببلاط فاس وأسفاره.
- David S. Powers, “Aḥmad al-Wansharīsī”، في Islamic Legal Thought: A Compendium of Muslim Jurists، Brill, 2013؛ وانظر أيضاً بطاقة مكتبة الكونغرس الخاصة بأعمال الونشريسي.
- مركز اليونسكو، مدينة فاس العتيقة ومدينة تطوان العتيقة.
- Encyclopaedia of Portuguese Expansion، ملف المغرب والمراكز البرتغالية في شمال إفريقيا.
- Levente Igaz, “The Military Organization and Army of the Kingdom of Portugal (1495–1541)”، في On the Verge of a New Era: The Armies of Europe at the Time of the Battle of Mohács، Research Centre for the Humanities, Budapest, 2021، ص 267–284.
روابط الحلقات السابقة من سلسلة «تاريخ المغرب» :
- الحلقة الأولى: دولة الأدارسة في المغرب: من وليلي إلى فاس وبدايات بناء الدولة
- الحلقة الثانية: دولة المرابطين: من الصحراء إلى توحيد المغرب ونصرة الأندلس
- الحلقة الثالثة: دولة الموحدين: من تينمل إلى أوج القوة والحضارة المغربية
- الحلقة الرابعة: الدولة المرينية في المغرب: عصر فاس والعلم والعمران

