مدينة بركان المغربية : التاريخ والحاضر وأجمل الوجهات السياحية

مجسم البرتقالة أمام مقر عمالة إقليم بركان في وسط المدينة

دليل متكامل إلى المدينة والإقليم بين جبال بني يزناسن وسهل تريفة والبحر المتوسط

خلاصة المقال: يقدم هذا الدليل صورة موثقة ومتكاملة عن مدينة بركان المغربية، من تاريخ تافوغالت وذاكرة بني يزناسن إلى بساتين الحوامض، ومغارتي الحمام والجمل، ومياه فزوان، والزاوية البودشيشية بمداغ، وشاطئ السعيدية ومصب ملوية، مع برنامج عملي ونصائح للزيارة المسؤولة.

مقدمة: مدينة يسبق عطر البرتقال اسمها

تصل إلى بركان فتدرك سريعاً أن شهرتها الزراعية لم تأت من ملصق دعائي. في الشتاء والربيع تفوح رائحة أزهار الحوامض في سهل تريفة، وعلى الطرق المؤدية إلى السفوح تتراجع المباني لتحل محلها الحقول وأشجار البرتقال والمرتفعات الخضراء. وبعد مسافة قصيرة يتغير المشهد مرة أخرى: وادٍ صخري في زكزل، وقرية جبلية هادئة في تافوغالت، ثم ساحل متوسطي طويل في السعيدية. هذه التحولات المتقاربة هي مفتاح فهم بركان؛ فهي ليست مدينة برتقال فحسب، بل مركز إقليم صغير المساحة شديد التنوع.

يمتد إقليم بركان من عاصمته، مدينة بركان، إلى السعيدية وأحفير وأكليم وعين الركادة وسيدي سليمان شراعة، وتتوزع داخله وجهات بارزة مثل تافوغالت وزكزل وفزوان ومداغ. ويمنح هذا التنوع الإقليم شخصيته السياحية الخاصة؛ إذ تلتقي الحياة الحضرية بجبال بني يزناسن وذاكرتها الضاربة في عصور ما قبل التاريخ، ثم تنفتح على سهل تريفة الزراعي وشاطئ السعيدية المتوسطي.

هذا الدليل مكتوب للقارئ الذي لم يزر بركان من قبل. يبدأ بتاريخ الأرض قبل نشوء المدينة الحديثة، ثم يعرّف بحاضرها وأبرز مواردها، ويقود الزائر إلى تافوغالت ومغارة الحمام ووادي زكزل ومغارة الجمل وفزوان ومداغ والسعيدية ومصب ملوية. وفي نهايته برنامج عملي للزيارة ونصائح تحمي المسافر والمكان من الأخطاء الشائعة.

بركان مدينة وإقليم: أين تقع وما الذي يدخل ضمن حدودها؟

يقع إقليم بركان في أقصى الشمال شرقي للمغرب ضمن جهة الشرق. يطل شمالاً على البحر الأبيض المتوسط، ويجاور شرقاً الحدود المغربية الجزائرية وعمالة وجدة أنكاد، ويحده إقليم الناظور من الغرب وإقليم تاوريرت من الجنوب. وتبلغ مساحته نحو 1,985 كيلومتراً مربعاً، أي إنه إقليم محدود المساحة مقارنة بأقاليم واسعة في الجهة، لكنه يجمع في هذا الحيز الساحل وسهل تريفة وسفوح بني يزناسن وكتلتها الجبلية. وتعرض المندوبية السامية للتخطيط هذا التنوع بوصفه أساساً للزراعة والسياحة معاً. [1]

وفق التقسيم الإداري الذي اعتمدته المونوغرافية الإقليمية، يضم الإقليم ست عشرة جماعة، ست منها حضرية وعشر قروية. وتشمل الجماعات الحضرية بركان وأحفير والسعيدية وأكليم وعين الركادة وسيدي سليمان شراعة، فيما تضم الجماعات القروية أغبال وفزوان ولعثامنة ومداغ وبوغريبة والشويحية ورسلان وسيدي بوهرية وتافوغالت وزكزل. أما إحصاء 2024 فحدد سكان الإقليم في 284,061 نسمة، منهم 175,510 في الوسط الحضري و108,551 في الوسط القروي. وتكشف المقارنة مع سنة 2014 عن تراجع طفيف في العدد الإجمالي مقابل ارتفاع محدود في السكان القرويين وتراجع في الحضر، وهي تفاصيل تذكرنا بأن حاضر الإقليم لا يُختزل في صورة التوسع العمراني وحدها. [2]

تستقر مدينة بركان عند السفوح الشمالية لجبال بني يزناسن، وتتصل بالسهل والقرى الجبلية وبالطرق المؤدية إلى السعيدية وأحفير ووجدة. وتتوفر في مركزها الأسواق والخدمات والمقاهي والمطاعم، مما يجعلها قاعدة مناسبة للإقامة والانطلاق نحو المواقع الطبيعية والأثرية المنتشرة في الإقليم، والتي يمكن زيارة عدد منها في رحلات يومية بالسيارة.

من إنسان تافوغالت إلى بركان الحديثة: تاريخ المكان في طبقات

مغارة الحمام وذاكرة تمتد عشرات الآلاف من السنين

يبدأ تاريخ المجال البركاني قبل المدينة وقبل الأسماء الإدارية بآلاف السنين. فمغارة الحمام، المعروفة في الدراسات باسم مغارة تافوغالت أو Grotte des Pigeons، واحدة من أهم مواقع ما قبل التاريخ في شمال إفريقيا. كشفت أعمال البحث فيها عن تعاقب طويل للاستيطان البشري، وعن مدافن تعود إلى العصر الإيبيروموريسي، كما عثر الباحثون داخل المغارة على أصداف بحرية مثقوبة يعود تاريخها إلى نحو 82 ألف سنة، وتشير آثار استعمالها إلى أنها كانت تُتخذ حُليّاً للزينة. وقد اعتبرت دراسة منشورة في دورية الأكاديمية الوطنية للعلوم بالولايات المتحدة هذه اللقى دليلاً مبكراً على السلوك الرمزي وشبكات التبادل في شمال إفريقيا. [3]

