دولة الإمارات بلد التعايش: كيف يجتمع أكثر من 200 جنسية في مجتمع واحد؟

كيف استطاعت دولة الإمارات إدارة مجتمع يضم أكثر من 200 جنسية؟ قراءة موسعة في القانون والهوية والتسامح وحرية الشعائر والتعليم والعمل ووثيقة الأخوة الإنسانية والتحديات التي ترافق مجتمعاً شديد التنوع.

التعايش في الإمارات

في دولة الإمارات العربية المتحدة يمكن أن تبدأ صباحك في مبنى يعمل فيه أشخاص من خمس قارات، وتسمع في طريقك إلى العمل أكثر من لغة، ثم تمر في المساء بحي توجد فيه مطاعم ومدارس ودور عبادة ومراكز ثقافية تخدم جماعات جاءت من خلفيات شديدة الاختلاف. هذه الصورة اليومية ليست تفصيلاً جانبياً في بنية المجتمع الإماراتي؛ فهي نتيجة مباشرة لتحول الدولة خلال عقود قليلة إلى مركز عالمي للتجارة والطيران والتعليم والسياحة والتقنية والخدمات، وإلى موطن لأشخاص ينتمون إلى أكثر من 200 جنسية وفق المصادر الرسمية الإماراتية. تعزيز قيم التسامح والتعايش – المنصة الرسمية لحكومة الإمارات

هذا التنوع الواسع يجعل سؤال التعايش أكثر عمقاً من الاحتفال بتعدد الأطعمة واللغات والأزياء. المجتمع المتعدد يحتاج إلى قواعد قانونية تمنع التمييز والتحريض، وإلى مؤسسات تستوعب اختلاف الأديان والثقافات، وإلى لغة عامة تسمح للناس بالتعاون حتى حين لا يتفقون في المعتقد أو العادات أو الرأي. لذلك ارتبطت التجربة الإماراتية بمسار مؤسسي واضح: دستور يقرر مبادئ المساواة والحريات، وتشريعات لمواجهة التمييز والكراهية والتطرف، وبرنامج وطني للتسامح، ووزارة تحمل ملف التسامح والتعايش، ومبادرات للحوار الديني والثقافي، ثم مشاريع رمزية ومؤسسية مثل وثيقة الأخوة الإنسانية وبيت العائلة الإبراهيمية.

تستحق هذه التجربة الدراسة لأنها تجمع بين عنصرين قد يبدوان متعارضين في بعض المجتمعات: هوية وطنية عربية إسلامية واضحة، وانفتاح واسع على سكان قدموا من الهند وباكستان والفلبين ومصر والأردن ولبنان وبنغلاديش وسريلانكا ونيبال ودول إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين وآسيا الشرقية وغيرها. المعيار الحاسم هنا ليس ذوبان الهويات في هوية واحدة، بل قدرة الناس على العيش والعمل والتعلم والتعامل داخل إطار قانوني واجتماعي مشترك.

يقدم هذا المقال قراءة موسعة في الأسس التي جعلت عبارة «الإمارات بلد التعايش» وصفاً متداولاً للتجربة الإماراتية: من الجذور الاجتماعية والسياسية لنهج الانفتاح، إلى بنية المجتمع المتعدد الجنسيات، ثم الدستور والقانون، والبرنامج الوطني للتسامح، وحرية ممارسة الشعائر، ووثيقة الأخوة الإنسانية، وبيت العائلة الإبراهيمية، وصولاً إلى المدرسة ومكان العمل والمدينة والمنصات الرقمية. كما يتوقف عند التحديات التي يفرضها أي مجتمع شديد التنوع، لأن قوة النموذج لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بقدرته على تجديد أدوات الاندماج والعدالة والاحترام كلما تغيرت التركيبة السكانية والاقتصادية.

ما معنى التعايش في مجتمع متعدد؟

التعايش أوسع من مجرد وجود جماعات مختلفة داخل حدود جغرافية واحدة. قد تتجاور جماعات عديدة في المدينة نفسها من دون أن تتواصل، وقد تعمل في اقتصاد واحد بينما تبقى بينها حواجز نفسية وثقافية عميقة. التعايش الفعلي يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى واقع منظم بقواعد مشتركة: كرامة الإنسان، المساواة أمام القانون، احترام المجال العام، حرية الاعتقاد ضمن الإطار القانوني، والقدرة على التعاون في العمل والتعليم والخدمات.

في هذا المعنى يقترب التعايش من مفهوم «الاندماج المدني» أكثر مما يقترب من فكرة التشابه. المقيم لا يحتاج إلى أن يتخلى عن لغته أو عاداته حتى يصبح عضواً منتجاً في المجتمع، كما أن المواطن لا يُطلب منه أن يخفف ارتباطه بهويته الوطنية كي يكون منفتحاً على الآخرين. العلاقة الأكثر استقراراً تقوم على هوية وطنية واثقة تضع قواعد المجال العام، وفي الوقت نفسه تترك مساحات واسعة للتنوع الثقافي والديني والشخصي.

هذا الفهم ينسجم مع النقاش الفلسفي الحديث حول التسامح، الذي لا يختزله في تحمل شخص نختلف معه على مضض، بل يربطه بحقوق متساوية وحدود قانونية واضحة. ولمن يريد توسعاً في هذا الجانب النظري يمكن الرجوع إلى مقال فلسفة التسامح: كيف نختلف دون كراهية أو إقصاء؟ في «كوكب المعرفة»، حيث يناقش الفرق بين التسامح والاعتراف واللامبالاة وحدود التسامح أمام خطاب الكراهية.

أما في الواقع الإماراتي، فيصبح التعايش مهارة يومية أيضاً. الموظف يتعلم كيف يعمل مع زميل لا يشاركه اللغة الأم، والمدرسة تدير فصولاً تجمع أطفالاً من ثقافات كثيرة، والمؤسسة الخدمية تحتاج إلى التواصل مع جمهور شديد التنوع، والأسرة المقيمة تتعلم كيف تحترم العادات المحلية بينما تحتفظ بخصوصيتها. لهذا يظهر نجاح التعايش في التفاصيل الصغيرة بقدر ما يظهر في القوانين والاحتفالات الكبرى.

أكثر من 200 جنسية: التنوع السكاني بوصفه واقعاً يومياً

تؤكد المصادر الرسمية الإماراتية أن الدولة تستضيف أكثر من 200 جنسية، وهو رقم يضعها بين أكثر المجتمعات تنوعاً من حيث الأصول الوطنية. وقد كررت وزارة الخارجية هذا المعطى في بيانات حديثة، ومنها بيان صادر في أبريل 2026 أكد أن أكثر من 200 جنسية تعيش في الدولة ضمن نسيج اجتماعي متنوع. بيان وزارة الخارجية الإماراتية – أبريل 2026

تنعكس هذه التركيبة في سوق العمل بوضوح. قطاعات الطيران والضيافة والبناء والتقنية والصحة والتعليم والخدمات المالية والتجزئة تضم فرقاً متعددة الجنسيات، ويعمل كثير من الناس يومياً في بيئة تتطلب الانتقال بين لغات وأساليب تواصل وثقافات مهنية مختلفة. هذا الاحتكاك المستمر يخلق فرصاً للتعلم، لكنه يفرض أيضاً الحاجة إلى معايير واضحة تمنع التمييز وسوء المعاملة وتساعد المؤسسات على بناء ثقافة مهنية عادلة.

ويمتد التنوع إلى الفضاءات العامة: المطارات، المراكز التجارية، الحدائق، الشواطئ، المترو، الجامعات، المستشفيات، المجمعات السكنية، الأسواق والفعاليات. يلتقي الناس هنا خارج دوائرهم الخاصة، ويتعلمون بصورة غير مباشرة قواعد التعامل في مجتمع لا يستطيع افتراض خلفية واحدة لجميع أفراده. التعايش بهذا المعنى لا ينتج في المؤتمرات فقط؛ إنه يتشكل في المصعد، وطابور الخدمة، وملعب المدرسة، وعيادة الطبيب، وحافلة النقل العام.

وجود هذا العدد الكبير من الجنسيات لا يكفي وحده للحكم على جودة التعايش، لكنه يرفع درجة الاختبار اليومي. كلما تنوع السكان زادت احتمالات سوء الفهم الناتج عن اللغة أو الإشارات أو العادات أو الفروق الدينية، وزادت في المقابل قيمة وجود قانون واضح ومؤسسات سريعة الاستجابة وثقافة عامة تضع الاحترام فوق الصور النمطية.

من نهج الشيخ زايد إلى ثقافة الدولة الحديثة

يرتبط خطاب التعايش في الإمارات بإرث مرحلة التأسيس، وخصوصاً بصورة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان الذي قدم بناء الدولة بوصفه مشروعاً يجمع التنمية بالكرامة الإنسانية والانفتاح على العالم. وتعرض مصادر وزارة الخارجية الإماراتية أمثلة مبكرة على قبول الجماعات الدينية المختلفة، منها تخصيص أرض لكنيسة سانت أندرو في أبوظبي التي افتتحت سنة 1968، قبل قيام الاتحاد بثلاث سنوات. وزارة الخارجية الإماراتية – التسامح والتنوع الديني

هذه البداية مهمة لأنها تضع الانفتاح داخل قصة بناء الدولة نفسها، لا بوصفه سياسة ظهرت بعد التحول الاقتصادي. فالإمارات احتاجت منذ بدايات النفط والتحديث إلى خبرات بشرية من الخارج، وكان نجاح مشاريع الصحة والتعليم والطاقة والبنية الأساسية مرتبطاً بقدرة المجتمع على استقبال العاملين والمهنيين من ثقافات مختلفة. ومن هنا تكوّن مبكراً ارتباط عملي بين التنمية والقدرة على العيش المشترك.

وفي «كوكب المعرفة» يعرض مقال الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة: من الصحراء إلى مشروع حضاري مسار تأسيس الدولة والاستثمار في الإنسان والتعليم والبنية الأساسية. ويمكن قراءة التعايش بوصفه جزءاً من هذا المشروع؛ لأن المجتمع الذي يستقطب المعرفة والخبرة من العالم يحتاج إلى بيئة تشعر فيها الكفاءات بالأمان والاحترام.

كما يظهر جانب آخر من الثقافة المحلية في منظومة «السنع» وآداب المجلس والضيافة. الكرم واحترام الضيف وتقدير الكبير وحسن الاستقبال عناصر محلية تسبق المؤسسات الحديثة، ثم أعيد توظيفها داخل مجتمع عالمي. ويوضح مقال السنع الإماراتي: المجالس والقهوة والضيافة كيف تتحول الضيافة من عادة اجتماعية إلى لغة تبني الثقة بين الناس.

الدستور: المساواة والحقوق قاعدة قانونية مشتركة

تبدأ البنية القانونية للتعايش من دستور دولة الإمارات. فالمادة 25 تنص على أن جميع الأفراد لدى القانون سواء، وتمنع التمييز بين مواطني الاتحاد بسبب الأصل أو الموطن أو العقيدة الدينية أو المركز الاجتماعي. كما تجعل المادة 14 المساواة والعدالة الاجتماعية والأمن وتكافؤ الفرص من دعائم المجتمع. ويمكن الرجوع إلى النص الرسمي الكامل في بوابة تشريعات الإمارات – الدستور.

ويضيف الدستور في المادة 32 ضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية وفق العادات المرعية، بشرط اتساقها مع النظام العام والآداب العامة. أما المادة 40 فتقرر أن الأجانب في الدولة يتمتعون بالحقوق والحريات الواردة في المواثيق الدولية النافذة أو الاتفاقيات والمعاهدات التي تكون الإمارات طرفاً فيها، مع الالتزام بالواجبات المقابلة لهذه الحقوق. هذه النصوص تضع العلاقة بين المواطن والمقيم والدولة داخل إطار قانوني، وتمنع اختزال التعايش في حسن النية وحده.

قيمة هذه المواد تظهر في مجتمع لا يحمل سكانه الخلفية القانونية أو الثقافية نفسها. عندما يعرف الفرد أن هناك مرجعية عامة أعلى من التفضيلات الشخصية، يصبح الخلاف قابلاً للحل عبر المؤسسة والقانون. وهذا أساس مهم للاستقرار: الناس قد يختلفون في الدين والعادات والتوقعات، لكنهم يتعاملون داخل نظام واحد يحدد الحقوق والواجبات.

القانون لا يصنع وحده ثقافة احترام، لكنه يمنحها أرضية صلبة. التربية والإعلام والأسرة ومكان العمل تبني السلوك، بينما يوفر الدستور والتشريع الحد الأدنى الذي لا يسمح بتحويل الكراهية أو التمييز إلى ممارسة مشروعة.

قانون مكافحة التمييز والكراهية والتطرف

في سنة 2023 صدر المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، وهو الإطار الأحدث الذي حل محل التشريع السابق الصادر سنة 2015. ينظم القانون صوراً من الاعتداء على الأديان والمقدسات، ويجرم أفعال التمييز وخطاب الكراهية والتحريض الذي يهدد السلم العام، ويؤكد أن حرية الرأي والتعبير لا تستخدم ذريعة للازدراء أو الإضرار بالآخرين على أساس ديني أو عرقي أو طائفي. النص الرسمي للمرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2023

تكتسب هذه القواعد أهمية مضاعفة في عصر المنصات الرقمية. خطاب الكراهية لم يعد محصوراً في مجلس مغلق أو منشور محلي؛ يستطيع مقطع أو تعليق أن يصل خلال دقائق إلى آلاف الأشخاص، وأن يستورد صراعات مذهبية أو عرقية من خارج المجتمع إلى داخله. لذلك أصبح حماية السلم المجتمعي مرتبطة أيضاً بإدارة المحتوى الرقمي والمسؤولية الفردية في النشر وإعادة المشاركة.

الفكرة الأساسية في القانون هي حماية المجال العام من انتقال الاختلاف إلى تحريض أو إهانة جماعية أو تهديد. المجتمع المتعدد يستطيع تحمل قدر كبير من الاختلاف والجدل، لكنه يصبح هشاً عندما تتحول هوية الإنسان الدينية أو العرقية إلى مبرر لتجريده من الكرامة. ولهذا يرتبط القانون بالتعايش ارتباطاً مباشراً، لا بصفته قيداً على الاختلاف، بل باعتباره حداً أمام تحويله إلى عداء.

ويكمل هذا الإطار جهوداً أوسع لمواجهة التطرف. وقد خصص «كوكب المعرفة» مقالاً بعنوان التطرف والتكفير: كيف يهددان الفرد والمجتمع؟ يناقش كيف يبدأ الغلو أحياناً من لغة الإقصاء قبل أن يصل إلى العنف، وهو ما يفسر تركيز السياسات الحديثة على الوقاية الفكرية والمجتمعية إلى جانب الجانب الأمني.

البرنامج الوطني للتسامح: تحويل القيمة إلى سياسة عامة

في يونيو 2016 اعتمد مجلس الوزراء البرنامج الوطني للتسامح، ليمنح ملف التعايش إطاراً مؤسسياً يتجاوز المناسبات. يرتكز البرنامج وفق المنصة الرسمية للحكومة على سبعة أركان: الإسلام، ودستور الإمارات، وإرث زايد والأخلاق الإماراتية، والمواثيق الدولية، والآثار والتاريخ، والفطرة الإنسانية، والقيم المشتركة. البرنامج الوطني للتسامح – المنصة الرسمية لحكومة الإمارات

توزعت محاور التنفيذ بين دور الحكومة والأسرة والشباب والمحتوى العلمي والثقافي والجهود الدولية. وتكشف هذه البنية عن فهم واسع للتسامح: فهو ليس اختصاص مؤسسة واحدة، لأن الطفل يتعلمه في الأسرة والمدرسة، والموظف يختبره في المؤسسة، والجمهور يتلقى صورته عبر الإعلام، والدولة تعززه بالقانون والدبلوماسية والمبادرات الثقافية.

وفي سنة 2016 استُحدث منصب وزير دولة للتسامح، ثم أصبح اسم الجهة في يوليو 2020 «وزارة التسامح والتعايش». هذا الانتقال في الاسم يعكس اتساع المفهوم من فضيلة أخلاقية إلى علاقة اجتماعية يومية بين جماعات متنوعة. فالتسامح قد يصف موقفاً نفسياً، أما التعايش فيصف طريقة تنظيم الحياة المشتركة والتعاون المستمر.

وتندرج قيمة الانسجام والتسامح كذلك ضمن رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي تتحدث عن مجتمع متماسك وشامل يعزز الانسجام والتسامح والعطاء. المجتمع ورؤية نحن الإمارات 2031 وبهذا يصبح التعايش جزءاً من تصور المستقبل الاجتماعي للدولة، لا مجرد استجابة لواقع الهجرة الحالي.

عام التسامح 2019: لحظة كثفت الخطاب والمبادرات

في 15 ديسمبر 2018 أُعلن عام 2019 «عام التسامح» في الإمارات. ركزت المبادرة على الشباب، والثقافة، والسياسات والتشريعات، والإعلام، والحوار بين الحضارات. وتوضح الأدلة الرسمية لعام التسامح أن العمل استهدف المدرسة والجامعة ومكان العمل والسياسات العامة والإعلام، أي البيئات التي تتشكل فيها المواقف اليومية تجاه المختلف. مبادرات التسامح – المنصة الرسمية لحكومة الإمارات

أهمية ذلك العام لم تكن في كثرة الفعاليات فقط، بل في التقاء أكثر من مسار داخله. فقد استضافت أبوظبي أول زيارة بابوية إلى شبه الجزيرة العربية، ووقعت وثيقة الأخوة الإنسانية، وتعزز حضور مشاريع حوار الأديان، وانتشر خطاب عام يربط صورة الدولة بالتعدد والانفتاح. هذه الأحداث جعلت عام التسامح نقطة مرجعية في بناء سردية الإمارات الحديثة عن نفسها أمام الداخل والعالم.

كما ظهر في تلك الفترة اهتمام واضح بربط التسامح بالمؤسسات الخاصة وأماكن العمل. فبيئة العمل في دولة تستقطب الكفاءات من عشرات الدول تحتاج إلى سياسات موارد بشرية عادلة، وإدارة واعية للغات والأديان والإجازات والعادات، وقنوات واضحة لمعالجة الشكاوى. كل خلل في هذه المساحات ينعكس مباشرة على شعور الفرد بالانتماء والأمان.

ومن الناحية الثقافية، فتحت مبادرات العام مساحة لعرض ثقافات الجاليات والتعريف بها. هذا النوع من اللقاءات لا يحل وحده مشكلات التمييز، لكنه يقلل المسافة النفسية، ويمنح الناس فرصة للتعرف إلى الآخر خارج الصور المختصرة التي تصنعها الأخبار أو مواقع التواصل.

حرية ممارسة الشعائر: التعدد الديني في المجال العام

تعلن الإمارات الإسلام ديناً رسمياً للدولة، وفي الوقت نفسه تضم دور عبادة لجماعات دينية متعددة. وتذكر وزارة الخارجية وجود كنائس مسيحية ومعابد هندوسية ومعبد سيخي ومجتمعات دينية أخرى تمارس شعائرها في الدولة. هذه المعادلة تقدم نموذجاً لهوية دينية وطنية واضحة مع مساحة قانونية واجتماعية لممارسة معتقدات المقيمين. وزارة الخارجية الإماراتية – Tolerance and Inclusion

يعود بعض هذا الحضور إلى عقود مبكرة. فكنيسة سانت أندرو في أبوظبي افتتحت سنة 1968 على أرض خصصت لها في عهد الشيخ شخبوط بن سلطان، وهو تاريخ يسبق الاتحاد. لاحقاً توسعت دور العبادة المسيحية في أبوظبي ودبي والشارقة وغيرها لخدمة جماعات متعددة الجنسيات واللغات.

وفي فبراير 2024 افتتح في أبوظبي معبد BAPS الهندوسي، وهو أول معبد هندوسي حجري تقليدي من هذا النوع في الشرق الأوسط بحسب المؤسسة القائمة عليه. أقيم المشروع على أرض منحتها قيادة أبوظبي، ورافق افتتاحه برنامج واسع حول الانسجام بين الأديان والثقافات. BAPS Hindu Mandir – افتتاح أبوظبي 2024

وجود دور العبادة لا يحمل قيمة رمزية فقط. بالنسبة إلى المقيم، القدرة على ممارسة الشعائر وتنظيم المناسبات الدينية تبني شعوراً بأن حياته الروحية ليست منفصلة عن استقراره الاجتماعي. كما تمنح الجاليات مؤسسات تنظم العمل الخيري والاجتماعي والتربوي، وتوفر قنوات للتواصل مع السلطات ومع بقية مكونات المجتمع.

وفي المقابل، ينجح التعدد حين يحترم المجال العام وقوانين الدولة. فحرية العبادة في الدستور مرتبطة بالعادات المرعية والنظام العام والآداب العامة، ما يعني أن الحق يمارس داخل إطار قانوني مشترك يوازن بين خصوصية الجماعة واستقرار المجتمع.

وثيقة الأخوة الإنسانية: من لقاء أبوظبي إلى يوم دولي

في 4 فبراير 2019 وقع فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، والبابا فرنسيس في أبوظبي «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك». جاءت الوثيقة بعد حوار بين المؤسستين، ودعت إلى اعتماد ثقافة الحوار طريقاً، والتعاون المتبادل سلوكاً، والتفاهم المتبادل منهجاً. نص وثيقة الأخوة الإنسانية – الفاتيكان

تميزت الوثيقة بأنها تحدثت إلى المجال الإنساني الأوسع، لا إلى أتباع الإسلام والمسيحية وحدهم. تناولت الفقر والحروب والتطرف والتمييز والحقوق والمرأة والطفل واللاجئين، وربطت الإيمان بحماية كرامة الإنسان. هذا الاتساع جعلها مرجعاً في مشاريع لاحقة للحوار الديني والعمل من أجل السلام.

وفي ديسمبر 2020 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 75/200 الذي جعل 4 فبراير يوماً دولياً للأخوة الإنسانية، وبدأ الاحتفال به سنة 2021. تحول التاريخ بذلك من ذكرى حدث وقع في أبوظبي إلى مناسبة دولية تتناول الحوار والتضامن والتفاهم بين البشر. وتعرض بعثة الإمارات لدى الأمم المتحدة – التسامح والتعايش السلمي هذا البعد في السياسة الخارجية الإماراتية.

كما يرتبط هذا المسار بمبادرات فكرية وفقهية أوسع في المنطقة. ويحلل مقال التعاون المغربي الإماراتي في صناعة السلم: من إعلان مراكش إلى ميثاق حلف الفضول الجديد جانباً من دور المؤسسات الدينية والفكرية في بناء خطاب المواطنة والسلم وحقوق المكونات الدينية.

بيت العائلة الإبراهيمية: العمارة بوصفها لغة للحوار

افتتح بيت العائلة الإبراهيمية في جزيرة السعديات بأبوظبي سنة 2023 بوصفه مجمعاً يضم مسجد الإمام أحمد الطيب وكنيسة القديس فرنسيس وكنيس موسى بن ميمون، إلى جانب مساحات للحوار والتعليم والبرامج المجتمعية. ويمكن الاطلاع على تعريف المؤسسة ومرافقها عبر الموقع الرسمي لبيت العائلة الإبراهيمية.

القيمة الأساسية للمشروع ليست وضع ثلاث دور عبادة في مكان واحد فحسب، بل إبقاء كل منها محتفظاً بخصوصيته مع إنشاء فضاء مشترك للقاء. المعنى المعماري هنا واضح: التعايش لا يحتاج إلى إزالة الفروق الدينية، بل إلى بناء علاقة تجعل الاختلاف قابلاً للفهم والتعاون بدل أن يكون سبباً للخوف أو العداء.

تقام في البيت برامج حوار وزيارات تعليمية ولقاءات تعرف الجمهور إلى التقاليد الدينية المختلفة. هذه الوظيفة التربوية مهمة في مجتمع يأتي كثير من أفراده من دول لم يسبق لهم فيها الاحتكاك المباشر بأتباع أديان أخرى. المعرفة المباشرة تقلل المسافة التي تصنعها الصور النمطية، وتجعل الآخر شخصاً وواقعاً لا مجرد فكرة بعيدة.

وتضيف جزيرة السعديات سياقاً رمزياً للمكان، فهي تضم مؤسسات ثقافية عالمية ويقصدها زوار من بلدان كثيرة. ولهذا يلتقي في أبوظبي البعد السياحي والثقافي والديني ضمن فضاء واحد، وهو ما يشرحه بصورة أوسع دليل السياحة في إمارة أبوظبي.

المدرسة والجامعة: التعايش يبدأ قبل سوق العمل

في المدارس الخاصة والجامعات الإماراتية يدرس طلاب من جنسيات وخلفيات متعددة، ما يجعل المؤسسة التعليمية واحدة من أقوى مختبرات التعايش. الطفل يتعلم في سن مبكرة أن الاسم واللغة والطعام والعيد والعادات قد تختلف من بيت إلى آخر، وأن هذه الاختلافات لا تمنع الصداقة والعمل الجماعي. هذه الخبرة اليومية أكثر أثراً من محاضرة نظرية منفصلة عن الواقع.

تزداد قيمة المدرسة عندما تنتقل من مجرد «قبول التنوع» إلى تعليمه بصورة واعية: مكافحة التنمر، احترام الأديان والثقافات، تعليم مهارات الحوار، التدريب على إدارة الخلاف، والعمل التعاوني بين الطلاب. وبرنامج التسامح الإماراتي وضع الشباب والأسرة والمحتوى العلمي والثقافي ضمن محاوره الأساسية، لأن الاستقرار الطويل يبدأ من التنشئة.

الجامعة بدورها تجمع مرحلة عمرية تتشكل فيها الآراء والهوية المهنية. الأندية الطلابية والأنشطة الثقافية والمشروعات البحثية المشتركة تسمح للطلاب بالعمل مع من يختلفون عنهم. عندما يتعلم الشاب إدارة مشروع مع زميل من خلفية بعيدة عنه، يكتسب مهارة سيحتاج إليها لاحقاً في سوق العمل العالمي.

وتظل اللغة عاملاً مركزياً. العربية هي لغة الدولة وهويتها، والإنجليزية لغة واسعة الاستخدام في قطاعات التعليم والعمل، إلى جانب عشرات اللغات في المجتمع. إدارة هذا التعدد اللغوي تتطلب احترام العربية وتعليمها، مع توفير أدوات تواصل عملية تجعل الخدمات والتعليم متاحة لجمهور واسع.

مكان العمل: التعايش يتحول إلى إنتاج وتعاون

تُظهر الشركات والمؤسسات في الإمارات جانباً عملياً من التعايش لا يظهر دائماً في الخطاب الثقافي. الفريق الذي يضم مهندساً عربياً، ومبرمجاً هندياً، ومحاسباً فلبينياً، ومديراً أوروبياً، وفنياً إفريقياً يحتاج إلى قواعد واضحة للتواصل والتقييم والترقية وحل النزاعات. نجاح المشروع الاقتصادي يصبح مرتبطاً مباشرة بقدرة الأشخاص على تجاوز الفروق الشخصية والثقافية.

تستفيد المؤسسات المتعددة الثقافات من اتساع الخبرة وطرق التفكير، لكنها قد تواجه أيضاً اختلافاً في معنى الوقت، وطريقة تقديم النقد، والعلاقة بالسلطة، والتواصل المباشر وغير المباشر. التدريب على الكفاءة الثقافية يساعد المديرين والموظفين على قراءة هذه الفروق من غير تحويلها إلى أحكام ثابتة على الجنسيات.

ويتصل هذا الجانب بمفهوم العدالة المهنية. التعايش يفقد قيمته إذا بقي شعاراً بينما يشعر العامل أن أصله أو لغته أو دينه يؤثر في معاملته بغير حق. لذلك تتكامل ثقافة الاحترام مع التشريعات العمالية وسياسات الموارد البشرية وقنوات الشكاوى والمعايير المهنية الموحدة. قوة بيئة العمل المتنوعة تظهر عندما يعرف الجميع أن الأداء والسلوك والقانون هي المرجع، لا الصورة المسبقة عن الجنسية.

اقتصادياً، يمنح هذا التنوع الإمارات قدرة على التعامل مع أسواق متعددة. الموظف الذي يعرف لغة وثقافة سوق آسيوية أو إفريقية أو أوروبية يحمل معرفة تتجاوز مؤهله التقني. ولهذا يصبح التعايش جزءاً من رأس المال البشري، لا مجرد واجهة اجتماعية.

المدينة الإماراتية: مساحات مشتركة تصنع الألفة

المدينة نفسها تستطيع دعم التعايش أو إضعافه. عندما تكون الحدائق ووسائل النقل والشواطئ والمكتبات والمراكز الثقافية مفتوحة وآمنة ومنظمة، تزداد فرص اللقاء بين جماعات لا تجمعها دوائر العمل أو السكن. هذه اللقاءات العابرة تبني ألفة هادئة؛ يرى الإنسان المختلف عنه في موقف عادي: أسرة في حديقة، طالباً في مكتبة، أو جاراً في مصعد.

أبوظبي ودبي والشارقة تقدم نماذج مختلفة لهذه المساحات. أبوظبي تجمع المؤسسات الحكومية والثقافية والدينية الكبرى، ودبي تتميز بكثافة عالمية عالية في الأعمال والسياحة والسكن، والشارقة تركز على الكتاب والفنون والتعليم. أما بقية الإمارات فتقدم مجتمعات أصغر تتداخل فيها الحياة المحلية مع حركة المقيمين والسياحة والصناعة.

ويستطيع القارئ أن يرى صورة أشمل لهذا التنوع المكاني والثقافي في مقال اكتشف الإمارات: دليل شامل للسياحة والثقافة والطبيعة في الإمارات السبع. ففهم التعايش يصبح أعمق عندما نراه داخل اختلاف المدن والجبال والسواحل والواحات والمجالس والأسواق، لا داخل الأبراج والمناطق التجارية وحدها.

الفضاء العام المنظم يخلق أيضاً معايير سلوكية مشتركة: النظافة، احترام الدور، الهدوء، قواعد المرور، اللباس المناسب للمكان، حماية الخصوصية، وعدم إزعاج الآخرين. قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تشكل «لغة مدنية» مشتركة تسمح لملايين الأشخاص ذوي العادات المختلفة باستخدام المدينة نفسها بقدر من التوقع والثقة.

الثقافة والفنون والطعام: قنوات يومية للتعارف

يمتلك الطعام قدرة خاصة على اختصار المسافة بين الثقافات. في الإمارات يمكن أن تتجاور مطاعم إماراتية ولبنانية وهندية وفلبينية وإثيوبية ويابانية وإيطالية في شارع أو مركز تجاري واحد. هذه الكثافة لا تحول المجتمع تلقائياً إلى مجتمع متفاهم، لكنها تجعل ثقافات كانت بعيدة جغرافياً جزءاً من الحياة اليومية.

الأمر نفسه ينطبق على الفنون والكتاب والموسيقى والسينما والمعارض. الفعالية الثقافية تسمح بتقديم المجتمع لنفسه من داخله، بعيداً عن الصور المختزلة. وهي مساحة أكثر أماناً للنقاش من الجدل السياسي الحاد، لأن الجمهور يبدأ من عمل فني أو قصة أو تاريخ شخصي قبل الانتقال إلى الأفكار الكبرى.

وفي المناسبات الوطنية وشهر رمضان والأعياد الدينية تظهر فرص للتبادل الاجتماعي. كثير من المؤسسات تنظم إفطارات جماعية أو فعاليات تعريفية، وتشارك الجاليات في احتفالاتها الثقافية. قيمة هذه الممارسات تزداد عندما تحافظ على الاحترام وتجنب تحويل ثقافة الجماعة إلى استعراض سطحي أو صورة نمطية.

وتبقى الثقافة الإماراتية حاضرة داخل هذا التعدد عبر اللغة العربية، والمجلس، والقهوة، واللباس، والفنون الشعبية، والشعر، والقيم الأسرية، والضيافة. التعايش الأكثر توازناً هو الذي يسمح للضيف بمعرفة المكان الذي يعيش فيه، لا الذي يحول المدينة إلى منطقة دولية بلا شخصية.

الهوية الوطنية والانفتاح: معادلة لا تقوم على الذوبان

تقدم التجربة الإماراتية مثالاً على أن الانفتاح لا يحتاج إلى هوية ضعيفة. اللغة العربية، والدين الإسلامي، والاتحاد، ورموز الدولة، والقيم الأسرية، والمجالس والضيافة تشكل إطاراً واضحاً للهوية الوطنية. ضمن هذا الإطار يعيش ملايين المقيمين الذين يحتفظون بهوياتهم الأصلية ويشاركون في الاقتصاد والمجتمع.

هذه المعادلة مفيدة لأن الخوف من التنوع ينشأ أحياناً من تصور أن الاعتراف بالآخر سيؤدي إلى إلغاء الذات. في الواقع، الهوية الواثقة تستطيع أن تعرف نفسها من غير أن تحول الاختلاف إلى تهديد. ويستطيع المقيم بدوره احترام ثقافة البلد الذي يعيش فيه من غير أن يفقد لغته وذاكرته العائلية.

التوازن يحتاج إلى معرفة متبادلة. المقيم الجديد يستفيد من فهم العادات المحلية وقواعد الاحترام في اللباس والتصوير والمجالس وشهر رمضان والتواصل مع كبار السن، بينما يستفيد المواطن من معرفة خلفيات الأشخاص الذين يشاركونه العمل والمدينة. كل طرف يقلل مساحة سوء الفهم عندما يتعلم شيئاً عن الطرف الآخر.

وعندما يصبح هذا التعارف جزءاً من الحياة اليومية، يتغير معنى «الأجنبي» نفسه. قد يظل الشخص محتفظاً بجنسيته، لكنه يصبح جاراً وزميلاً وطبيباً ومعلماً وصاحب متجر وصديقاً، أي جزءاً من شبكة الاعتماد المتبادل التي تصنع المجتمع الحديث.

التعايش في العصر الرقمي: التحدي ينتقل إلى الشاشة

أصبح جزء كبير من الحياة الاجتماعية يحدث عبر المنصات الرقمية، ولذلك لم يعد كافياً أن تكون الشوارع والمدارس وأماكن العمل هادئة إذا كانت شبكات التواصل تنقل خطابات عنصرية وطائفية وتحريضية. خوارزميات المنصات تميل أحياناً إلى رفع المحتوى الصادم لأنه يجذب التفاعل، وهذا يجعل التربية الرقمية عنصراً جديداً في حماية التعايش.

الفرد يستطيع أن ينقل خلال دقائق صراعاً سياسياً أو مذهبياً من بلد بعيد إلى مجموعة محلية. وقد تبدأ المشكلة من مزحة مهينة أو تعميم على جنسية، ثم تتوسع مع إعادة النشر. هنا تتقاطع المسؤولية الأخلاقية مع القانون الإماراتي الذي يجرم صوراً من التمييز وخطاب الكراهية والتحريض.

وتحتاج المؤسسات التعليمية والإعلامية إلى تعليم مهارات التحقق والسياق وضبط الانفعال الرقمي. ليس كل محتوى مستفز يحتاج إلى رد، وليس كل اختلاف يستحق أن يتحول إلى مواجهة هوية. القدرة على التوقف قبل النشر أصبحت جزءاً من أخلاق التعايش مثلها مثل احترام الآخر في اللقاء المباشر.

لماذا يخدم التعايش الاقتصاد والاستقرار؟

الاقتصاد العالمي يقوم على حركة الأشخاص والمعرفة ورأس المال. المستثمر يريد بيئة قانونية مستقرة، والخبير يبحث عن أمان وجودة حياة، والسائح يحتاج إلى شعور بالترحيب، والشركة الدولية تريد مدينة تستطيع فيها نقل موظفيها وأسرهم من بلدان مختلفة. لهذا ترتبط سمعة المجتمع في التسامح بقدرته على جذب الكفاءات والاستثمارات والفعاليات الدولية.

وتعتمد قطاعات رئيسية في الإمارات على هذا الانفتاح: الطيران يربط قارات كثيرة، والسياحة تستقبل ثقافات متعددة، والمناطق الحرة تضم شركات من عشرات الدول، والجامعات تستقطب طلاباً وأساتذة عالميين، والمستشفيات تعتمد على طواقم دولية. أي توتر اجتماعي قائم على الأصل أو الدين سيرفع كلفة العمل ويضعف الثقة.

كما أن فرق العمل المتنوعة تستطيع إنتاج حلول أكثر ملاءمة لأسواق مختلفة إذا أحسنت إدارتها. التنوع وحده قد يزيد الاحتكاك، أما التنوع داخل ثقافة مهنية عادلة فيوسع زاوية النظر. ولهذا يتحول التعايش من فضيلة إنسانية إلى بنية تحتية غير مادية للاقتصاد الحديث.

أما الاستقرار الاجتماعي فيستفيد من وضوح القواعد. عندما يشعر الفرد أن الخلاف يمكن حله عبر القانون والمؤسسة، يقل اعتماده على العصبية أو الانتقام الشخصي. الثقة في النظام لا تلغي النزاعات، لكنها تجعلها قابلة للإدارة قبل أن تتحول إلى انقسام جماعي.

التحديات: مجتمع متنوع يحتاج إلى عمل دائم

قوة التجربة لا تبرر تقديم المجتمع في صورة مثالية. كل مجتمع شديد التنوع يواجه تحديات في اللغة والطبقة والدخل وطبيعة المهن والسكن والفرص والتصورات المتبادلة. قد يعيش أشخاص من جنسيات كثيرة في المدينة نفسها بينما تبقى شبكاتهم الاجتماعية منفصلة، وقد تتشكل صور نمطية تربط جنسية بمهنة أو مستوى اقتصادي معين.

من التحديات أيضاً تفاوت القدرة على الاندماج. المهني الذي يعمل في مؤسسة دولية ويتحدث الإنجليزية قد يجد الانتقال بين الثقافات أسهل من عامل محدود التعليم واللغة. ولذلك تحتاج سياسات التعايش إلى النظر في الوصول إلى المعلومات والعدالة المهنية والخدمات والترجمة والحماية من الاستغلال، لا الاكتفاء بالفعاليات الثقافية.

كما أن المجتمع الإماراتي يتغير بسرعة. أجيال من المقيمين وُلدت أو كبرت في الدولة، وتتشكل لديها علاقة بالمكان تختلف عن علاقة الوافد الجديد. وفي المقابل تتغير أولويات المواطنين مع توسع المدن وسوق العمل والتحولات السكانية. إدارة هذه التغيرات تحتاج إلى بيانات وحوار وسياسات اجتماعية مرنة.

ويظل التحدي الرقمي حاضراً؛ فالصراعات الدولية تنتقل فوراً إلى الهواتف، وقد يشعر أفراد جماعة ما أنهم مستهدفون بسبب أحداث لم تقع في الإمارات أصلاً. الحفاظ على المجال المحلي بعيداً عن الكراهية المستوردة يتطلب تطبيق القانون، وخطاباً إعلامياً مسؤولاً، ووعياً فردياً يرفض التعميم على الناس بسبب سياسات دولهم أو أفعال جماعات أخرى.

التعايش الناجح إذن ليس حالة نهائية تصل إليها الدولة ثم تتوقف. هو نظام يحتاج إلى صيانة مستمرة مثل البنية التحتية: مراجعة القوانين، تدريب المؤسسات، تعليم الأجيال، تحديث قنوات الشكاوى، وخلق مساحات لقاء حقيقية بين الناس.

ما الذي يميز النموذج الإماراتي؟

أول ما يميز التجربة هو الجمع بين الحجم الكبير للتنوع والسرعة التاريخية للتحول. خلال نصف قرن انتقلت الإمارات من مجتمع محدود السكان إلى مركز عالمي يعيش فيه ملايين المقيمين. إدارة هذا التحول من دون تفكك اجتماعي واسع تطلب بناء مؤسسات وخدمات وقوانين تتسع لحجم الحركة البشرية.

الميزة الثانية هي تحويل التسامح إلى ملف رسمي له وزارة وبرنامج وطني وتشريعات ومبادرات. هذا لا يجعل الدولة وحدها مسؤولة عن سلوك كل فرد، لكنه يرسل إشارة واضحة حول القيم التي تريد المؤسسات تعزيزها والحدود التي يضعها القانون أمام خطاب الكراهية.

الميزة الثالثة هي الجمع بين البعد الداخلي والخارجي. داخل الدولة توجد مبادرات للتعايش ودور عبادة ومؤسسات حوار، وخارجها تستخدم الإمارات الدبلوماسية والمنصات الدولية لدعم خطاب الأخوة الإنسانية وحوار الأديان. هذا الربط يمنح التجربة تأثيراً يتجاوز حدودها الجغرافية.

أما الميزة الرابعة فهي حضور الهوية المحلية داخل الانفتاح. الإمارات ليست مدينة عالمية بلا ذاكرة؛ فالسنع والمجلس واللغة العربية والقيم الأسرية والدين الإسلامي ورموز الاتحاد حاضرة في المجال العام. قوة التعايش هنا ترتبط بقدرة هذه الهوية على استقبال المختلف والتعامل معه من موقع الثقة.

دروس يمكن أن تستفيد منها المجتمعات الأخرى

الدرس الأول أن التنوع يحتاج إلى قانون. حسن النية مهم، لكنه لا يكفي عندما تتعارض المصالح أو يظهر خطاب تحريض. وجود قواعد معلنة ضد التمييز والكراهية يمنح الأفراد والمؤسسات مرجعاً مشتركاً ويحدد الخطوط الحمراء.

الدرس الثاني أن المؤسسات التربوية حاسمة. الطفل الذي يتعلم منذ البداية احترام زميل مختلف يصبح أقل قابلية للخطاب العنصري لاحقاً. والاستثمار في المدرسة والجامعة أكثر عمقاً من حملات موسمية لا تصل إلى أنماط التفكير اليومية.

الدرس الثالث أن الهوية والانفتاح يتقويان معاً حين تُدار العلاقة بوعي. المجتمع الواثق بثقافته يستطيع استقبال الثقافات الأخرى من دون خوف، والمقيم الذي يفهم هوية البلد يحترمها أكثر. لذلك يخدم التعليم الثقافي الطرفين ولا يقتصر على تعريف الأجانب بالقوانين.

الدرس الرابع أن الرموز تحتاج إلى مؤسسات. وثيقة أو نصب أو شعار يستطيع فتح النقاش، لكن الأثر المستدام يتطلب برامج وقوانين ومدارس ومراكز حوار ومساحات عامة. ولهذا تبرز في التجربة الإماراتية أهمية الجمع بين الحدث الرمزي والبنية المؤسسية.

الدرس الخامس أن التعايش يُقاس في المواقف العادية. الطريقة التي يُعامل بها عامل خدمة، أو طالب جديد، أو جار من دين مختلف، أكثر دلالة أحياناً من خطاب كبير عن التسامح. الثقافة الحقيقية تظهر عندما يصبح الاحترام تلقائياً حتى من دون جمهور أو مناسبة.

الأسرة والجيرة والمناسبات: التعايش في الدائرة الأقرب

تظهر قوة التعايش حين تخرج من المؤسسة الرسمية إلى العلاقات الأقرب للناس: البيت والعمارة والحي والمدرسة ومجلس الآباء. كثير من المقيمين يعيشون سنوات طويلة في الإمارات، وتكبر أبناؤهم في أحياء تضم عائلات من جنسيات مختلفة. هنا يصبح الجار أول صورة يومية عن ثقافة أخرى، وتتشكل الثقة عبر سلوك بسيط مثل احترام الهدوء، ومراعاة الخصوصية، والمساعدة عند الحاجة، والالتزام بقواعد المكان المشترك.

المناسبات الدينية والاجتماعية تفتح بدورها مساحات للتعارف. خلال رمضان تتكرر مبادرات الإفطار الجماعي وتوزيع الطعام والعمل التطوعي، ويشارك فيها أشخاص من خلفيات متعددة. وفي الأعياد والمناسبات الوطنية والاحتفالات الثقافية للجاليات يتعرف الناس إلى عادات بعضهم خارج إطار العمل. قيمة هذه اللقاءات أنها تربط الثقافة بوجه إنساني مباشر، فتضعف الأحكام المبنية على المجهول أو السماع البعيد.

وتحمل الأسرة مسؤولية خاصة في هذا المجال. الطفل لا يتعلم احترام المختلف من المناهج وحدها؛ يلتقط لغة والديه وتعليقاتهم على الناس في البيت. إذا اعتاد سماع التعميم على جنسية أو مهنة أو دين، سيحمل هذا التصنيف معه إلى المدرسة. وإذا وجد في الأسرة لغة تفرق بين نقد السلوك والحكم على جماعة كاملة، يتعلم مبكراً أن الاختلاف لا يبرر الإهانة.

كما يساعد العمل التطوعي على كسر الحواجز بين الجماعات. عندما يعمل أشخاص من بلدان متعددة في مبادرة بيئية أو خيرية أو مجتمعية، تنتقل العلاقة من التعارف النظري إلى إنجاز مهمة مشتركة. وعلم الاجتماع يبين أن التعاون على هدف مشترك من أكثر الطرق فاعلية في تخفيف الصور النمطية، لأن الفرد يرى قدرات الآخر ومسؤوليته في موقف عملي لا في صورة إعلامية مختصرة.

وتبقى الجيرة مقياساً هادئاً لا يظهر في المؤشرات الكبيرة. المجتمع المتعايش هو الذي يستطيع فيه الإنسان أن يسكن إلى جوار شخص مختلف عنه من غير خوف، وأن يثق بأن الخصوصية والاحترام والقانون تحمي الطرفين. هذه الخبرة اليومية هي التي تمنح القيم الرسمية جذورها الاجتماعية العميقة.

السائح والوافد الجديد: كيف يبدأ الاندماج من الأيام الأولى؟

تستقبل الإمارات باستمرار زواراً وموظفين وطلاباً ينتقلون إليها للمرة الأولى، وهؤلاء يدخلون مجتمعاً شديد التنوع لكنه يمتلك في الوقت نفسه قواعد محلية واضحة. البداية الجيدة تعتمد على معرفة بسيطة بثقافة البلد: احترام الأماكن الدينية، والاستئذان قبل تصوير الأشخاص، ومراعاة الخصوصية، والالتزام بقواعد اللباس والسلوك المرتبطة بالمكان، وفهم حساسية شهر رمضان والمناسبات الوطنية.

من المفيد أن تقدم المؤسسات لأعضائها الجدد هذا السياق بصورة عملية لا تخويفية. دليل قصير عن العادات والقوانين وأسلوب التواصل يوفر على الموظف أو الطالب كثيراً من سوء الفهم، ويشعره بأن التعرف إلى ثقافة البلد جزء من الترحيب به. وفي المقابل، يساعد الموظفون المواطنون والمقيمون القدامى الوافد الجديد عندما يشرحون له القواعد بهدوء بدلاً من افتراض أنه يعرفها مسبقاً.

وتملك السياحة دوراً في نشر صورة التعايش أيضاً. الزائر يرى في الفندق والمطار والمترو والمطعم والمتحف أشخاصاً من جنسيات كثيرة يعملون ضمن منظومة واحدة، ثم يكتشف الثقافة الإماراتية في الأسواق والمجالس والمتاحف والمساجد والفعاليات. هذه التجربة تمنحه صورة أكثر تركيباً من الصورة المختصرة التي قد يحملها عن الخليج قبل الزيارة.

ويظل احترام القانون نقطة البداية. التعايش لا يقوم على ترك كل شخص يتصرف كما يشاء، بل على مساحة واسعة من الحرية داخل قواعد معلنة تحمي الجميع. كلما فهم الوافد هذه المعادلة مبكراً، أصبح انتقاله إلى المجتمع أسهل، وصار اختلافه الثقافي مصدراً للإثراء بدل أن يتحول إلى سلسلة من الاحتكاكات الصغيرة.

أسئلة شائعة عن الإمارات والتعايش

كم جنسية تعيش في دولة الإمارات؟

تذكر مصادر حكومية ودبلوماسية إماراتية أن أكثر من 200 جنسية تعيش وتعمل في الدولة. الرقم يعبر عن حجم التنوع السكاني، لكنه لا يمثل إحصاءً ثابتاً لكل جنسية في كل لحظة لأن حركة الإقامة والعمل والسفر تتغير باستمرار.

ما الأساس القانوني للتعايش في الإمارات؟

يرتكز على عدة مستويات: الدستور ومبادئ المساواة والحريات، والمرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2023 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، إلى جانب قوانين العمل والإقامة والنظام العام وسياسات حكومية مثل البرنامج الوطني للتسامح.

هل تسمح الإمارات لغير المسلمين بممارسة شعائرهم؟

ينص الدستور على حرية ممارسة الشعائر الدينية وفق العادات المرعية وبما لا يخالف النظام العام أو الآداب العامة. وتوجد في الدولة كنائس ومعابد ودور عبادة لجماعات دينية متعددة، من بينها بيت العائلة الإبراهيمية ومعبد BAPS الهندوسي في أبوظبي.

متى أُنشئ البرنامج الوطني للتسامح؟

اعتمده مجلس الوزراء في يونيو 2016، ويرتكز على سبعة أركان من بينها الإسلام والدستور وإرث زايد والقيم المشتركة والمواثيق الدولية، ويعمل عبر محاور تشمل الحكومة والأسرة والشباب والمحتوى الثقافي والجهود الدولية.

ما أهمية وثيقة الأخوة الإنسانية؟

وقعت في أبوظبي في 4 فبراير 2019 بين الإمام الأكبر أحمد الطيب والبابا فرنسيس، ودعت إلى الحوار والتعاون والتفاهم ورفض العنف والتطرف. وأصبح 4 فبراير لاحقاً يوماً دولياً للأخوة الإنسانية بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ما هو بيت العائلة الإبراهيمية؟

مجمع في جزيرة السعديات بأبوظبي يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً ومساحات مشتركة للحوار والتعليم. يحافظ كل مكان عبادة على خصوصيته، بينما تستضيف المساحات المشتركة برامج للتعارف والحوار بين الأديان والثقافات.

هل التعايش يعني غياب المشكلات الاجتماعية؟

لا. التنوع الكبير يخلق تحديات في اللغة والدخل والمهن والصور النمطية والاندماج، كما يمكن للصراعات الخارجية أن تنتقل عبر المنصات الرقمية. قيمة التعايش تظهر في وجود أدوات قانونية ومؤسسية واجتماعية لمعالجة هذه التحديات باستمرار.

كيف يشارك الأفراد في حماية التعايش؟

باحترام القانون والعادات المحلية، وتجنب التعميم على الجنسيات والأديان، والتحقق قبل نشر المحتوى المثير للكراهية، والتعامل المهني العادل في العمل، وتعليم الأطفال احترام الاختلاف، والمشاركة في مساحات الحوار والتعارف.

خاتمة: التعايش بنية يومية لا شعاراً موسمياً

تقدم دولة الإمارات حالة اجتماعية لافتة: هوية وطنية عربية إسلامية واضحة، واقتصاد ومدن تستقبل أكثر من 200 جنسية، ومؤسسات تحاول تحويل هذا التنوع من احتمال للاحتكاك إلى قدرة على التعاون. هذه النتيجة لم تأت من عامل واحد؛ فقد تداخلت ثقافة الضيافة المحلية مع حاجات التنمية، ثم دعمتها بنية دستورية وتشريعية وبرامج حكومية ومؤسسات تعليمية وثقافية ودينية.

في قلب التجربة توجد فكرة بسيطة وصعبة في الوقت نفسه: يستطيع الناس أن يحتفظوا باختلافاتهم وأن يعملوا داخل قواعد مشتركة. المسلم والمسيحي والهندوسي واليهودي وغير المتدين، العربي والآسيوي والإفريقي والأوروبي، المواطن والمقيم، لا يحتاجون إلى التطابق حتى يتعاونوا. المطلوب هو احترام القانون وكرامة الإنسان والفضاء العام وحق الآخر في أن يكون مختلفاً.

لهذا لا يُختبر وصف «الإمارات بلد التعايش» في المناسبات الرسمية فقط. يُختبر في طريقة تعامل المدير مع فريق متعدد الجنسيات، والمدرس مع فصل متعدد الثقافات، والجار مع من يختلف عنه، والمستخدم مع المحتوى الرقمي، والمؤسسة مع شكوى التمييز، والمدينة مع حاجات سكانها. كل موقف من هذه المواقف يضيف لبنة إلى الثقة أو يسحب منها.

وكلما استمر المجتمع في تحديث قوانينه وتعليمه ومؤسساته مع تغير السكان والاقتصاد، بقي التعايش قدرة عملية على صناعة الاستقرار والازدهار. هذه هي القيمة الأعمق للتجربة الإماراتية: تحويل التنوع من رقم ديموغرافي إلى سؤال مؤسسي وأخلاقي متجدد، والإجابة عنه كل يوم بالقانون والحوار والعمل المشترك.

للتوسع في كوكب المعرفة

المصادر والمراجع

1. المنصة الرسمية لحكومة الإمارات: تعزيز قيم التسامح والتعايش

2. بوابة تشريعات الإمارات: دستور دولة الإمارات العربية المتحدة

3. المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2023 بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف

4. المنصة الرسمية لحكومة الإمارات: البرنامج الوطني للتسامح

5. المنصة الرسمية لحكومة الإمارات: مبادرات التسامح وعام التسامح

6. المنصة الرسمية لحكومة الإمارات: المجتمع ورؤية نحن الإمارات 2031

7. وزارة الخارجية الإماراتية: Tolerance and Inclusion

8. وزارة الخارجية الإماراتية: أكثر من 200 جنسية في النسيج الاجتماعي الإماراتي، 2 أبريل 2026

9. بعثة دولة الإمارات لدى الأمم المتحدة: Tolerance and Peaceful Coexistence

10. وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك – الفاتيكان، 4 فبراير 2019

11. الأمم المتحدة: اليوم الدولي للأخوة الإنسانية

12. بيت العائلة الإبراهيمية – الموقع الرسمي

13. BAPS Hindu Mandir Abu Dhabi – Dedication Assembly, 14 February 2024

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *