حين دوّن ألفار نونيث كابيثا دي فاكا روايته عن الكارثة التي حلّت ببعثة بانفيلو دي ناربايث في أمريكا الشمالية، لم يبق من مئات الرجال الذين ارتبطوا بتلك المغامرة سوى أربعة ناجين وصلت أسماؤهم إلى كتب التاريخ. ثلاثة منهم إسبان، أما الرابع فكان رجلًا مغربيًا من مدينة أزمور، على الساحل الأطلسي، حملته ظروف القرن السادس عشر بعيدًا عن بلاده حتى وجد نفسه يعبر أراضي شاسعة من العالم الجديد.
ذلك الرجل هو مصطفى الأزموري، المعروف في الوثائق الإسبانية بأسماء إستيبان وإستيبانيكو وإستيبان دي دورانتي. وتصفه بعض المصادر بعبارات تعكس لغة عصرها ونظرته إلى الأصل واللون والوضع الاجتماعي، بينما أعادت الكتابات المغربية والعربية الحديثة ربطه باسمه المتداول وموطنه الأول: أزمور.
لا نملك سيرة كتبها الأزموري عن نفسه. لم تصل إلينا مذكرات يخبرنا فيها عن طفولته، ولا وثيقة مغربية معاصرة تحسم اسمه قبل انتقاله إلى العالم الإيبيري أو تشرح الطريق الدقيق الذي انتهى به إلى الاستعباد. نعرف معظم حياته من خلال ما كتبه رجال آخرون، وفي مقدمتهم كابيثا دي فاكا، ومن خلال وثائق أنتجها عالم التوسع الإسباني في الأمريكتين.
لكن هذه الفجوات لا تحجب حقيقة استثنائية: رجل خرج من أزمور، وعبر أجزاء واسعة مما يعرف اليوم بالولايات المتحدة والمكسيك، ونجا من واحدة من أشهر كوارث الاستكشاف الإسباني في القرن السادس عشر، ثم عاد إلى الشمال سنة 1539 دليلًا ومستطلعًا، قبل أن تنتهي حياته في منطقة الزوني في نيو مكسيكو الحالية.
مصطفى الأزموري من أزمور إلى العالم الإيبيري
تقع أزمور عند مصب نهر أم الربيع على الساحل الأطلسي المغربي. وفي مطلع القرن السادس عشر كانت المدينة جزءًا من فضاء بحري مضطرب شهد صراعًا سياسيًا وعسكريًا وتجاريًا بين المغرب والقوى الإيبيرية. وسيطر البرتغاليون على أزمور سنة 1513، في مرحلة اختلطت فيها الحرب بالتجارة والأسر والاسترقاق والتنقل القسري للبشر بين ضفتي المتوسط وعبر المجال الأطلسي.
في هذا العالم ينبغي وضع السنوات الأولى من حياة مصطفى الأزموري.
المصادر الإسبانية والأمريكية واضحة في ربطه بالمغرب وأزمور، لكنها لا تقدم سيرة متصلة لطفولته وشبابه. ولا نعرف على وجه اليقين متى غادر مدينته ولا الكيفية الدقيقة التي أصبح بها مملوكًا للإسباني أندريس دورانتي دي كارانثا.
هل كان اسمه فعلًا مصطفى؟
هذه واحدة من المسائل التي تستحق الاحتراز.
فاسم مصطفى الأزموري استقر بقوة في الكتابات المغربية والعربية الحديثة، بينما تعرفه الوثائق الإسبانية المبكرة أساسًا باسم Esteban وEstevan وEstevanico، وأحيانًا Esteban de Dorantes.
أما أصله المغربي وارتباطه بأزمور فهما أكثر ثبوتًا.
لذلك يمكن استعمال «مصطفى الأزموري»، كما تفعل الكتابات المغربية الحديثة، من دون تقديم الاسم الأول باعتباره حقيقة أرشيفية محسومة بالدرجة نفسها التي تثبت بها أزموريته.