تنبع أهمية الموقع أيضاً من المدافن البشرية التي ساعدت الدراسات الأنثروبولوجية والجينية على فهم سكان المغرب القديم وصلاتهم بمجموعات شمال إفريقية ومشرقية وإفريقية جنوب الصحراء. ويصف المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث أعماله في تافوغالت ضمن برامج البحث التي تضبط التسلسل الزمني والبيئي للاستيطان، بينما يشير متحف التاريخ الطبيعي في لندن إلى أن المقبرة المكتشفة في أعماق المغارة من أقدم المقابر المعروفة في إفريقيا. [4] [5]

بني يزناسن والهوية المحلية

ينتمي الإقليم تاريخياً إلى مجال بني يزناسن، وهي كتلة جبلية وفضاء بشري حافظا على حضور أمازيغي زناتي واضح، في تفاعل طويل مع العرب والهجرات والتجارة والقبائل المجاورة. وتظهر هذه الخلفية في أسماء المواضع وفي اللسان المحلي وفي علاقة السكان بالجبل والسهل. لم تكن الجبال هامشاً معزولاً؛ فقد وفرت المراعي والغابة والماء وطرق الحركة، وشكلت حصناً طبيعياً ومجالاً للاستقرار والتبادل.

أما مدينة بركان بصورتها الحضرية الحالية فتبلورت أساساً خلال القرن العشرين فوق مجال أقدم. ويرتبط اسمها في الرواية المحلية والعروض التعريفية بسيدي امحمد بن الحسن، المعروف بسيدي امحمد أبركان، العالم والولي الذي توفي في القرن التاسع الهجري ودُفن بالمنطقة. وكلمة «أبركان» في الأمازيغية تحيل إلى السواد. وتوضح منصة التعريف الترابي بالإقليم أن المدينة الحديثة أخذت اسمها من هذا العلم المحلي، ثم توسعت مع التنظيم الإداري وتطور الزراعة المسقية واستقطاب اليد العاملة. [6]

هذا التمييز مهم: قدم الاستيطان في الإقليم لا يعني أن النسيج الحضري الحالي ظل قائماً بالصورة نفسها منذ عصور موغلة. تاريخ بركان مركب؛ فيه ما قبل التاريخ في تافوغالت، وذاكرة بني يزناسن، وأضرحة وشبكات دينية، ثم مدينة حديثة نمت حول الإدارة والسوق والزراعة. جمع هذه المستويات يمنح المكان تاريخه الحقيقي من غير اختلاق استمرارية عمرانية لم تثبتها المصادر.

الجغرافيا التي صنعت شخصية بركان

سهل تريفة: الحقل الذي يطعم المدينة

يمتد سهل تريفة بين جبال بني يزناسن جنوباً والتلال المتجهة نحو الساحل شمالاً. تربته وموارده المائية وشبكات الري جعلته من أهم المجالات الزراعية في جهة الشرق. وتبين بيانات المندوبية السامية للتخطيط أن الحوامض والخضر والأشجار المثمرة تشغل مكانة مركزية في اقتصاد الإقليم. برتقال بركان وكليمونتينها ليسا مجرد رمز بصري؛ إنهما نتيجة نظام فلاحي كامل من البساتين ومحطات التلفيف والنقل والأسواق والعمل الموسمي. [1]

تمنح البساتين المشهد المحلي إيقاعه الموسمي. في الربيع تملأ أزهار الحوامض الهواء برائحة الزهر، وفي الخريف والشتاء تظهر الثمار وتبدأ حركة الجني والتسويق. الزائر الذي يمر بسرعة من مركز المدينة إلى الشاطئ يفوّت هذه العلاقة بين العمران والحقل. ويكفي سلوك الطرق المحلية نهاراً، مع احترام الملكيات الخاصة وعدم دخول الضيعات بلا إذن، لفهم لماذا التصق اسم مدينة بركان بالبرتقال داخل المغرب وخارجه.

جبال بني يزناسن ووادي زكزل

ترتفع جبال بني يزناسن مباشرة جنوب المدينة، وتبلغ أعلى قممها نحو 1,532 متراً عند رأس فوغال وفق المونوغرافية الإقليمية. تغطي أجزاء منها غابات العرعار والبلوط الأخضر والأحراش المتوسطية، وتخترقها أودية ومسالك تقود إلى تافوغالت وزكزل. وقد اشتغلت وكالة تنمية جهة الشرق على إبراز السياحة الجبلية في الجماعتين، بما في ذلك المشي والمنتجات المجالية ومشروعات تثمين المغارات. [7]

يُعد وادي زكزل من أجمل الممرات الطبيعية في جبال بني يزناسن، إذ يمتد بين جدران كلسية تكسو جوانبها الأشجار والشجيرات البرية. ويزداد الوادي جمالاً بعد مواسم المطر، حين تنشط مجاري المياه وتكتسي المنحدرات خضرة أوفر، بينما تكشف الفترات الجافة عن تضاريسه الصخرية وتفاصيله الجيولوجية. وتظل زيارته ممتعة في مختلف الفصول لما يوفره من هدوء ومناظر طبيعية ومسارات ملائمة للمشي.

ملوية من الري إلى المصب

يشكل نهر ملوية مورداً حاسماً لشرق المغرب ولسهل تريفة، سواء في الري أو المياه الموجهة للاستعمالات المختلفة. وعند اقترابه من المتوسط يصنع مصباً رطباً غنياً بالنباتات والطيور المهاجرة. هذه الصلة بين الجبل والسهل والنهر والساحل تفسر التنوع الطبيعي الكبير داخل إقليم صغير؛ كما تفسر هشاشته أمام الجفاف والضغط العمراني والتلوث والسياحة غير المنظمة.

