سلسلة من تاريخ المغرب | الحلقة الثانية
مدخل: من خاتمة الأدارسة تبدأ قصة المرابطين
ختمنا الحلقة الأولى من هذه السلسلة بالقول: «ومن تلك المرحلة سيخرج، في القرن الخامس الهجري، رجال من الصحراء سيغيّرون تاريخ المغرب والأندلس معاً: المرابطون». وتبدأ الحلقة الثانية من الموضع نفسه، لأن قيام دولة المرابطين لا يُفهم إذا قُطعت صلته بما جرى بعد أفول الحكم الإدريسي. ويمكن الرجوع إلى مقال دولة الأدارسة في المغرب: من وليلي إلى فاس وبدايات بناء الدولة لفهم الأساس الذي سبق هذا التحول الكبير.
انتهى الحكم الإدريسي المستقل في أواخر القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، لكن المرابطين لم يدخلوا فاس في اليوم التالي، ولم يرثوا دولة موحدة جاهزة. تفصل بين المرحلتين عقود طويلة اضطرب فيها المغرب الأقصى بين قوى زناتية ومحلية، وتدخلات أموية وفاطمية، وإمارات تملك المدن أو الطرق ولا تملك البلاد كلها. كانت فاس باقية، وسجلماسة غنية بموقعها الصحراوي، وأغمات حاضرة في الجنوب، وبرغواطة ممسكة بجزء مهم من السهول الأطلسية؛ أما الوحدة السياسية الواسعة التي عرفها المغرب مع إدريس الثاني فقد أصبحت ذكرى بعيدة. من هذا التفرق خرج مشروع لم يبدأ في قصر ولا في حاضرة مترفة. بدأ بين قبائل صنهاجة الملثمين، في فضاء صحراوي قاسٍ علّم أهله الصبر، ومعرفة المسالك، وحماية القوافل، والاعتماد على رابطة الجماعة. ثم اجتمع العلم بالدعوة، والدعوة بالتنظيم، والتنظيم بقيادة سياسية من طراز نادر. وخلال أقل من قرن قامت دولة امتد سلطانها من المجال الصحراوي إلى المغرب والأندلس، وأنشأت مراكش، ووحّدت أكثر بلاد المغرب الأقصى، وحملت راية الجهاد إلى الزلاقة حين استغاثت بها الأندلس.
نكتب عن المرابطين بفخر؛ فهم صفحة مغربية مجيدة أسهم فيها الأمازيغ الصنهاجيون في خدمة الإسلام والعربية والفقه المالكي، وفي الدفاع عن الأندلس حين أوشكت ممالك الطوائف أن تبددها الخصومات.وتشهد منجزات المرابطين، من توحيد المغرب وبناء مراكش إلى نصرة الأندلس، بأن دولة المرابطين كانت واحدةً من أعظم دول الغرب الإسلامي، وصفحةً مجيدة يحق للمغاربة أن يقرؤوها بكل فخر واعتزاز..
بين الأدارسة والمرابطين: سبعة عقود من التجزؤ وإعادة تشكيل المغرب
يُؤرَّخ عادة لنهاية السلطة الإدريسية المستقلة بسنة 363هـ/974م، حين خضعت القيادة الإدريسية في شمال المغرب للنفوذ الأموي، ثم انتهت محاولة الحسن بن كنون في ثمانينيات القرن العاشر. غير أن زوال الأسرة من الحكم لم ينقل البلاد إلى أسرة واحدة. فالمغراويون وبنو يفرن، وهما من بطون زناتة، تنافسوا على فاس ومجالات أخرى، بينما احتفظت إمارات وقوى محلية باستقلالها، وتبدلت الولاءات بحسب ميزان القوة بين الفاطميين في المهدية وأمويي قرطبة ثم بين القوى التي ورثت نفوذهما.
كان المغرب خلال القرن الرابع الهجري واقعاً بين تأثيرين كبيرين. من الشرق ضغطت الدولة الفاطمية، غالباً بواسطة حلفائها من صنهاجة وزيري، ومن الشمال بسط أمويّو الأندلس نفوذهم على بعض الموانئ والزعامات في الضفة المغربية. وعندما سقطت الخلافة الأموية في قرطبة سنة 422هـ/1031م، انكسر قطب كان يؤثر في شمال المغرب، ودخلت الأندلس نفسها عصر ممالك الطوائف. في الضفتين معاً كثر الحكام وقلت القدرة على جمع القوة في قرار واحد.
أما فاس، الإرث الحضري الأعظم للأدارسة، فقد عانت انقساماً سياسياً وعمرانياً بين عدوة القرويين وعدوة الأندلس، وتناوبت عليها سلطات زناتية. وحين دخلها يوسف بن تاشفين لاحقاً، لم يكتف بإضافة اسم جديد إلى قائمة حكامها؛ بل أعاد توحيد العدوتين داخل سور واحد، وهو تحول تؤكده صفحة مدينة فاس لدى اليونسكو ويضيئه أيضاً مقالنا عن تاريخ مدينة فاس. هكذا انتقل المغرب من حواضر متنافسة إلى مشروع دولة يجعل اتصال البلاد غاية سياسية.
كان المشهد ينتظر قوة تملك ثلاثة أمور في آن واحد: عقيدة جامعة تمنحها الشرعية، وعصبية قادرة على الحشد، وقيادة تعرف كيف تحوّل الانتصار العسكري إلى إدارة ومدن وأسواق. جاءت الإجابة من الجنوب، من قبائل لم تكن في نظر أهل الحواضر مرشحة لقيادة المغرب كله. وهنا تكمن إحدى روائع التاريخ المغربي: المركز الجديد لم يهبط من خارج البلاد، بل صعد من عمقها الصحراوي.
من هم المرابطون ومن أين جاؤوا؟
صنهاجة الملثمون: أبناء الصحراء وحرّاس طرقها
ينتمي المرابطون إلى قبائل صنهاجة الأمازيغية الكبرى، ولا سيما لمتونة ومسوفة وجدالة.عاشت هذه الجماعات في المجال الصحراوي الممتد من جنوب المغرب، عبر الصحراء المغربية، إلى بلاد شنقيط.، وتحركت عبر طرق تصل وادي درعة وسجلماسة بالمراكز الواقعة جنوب الصحراء. لم تكن الصحراء فراغاً بين عالمين؛ كانت شبكة للتجارة والهجرة والعلم، تمر فيها قوافل الملح والذهب والمنسوجات والكتب والأخبار.
اشتهر رجال هذه القبائل باللثام، حتى وصفتهم المصادر بـ«الملثمين». وكان اللثام عادة صحراوية عملية ورمزاً اجتماعياً في الوقت نفسه، يحمي الوجه من الغبار والحر، ويميز جماعات صنهاجة في روايات المؤرخين. ومن الحياة الصحراوية اكتسب المرابطون خفة الحركة، والقدرة على احتمال المسافات، ومعرفة مواضع الماء، والانضباط الذي تحتاجه القافلة كما يحتاجه الجيش.
لكن النسب القبلي وحده لا يفسر التحول. قبائل الصحراء عرفت الإسلام قبل قيام المرابطين، وكانت لها صلات بالحواضر والتجار والفقهاء. الجديد في القرن الخامس الهجري أن الإيمان، والقلق على أحوال المجتمع، والرغبة في الإصلاح اجتمعت في حركة منظمة، ثم وجدت من يقودها في الميدان.
من رحلة الحج إلى حركة إصلاحية
تروي المصادر التاريخية أن يحيى بن إبراهيم الجدالي عاد من أداء مناسك الحج وقد شغلته حاجة قومه إلى من يفقههم في الدين ويصلح أحوالهم. وفي طريق عودته مرّ بالقيروان، فالتقى الفقيه أبا عمران الفاسي، أحد كبار علماء المذهب المالكي، وعرض عليه ما يحمله من همٍّ تجاه قومه. فدلّه أبو عمران على تلميذه الفقيه وجاج بن زلو اللمطي، صاحب «دار المرابطين» بأكلو في سوس، وكتب إليه يوصيه بحاجته. واختار وجاج من بين تلاميذه عبد الله بن ياسين ليصحب يحيى إلى قومه، فكان ذلك اللقاء بداية المسار الذي وُلدت منه الحركة المرابطية. وتختلف روايات المؤرخين في أصل تسمية المرابطين: أكانت نسبةً إلى رباط أقامه عبد الله بن ياسين في جزيرة قرب مصب نهر السنغال، أم اتصلت بـ«دار المرابطين» التي أسسها وجاج في سوس، أم كانت وصفاً لجماعة ألزمت نفسها بالطاعة والجهاد؟ ومهما يكن أصل الاسم، فإن جوهر القصة ثابت: استطاع عبد الله بن ياسين أن يحوّل الدعوة إلى مدرسة للتربية الدينية وبناء الرجال، فألزم أصحابه بتعلم أحكام العبادات والمعاملات، وجعل الاستقامة والانضباط أساساً للانتماء إلى الجماعة.
رجال التأسيس: عبد الله بن ياسين ويحيى بن عمر وأبو بكر بن عمر
عبد الله بن ياسين: الفقيه الذي أعطى الحركة روحها
لم يكن عبد الله بن ياسين سلطاناً يتوارث الملك، بل صاحب دعوة ومربياً وقائداً روحياً. علّم أتباعه المذهب المالكي، وسعى إلى تقويم الممارسات التي رآها مخالفة للشريعة، ثم شارك في توجيه توسع الجماعة. ومعه تحولت الرابطة الدينية إلى قوة عامة لها راية وقيادة وغاية تتجاوز إصلاح قبيلة واحدة. قد تبدو صرامته شديدة بمقاييس القارئ المعاصر، لكن فهم عصره يقتضي رؤية البيئة التي عمل فيها: مجال واسع ضعيف المؤسسات، تتنازع فيه القبائل والطرق التجارية، ولا توجد سلطة قادرة على فرض الأمن أو توحيد الأحكام. في ذلك السياق كانت التربية الصارمة وسيلة لبناء جماعة تستطيع الثبات حيث تتفكك التحالفات سريعاً.
يحيى بن عمر: السيف الأول للدعوة
تولى يحيى بن عمر اللمتوني القيادة العسكرية في المرحلة المبكرة. وفي عهده توجه المرابطون إلى عقدتين اقتصاديتين بالغتي الأهمية: سجلماسة في الشمال وأودغشت في الجنوب. السيطرة على هاتين المدينتين لم تكن فتحاً جغرافياً فقط؛ فقد وضعت الحركة على طرفي طريق من أعظم طرق التجارة الصحراوية، ومنحتها موارد وقدرة على التواصل بين المغرب وبلاد السودان الغربي. قُتل يحيى بن عمر في معركة طبفرلة سنة 448هـ/1056م تقريباً، لكنه ترك جماعة تجاوزت مرحلة الوعظ المحدود. كانت الدولة لم تكتمل بعد، غير أن عمودها العسكري صار قائماً، والطريق إلى سوس وأغمات مفتوحاً.
أبو بكر بن عمر: جامع الصف وممهّد الطريق
خلف أبو بكر بن عمر أخاه في القيادة، وكان من كبار صناع الدولة. واصل الفتوحات شمالاً، ودخل أغمات، وربط المجال الصحراوي بالسهل المغربي. وبعد مقتل عبد الله بن ياسين سنة 451هـ/1059م في قتال برغواطة، انتقلت المسؤولية إلى القادة الذين رباهم المشروع، فلم تنطفئ الحركة بموت فقيهها المؤسس.
ارتبط اسم أبي بكر أيضاً بالبدايات الأولى لمراكش، وإن اختلف المؤرخون في تحديد سنة التأسيس ودور كل من أبي بكر ويوسف. وتضع اليونسكو نشأة المدينة في سنتي 1070-1072م، بينما تورد مصادر أخرى تاريخ 454هـ/1062م. والأقرب أن مراكش لم تولد في يوم واحد: اختير موقعها وبدأ عمرانها في عهد أبي بكر، ثم اتسعت واستقرت عاصمة في عهد يوسف بن تاشفين.
حين اضطر أبو بكر إلى العودة جنوباً لمعالجة اضطراب قبلي وحماية وحدة صنهاجة وطرق الصحراء، استخلف ابن عمه يوسف بن تاشفين على الشمال. ثم رأى ما بلغه يوسف من قوة وحسن تدبير، فترك له القيادة في المغرب من غير أن يفتح باب حرب داخلية مدمرة. هذا الانتقال الهادئ للسلطة من المواقف التي تستحق الثناء؛ ففي زمن كانت فيه الدول تضيع بسبب تنازع الأقارب، قدّم الرجلان مصلحة المشروع على شهوة الغلبة.
يوسف بن تاشفين: القائد الذي أرسى دعائم الدولة
بلغ المشروع المرابطي أوج قوته على يد يوسف بن تاشفين؛ فقد امتلك من البصيرة وحسن التدبير ما مكّنه من تحويل انتصارات القبائل إلى دولة راسخة الأركان. ولم تكن عبقريته مقصورة على قيادة الجيوش، بل ظهرت في قدرته على جمع الرجال، وضبط شؤون الحكم، وحماية الوحدة التي تحققت بعد سنوات من الجهاد. وبهذا انتقل المرابطون في عهده من حركة إصلاح خرجت من الصحراء إلى قوة كبرى تقود المغرب وتُهاب في الأندلس.
وتواترت الروايات المغربية في وصف بساطة عيشه وزهده في زينة السلطان؛ فظل لباسه خشناً وطعامه يسيراً، على الرغم من اتساع ملكه وكثرة ما اجتمع في يده من القوة. كان عظيم الهيبة من غير تكلف، شديداً في موضع الشدة، رفيقاً بأهل العلم والصلاح، ولم تغيّره أبهة الحكم حتى توفي رحمه الله سنة 500هـ/1106م، بعد حياةمباركة أفناها في توحيد البلاد وحماية الدولة ونصرة المسلمين. وإلى جانب يوسف بن تاشفين برزت زينب النفزاوية، إحدى ألمع نساء المغرب في عصرها. عاشت في أغمات وعُرفت بالثراء والذكاء وحسن التدبير، واقترنت أولاً بأبي بكر بن عمر، ثم تزوجها يوسف بن تاشفين بعد فراقها منه. وتمنحها المصادر المغربية حضوراً لافتاً في اللحظة التي انتقل فيها مركز القيادة إلى يوسف، وتنسب إليها رأياً سديداً ومشورةً أسهمت في تثبيت أمره وتوجيه خطواته الأولى.
وكان حضور زينب أرحب من لقب «زوجة الأمير»؛ فقد امتلكت معرفةً بأحوال الحواضر المغربية وموازين القوى فيها، وساعدت ببصيرتها القيادة المرابطية القادمة من الصحراء على فهم البيئة السياسية والاجتماعية في أغمات ومراكش. ولهذا أفردنا لها موضعاً بارزاً ضمن مقالنا عن شخصيات نسائية في التاريخ الإسلامي: عالمات وحاكمات تركن بصمة في الحضارة الإسلامية، بوصفها نموذجاً مغربياً للمرأة التي حضرت بعقلها ومشورتها في واحدة من أعظم مراحل بناء الدولة.
توحيد المغرب: من أغمات إلى فاس وسبتة
تحرك يوسف بن تاشفين على مراحل. ثبّت نفوذه في سوس وأغمات، ثم اتجه إلى الأطلس والسهول، ودخل فاس بعد مقاومة طويلة في ستينيات القرن الحادي عشر؛ ويجعل بعض المؤرخين حسم السيطرة سنة 462هـ/1069-1070م. وبعد ذلك امتد نفوذه إلى تلمسان ووجدة ومناطق من المغرب الأوسط، وتقدم شمالاً حتى طنجة وسبتة.
كانت كل مدينة تدخل في السلطان المرابطي تعني أكثر من اتساع الخريطة. ففاس مركز علم وصناعة، وسجلماسة بوابة الذهب الصحراوي، وأغمات ملتقى تجاري، وسبتة مفتاح المضيق. حين جمع يوسف هذه المراكز تحت قيادة واحدة، أعاد توجيه طرق المال والرجال والمعلومات نحو دولة مركزها المغرب.
ولم تكن الوحدة مجرد إخضاع عسكري. أعاد المرابطون ترتيب الأسوار والأسواق والولايات، وولّوا القضاة، وضربوا الدنانير، وربطوا الحواضر بشبكة حكم أوسع. في هذا المعنى يمثل يوسف بن تاشفين واحداً من كبار بناة الدولة في تاريخ المغرب: أخذ حركة خرجت من الصحراء، ومنحها جسداً سياسياً قادراً على البقاء بعد جيل المؤسسين.
مراكش: عاصمة جديدة لدولة مغربية واسعة
كان اختيار مراكش عملاً سياسياً بالغ الذكاء. فالموقع قريب من طرق الأطلس وسوس وأغمات، ومفتوح على السهول، ولا يخضع لهيمنة حاضرة قديمة أو بيت محلي قوي. ومن مخيم ومعسكر بسيط نشأت مدينة ستعطي الدولة مركزاً جديداً، ثم تمنح المغرب اسماً يتردد في لغات العالم.
تصف اليونسكو مراكش بأنها تأسست على يد المرابطين بين 1070 و1072م، وأنها أصبحت مركزاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً في الغرب الإسلامي، امتد تأثيره من شمال أفريقيا إلى الأندلس. هذه الشهادة تختصر قيمة الإنجاز: المرابطون لم يرثوا عاصمة فحسب؛ صنعوا عاصمة، ثم حافظ الموحدون والسعديون وغيرهم على مركزيتها بعد زوال دولتهم.
ومن مراكش مارس يوسف سلطته بلقب أمير المسلمين وناصر الدين. اختار هذا اللقب تواضعاً سياسياً واحتراماً للرمزية الدينية للخلافة العباسية، فلم ينازع الخليفة لقب «أمير المؤمنين». وكان في ذلك قدر من الفقه بالشرعية: دولة قوية مستقلة في عملها، لكنها لا تحتاج إلى ادعاء الخلافة كي تثبت عظمتها.
| دقة تاريخية مهمة تختلف كتب التاريخ في سنة تأسيس مراكش بين 1062م ونحو 1070-1072م، كما تختلف في نسبة المبادرة الأولى إلى أبي بكر بن عمر أو يوسف بن تاشفين. الصياغة الأوثق أن المدينة بدأت في عهد أبي بكر، واستكمل يوسف عمرانها واتخذها قاعدة الدولة الكبرى. |
دولة المرابطين وخدمة الإسلام والفقه المالكي
قامت الحركة المرابطية أصلاً على طلب العلم والإصلاح، ولذلك ظل الدين في قلب مشروعها. نشر المرابطون التعليم الأساسي لأحكام الإسلام في المجالات القبلية والصحراوية، وحموا المساجد والقضاة، وعملوا على توحيد القضاء على المذهب المالكي. ولم يكن هذا الاختيار طارئاً؛ فالمالكية كانت قد ترسخت في القيروان والأندلس والمغرب، وتمتاز بعناية واسعة بعمل أهل المدينة وبالأعراف والمصالح في أبواب الفقه.
خدمت الدولة هذا المذهب حين جعلت القضاء مؤسسة حاضرة في المدن، وربطت الفتوى بحاجات السوق والعقار والوقف والأسرة. وتبين دراسة كاميلو غوميز-ريفاس عن القانون وأسلمة المغرب في العصر المرابطي أن توحيد المغرب والأندلس تزامن مع نمو المؤسسات القانونية واستجابتها لتحول المدن والأسواق وحقوق الملكية. أي أن خدمة الشرع لم تكن خطباً عامة؛ ظهرت في تنظيم معاملات الناس اليومية.
وبرز في هذا العصر فقهاء كبار مثل ابن رشد الجد، قاضي قرطبة وصاحب الفتاوى التي وصلت مسائلها إلى المغرب الأقصى، والقاضي عياض السبتي، وأبي بكر ابن العربي المعافري. لم يكونوا نسخاً متطابقة ولا موظفين صامتين في قصر واحد؛ كانت لهم اجتهاداتهم ومواقفهم، وفي حركتهم بين سبتة وفاس وقرطبة وإشبيلية دليل على أن الوحدة المرابطية وسعت المجال العلمي بين الضفتين.
وتحتاج صورة الفقهاء في عهد المرابطين إلى إنصاف. نعم، اشتد نفوذ بعضهم، ووقعت مواقف تضييق وخلاف، ومن أشهرها محنة كتاب «إحياء علوم الدين» في بعض الحواضر. لكن اختزال قرن كامل في حادثة واحدة يظلم التاريخ. الدولة التي وسعت القرويين، وبنت المساجد، واستدعت الفتوى في قضايا العمران والتجارة، واحتضنت قضاة من وزن عياض وابن رشد الجد، لا يصح وصفها بأنها عدوة للعلم.
خدمة العربية من غير إنكار للأصل الأمازيغي
كان المرابطون أمازيغاً صنهاجيين، وهذا أصل يعتز به تاريخ المغرب. وحين خدموا العربية لم يتنكروا لجذورهم؛ جعلوها لغة القرآن والفقه والمراسلات والسكة، ولغة الاتصال بين مدن المغرب والأندلس. في دولتهم التقت الأمازيغية الصحراوية بالعربية العلمية، ولم يكن ازدهار إحداهما مشروطاً بمحو الأخرى.
انتشار العربية في الإدارة والتعليم والعبادة منح البلاد لغة مشتركة للمعرفة، وساعد العلماء والطلاب على التنقل بين مراكش وفاس وسبتة وقرطبة وإشبيلية. كما حملت الدنانير المرابطية كتابات عربية دقيقة وأسماء دور السك، فكانت العملة وثيقة سياسية ودينية تنتقل في الأسواق من يد إلى يد.
وهنا تظهر قيمة المرابطين الحضارية في أجمل صورها: أسرة حاكمة أمازيغية لم تجعل الهوية جداراً، بل أسهمت في بناء حضارة مغربية أندلسية تتسع لأصول متعددة، ويجمعها الإسلام والعربية في فضاء العلم والدولة. هذا التركيب، لا الصراع المصطنع بين «العربي» و«الأمازيغي»، هو الذي صنع قوة المغرب عبر عصور كثيرة.
العلم والعمران: القرويين والقبة المرابطية وفن الغرب الإسلامي
لا تزال آثار المرابطين العمرانية أقل عدداً مما يستحقه حجم دولتهم، لأن الموحدين أعادوا بناء كثير من منشآتهم، ولأن الطين والخشب أسرع تلفاً من الحجر. ومع ذلك بقيت شواهد تكفي لنقض صورة الدولة الصحراوية التي لا تعرف إلا الخيام والسيوف.
في عهد علي بن يوسف وُسع جامع القرويين سنة 529هـ/1135م تقريباً، وأضيفت إليه عناصر معمارية وزخرفية بالغة الأهمية. وسجل متحف المتروبوليتان للفنون توسعة القرويين، إلى جانب جامعي تلمسان والجزائر، ضمن أبرز عمارة المرحلة المرابطية. ومن يريد تتبع الامتداد الطويل لهذه المؤسسة يمكنه قراءة مقال خزانة القرويين بفاس: ذاكرة علمية ممتدة عبر القرون.
وفي مراكش بقيت القبة المرابطية شاهداً نادراً على دقة الصنعة، بما تحمله من أقواس وكتابات وزخارف نباتية وقبة داخلية مركبة. كما أمر علي بن يوسف بصنع منبر في قرطبة لمسجده الجامع بمراكش سنة 532هـ/1137م، واستغرق إنجازه سنوات. نُقل المنبر لاحقاً إلى جامع الكتبية، وبقي واحداً من روائع النجارة والتطعيم في الفن الإسلامي الغربي.
هذه الأعمال تروي قصة تبادل حضاري في اتجاهين. حمل المرابطون من الصحراء قوة الدولة وروح الانضباط، وأخذوا من الأندلس خبرات الصناع والمهندسين، ثم أعادوا توطينها في فاس ومراكش وتلمسان. لم يكن المغرب متلقياً هامشياً لفن الأندلس؛ صار مركزاً يرعى الصناع ويطور أسلوباً مغربياً أندلسياً ستبني عليه الدول اللاحقة.
وازدهرت الرحلة العلمية عبر المضيق. عاش في العصر المرابطي مؤرخون وأدباء وفقهاء، ووجدت الفلسفة والطب والموسيقى مجالاتها في الحواضر وإن تفاوتت علاقة السلطة بها. ومن شخصيات العصر ابن باجة، الفيلسوف والطبيب الذي انتهت حياته في فاس سنة 533هـ/1138م. فالصورة الصحيحة ليست صحراء أغلقت أبواب الفكر، بل دولة واسعة شهدت توتراً طبيعياً بين الفقه والتصوف والفلسفة، وفي داخل ذلك التوتر استمرت المعرفة.
الاقتصاد والدينار المرابطي: حين ربط المغرب الصحراء بالمتوسط
أدرك المرابطون أن الدولة لا تعيش بالحماسة وحدها. أمّنوا مسالك القوافل، وربطوا سجلماسة وأغمات ومراكش بموانئ المتوسط والأطلسي ومدن الأندلس، واستفادوا من حركة ذهب السودان الغربي. وبفضل هذا الاتصال ضربوا دنانير ذهبية اشتهرت بجودتها واتساع تداولها.
تكشف دور السك المرابطية عن مدى الدولة: مراكش وفاس وتلمسان وسبتة، ثم قرطبة وإشبيلية وغرناطة والمرية ومرسية وغيرها. ويعرض المتحف الافتراضي للفن الإسلامي ديناراً لعلي بن يوسف ضُرب في المرية سنة 537هـ/1142م، ويحمل لقب «أمير المسلمين» واسم ولي العهد تاشفين. قطعة صغيرة من الذهب تختصر وحدة سياسية امتدت بين قارتين.
دخل الدينار المرابطي أسواق الممالك المسيحية أيضاً، واشتقت بعض التسميات الإيبيرية اللاحقة للعملة من اسم المرابطين. لم يكن ذلك تكريماً أدبياً، بل اعترافاً عملياً بعملة موثوقة. وحين تقبل أسواق الخصوم نقد دولة، نعرف أن نفوذها الاقتصادي بلغ أبعد من حدود جيشها.
الأندلس قبل الزلاقة: طوائف متنازعة وخطر يقترب
حين سقطت الخلافة الأموية في قرطبة سنة 422هـ/1031م، انقسمت الأندلس إلى ممالك طوائف. كانت مدنها غنية، وقصورها عامرة بالشعر والموسيقى والعلم، لكن جمال الثقافة لم يعوض ضعف السياسة. تنافس ملوك إشبيلية وغرناطة وبطليوس وسرقسطة وغيرهم، واستعان بعضهم بالممالك المسيحية على بعض، ودفعوا لألفونسو السادس وغيره إتاوات عُرفت في المصادر الإسبانية باسم «البارِياس».
بلغ الخطر ذروته بسقوط طليطلة سنة 478هـ/1085م. لم تكن طليطلة مدينة حدودية عابرة؛ كانت عاصمة القوط القديمة، ووقوعها في يد ألفونسو السادس نقل ميزان القوة إلى قلب شبه الجزيرة. شعر أمراء الأندلس أن الدور سيصل إلى مدنهم، وأن ما عجزوا عن منعه متفرقين يحتاج إلى قوة وراء البحر.
بعث المعتمد بن عباد صاحب إشبيلية، ومعه أمراء آخرون، يطلب نجدة يوسف بن تاشفين. وتورد المصادر عبارته الشهيرة حين خوّفه بعض خاصته من أن يستولي المرابطون على ملكه: «رعي الجمال خير من رعي الخنازير». سواء ثبت اللفظ حرفياً أم صاغته الذاكرة الأدبية، فقد حفظ معنى موقفه: أن يخسر عرشاً تحت سلطان مسلم خير من أن يسلم الأندلس لألفونسو.
استجاب يوسف، ولم يتعامل مع النداء كفرصة سريعة للغنيمة. أعد العبور، وأمّن سبتة والجزيرة الخضراء، وجمع جيش المغرب، ثم التقت الرايات المرابطية بقوات الطوائف. كان الرجل قد وحّد المغرب، وجاء الآن ليمنح الأندلس ما افتقدته: قيادة عسكرية واحدة في ساعة المصير.
معركة الزلاقة: اليوم الذي أوقف زحف ألفونسو السادس
العبور والتحالف
جاء عبور يوسف بن تاشفين إلى الأندلس في ساعةٍ من أشد ساعاتها خطراً؛ فقد سقطت طليطلة سنة 1085م، واستبدّ ألفونسو السادس بملوك الطوائف، وأوشكت مدن الأندلس أن تتهاوى أمام زحفه مدينةً بعد أخرى. عندئذ نهض أمير المرابطين بما يمليه عليه إيمانه وواجبه، فعبر البحر على رأس رجال المغرب، لا طمعاً في غنيمة ولا سعياً إلى مجد شخصي، وإنما استجابةً لصرخة المسلمين ودفاعاً عن أرضٍ كانت من أعظم حواضر الإسلام.
وفي سهل الزلاقة وقف يوسف بن تاشفين وقفته التي خلدها التاريخ؛ فحطم اندفاع الجيش القشتالي، وكسر هيبة ألفونسو السادس، وردّ إلى المسلمين ثقتهم بأنفسهم بعد سنوات من التفرق والهوان. ولم تكن الزلاقة نصراً عسكرياً عابراً، بل كانت يوماً فاصلاً منح الأندلس عمراً جديداً، وأوقف الزحف الذي كان يتهدد وجودها، وأثبت أن المغرب لم يكن بعيداً عن جراح الضفة الأخرى، بل كان حصنها وسندها حين اشتد الخطر. ومن أجل ذلك استحق يوسف بن تاشفين مكانته الرفيعة في ذاكرة المغرب والأندلس؛ فقد جمع بين ورع الأمير، وحزم القائد، وبصيرة رجل الدولة، وحمل إلى الأندلس جيشاً موحداً في زمن مزقته الخصومات. وحين يُذكر أن الحضارة الإسلامية ظلت بعد الزلاقة قروناً أخرى في الأندلس، فلا يمكن إغفال فضل ذلك الأمير المغربي العظيم الذي عبر البحر في اللحظة الحاسمة، فكتب بدماء رجاله واحدة من أنصع صفحات الجهاد والنصرة في تاريخ الإسلام.
نصر صنعه الثبات وحسن القيادة
تحملت قوات الأندلس الصدمة الأولى، وثبت المعتمد بن عباد في قتال شديد، ثم دخلت القوة المرابطية بثقلها وحاصرت جيش ألفونسو من أكثر من جهة. انتهت المعركة بهزيمة قاسية للقشتاليين، ونجا ألفونسو جريحاً مع عدد من فرسانه. لم يكن النصر منحة مجانية؛ دفع المغاربة والأندلسيون ثمنه من دمائهم، واجتمع فيه ثبات أهل الأندلس وخبرة جيش يوسف.
أعادت الزلاقة للمسلمين ثقتهم بعد صدمة طليطلة، وأسقطت وهم أن تقدم ألفونسو صار قدراً لا يرد. وتصفها الذاكرة الإسلامية بحق بأنها من أيام المغرب الخالدة في الأندلس: ملك مغربي يعبر البحر لا ليحتل أرضاً غريبة، بل لنصرة حضارة ترتبط بالمغرب بالدين والعلم والرحم والهجرة.
غادر يوسف الأندلس بعد المعركة بسبب شؤون دولته ووفاة ابنه، ولم يستعد طليطلة. وهذا لا ينقص من قيمة الزلاقة. استرجاع مدينة حصينة بعيدة وراء خطوط خصم قوي يحتاج إلى حصار وإمداد طويلين، بينما كان جيش التحالف قد خسر رجالاً وكان على يوسف حماية المغرب أيضاً. قيمة النصر أنه أوقف الاندفاع، وحمى ممالك كبرى من سقوط قريب، وفتح زمناً جديداً لتنظيم الدفاع.
كيف أخّر يوسف بن تاشفين سقوط الأندلس؟
لا يستطيع مؤرخ جاد أن يقول إن معركة واحدة «أنقذت الأندلس إلى الأبد». الدول لا تحيا بضربة سيف واحدة، والأندلس نفسها ستعرف بعد المرابطين الموحدين ثم بني نصر في غرناطة. لكن الزلاقة غيّرت المسار في لحظة حاسمة. بعد طليطلة كان ممكناً أن تتساقط مدن الطوائف تباعاً أمام ألفونسو السادس؛ فجاء النصر ليكسر زخمه ويمنح المسلمين مهلة لم تكن متاحة قبل 1086م.
ثم عاد يوسف إلى الأندلس مرات أخرى، وأدخل معظم ممالك الطوائف في الدولة المرابطية ابتداءً من سنة 483هـ/1090م. وبذلك لم يبق الدفاع رهين اتفاق هش بين أمراء يتخاصمون بعد كل حملة، بل أصبح للأندلس جيش وإدارة مرتبطان بمراكش. صحيح أن الخطر لم يختف، وأن مدناً ستفقد لاحقاً، لكن الجبهة الإسلامية استعادت تماسكاً مكّنها من الصمود عقوداً.
ومن هذه الزاوية يصح القول إن يوسف بن تاشفين أخّر سقوط الأندلس. ليس لأنه ضمن بقاءها أربعة قرون بقرار منفرد، بل لأنه منع انهياراً كان يوشك أن يتسارع في أواخر القرن الحادي عشر، وورثت الدول الإسلامية اللاحقة زمناً ومجالاً لم يكونا ليبقيا بالصورة نفسها لولا الزلاقة والوحدة المرابطية. هذه منزلة تاريخية لا يحتاج صاحبها إلى أسطورة تزيدها.
من نجدة الطوائف إلى توحيد الأندلس تحت الحكم المرابطي
بعد الزلاقة عاد التنازع بين ملوك الطوائف، واستمر بعضهم في دفع الأموال أو عقد التفاهمات مع القوى المسيحية. استدُعي يوسف مرة أخرى، وظهر أن إرسال جيش عند كل أزمة لن يصنع دفاعاً دائماً. بدأت عندئذ مرحلة إنهاء ممالك الطوائف وضمها إلى الدولة، فسقطت غرناطة ثم إشبيلية وبطليوس وغيرها في يد المرابطين.
كان القرار قاسياً على أمراء فقدوا عروشهم، وفي مقدمتهم المعتمد بن عباد الذي انتهى منفياً في أغمات. ولا يحتاج الثناء على يوسف إلى إنكار المأساة الإنسانية في مصير المعتمد. لكن الحكم على القرار السياسي ينظر أيضاً إلى حال الأندلس: إمارات متخاصمة، وضرائب ثقيلة لتأدية الإتاوات، وتحالفات تسمح للخصم بالتدخل. رأى فقهاء مؤثرون أن وحدة الحكم صارت ضرورة، وحصل يوسف على تأييد ديني وسياسي لإزالة الطوائف.
بهذا الضم أصبحت مراكش عاصمة لدولة تدير مدناً من الصحراء إلى الوادي الكبير وشرق الأندلس. ولم يحدث من قبل أن صار القرار السياسي للمغرب والأندلس مجتمعاً في عاصمة مغربية بهذه القوة والاستمرار. حمل المرابطون جنودهم إلى الشمال، وفي الاتجاه المقابل عبر العلماء والصناع والكتب والتقنيات إلى المغرب. كانت الوحدة عسكرية، لكنها ولدت نتائج حضارية أوسع من ساحة الحرب.
أمراء دولة المرابطين: من قيادة الحركة إلى سقوط مراكش
يستعمل الناس عبارة «سلاطين المرابطين»، وهي مفهومة، لكن اللقب التاريخي الأدق كان أمراء المرابطين، وأشهره «أمير المسلمين». كما ينبغي التفريق بين قادة التأسيس الروحي والعسكري وبين الأسرة التي حكمت من مراكش. يوضح الجدول الآتي تعاقب القيادة من غير خلط:
| الأمير | المدة | الصفة | أبرز ما ارتبط به |
| عبد الله بن ياسين | توفي 451هـ/1059م | المؤسس الروحي | بنى الدعوة الإصلاحية وربطها بالفقه المالكي والانضباط والجهاد. |
| يحيى بن عمر اللمتوني | إلى 448هـ/1056م | القائد العسكري الأول | قاد التوسع الصحراوي وأسهم في السيطرة على سجلماسة وأودغشت. |
| أبو بكر بن عمر | من 448هـ/1056م؛ توفي 480هـ/1087م | أمير الحركة وممهّد الدولة | فتح أغمات، ارتبط ببدايات مراكش، وسلّم قيادة الشمال ليوسف من غير حرب داخلية. |
| يوسف بن تاشفين | نحو 453-500هـ/1061-1106م | أمير المسلمين وباني الدولة الكبرى | وحّد أكثر المغرب، رسخ مراكش عاصمة، انتصر في الزلاقة، وضم أكثر الطوائف. |
| علي بن يوسف | 500-537هـ/1106-1143م | أطول خلفاء يوسف حكماً | واصل الدفاع عن الأندلس، وازدهر في عهده العمران والفقه، وواجه بداية الدعوة الموحدية. |
| تاشفين بن علي | 537-539هـ/1143-1145م | أمير في زمن الأزمة | حاول وقف التقدم الموحدي والدفاع عن بقايا الدولة في المغرب والأندلس. |
| إبراهيم بن تاشفين | 539هـ/1145م | حكم مدة وجيزة | تولى في اضطراب شديد ولم يستقر له الأمر. |
| إسحاق بن علي | 539-541هـ/1145-1147م | آخر أمراء مراكش | انتهى حكمه بدخول الموحدين مراكش سنة 541هـ/1147م. |
وترد بدايات حكم يوسف بن تاشفين بتواريخ مختلفة، لأن أبا بكر بقي صاحب مكانة في الجنوب فترة من الزمن بينما استقل يوسف عملياً بتدبير الشمال. لذلك استُعملت في الجدول صيغة «نحو» بدلاً من ادعاء سنة واحدة لا خلاف فيها.
علي بن يوسف: ازدهار العمران وثقل الجبهات
ورث علي بن يوسف دولة واسعة سنة 500هـ/1106م. بدأ عهده بقوة، وحقق المرابطون انتصاراً مهماً في أقليش سنة 501هـ/1108م، ثم دخلوا سرقسطة سنة 503هـ/1110م، فبلغ وجودهم في الأندلس مداه. وكان علي متعلماً متأثراً بثقافة الأندلس، وأكثر ميلاً إلى مجالسة الفقهاء ورعاية البناء من صورة المحارب الصحراوي التي اتصف بها جيل التأسيس.
شهد عهده توسعة جامع القرويين، وبناء القبة المرابطية، وإقامة أسوار مراكش في عشرينيات القرن الثاني عشر، وصنع المنبر الشهير. وتدل هذه المشاريع على دولة ما تزال تملك مالاً وخبرة وصلة حية بصناع قرطبة والمرية. كما استمرت السكة الذهبية في مدن كثيرة، وبقيت مراكش قطباً يجمع التجارة والفقه والقرار السياسي.
لكن الاتساع نفسه صار عبئاً. في الأندلس واجهت الدولة ممالك مسيحية تتقدم على جبهات متباعدة، وفقدت سرقسطة سنة 512هـ/1118م. وفي المغرب ظهرت دعوة الموحدين بقيادة محمد بن تومرت بين قبائل مصمودة في الأطلس. أصبح على علي بن يوسف أن يمول حربين طويلتين، ويحافظ على ولاء حواضر وقبائل تفصل بينها مسافات هائلة.
لماذا ضعفت دولة المرابطين؟
لا يليق بتاريخ المرابطين تفسير سقوطهم بعبارة سهلة من نوع «تركوا الخشونة ومالوا إلى الترف». الدول أعقد من موعظة أخلاقية. نعم، تغيّر المجتمع المرابطي حين انتقل من الصحراء إلى الحواضر، لكن أسباب الضعف كانت سياسية وعسكرية ومالية وفكرية متداخلة.
أول هذه الأسباب اتساع الجبهات. فالدفاع عن الأندلس يحتاج إلى عبور الرجال والمال والسفن، وحماية المغرب تتطلب جيوشاً في الجبال والسهول والشرق والجنوب. وكلما طال القتال ازدادت النفقات، واضطرت الدولة إلى ضرائب أثارت سخطاً، ولا سيما أن خطابها الأول قام على إزالة المكوس غير الشرعية.
وثانيها فقدان التفوق النفسي في الأندلس بعد سقوط سرقسطة وتوالي الغارات. قامت شرعية المرابطين هناك على قدرتهم على الحماية؛ وحين تراجعت النتائج، بدأ بعض السكان والزعامات يبحث عن خيارات أخرى. لم تختف شجاعتهم، لكن الحرب تغيرت، وصارت الحصون والتحالفات البحرية والحملات الصليبية المحلية تفرض أثماناً أكبر.
أما السبب الثالث فكان ظهور الدعوة الموحدية. جاء ابن تومرت بخطاب إصلاحي جديد، واتخذ تينمل في الأطلس قاعدة حصينة، ثم تولى عبد المؤمن بن علي القيادة بعده وحول الدعوة إلى دولة زاحفة. استفاد الموحدون من تذمر بعض القبائل ومن صعوبة وصول الجيش المرابطي إلى معاقل الجبال، وضيقوا الخناق على مراكش عاماً بعد عام.
بعد وفاة علي بن يوسف سنة 537هـ/1143م، لم يمنح التاريخ خلفاءه وقتاً كافياً. قاتل تاشفين بن علي في ظروف شديدة وانتهى أمره قرب وهران سنة 539هـ/1145م، ثم تعاقب إبراهيم وإسحاق في مدد قصيرة. وفي سنة 541هـ/1147م دخل الموحدون مراكش، وانتهى حكم الأسرة في عاصمتها.
لكن سقوط مراكش لا يعني أن أثر المرابطين اختفى في يوم واحد. استمرت فروع من البيت المرابطي، وأشهرها بنو غانية، في مقاومة الموحدين في جزر البليار ثم في المغرب الأوسط وإفريقية. وبقيت مؤسسات وعمران وشبكات تجارة صنعها المرابطون جزءاً من الدولة التي ورثهم خصومهم فيها.
مكانة المرابطين في تاريخ المغرب
تحتل دولة المرابطين مكانةً سامقة في تاريخ المغرب؛ فهي الدولة التي خرجت من أعماق الصحراء، وجمعت شتات البلاد، ومدّت سلطان المغرب من تخوم إفريقيا جنوباً إلى الأندلس شمالاً. وإذا كان الأدارسة قد وضعوا اللبنات الأولى للدولة المغربية المستقلة، وشيدوا فاس وغرسوا فيها بذور العلم والعمران، فإن المرابطين حملوا ذلك البناء إلى أفق أرحب، فوحدوا المغرب تحت راية واحدة، وأقاموا مراكش حاضرةً للملك، وجعلوا من البلاد قوةً كبرى يُسمع صوتها في غرب العالم الإسلامي.
وفي تجربة المرابطين تجلت قدرة المغرب على صهر مكوناته في حضارة واحدة. امتزجت قوة قبائل صنهاجة الأمازيغية بروح الإسلام، وازدهرت العربية لغةً للعلم والفقه والإدارة، وتوثقت الصلة بين علماء المغرب والأندلس، حتى غدت المساجد والمحاضر ومجالس القضاء منارات لنشر المذهب المالكي وترسيخ علوم الشريعة. لم تكن دولتهم سلطاناً قائماً على السيف وحده؛ فقد حملت معها رسالة إصلاح ووحدة، وحمت طرق القوافل، ووصلت الصحراء بحواضر الشمال، وهيأت للمغرب مكانته بوصفه قلباً نابضاً في الحضارة الإسلامية بالغرب.
ويتوسط يوسف بن تاشفين هذه الصفحة المجيدة كواسطة العقد وأحد أعظم الرجال الذين أنجبهم المغرب. تسلّم دولةً آخذةً في الاتساع، فأحكم بناءها، ووحّد قبائلها وأقاليمها، وجعل من مراكش عاصمةً تليق بمُلكه، من غير أن تفتنه مظاهر السلطان أو تصرفه عن واجبات الحكم. وقد اجتمع فيه حزم القائد، وتقوى الأمير، وبعد نظر رجل الدولة؛ فاستطاع أن يبني قوةً مهابة، وأن يحفظ للمغرب استقلال قراره، وأن يجعل رايته موضع رجاء المسلمين وراء البحر.
وكان عبوره إلى الأندلس أبهى مواقفه وأخلدها. فبعد سقوط طليطلة سنة 1085م اشتد خطر ألفونسو السادس، وضاقت ممالك الأندلس أمام زحفه، فلبّى يوسف نداء المستنصرين وعبر البحر برجال المغرب. وفي يوم الزلاقة دوّى صليل سيوف المرابطين دفاعاً عن الإسلام وأهله، وانكسرت قوة الجيش القشتالي، واستعاد المسلمون ثقتهم بعد أعوام من الضعف والتفرق. لقد أوقفت الزلاقة الزحف الذي كان يتهدد مدن الأندلس، ومنحتها زمناً جديداً من الحياة، وسجلت للمغرب موقفاً لا يبهت نوره: يوم حمل مسؤولية الدفاع عن الضفة الأخرى من حضارته.
ولم يكتف يوسف بن تاشفين بصدّ الخطر ثم العودة إلى المغرب، فقد أدرك ببصيرته أن داء الأندلس كامن في تفرق ملوك الطوائف وتنازعهم واستنزافهم للبلاد. فاتخذ قراره بتوحيدها تحت راية المرابطين، فأعاد إليها قوةً سياسية افتقدتها، ووصل مصيرها بمصير المغرب. وبذلك لم يكن يوسف قائداً منتصراً في معركة فحسب، وإنما كان منقذاً للأندلس في ساعة عسرتها، ومجدداً لقوتها، وبانياً لوحدة مغربية أندلسية وقفت سداً منيعاً أمام الزحف المسيحي عقوداً طويلة.
وبقي أثر المرابطين حاضراً حتى بعد أفول دولتهم؛ فمراكش التي رفعوا بنيانها ظلت عاصمةً للمغرب ومنارةً من مناراته، والمجال الواسع الذي وحدوه انتقل إلى الموحدين من بعدهم، كما استمرت الصلة السياسية والحضارية بين المغرب والأندلس على الطريق الذي شقه رجال الصحراء. وتلك منزلة لا تنالها إلا الدول العظيمة: أن تنقضي أيام سلطانها، ويبقى بناؤها راسخاً، وتسير الدول اللاحقة في الدروب التي مهدتها. ولهذا سيظل المرابطون موضع فخر في ذاكرة المغاربة، وسيظل يوسف بن تاشفين اسماً يذكر كلما ذُكرت الوحدة والجهاد ونصرة الأندلس.
خاتمة: دولة المرابطين… من الصحراء إلى مجد المغرب ونصرة الأندلس
بدأت قصة المرابطين بهمٍّ حمله رجل عائد من الحج، حين رأى حاجة قومه إلى من يبصرهم بأمور دينهم ويعلمهم شرائعه. استجاب لذلك النداء الفقيه عبد الله بن ياسين، فغرس بذرة الدعوة في رمال الصحراء، وربّى حوله رجالاً جمعوا بين العلم والعبادة والشجاعة. وما لبثت تلك البذرة أن اشتد عودها، فتحول الرباط الصغير إلى حركة إصلاح، والحركة إلى دولة امتد سلطانها في الآفاق. وهكذا خرج من الصحراء رجال لم تمنعهم قسوة الطريق ولا شظف العيش من أن يحملوا مشروعاً غيّر وجه المغرب والغرب الإسلامي.
وفي عقود معدودة تبدلت أحوال البلاد؛ توحد المغرب بعد طول تفرق، ونهضت مراكش عاصمةً شامخة، واجتمعت فاس بعد انقسامها، وأمنت طرق القوافل، وازدهرت التجارة، ورسخ القضاء المالكي، وتقاربت حواضر المغرب والأندلس في فضاء سياسي وحضاري واحد. وكان وراء هذا المجد رجال لكل واحد منهم سهم في بنائه: عبد الله بن ياسين عالم الدعوة ومربي رجالها، ويحيى بن عمر شهيد البدايات، وأبو بكر بن عمر الذي مهد للدولة وآثر وحدة صفها، ويوسف بن تاشفين الذي بلغ بها ذروة القوة والمهابة، وعلي بن يوسف الذي ازدهر في عهده العمران وامتدت رعاية المساجد والعلماء.
وقد أحسن المرابطون خدمة الإسلام حين جعلوه روح دولتهم، ونصروا المذهب المالكي حتى غدا ركناً راسخاً في هوية المغرب الدينية، وفتحوا للعربية أبواب الإدارة والعلم والتأليف، وربطوا علماء المغرب بفقهاء الأندلس في نهضة علمية مباركة. وحين استغاثت بهم الأندلس لم يترددوا في عبور البحر، فحمل رجال المغرب أرواحهم على أكفهم، وكتبوا في الزلاقة نصراً بقي صداه حياً في الذاكرة. وكان يوسف بن تاشفين في قلب ذلك المجد: أميراً زاهداً في مظهره، عظيماً في أثره، جمع المغرب، وأنقذ الأندلس في ساعة الخطر، وترك اسمه منقوشاً في سجل القادة الذين غيروا مصائر الأمم.
لهذا يحق للمغاربة أن يذكروا دولة المرابطين بكل فخر واعتزاز؛ فقد نقلت بلادهم من التفرق إلى الوحدة، ومن الدفاع عن حدودها إلى حماية ديار الإسلام وراء البحر، وجعلت من المغرب قوةً عظمى تمتد هيبتها من الصحراء إلى قلب الأندلس. وما زالت مراكش، بتاريخها ومآثرها ومكانتها، شاهدةً على أولئك الرجال الذين شيدوها، كما ظل اسم يوسف بن تاشفين قريناً بالشجاعة والوحدة ونصرة المستضعفين.
وحين دخل الموحدون مراكش سنة 541هـ/1147م، انتهى سلطان المرابطين، لكن آثارهم لم تنته معه. فقد ورثت الدولة الجديدة عاصمةً عظيمة، وبلاداً موحدة، ومجالاً سياسياً واسعاً، وصلةً راسخة بين المغرب والأندلس. ومن تينمل، بين جبال الأطلس، كانت قوة أخرى تستعد لافتتاح فصل جديد من تاريخ المغرب، يقود بداياته ابن تومرت، ثم يحوله عبد المؤمن بن علي إلى واحدة من أقوى دول الغرب الإسلامي.
هناك تبدأ الحلقة الثالثة من سلسلتنا: دولة الموحدين، وقصة رجال خرجوا من جبال المصامدة، فأسقطوا دولة المرابطين، ووحدوا المغرب الكبير، وبلغوا بسلطان المغرب آفاقاً جديدة من القوة والاتساع.
المصادر والمراجع
- أبو عبيد البكري، المسالك والممالك، الأخبار المتعلقة بصنهاجة وسجلماسة وأودغشت وطرق الصحراء.
- ابن عذاري المراكشي، البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب، الأقسام المتعلقة بالمرابطين والأندلس.
- ابن أبي زرع الفاسي، الأنيس المطرب بروض القرطاس، خبر يوسف بن تاشفين ودولة المرابطين، مع مقابلة رواياته بالمصادر والدراسات الحديثة.
- ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، أخبار صنهاجة والملثمين ودول المغرب.
- أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، القسم الخاص بالدولة المرابطية.
- Amira K. Bennison, The Almoravid and Almohad Empires, Edinburgh University Press, 2016.
- Ronald A. Messier, The Almoravids and the Meanings of Jihad, Praeger/Bloomsbury, 2010.
- Camilo Gómez-Rivas, Law and the Islamization of Morocco under the Almoravids, Brill, 2015.
- UNESCO World Heritage Centre, Medina of Marrakesh وMedina of Fez.
- The Metropolitan Museum of Art, The Art of the Almoravid and Almohad Periods.
- Museum With No Frontiers, Almoravid dinar of Ali ibn Yusuf.
- الرابطة المحمدية للعلماء، يوسف بن تاشفين.