والثابت أن إستيبانيكو أصبح مملوكًا لأندريس دورانتي، وأن هذا الوضع أدخله سنة 1527 في واحدة من أكثر الرحلات الإسبانية مأساوية في تاريخ أمريكا الشمالية.
مصطفى الأزموري وبعثة ناربايث: حين تحول الفتح إلى كارثة
في سنة 1527 أبحرت بعثة يقودها بانفيلو دي ناربايث بتكليف من التاج الإسباني، ضمن محاولات التوسع في العالم الجديد. وبعد رحلة مضطربة وصلت الحملة إلى ساحل فلوريدا سنة 1528.
كان إستيبانيكو ضمن رجالها بصفته تابعًا لأندريس دورانتي.
دخل الإسبان الأرض الجديدة وهم يبحثون عن الثروة والنفوذ والأراضي التي يمكن إخضاعها، لكن ما وجدوه كان أبعد ما يكون عن الحملة السريعة التي تخيلوها.
ابتعد رجال ناربايث عن سفنهم ومصادر إمدادهم، وتوغلوا في أراض لم يعرفوا جغرافيتها ولا مواردها. اجتمع عليهم الجوع والمرض والإرهاق، ووقعت مواجهات مع بعض جماعات السكان الأصليين، وأخذ عددهم يتناقص.
وعندما أصبحت مواصلة الطريق برًا شبه مستحيلة، صنع الناجون قوارب بدائية وحاولوا الإبحار بمحاذاة ساحل خليج المكسيك.
لم تكن تلك القوارب مهيأة للرحلة. فرقت العواصف والتيارات الرجال، وتحطمت القوارب، ومات كثيرون من الجوع والمرض والغرق والإنهاك.
وبعد سنوات من الكارثة، لم يبق ممن تمكنوا في النهاية من العودة إلى مناطق السيطرة الإسبانية سوى أربعة اشتهرت أسماؤهم: ألفار نونيث كابيثا دي فاكا، وأندريس دورانتي دي كارانثا، وألونسو ديل كاستيو مالدونادو، وإستيبانيكو الأزموري.
سنوات الضياع التي صنعت خبرة مصطفى الأزموري
لم تكن رحلة الناجين الأربعة استكشافًا منظمًا بخرائط ومؤن وقوة عسكرية. كانوا، قبل كل شيء، رجالًا يحاولون البقاء أحياء.
عاشوا فترات بين جماعات مختلفة من السكان الأصليين، ومر بعضهم بتجارب الأسر والعمل القسري، وتنقلوا عبر مسافات شاسعة وفي بيئات قاسية.
وفي هذه السنوات أخذت خبرة الأزموري قيمتها الحقيقية.
فحين يفقد القادم سلاحه وإمداداته، يصبح الحصول على الطعام ومعرفة الطريق وفهم الإشارات والعادات والقدرة على الاقتراب من مجتمع غريب مسائل تتوقف عليها الحياة نفسها.
وتشير هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية في سيرتها لإستيبان دي دورانتي إلى مهارته في التواصل مع الشعوب الأصلية وإلى المعرفة التي اكتسبها بلغاتهم وثقافاتهم خلال سنوات الترحال.
لكن من الأفضل الابتعاد عن الروايات التي تنسب إليه إتقان عدد محدد وكبير من اللغات من دون سند واضح. ما تثبته تجربته هو قدرته العملية على التواصل والوساطة والتعامل مع مجتمعات مختلفة.
بعد سنوات الطريق لم يعد الرجل الذي دخل بعثة ناربايث سنة 1527 هو نفسه. لقد أصبح يحمل معرفة بالناس والمسالك والبيئات لا يملكها كثير من الإسبان الذين وصلوا حديثًا إلى القارة.
من الناجي إلى الدليل الذي احتاج إليه الإسبان
في سنة 1536 وصل الناجون الأربعة إلى مناطق خاضعة للسلطة الإسبانية في المكسيك.
كان ظهورهم حدثًا لافتًا. فقد عاد رجال ظُن أنهم فقدوا منذ سنوات، يحملون أخبارًا عن أراض وشعوب ومسالك لم تكن الإدارة الاستعمارية تعرف عنها إلا القليل.
دوّن كابيثا دي فاكا لاحقًا روايته الشهيرة La Relación، التي أصبحت مصدرًا أساسيًا لفهم جانب كبير من رحلة ناربايث.
أما الأزموري فلم يترك لنا نصًا مماثلًا.
نحن نراه من خلال كلام الآخرين، ولذلك لا يمكن اعتبار المساحة التي منحها له الأرشيف مقياسًا دقيقًا لحجم دوره الفعلي.
رحلة 1539 نحو سيبولا
أثارت أخبار الشمال اهتمام أنطونيو دي مندوزا، نائب ملك إسبانيا الجديدة.
كانت أخبار المدن الغنية والثروات المجهولة تجد آذانًا مستعدة لتصديقها، خصوصًا بعد التجارب الإسبانية في المكسيك والبيرو. وفي هذا المناخ ارتبط الشمال بأسطورة مدن سيبولا السبع.
وفي سنة 1539 أُرسلت بعثة استطلاعية بقيادة الراهب الفرنسيسكاني ماركوس دي نيثا.
وعاد الأزموري إلى الطريق.
هذه المرة لم تكن قيمته نابعة فقط من تبعيته القديمة لدورانتي، بل من الخبرة التي راكمها خلال سنوات الترحال. وتذكر هيئة المتنزهات الوطنية أن نائب الملك مندوزا اشترى إستيبان من دورانتي وأرسله لمرافقة ماركوس دي نيثا في رحلة الاستطلاع.
تقدم إستيبان أمام المجموعة الرئيسية، ترافقه مجموعة من السكان الأصليين، وكانت بينه وبين ماركوس وسائل متفق عليها لإرسال الأخبار.
ومع اتساع المسافة بين الرجلين، أصبح الأزموري عمليًا رأس الاستطلاع المتقدم: يسير أولًا، ويتعامل مع المجتمعات التي يجدها، ويرسل المعلومات إلى من بقي خلفه.
مصطفى الأزموري في هافيكوه: أول مستكشف غير أصلي معروف يصل إليها
في سنة 1539 بلغ إستيبان منطقة هافيكوه Hawikuh، إحدى مستوطنات الزوني التاريخية في ما يعرف اليوم بولاية نيو مكسيكو.
وتكتسب هذه اللحظة أهمية كبيرة في سيرة مصطفى الأزموري؛ إذ تصفه المصادر التابعة لهيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية بأنه من أوائل غير الأصليين الذين وصلوا إلى منطقة الزوني، وتضع اتصاله بها في مقدمة اللقاءات المعروفة بين الوافدين من خارج القارة ومجتمعات المنطقة.
كما تسجل وثائق National Park Service الخاصة بتاريخ الزوني وهافيكوه وجود إستيبان في منطقة الزوني سنة 1539، قبل حملة كورونادو الكبرى في السنة التالية.
لماذا لا يصح وصفه بـ«مكتشف أمريكا»؟
لأن ذلك ببساطة لا يطابق التاريخ.
لم تكن أمريكا أرضًا خالية تنتظر من «يكتشفها». كانت القارتان مأهولتين منذ آلاف السنين، وقامت فيهما حضارات ومجتمعات لها تواريخها الخاصة قبل وصول الأوروبيين وغيرهم من الوافدين.
كما سبقت رحلة الأزموري رحلات عبر الأطلسي إلى الأمريكتين.
لكن إسقاط هذا الوصف المبالغ فيه لا ينتقص من مكانته.
إنجاز مصطفى الأزموري الحقيقي أدق وأكثر إثارة: كان من أقدم القادمين من خارج القارة الذين عبروا مناطق واسعة من جنوب أمريكا الشمالية، وأصبح من الشخصيات المبكرة المرتبطة باستكشاف الجنوب الغربي للولايات المتحدة الحالية.
ولا يحتاج هذا الإنجاز إلى مبالغة كي يصبح مهمًا.
هل كان مصطفى الأزموري مجرد خادم؟
من أكثر الصور اختزالًا لسيرته تعريفه في سطر واحد بأنه «عبد مغربي رافق المستكشفين الإسبان».
الجزء الأول من العبارة حقيقة تاريخية، لكنه لا يروي القصة كلها.
كان الأزموري مستعبدًا، وهذه حقيقة لا ينبغي إخفاؤها. لكنه لم يبق طوال تجربته مجرد شخص يؤدي خدمة شخصية لسيده.
الرجل الذي رافق دورانتي في بداية رحلة ناربايث أصبح بعد سنوات صاحب خبرة ميدانية نادرة. وعندما قررت السلطات الإسبانية استطلاع الشمال سنة 1539، كان هو من تقدم أمام المجموعة الرئيسية.
لم يكن قائدًا سياسيًا للبعثة، ولم يكن صاحب القرار في المشروع الاستعماري الإسباني، لكن ما أداه في الميدان تجاوز بوضوح صورة الخادم: استطلاع الطريق، والتواصل، والوساطة، وجمع المعلومات والتقدم في أرض جديدة بالنسبة للإسبان.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات حياته دلالة: النظام الذي وضعه في أسفل السلم الاجتماعي احتاج، في لحظة حاسمة، إلى المعرفة التي راكمها ذلك الرجل نفسه.
مصطفى الأزموري وسيطًا بين ثقافات مختلفة
لا نملك قائمة موثقة باللغات التي عرفها، ولا قاموسًا كتبه، ولا شهادة تسمح بإحصاء عدد اللغات التي كان يتحدث بها.
لكن المصادر تكفي لإثبات أن قدرته على التواصل كانت جزءًا أساسيًا من قيمته.
فالناجون من بعثة ناربايث مروا بمناطق تسكنها جماعات مختلفة، وكان الطعام يحتاج إلى تفاوض، والطريق إلى سؤال، والأمان إلى بناء قدر من الثقة.
ولم يكن التواصل ترجمة حرفية فحسب. الإشارة والمقايضة والهدايا وفهم الأعراف والطريقة المناسبة لدخول تجمع جديد كانت كلها جزءًا من أدوات العبور.
بهذا المعنى يمكن النظر إلى الأزموري بوصفه وسيطًا ثقافيًا صنعت سنوات الاحتكاك المباشر خبرته.
ولا يعني ذلك تجميل السياق الاستعماري الذي جرت فيه هذه الاتصالات؛ فقد كان التوسع الإسباني يغير حياة شعوب القارة بالقوة، وكان الأزموري نفسه داخل بعثات مرتبطة بذلك المشروع، وإن كان موقعه الاجتماعي والقانوني مختلفًا جذريًا عن موقع من كانوا يصنعون قراراته.
مقتل مصطفى الأزموري: ماذا حدث في هافيكوه؟
عند هذه النقطة تصبح الوثائق أقل يقينًا.
وصل إستيبان إلى منطقة الزوني سنة 1539، لكنه لم يعد إلى ماركوس دي نيثا.
وصل خبر مقتله إلى من كانوا خلفه، أما التفاصيل الدقيقة لما جرى قبيل موته فلا يمكن إعادة بنائها بدرجة اليقين التي توحي بها بعض الروايات المتأخرة.
ظهرت تفسيرات متعددة: بعضها ربط الأمر بطريقة دخوله أو بما كان يحمله، وبعضها تحدث عن الخوف من الجماعة القادمة وراءه، وأضيفت إلى القصة مع مرور الزمن تفاصيل يصعب التحقق منها.
والأهم أن المصادر نفسها لا تقدم رواية واحدة لا خلاف عليها.
ولهذا فإن الموقف الأكثر انضباطًا هو التمييز بين الحدث المؤكد وتفسيره: وصل إستيبان إلى منطقة الزوني وقُتل هناك سنة 1539؛ أما الساعات الأخيرة من حياته وأسباب مقتله الدقيقة فتبقى موضع نقاش.
وهكذا انتهت حياة الرجل القادم من أزمور بعيدًا آلاف الكيلومترات عن الساحل المغربي الذي ولد فيه.
مصطفى الأزموري ومدن الذهب السبع: بين الواقع والأسطورة
لم ينته أثر رحلة 1539 بموت الأزموري.
فالأخبار التي وصلت عن سيبولا عززت الاعتقاد الإسباني بوجود مدن غنية في الشمال، وساهم تقرير ماركوس دي نيثا في تشجيع حملة أكبر قادها فرانسيسكو فاسكيز دي كورونادو ابتداء من سنة 1540.
وعندما وصلت قوات كورونادو إلى المنطقة لم تجد المدن المكسوة بالذهب التي صنعها الخيال.
كانت هناك مجتمعات حقيقية ومستوطنات منظمة، لكنها لم تكن الصورة الأسطورية التي توقعها الباحثون عن الثروة.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى تلك اللحظة مر بالأزموري.
لم يكن قائد الجيش الذي جاء بعده، لكنه كان الرجل الذي تقدم إلى المنطقة قبله.
وتستدعي هذه الصفحة من تاريخ الاستكشاف المغربي شخصية أخرى عاشت في زمن مختلف وسلكت طريقًا مختلفًا تمامًا، هي الشريف الإدريسي؛ فبينما صنع الإدريسي معرفته الجغرافية من الخرائط والروايات والبحث المنظم، جاءت معرفة الأزموري من تجربة قاسية عاشها على الأرض. ويمكن للقارئ الرجوع إلى مقال «الشريف الإدريسي: العالم المغربي الذي رسم خريطة العالم» المنشور في «كوكب المعرفة» للتعرف إلى صفحة أخرى من إسهام المغاربة في تاريخ المعرفة الجغرافية.
لماذا اختفى صوت مصطفى الأزموري من الرواية؟
يطرح تاريخ الأزموري سؤالًا يتجاوز سيرته الشخصية: من كان يملك حق كتابة التاريخ؟
كتب كابيثا دي فاكا، وكتبت الإدارة الإسبانية، وتركت البعثات اللاحقة تقاريرها. أما الرجل المغربي الذي عاش الرحلة نفسها فلم يصلنا نص معروف كتبه بصوته.
لذلك نبحث عنه داخل كلام الآخرين.
وهذه القضية أصبحت محورًا في الدراسات الحديثة التي تعيد قراءة أرشيف الرحلات الاستعمارية. فالوثيقة ليست مرآة محايدة دائمًا؛ إنها أيضًا نتاج مجتمع يحدد من يستطيع الكتابة ومن يمتلك السلطة التي تجعل روايته باقية.
الدراسات المغربية الحديثة تعيد قراءة الأزموري
برز هذا الاتجاه بوضوح في الدراسات المنشورة سنة 2025 في مجلة Soroud: The Journal of Literary Criticism and Narratology التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.
ويعيد الباحث Hsain Ilahiane قراءة المصادر الإسبانية والوثائق المغربية لفهم موقع إستيبان، ويصفه في عنوان دراسته بأنه أول مستكشف مغربي وإفريقي للجنوب الغربي الأمريكي.
أما الباحث والدبلوماسي المغربي عبد القادر الجموسي فيتناول العلاقة بين الرحلة والنص وبناء الشخصية التاريخية.
وتتيح صفحة العدد الثامن من مجلة Soroud بجامعة الحسن الثاني الاطلاع على الدراسات الأكاديمية المنشورة في هذا العدد.
السؤال، إذن، لم يعد فقط: ماذا قالت الوثائق الإسبانية عن الأزموري؟
بل أيضًا: ماذا غاب عنها، ولماذا؟
عودة مصطفى الأزموري إلى الذاكرة المغربية
ظل إستيبانيكو حاضرًا في الكتابات الأمريكية المرتبطة بتاريخ الاستكشاف الإسباني وتكساس ونيو مكسيكو، بينما بقي حضوره أقل وضوحًا لدى قطاعات واسعة من الجمهور المغربي والعربي.
لكن هذه المسافة بدأت تضيق.
أعادت الدراسات المغربية والأعمال التاريخية والأدبية الحديثة ربط Estebanico بالمدينة التي خرج منها الرجل قبل نحو خمسة قرون.
ومن الأعمال المهمة في هذا السياق كتاب الباحث المغربي مصطفى واعراب «استيبانكو الأزموري: مغامر مغربي في أرض الهنود الحمر»، الصادر سنة 2009 والحاصل على جائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي.
تكمن قيمة هذه العودة في أنها لا تضيف بطلًا متخيلًا إلى التاريخ المغربي، بل تستعيد شخصية موجودة فعلًا في أرشيف تاريخ أمريكا الشمالية، ظل اسمها الإسباني أكثر تداولًا من جذورها المغربية.
فخلف «Estebanico» كان هناك رجل من أزمور.
بين التاريخ والرواية: الأزموري الذي منحه الأدب صوتًا
كانت الفراغات في سيرة الأزموري واسعة بما يكفي لتغري الأدب بالدخول إليها.
ومن أشهر الأعمال التي استلهمت حياته رواية The Moor’s Account للكاتبة المغربية الأمريكية ليلى العلمي، التي أعادت تخيل رحلة ناربايث من منظور إستيبانيكو.
الرواية ليست وثيقة تاريخية، ولا ينبغي استعمال تفاصيلها لإكمال الفراغات في سيرة الرجل.
لكن أهميتها تنبع من سؤالها المركزي: كيف كانت ستبدو القصة لو أن الرجل الذي لم يحفظ الأرشيف صوته استطاع أن يرويها بنفسه؟
وهكذا يعيش الأزموري اليوم في مجالين مختلفين: تاريخ يبحث عما يمكن إثباته، وأدب يتخيل الصوت الذي فقد.
إرث مصطفى الأزموري: صفحة مغربية في تاريخ الأطلسي
تدفعنا قصة مصطفى الأزموري إلى النظر إلى تاريخ المغرب في القرن السادس عشر من زاوية أوسع.
فنحن نقرأ ذلك القرن عادة من خلال الوطاسيين والسعديين، والوجود البرتغالي في الثغور، والصراع على المدن الساحلية والعلاقات مع القوى الأوروبية.
لكن الأطلسي كان في الوقت نفسه يعيد تشكيل العالم.
كانت السفن تحمل الجنود والتجار والأسرى والمستعبدين والمغامرين بين قارات أخذت ترتبط بشبكات متزايدة من الحرب والتجارة والهجرة. وأصبح ما يحدث في مدينة مغربية على الأطلسي قادرًا، عبر سلسلة من الأحداث، على الوصول إلى الجانب الآخر من المحيط.
الأزموري صورة إنسانية نادرة لهذا العالم.
ولد على الساحل المغربي، ودخل منظومة الاسترقاق الإيبيرية، وعبر الأطلسي، ونجا من انهيار بعثة كاملة تقريبًا، وعاش سنوات بين جماعات مختلفة من السكان الأصليين، وقطع آلاف الكيلومترات، ثم أصبحت الخبرة التي اكتسبها خلال المحنة سببًا في إرساله مرة أخرى إلى الشمال.
لم يخرج من أزمور وفي يده مشروع لاكتشاف أمريكا.
ولم يختر الظروف التي دفعته إلى الطريق.
لكن الإنسان الذي دخل ذلك المسار لم يبق مجرد شخص تتحكم فيه إرادة الآخرين. فقد اكتسب معرفة وخبرة جعلت الرجال الذين كانوا أعلى منه منزلة في النظام الاجتماعي يعتمدون عليه.
لماذا يستحق مصطفى الأزموري أن نعرفه؟
لا يحتاج التاريخ المغربي إلى اختراع أبطال كي يبدو غنيًا. يكفي أحيانًا أن نستعيد أشخاصًا حقيقيين غطتهم طبقات النسيان.
ومصطفى الأزموري واحد منهم.
قيمته ليست في القول إنه سبق كولومبوس أو «اكتشف أمريكا». الأدلة لا تقول ذلك، والرجل لا يحتاج إلى هذا الادعاء.
ولا يمكن تحويل حياته إلى قصة انتصار بسيطة؛ فقد بدأت مرحلتها المعروفة بالاستعباد، ومرت بالجوع والأسر والخوف والضياع، وانتهت بموت عنيف في أرض بعيدة.
لكن بين البداية والنهاية جرت حياة يصعب وصفها بالهامشية.
أصبح رجل من أزمور جزءًا من التاريخ المبكر لتكساس ونيو مكسيكو والجنوب الغربي الأمريكي، وتذكره مؤسسات تاريخية أمريكية في سياق بدايات الاستكشاف غير الأصلي والحضور الإفريقي في المنطقة، بينما تعيد الدراسات المغربية قراءة تجربته واسترجاع موقعه في الذاكرة الوطنية.
وبين مصطفى الأزموري وإستيبانيكو مسافة أكبر من اختلاف اسمين.
إنها المسافة بين الرجل كما بدأ حياته في مدينة مغربية، والرجل كما سجله أرشيف الإمبراطورية الإسبانية، ثم كما يحاول المؤرخون اليوم استعادة مكانه من بين سطور ذلك الأرشيف.
مات الأزموري سنة 1539 ولم يترك لنا مذكراته. لذلك لن نعرف على الأرجح ماذا كان يدور في ذهنه وهو يرى صحارى الجنوب الغربي الأمريكي، ولا ماذا بقي في ذاكرته من أزمور بعد سنوات الغياب، ولا كيف كان ينظر إلى رجال كانوا يعدونه ملكًا لهم ثم يعتمدون على خبرته ليجدوا الطريق.
تلك أسئلة يستطيع الأدب أن يتخيل إجاباتها، أما التاريخ فعليه أن يتركها مفتوحة.
لكن شيئًا واحدًا أصبح أكثر وضوحًا بعد قرابة خمسة قرون:
حين يُكتب تاريخ الرحلات المبكرة إلى الجنوب الغربي لأمريكا الشمالية، فإن اسم مصطفى الأزموري ليس هامشًا في قصة مستكشفين آخرين؛ فقد كان الرجل المغربي حاضرًا في قلب الطريق نفسه.
المراجع والمصادر
- Álvar Núñez Cabeza de Vaca, La Relación / Naufragios.
- U.S. National Park Service, Esteban de Dorantes, Coronado National Memorial.
- U.S. National Park Service, Hawikuh and the Seven Cities of Cibola.
- Texas State Historical Association, Estevanico, Handbook of Texas.
- Rolena Adorno & Patrick Charles Pautz, Álvar Núñez Cabeza de Vaca: His Account, His Life, and the Expedition of Pánfilo de Narváez, University of Nebraska Press.
- Hsain Ilahiane, “Estevan, aka Estev(b)anico or Esteban: The First Moroccan and African Explorer of the American Southwest,” Soroud, 2025.
- Abdelkader El Jamoussi, “Mustafa Al-Azemmouri: The Journey, the Text, and the Character,” Soroud, Vol. 8, No. 1, 2025.
- مصطفى واعراب، استيبانكو الأزموري: مغامر مغربي في أرض الهنود الحمر، دار السويدي، أبوظبي، 2009.