بركان اليوم: الزراعة والرياضة ومدينة الخدمات

في حاضرها، تؤدي بركان دور المركز الإداري والتجاري للإقليم. يتردد عليها سكان الجماعات المجاورة لقضاء المصالح والتسوق والعلاج والدراسة، وتتأثر حركتها اليومية بمواسم الزراعة وعودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج وبالنشاط السياحي في السعيدية. وتستمد المدينة جاذبيتها من حيويتها المحلية وموقعها الذي يصل بين سهل تريفة وجبال بني يزناسن والساحل المتوسطي، مما يجعلها قاعدة مناسبة لاكتشاف تنوع الإقليم.

يمكن للزائر التجول في مركز المدينة وأسواقها، ومشاهدة النصب المرتبط بالبرتقال الذي صار علامة بصرية محلية، ثم الجلوس في مقهى ومراقبة إيقاع الحياة البركانية. وتوجد بالمدينة أحياء حديثة ومرافق رياضية ومساحات عامة تتغير مع مشاريع التهيئة. الأفضل التعامل مع هذه الجولة بوصفها تعرفاً إلى حاضر المكان لا بحثاً عن لائحة آثار. أما المعالم الكبرى فتبدأ حين يتجه المسافر جنوباً نحو الجبل أو شمالاً نحو الساحل.

للكرة أيضاً أثر واضح في صورة المدينة. فقد حولت نهضة بركان اسمها إلى علامة معروفة في القارة، وفاز النادي بلقب البطولة المغربية للمرة الأولى في موسم 2024-2025، ثم أحرز في السنة نفسها لقبه الثالث في كأس الكونفدرالية الإفريقية بعد تتويجي 2020 و2022. هذه الإنجازات، الموثقة لدى الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، جعلت الملعب البلدي وألوان النادي جزءاً من الذاكرة المعاصرة للمدينة وجاذبيتها لدى محبي الرياضة. [8] [9]

تافوغالت: مصيف جبلي ونافذة على ما قبل التاريخ

تقع تافوغالت في قلب جبال بني يزناسن، وتمنح الزائر هواء أبرد من السهل وغطاء نباتياً ومساحات للنزهة. عرفت منذ عقود مكاناً للاصطياف الجبلي لدى سكان مدينة بركان و وجدة والمدن المجاورة، وما زالت المقاهي البسيطة والمنتجات المحلية وحركة العائلات في العطل جزءاً من صورتها. ربيع المنطقة مناسب للمشي ومشاهدة الخضرة، فيما تجذب أيام الصيف من يبحث عن نسمة أخف من حرارة السهل.

ينبغي ألا تُختزل تافوغالت في الطاولات المنتشرة قرب الطريق. القرية نقطة دخول إلى مشهد أوسع: مسالك جبلية، ونباتات عطرية، وأشجار مثمرة، ومغارة الحمام ذات القيمة العالمية. يمكن تخصيص نصف يوم أو يوم كامل لها، مع حذاء مناسب للمشي وماء كافٍ، والاستعانة بدليل محلي عند دخول المسارات الأقل وضوحاً. بعد المطر تصبح بعض الأرض زلقة، وقد تعرف الطرق الجبلية أحجاراً متساقطة أو ضباباً، لذلك لا تصلح السرعة أو القيادة الليلية للمسافر الذي لا يعرف المنطقة.

أفضل طريقة لزيارة الموقع الأثري هي أن تسبق المشاهدة بقراءة موجزة عن مكتشفاته. عندما يعرف الزائر أن أصدافاً جاءت من الساحل استُعملت للزينة قبل نحو 82 ألف سنة، وأن المدافن حفظت معلومات عن غذاء الإنسان القديم وحركته وطقوسه، تتحول المغارة من تجويف صخري إلى وثيقة عن بدايات السلوك الرمزي في المغرب وشمال إفريقيا.

وادي زكزل ومغارة الجمل: مغامرة طبيعية تحتاج إلى احترام المكان

تقع مغارة الجمل في وادي زكزل، وهي غير مغارة الحمام القريبة من تافوغالت. يتكرر الخلط بين الاسمين لأن الموقعين متجاوران نسبياً وينتميان إلى المشهد الجبلي نفسه. مغارة الجمل تجويف كارستي يتكون من ثلاثة مستويات من القاعات والممرات، وفي داخله نوازل وصواعد وتشكيلات صنعتها المياه عبر زمن جيولوجي طويل. وتعرض وكالة تنمية جهة الشرق مشروع تهيئة الموقع بوصفه جزءاً من تثمين السياحة الطبيعية في بني يزناسن. [10]

تشير دراسة متخصصة في سياحة المغارات إلى أن مغارة الجمل كانت أول مغارة تُفتح للزيارة السياحية في المغرب سنة 1948، قبل أن تغلق بعد سنوات، وأن مشاريع لاحقة عملت على تهيئة أجزاء من مستوياتها ومساراتها. كما ارتبطت بها دراسات جيولوجية وأثرية، ومنها توثيق تعبيرات صخرية ما قبل تاريخية داخل الكهف. [11]

لكن وجود تجهيزات أو تاريخ سابق للفتح لا يعني أن الدخول متاح دائماً أو بلا شروط. وضع المغارات يتغير مع الصيانة والأمطار والسلامة والإدارة المحلية. على الزائر التحقق في اليوم نفسه من حالة الطريق وفتح الموقع، وألا يدخل الممرات الداخلية منفرداً أو يتجاوز بوابات الإغلاق. الكهوف بيئات حساسة؛ لمس التشكيلات الكلسية أو الكتابة على الجدران أو ترك النفايات يسبب ضرراً لا تعالجه حملة تنظيف عابرة.

حتى عندما يتعذر دخول المغارة، يبقى وادي زكزل جديراً بالزيارة. المسار بين الجدران الصخرية، وتدرج الغطاء النباتي، وهدوء القرى الصغيرة، كلها تصنع رحلة جبلية ممتعة. يمكن الجمع بين زكزل وتافوغالت في يوم واحد، بشرط الانطلاق صباحاً وتجنب حشر السعيدية في اليوم نفسه؛ فالرحلة الجيدة لا تقاس بعدد المواقع التي توضع عليها علامة في الهاتف، بل بالوقت الذي يُمنح لكل مشهد.

فزوان: عين معدنية ووجهة للراحة في أحضان بني يزناسن

على مسافة قصيرة من مدينة بركان، تستقبل منطقة فزوان زوارها عند السفوح الشمالية لجبال بني يزناسن، في محيط هادئ يجمع بين الطبيعة الجبلية ومياه العين المعدنية. وقد ارتبط اسمها منذ عقود بمائها الذي اكتسب شهرة واسعة لدى سكان المنطقة وزوارها، ولا سيما فيما يتصل بالكلى والمسالك البولية، وهي سمعة تناقلتها الأجيال وجعلت فزوان معروفة داخل جهة الشرق وخارجها.

تستقطب العين أعداداً كبيرة من الزوار، خصوصاً خلال العطل وفصل الصيف، فتقصدها أسر من بركان ووجدة والناظور ومدن مغربية أخرى. ويحرص كثير منهم على الشرب من مائها وتعبئة ما يحتاجون إليه، ثم قضاء بعض الوقت في أجواء المنطقة الهادئة. وهكذا ارتبطت فزوان في الذاكرة المحلية بالاستشفاء الشعبي والنزهة العائلية معاً.

وتملك المنطقة مقومات تؤهلها لتعزيز حضورها ضمن الوجهات السياحية في إقليم بركان، بما توفره من طبيعة وهواء جبلي وموروث شعبي متصل بالعين ومائها. وقد تناولت دراسة حول الأبعاد التنموية لعيون بني يزناسن مكانة فزوان ودورها في تنشيط المجال المحلي، وهو ما يبرز أهمية العناية بالموقع وتحسين مرافق استقبال زواره. [12]

مداغ والزاوية القادرية البودشيشية: بركان في خريطة السياحة الروحية

إلى الشمال الغربي من مدينة بركان تقع مداغ، وهي بلدة فلاحية ارتبط اسمها بالمقر الأم للزاوية القادرية البودشيشية، إحدى أشهر الطرق الصوفية المغربية المعاصرة. تؤكد وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية وجود الزاوية بمداغ في إقليم بركان، وتستقبل في المناسبات الدينية والملتقيات زواراً ومريدين من المغرب وخارجه. [14]

تضيف الزاوية إلى الإقليم بعداً مختلفاً عن الشاطئ والجبل. هنا يصبح السفر لقاءً بتراث الذكر والسماع والتربية الروحية والضيافة الدينية. ومن يريد فهماً أوسع لوظائف الزوايا في التاريخ والمجتمع المغربي يمكنه الرجوع إلى مقال كوكب المعرفة حول الزوايا المغربية وأدوارها الروحية والاجتماعية؛ فالربط بمداغ لا يخص مبنى وحده، بل شبكة بشرية وثقافة دينية امتدت خارج الإقليم.

زيارة المكان تحتاج إلى أدبها: اللباس المحتشم، وخفض الصوت، واحترام الصلاة والذكر، وطلب الإذن قبل التصوير، وعدم التعامل مع الزاوية كديكور فولكلوري. كما يُستحسن التحقق من مواعيد استقبال الزوار، لأن بعض الفضاءات والأنشطة مخصصة للمريدين أو للمناسبات، ولأن النظام الداخلي قد يتغير. من يلتزم بهذه القواعد يكتشف جانباً مهماً من شخصية بركان المعاصرة وموقعها في التدين المغربي.

السعيدية: الشاطئ الذي يوسع معنى الرحلة إلى بركان

تتبع مدينة السعيدية إدارياً لإقليم بركان، وتقع على الساحل المتوسطي على مسافة تقارب عشرين كيلومتراً شمال مدينة بركان. يمتد شاطئها الرملي نحو 14 كيلومتراً، ولهذا رسخ اسمها باعتبارها «الجوهرة الزرقاء» وواحدة من أشهر وجهات الاصطياف في المغرب. يعرض المكتب الوطني المغربي للسياحة الشاطئ والرياضات المائية والمارينا ضمن أهم تجارب محور وجدة-السعيدية. [15]

للزائر خياران داخل السعيدية. الأول هو المدينة القديمة نسبياً حول القصبة التي شيدت في أواخر القرن التاسع عشر قرب وادي كيس، والأسواق والمقاهي والشريط الساحلي الشعبي. والثاني هو المنتجع السياحي والمارينا غرب المدينة، حيث الفنادق والإقامات والمطاعم والأنشطة البحرية. الفصل بين المنطقتين في التخطيط مفيد، لأن المسافات تزداد في الصيف مع الازدحام، ولأن تجربة السوق والقصبة تختلف عن تجربة المنتجع.

في الصيف تمتلئ السعيدية بالحركة منذ ساعات الصباح. يقصد الزوار شاطئها الرملي الطويل للسباحة والاسترخاء، ثم تنتقل الحيوية مع اقتراب المساء إلى الكورنيش والمقاهي والمطاعم. وفي أواخر الربيع وبداية الخريف تخف الحركة ويعتدل الجو، فيصبح الشاطئ أكثر هدوءاً وتغدو النزهة بمحاذاة البحر من أجمل ما يمكن القيام به في المدينة.

وقرب السعيدية من بركان يجعل إدراجها في برنامج الرحلة أمراً يسيراً. يمكن للزائر أن يبدأ يومه بين جبال بني يزناسن في تافوغالت أو زكزل، ثم يتجه بعد الظهر إلى الساحل ليقضي بقية اليوم أمام البحر. ومن يرغب في توسيع رحلته لتشمل مدناً ومناطق أخرى يمكنه الرجوع إلى دليل أفضل الوجهات السياحية في المغرب بحسب فصول السنة واختيار المحطات التي تناسب موعد سفره.

مصب ملوية: محطة لمحبي الطبيعة والطيور

غرب السعيدية يلتقي نهر ملوية بالبحر في منطقة رطبة مصنفة ضمن المواقع ذات الأهمية البيولوجية والبيئية، وأدرجت ضمن قائمة رامسار للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية. تشكل القنوات والقصب والكثبان والسهول الفيضية موائل للطيور المقيمة والمهاجرة، وتجعل المكان مختلفاً تماماً عن الشاطئ العمراني. وقد زارت بعثة استشارية تابعة لاتفاقية رامسار الموقع لتقييم تحدياته البيئية والحفاظ عليه. [16]

الزيارة هنا تقوم على المشاهدة الهادئة. المنظار أفضل من الاقتراب من الأعشاش، والصباح الباكر أنسب للطيور والضوء. لا ينبغي دخول المناطق الرطبة بالسيارة أو ترك البلاستيك أو إشعال النار قرب الغطاء النباتي. كما أن بعض المسالك تتغير بعد الأمطار وارتفاع المياه، ولذلك يستحسن سؤال أهل المنطقة أو الاستعانة بمرشد يعرف المداخل المسموح بها.

مصب ملوية يضع السياحة أمام مسؤوليتها. فالمنشآت الساحلية والضغط البشري وتغير تدفق النهر والجفاف تؤثر في نظام دقيق لا يحتمل الاستعمال العشوائي. كلما جرى تقديمه بصفته محمية طبيعية لا أرضاً فارغة، أمكن للسياحة أن تدعم الوعي والحراسة والاقتصاد المحلي بدل أن تضيف ضغطاً جديداً.

محطات أخرى تستحق الانتباه في إقليم بركان

أحفير وعين الركادة وأكليم

تتوزع مدن الإقليم على محاور مختلفة حول بركان. تقع أحفير وعين الركادة شرق المدينة على الطريق المؤدية إلى وجدة؛ وتحتفظ أحفير بحركتها التجارية المرتبطة بموقعها الحدودي، بينما تشكل عين الركادة محطة قريبة من فزوان والسفوح الشرقية لجبال بني يزناسن. أما أكليم فتقع غرب بركان في اتجاه زايو والناظور، وسط سهل تريفة الزراعي، وترتبط حياتها اليومية بالمجال الفلاحي المحيط بها. وتمنح أسواق هذه المدن ومقاهيها وحركتها اليومية الزائر صورة أوسع عن الحياة في إقليم بركان.

حامة مولاي علي: متنفس طبيعي على ضفاف ملوية

على ضفاف نهر ملوية، في المجال الذي تلتقي فيه جماعة الشويحية بإقليم بركان مع جماعة أولاد ستوت بإقليم الناظور، تنتشر عيون مولاي علي ذات المياه الدافئة. تحيط بالمكان نباتات البرية، ويقصده سكان زايو وأكليم والشويحية والقرى المجاورة للاستجمام وقضاء يوم وسط الطبيعة، خصوصاً خلال فصل الصيف.

ويُعرف الموقع محلياً باسم «حامة مولاي علي»، وهو فضاء طبيعي يجمع بين دفء المياه وهدوء الريف ومشهد نهر ملوية. كما تعكس الحامة الصلة الجغرافية والاجتماعية بين المناطق الواقعة على جانبي النهر، حيث ظل المكان متنفساً مشتركاً لأهالي إقليمي بركان والناظور.

وادي شراعة وفضاء اللقالق البيضاء

وسط مدينة بركان، وعلى ضفة وادي شراعة ، يمتد فضاء طبيعي ارتبط منذ سنوات باللقالق البيضاء. تتوزع أعشاش هذه الطيور فوق أشجار الأوكاليبتوس العالية، ويمكن للزائر مشاهدتها وهي تحلق فوق الوادي أو تستقر في أعشاشها، في منظر أصبح جزءاً مألوفاً من المشهد الحضري للمدينة. ويُعد الموقع من الأماكن القريبة التي تتيح للعائلات ومحبي الطبيعة ومراقبة الطيور فرصة التعرف إلى جانب بيئي مميز من بركان من دون الحاجة إلى الابتعاد عن مركزها.

وقد أسهم هذا الحضور اللافت للقالق في إطلاق مشروع «الفضاء البيئي للقالق البيضاء»، الهادف إلى تحسين ظروف عيشها، وتأهيل محيط الوادي، وتحويل الموقع إلى فضاء للتعريف بالتنوع الطبيعي الذي يزخر به الإقليم. وتزداد قيمة المكان خلال الفترات التي تنشط فيها حركة الطيور ويكثر ترددها على الأعشاش، حيث تمنح اللقالق الوادي مشهداً جميلاً يلفت انتباه الزائر منذ اقترابه من المدينة. وقد وثق تقرير لوكالة المغرب العربي للأنباء وجود مستوطنة مهمة للقالق في هذا الفضاء، مع أعشاش شُيدت فوق أشجار الأوكاليبتوس الطويلة. المصدر

وتضطلع جمعية حماية اللقالق البيضاء بدور بارز في صيانة هذا الموروث الطبيعي والتعريف به، برئاسة الأستاذ عبد الرحمان شملالي، أحد الوجوه البيئية المعروفة في بركان والحائز جائزة الحسن الثاني للبيئة سنة 2006. اشتغلت الجمعية على نشر الوعي بأهمية اللقالق البيضاء ، والدفاع عن حماية موائله الطبيعية، والمساهمة في جعل الموقع فضاءً تربوياً وسياحياً يعرف الزوار بهذا الطائر ودوره في التوازن البيئي. كما عمل الأستاذ شملالي على توثيق ما يتصل باللقالق وإبراز حضورها في ثقافات مختلفة من خلال المتحف البيئي المرتبط بالجمعية.

ويمثل فضاء اللقالق البيضاء محطة لطيفة يمكن إدراجها ضمن جولة داخل بركان، فهو يجمع بين سهولة الوصول إليه وجمال المشهد الطبيعي وقربه من العمران. كما يكشف عن جانب قد لا يعرفه كثير من الزوار: فطبيعة بركان لا تنحصر في جبال بني يزناسن أو وادي زكزل ومصب ملوية، بل تمتد أيضاً إلى وادي شراعة وما يحتضنه من حياة برية تستحق المشاهدة والعناية.

مذاق بركان: من كران وباريدا إلى لوبيا كريني

تبدأ معرفة مطبخ مدينة بركان من منتجات سهل تريفة، وفي مقدمتها البرتقال والكلمنتين اللذان ارتبطا باسم المدينة داخل المغرب وخارجه. وخلال موسم الحوامض، يحضر العصير الطازج في المقاهي ومحلات بيع الفواكه، كما تزداد الأسواق غنى بالخضر والمنتجات الزراعية القادمة من البساتين والضيعات المحيطة.

ومن أشهر ما يربط بركان بمطبخ المغرب الشرقي أكلة كران، وهي وجبة شعبية تُحضّر من دقيق الحمص والبيض والماء، ثم تُطهى في صينية حتى تتماسك ويحمر سطحها. يقدمها الباعة ساخنة، إما في صحن أو داخل قطعة من الخبز، مع الكمون والفلفل الحار بحسب الرغبة. وقد حافظ كران على مكانته لأنه طعام بسيط ومشبع، ارتبط بالمحلات الصغيرة وعربات الأكل الشعبي وبذاكرة أجيال من سكان مدن الشرق المغربي. [18]

وغالباً ما يصاحب كران مشروب باريدا البارد، بنكهات يغلب عليها الحامض أو البرتقال. وقد صار الجمع بينهما عادة معروفة؛ فحرارة كران ونكهة الحمص والكمون يقابلها مذاق باريدا المنعش. ويستطيع الزائر تذوقهما في بعض الأحياء والأسواق الشعبية، وتكون التجربة أقرب إلى أجواء بركان حين تؤكل الوجبة وسط حركة المدينة، لا على مائدة مطعم سياحي رسمي.

أما لوبيا كريني فتحتل مكانة مميزة في مطبخ الأسر البركانية. والمقصود بها حبوب الفاصولياء البيضاء الطرية التي تُقشّر من قرونها وتُطهى وهي ما تزال طازجة، خلافاً للوبيا اليابسة المعروفة في مناطق المغرب الأخرى. وتُحضّر عادة في مرق متبل مع اللحم، وقد تضاف إليها خضر موسمية تختلف من بيت إلى آخر. وترتبط الوجبة بموسم جنيها، لذلك ينتظرها كثير من أبناء المنطقة ويتذكرون من خلالها موائد البيت وطبخ الأمهات والجدات.

وتظهر لوبيا كريني في بعض مناطق الجهة الشرقية أيضاً، غير أن حضورها في بركان قوي إلى درجة أن كثيراً من السكان يعدونها من الأطباق الأكثر التصاقاً بمائدة المدينة. كما أدرجتها وكالة تنمية جهة الشرق ضمن المأكولات المميزة للتراث الغذائي الجهوي، بوصفها فاصولياء بيضاء طازجة ومقشّرة. [19]

وتتنوع المائدة البركانية كذلك بين الطواجن والكسكس واللحوم المشوية والخبز البلدي والمسمن والفطائر. وفي المناطق الجبلية تحضر منتجات مثل العسل وزيت الزيتون والأعشاب العطرية، بينما تمنح السعيدية ومناطق الساحل الأسماك والمأكولات البحرية مكانة أوضح. ويمكن للزائر العودة بالعسل أو الزيت أو منتجات الحوامض من الأسواق والتعاونيات، وهي هدايا تحتفظ بشيء من مذاق الإقليم وذاكرته الزراعية.

متى تزور مدينة بركان؟

يمنح الربيع بركان واحداً من أجمل وجوهها. فمن مارس إلى مايو تكتسي سفوح بني يزناسن بالخضرة، وتزدهر الحقول والبساتين، وتنتشر رائحة زهر البرتقال في السهل. وتكون الأجواء ملائمة للتجول في تافوغالت ووادي زكزل وفزوان، والتنقل بين المدينة والمناطق الجبلية في يوم واحد.

أما الصيف فيجمع بين حيوية مدينة بركان وسحر شاطئ السعيدية. تمتلئ المدينة بالحركة مع عودة أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وتنشط المقاهي والأسواق خلال المساء، بينما تستقطب السعيدية محبي البحر والسباحة والمطاعم المطلة على الساحل. ويمكن للزائر أن يبدأ يومه عند البحر، ثم يقضي المساء في بركان أو بين مرتفعات تافوغالت ذات الأجواء اللطيفة.

ويحل الخريف مع بداية موسم الحوامض الذي يرتبط باسم بركان واقتصادها منذ عقود. تزداد الأسواق غنى بالبرتقال والكلمنتين وغيرها من منتجات السهل، وتصبح الجولات أكثر هدوءاً بين البساتين والقرى المحيطة بالمدينة. ويتيح هذا الفصل التعرف إلى الوجه الزراعي للإقليم وتذوق منتجاته في موسمها.

وفي الشتاء تستعيد جبال بني يزناسن ووادي زكزل لونها الأخضر، وتغدو تافوغالت وجهة جميلة لمحبي الطبيعة والأجواء الجبلية. وهكذا تختلف تجربة بركان باختلاف الفصول: ربيع مزهر بين الجبل والبساتين، وصيف يجمع المدينة بالبحر، وخريف بنكهة الحوامض، وشتاء يبرز جمال الطبيعة وهدوءها.

كيف تصل وكيف تتحرك داخل الإقليم؟

ترتبط مدينة بركان بمدن الجهة الشرقية عبر شبكة من الطرق التي تصلها بوجدة وأحفير والسعيدية والناظور وتاوريرت. ويمكن الوصول إليها بالحافلات أو سيارات الأجرة الكبيرة أو السيارة الخاصة. أما القادمون جواً، فيُعد مطار وجدة أنكاد البوابة الأقرب إلى المدينة، كما يمكن استعمال مطار الناظور العروي بحسب الرحلات المتاحة ومدينة الانطلاق.

يسهل التنقل داخل بركان بواسطة سيارات الأجرة الصغيرة التي تغطي مختلف الأحياء والأسواق والمرافق الرئيسية. وتتيح المدينة للزائر العثور على المطاعم والمقاهي والمتاجر والخدمات الضرورية في نطاق قريب، مما يجعلها قاعدة مريحة للإقامة والانطلاق منها نحو بقية مناطق الإقليم.

أما زيارة تافوغالت ووادي زكزل وفزوان ومداغ والسعيدية ومصب ملوية، فتكون أكثر مرونة بالسيارة الخاصة أو بسيارة أجرة مخصصة للرحلة. ويمكن ترتيب جولة تجمع أكثر من محطة في اليوم نفسه، مثل المرور بفزوان وتافوغالت ووادي زكزل، أو الجمع بين السعيدية ومصب ملوية. ويستحسن الاتفاق مسبقاً مع السائق على المسار ومدة الرحلة وثمن الانتظار والعودة.

وتساعد تطبيقات الخرائط في تحديد المواقع والطرق الرئيسية، فيما تظل إرشادات سكان المنطقة مفيدة للوصول إلى بعض العيون والمغارات والمواقع الطبيعية التي قد لا تظهر مداخلها بوضوح على الخريطة. وبفضل تقارب المدينة والجبل والساحل، يستطيع الزائر اكتشاف جزء كبير من مؤهلات الإقليم انطلاقاً من بركان، والعودة إليها في نهاية اليوم.

برنامج مقترح لثلاثة أيام

اليوم الأول: فزوان ومداغ وأمسية في قلب بركان

ابدأ صباحك بالتوجه إلى فزوان، واقض بعض الوقت بين طبيعتها الهادئة وعينها المعدنية التي أكسبت المنطقة شهرتها. وبعد ذلك، واصل الرحلة نحو مداغ لزيارة الزاوية القادرية البودشيشية والتعرف إلى مكانتها الدينية والروحية، قبل العودة إلى مدينة بركان في فترة ما بعد العصر.

وخصص الوقت الممتد من العصر إلى المغرب للطحطاحة، ففي هذه الساعات تظهر المنطقة في أجمل صورها وأكثرها حيوية. تفتح المحلات أبوابها، وتنتشر العربات اليدوية وباعة الخضر والفواكه والمأكولات الشعبية، وتمتلئ الساحة والأزقة المحيطة بالمتسوقين والعائلات. ومن الطحطاحة يمكن مواصلة الجولة سيراً نحو شارع ابن سينا، المعروف لدى سكان بركان باسم «شارع الذهب»، وهو من أكثر شوارع المدينة حركة، بما يضمه من متاجر الملابس والأكسسوارات ولوازم المناسبات، إلى جانب المقاهي والمطاعم التي تنشط مع اقتراب المساء. وقد وجدت هذه الحيوية طريقها إلى الكتابة الأدبية عن بركان؛ إذ يستحضر مقتطف من رواية «مرايا» ساحة الطحطاحة وشارع ابن سينا، المعروف محلياً بشارع الذهب، بوصفهما من الفضاءات التي تستمر فيها حركة المارة والمقاهي والمتاجر بعد حلول المساء، في صورة تعكس مكانتهما داخل الذاكرة اليومية للمدينة. [20]

وخلال هذه الجولة يحين الوقت المناسب لتذوق كران ساخن مع كأس من باريدا، أو الجلوس في أحد المقاهي ومتابعة الحركة التي تمتد من الطحطاحة إلى شارع الذهب. هكذا يختتم الزائر يومه وسط بركان كما يعيشها أهلها فعلاً: مدينة تجارية حيوية تستعيد نشاطها في المساء وتمنح شوارعها وقتاً طويلاً للقاء والتسوق وتناول الطعام.

اليوم الثاني: تافوغالت ومغارة الحمام وزكزل

انطلق صباحاً نحو تافوغالت، وتجول بين أحيائها الهادئة واستمتع بالمشهد الجبلي الذي يحيط بها. بعد ذلك، خصص وقتاً لمحيط مغارة الحمام والتعرف إلى قيمتها الأثرية وما كشفته من شواهد على الوجود البشري القديم في المنطقة. ويمكن تناول الغداء في تافوغالت قبل مواصلة الطريق نحو وادي زكزل، حيث تتعاقب المناظر الصخرية والغطاء النباتي على امتداد الوادي، وصولاً إلى محيط مغارة الجمل. يمنح هذا اليوم صورة متكاملة عن جمال جبال بني يزناسن وثرائها الطبيعي والتاريخي.

اليوم الثالث: السعيدية ومصب ملوية

ابدأ يومك عند مصب ملوية، حيث يلتقي النهر بالبحر المتوسط وسط فضاء طبيعي غني بالنباتات والطيور. وتمنح ساعات الصباح المكان هدوءاً خاصاً وفرصة جميلة للتنزه والتصوير ومراقبة الطبيعة. بعد ذلك، اتجه إلى السعيدية للتجول بين القصبة والسوق والمارينا، ثم تناول وجبة من الأسماك أو المأكولات البحرية واختتم اليوم على الشاطئ مع مشهد الغروب.

ويمكن تكييف هذا البرنامج بحسب مدة الإقامة واهتمامات الزائر. ففي يومين يمكن اختيار أبرز المحطات، أما الإقامة لأربعة أيام فتسمح بتخصيص يوم كامل للسعيدية، ويوم مستقل لتافوغالت وزكزل، مع ترك وقت كافٍ للتجول في بركان والاستمتاع بأسواقها ومقاهيها وأجوائها اليومية.

سياحة تحترم المكان وتدعم أهله

تنبع جاذبية إقليم بركان من تنوعه الطبيعي وارتباط مواقعه بالحياة المحلية؛ فالمغارات تحفظ شواهد إنسانية موغلة في القدم، ووادي زكزل يكشف جمال جبال بني يزناسن، فيما يحتضن مصب ملوية منظومة بيئية غنية بالطيور والنباتات. والحفاظ على هذه المواقع يبدأ بتقدير طبيعتها، وتركها بالصورة التي يحب الزائر أن يجدها عليها.

يمكن الاستمتاع بالمغارات من دون المساس بتكويناتها، والتجول في الجبال والأودية مع الحفاظ على نظافتها وغطائها النباتي. كما تستحق الأماكن الدينية، وفي مقدمتها الزاوية القادرية البودشيشية، زيارة تراعي خصوصيتها الروحية وحرمة فضائها. بهذه السلوكيات البسيطة تصبح الرحلة أكثر انسجاماً مع المكان وأهله.

وتكتمل التجربة بالاستعانة بالأدلاء المحليين، والتسوق من الأسواق والتعاونيات، واقتناء العسل وزيت الزيتون والأعشاب والمنتجات المصنوعة في المنطقة. فكل وجبة في مطعم محلي، وكل منتج يُشترى من صاحبه، يسهمان في وصول أثر السياحة إلى الأسر والحرفيين والمنتجين.

السياحة التي تليق ببركان هي التي تمنح الزائر وقتاً للتعرف إلى تاريخ تافوغالت، والاستمتاع بهدوء فزوان، وتأمل طبيعة ملوية، والجلوس في مقاهي المدينة وأسواقها. وحين يغادر المسافر وقد حمل معه معرفة أوسع بالمكان وترك وراءه أثراً طيباً، تكون الزيارة قد حققت معناها للضيف ولأبناء الإقليم معاً.

خاتمة: بركان التي تستحق أن تُرى على مهل

من الصعب العثور في مساحة محدودة على هذا القدر من التباين: مدينة صنعتها الزراعة الحديثة، وسهل يحمل أشهر حوامض الشرق المغربي، وجبل يحفظ آثار البشر منذ عشرات الآلاف من السنين، ومغارات وأودية وعيون معدنية، وزاوية ذات إشعاع روحي، ثم شاطئ طويل ومصب رطب يستقبل الطيور المهاجرة. ليست بركان محطة واحدة في دليل السفر؛ إنها مجموعة أمكنة يشرح بعضها بعضاً.

يفهم القارئ بركان حين يرى العلاقة بين هذه العناصر. ماء الجبل يسقي السهل، والسهل يطعم المدينة، والمدينة تخدم القرى، والساحل يجذب زوار الصيف، وتافوغالت تعيد تاريخ الإقليم إلى ما قبل نشوء المدن. لذلك يكون أجمل برنامج هو الذي يترك وقتاً للمقارنة: رائحة الزهر صباحاً، صمت المغارة ظهراً، وملح المتوسط في المساء.

من شوارع مدينة بركان وأسواقها وبساتين الحوامض المحيطة بها، إلى مرتفعات تافوغالت ووادي زكزل وعيون فزوان، ثم مداغ وشاطئ السعيدية ومصب ملوية، تتشكل رحلة تجمع بين التاريخ والطبيعة والحياة المحلية. ويغادر الزائر الإقليم وقد تعرف إلى أرض مغربية غنية بذاكرتها وتنوعها وكرم أهلها. لذلك تستحق بركان أن تُزار على مهل، وأن تُكتشف مدينةً وإقليماً، في الجبل والسهل وعلى ضفاف البحر المتوسط.

المصادر والمراجع

  1. المندوبية السامية للتخطيط، مونوغرافية إقليم بركان، أكتوبر 2017.
  2. المندوبية السامية للتخطيط، المميزات الديموغرافية والسوسيو-اقتصادية لسكان جهة الشرق وفق الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024.
  3. Bouzouggar et al., “82,000-year-old shell beads from North Africa”, PNAS, 2007.
  4. المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، برنامج الأبحاث الأثرية في مغارة الحمام بتافوغالت.
  5. Natural History Museum, “Ancient human DNA recovered from the oldest cemetery in Africa”, 2018.
  6. منصة Berkane We Can، التعريف بإقليم بركان وتاريخ اسم المدينة.
  7. وكالة تنمية جهة الشرق، السياحة الجبلية في زكزل وتافوغالت.
  8. الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، نهضة بركان تحرز أول لقب في البطولة المغربية، 2025.
  9. الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، نهضة بركان تحرز لقبها الثالث في كأس الكونفدرالية الإفريقية، 2025.
  10. وكالة تنمية جهة الشرق، مشروع تهيئة موقع مغارة الجمل بزكزل.
  11. El Kadiri et al., “Grotte du Chameau, Berkane: A hypogenic cave for tourism”, 2022.
  12. دراسة الأبعاد التنموية للعيون المائية في جبال بني يزناسن، منصة المجلات العلمية المغربية.
  13. Fikri-Benbrahim et al., “Main Therapeutic Uses of Some Moroccan Hot Springs’ Waters”, 2021.
  14. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، هبة ملكية للزاوية القادرية البودشيشية بمداغ في إقليم بركان.
  15. المكتب الوطني المغربي للسياحة، شاطئ السعيدية ومحور وجدة–السعيدية.
  16. اتفاقية رامسار، بعثة استشارية إلى موقع مصب ملوية.
  17. عمالة إقليم بركان، بلاغ حول تنظيم الأسواق وتهيئة سوق فرياض لاستقبال باعة ساحة الطحطاحة، منشور عبر OujdaCity، 2016.
  18. TelQuel، مهرجان كران ومكانة هذه الوجبة في الثقافة الشعبية للمغرب الشرقي، 2015.
  19. وكالة تنمية جهة الشرق، مسارات ونكهات الشرق المغربي: كران ولوبيا كريني ومنتجات المطبخ الجهوي.
  20. مصطفى شعبان، مقتطف من رواية «مرايا» يصف ساحة الطحطاحة وشارع ابن سينا المعروف بشارع الذهب، ص 71–72.

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *