دراسة في تزكية النفس والرفق وأدب الاختلاف ودورها في نبذ الغلو وخطاب الكراهية
مقدمة
في زمن تتسارع فيه خطابات الاستقطاب، وتنتشر فيه لغة التخوين والتكفير والازدراء عبر المنابر الرقمية، تزداد الحاجة إلى خطاب ديني يعيد بناء الإنسان من الداخل قبل أن يطالبه بإصلاح العالم من حوله. ومن هنا تبرز أهمية التصوف السني بوصفه مسلكًا تربويًا وأخلاقيًا داخل التجربة الإسلامية، لا يكتفي بتقديم المعرفة الدينية في صورتها النظرية، بل يربطها بتزكية النفس، ومحاسبتها، وتهذيب الانفعالات، وإحياء معاني الرحمة والرفق والإحسان.
ولا يعني الحديث عن التصوف السني تحويله إلى شعار سياسي جاهز، أو الادعاء بأن كل جماعة تنتسب إلى التصوف محصنة تلقائيًا من التعصب والعنف. فالمعيار الحقيقي ليس الاسم، وإنما الالتزام بالكتاب والسنة، وصيانة كرامة الإنسان، ورفض الغلو، وتقديم الأخلاق على الخصومة. ولهذا يركز هذا المقال على التصوف المنضبط بالمرجعية السنية، كما مثله أعلام اشتهروا بجمعهم بين الفقه والسلوك، مثل الجنيد البغدادي وأبي القاسم القشيري وأبي حامد الغزالي وغيرهم.
إن القيمة الكبرى لهذا المسلك تكمن في أنه ينقل التدين من مجرد الدفاع المتوتر عن الهوية إلى ممارسة يومية للمحبة والعدل والرحمة. فالمتطرف يبدأ غالبًا من تضخيم أخطاء الآخرين، بينما يبدأ السالك في طريق التزكية من محاسبة نفسه. وخطاب الكراهية يبحث عن عدو دائم، أما خطاب المحبة فيبحث عن باب للهداية، وعن مساحة مشتركة تحفظ الحق وتمنع الظلم. وبين المنهجين مسافة أخلاقية شاسعة تحدد شكل علاقة الإنسان بدينه وبمجتمعه وبالعالم.
ما التصوف السني؟
التصوف السني هو علم للتربية والسلوك يهدف إلى تزكية النفس، وتصحيح النية، ومراقبة الله، والتحلي بمكارم الأخلاق، مع الالتزام بأحكام الشريعة وأصول الاعتقاد. وقد ربطت المصادر المغربية الرسمية هذا الاتجاه بأعلام الزهد والسلوك الذين لزموا الكتاب والسنة، وفي مقدمتهم الإمام الجنيد، حتى صار تعبير «التصوف السني على طريقة الجنيد» جزءًا من وصف الثوابت الدينية المغربية [3]. كما تقدم مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة التصوف بوصفه تربية للقلب، ونصحًا للأمة، واتباعًا للرسول صلى الله عليه وسلم في الشريعة [4].
هذا التعريف يبين أن التصوف السني ليس انسحابًا من الحياة، ولا استبدالًا للعبادات بمشاعر مبهمة، ولا تقديسًا للأشخاص. إنه عمل على باطن الإنسان حتى يصدق ظاهره؛ فالصلاة التي لا تمنع الظلم ناقصة الأثر، والعلم الذي يورث الكبر يصبح حجة على صاحبه، والذكر الذي لا يثمر رحمة وحسن معاملة يفقد جانبًا أساسيًا من مقصده التربوي.
وقد عبّر القشيري في رسالته عن حرص شيوخ التصوف الأوائل على موافقة الشريعة، بينما جعل الغزالي في «إحياء علوم الدين» علاج أمراض القلب جزءًا لا ينفصل عن فقه العبادات والمعاملات [5][6]. ومن هنا يمكن تلخيص التصوف السني في ثلاث دوائر مترابطة: صحة الاعتقاد، واستقامة العمل، وإحسان الخلق. فإذا انفصلت دائرة عن الأخرى ظهر الخلل: علم بلا رحمة، أو عاطفة بلا ضابط، أو طقوس بلا أثر أخلاقي.
المحبة في قلب التجربة الصوفية
المحبة في التصوف السني ليست كلمة شعرية عابرة، بل قوة أخلاقية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالله وبنفسه وبالناس. فمحبة الله تقتضي طاعته، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم تقتضي الاقتداء برحمته وعدله، ومحبة الخير للناس تقتضي كف الأذى عنهم، ونصحهم من غير استعلاء، والفرح بهدايتهم بدل التشفي في عثراتهم.
يؤسس القرآن لهذه الروح حين يصف لين النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة من الله: «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران: 159) [1]. فالفظاظة قد تنتصر في جدال لحظي، لكنها تخسر القلوب وتغلق أبواب الإصلاح. أما اللين فلا يعني التنازل عن الحق، بل تقديمه بطريقة تحفظ كرامة المخاطب وتمنحه فرصة للمراجعة.
وتتكرر هذه القاعدة في قوله تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (النحل: 125) [1]. والحكمة هنا ليست مجرد اختيار كلمات لطيفة، بل فهم أحوال الناس، ومراعاة تفاوتهم، والتمييز بين المخطئ المعاند والمخطئ الجاهل والمخطئ المجروح. وقد جعل السلوك الصوفي من «صحبة القلوب» و«أدب الدعوة» وسائل لإصلاح الإنسان من غير كسر نفسي أو إهانة علنية.
إن خطاب المحبة لا يلغي المسؤولية ولا يبرر الظلم. فالقرآن يأمر بالعدل حتى مع من نختلف معهم: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (المائدة: 8) [1]. وهكذا تصبح المحبة في معناها الناضج التزامًا بالحق والعدل والرحمة معًا، لا انفعالًا عاطفيًا يعجز عن مواجهة الخطأ.
تزكية النفس بوصفها وقاية من التطرف
يركز الفكر المتطرف على نقائص الآخرين، ويمنح أتباعه شعورًا سريعًا بالتفوق والطهارة، ثم يقسم العالم إلى فسطاطين لا مساحة بينهما. أما التربية الصوفية فتبدأ من سؤال مختلف: ما نصيبي أنا من الكبر والحسد وحب الظهور والغضب والرياء؟ بهذا الانتقال من اتهام الخارج إلى محاسبة الداخل تنكسر إحدى أهم آليات التطرف، وهي صناعة «الذات المعصومة» التي ترى نفسها ممثلة وحيدة للدين.
تقوم التزكية على مراقبة الدوافع الخفية. فقد يرفع الإنسان شعار نصرة الحق، بينما تحركه الرغبة في السيطرة أو الانتقام أو طلب الشهرة. وقد يدافع عن السنة بأسلوب يهدم أخلاق السنة. لذلك يلح التصوف السني على النية والتواضع وكظم الغيظ والصبر، وهي قيم تمنع تحول الحماسة الدينية إلى عدوان.
وفي الحكم العطائية تنبيه متكرر إلى خطورة رؤية النفس والاعتماد على العمل والاشتغال بعيوب الخلق عن عيوب الذات [7]. وهذه التربية لا تصنع شخصية سلبية، بل شخصية مسؤولة تعرف حدودها، وتفرق بين القطعي والظني، وبين النص وفهمها للنص، وبين الغيرة المحمودة والانفعال المدمر. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بقابليته للخطأ، قل استعداده لتكفير الناس أو استباحة حقوقهم باسم يقين شخصي غير منضبط.
ومن الناحية النفسية، يمنح الذكر والصحبة الصالحة وخدمة الآخرين مساحات للسكينة والانتماء والمعنى. وهذه العناصر مهمة للشباب الذين قد يستغل المتطرفون شعورهم بالوحدة أو الإهانة أو فقدان الهدف. لكن الوقاية الروحية لا تكفي وحدها؛ فهي تحتاج إلى عدالة اجتماعية، وتعليم جيد، وفرص مشاركة، وخطاب ديني موثوق. وهذا ما تؤكده المقاربات الحديثة للوقاية من التطرف التي تجمع بين بناء المعنى، والحوار، والحقوق، ومواجهة السرديات العنيفة [12][13].
الرفق ونبذ الغلو في السنة النبوية
ينسجم التصوف السني في جوهره الأخلاقي مع التوجيه النبوي الصريح: «إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله» [2]. والرفق ليس ضعفًا، بل قدرة على إدارة القوة والغضب ضمن حدود الحق. فالإنسان العنيف قد يكون عاجزًا عن ضبط نفسه، بينما يحتاج الرفق إلى صبر وبعد نظر وثقة بأن الإصلاح الحقيقي لا يصنعه الإذلال.
وفي المقابل جاء التحذير النبوي: «إياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [2]. والغلو هو مجاوزة الحد، سواء في الاعتقاد أو الحكم على الناس أو العبادة أو الولاء للأشخاص والجماعات. وقد يبدأ بتشدد صغير يظنه صاحبه زيادة في الدين، ثم يتحول إلى تضييق لما وسعه الشرع، واحتقار للمخالف، ثم إلى تبرير العنف.
التربية الصوفية السنية تواجه الغلو بمبدأ الاعتدال، وبإدراك أن الطريق إلى الله لا يبنى على القسوة مع النفس والناس، وإنما على دوام العمل وصدق النية وحسن الخلق. كما تواجهه بأدب الخلاف؛ إذ لا تجعل كل مسألة اجتهادية معركة عقيدة، ولا تحول المخالف الفقهي أو الفكري إلى عدو وجودي. وهذا الأدب ضروري في زمن المنصات التي تكافئ المحتوى الغاضب والمثير، وتدفع بعض الدعاة إلى المبالغة طلبًا للانتشار.
من خطاب الكراهية إلى خطاب التعارف والكرامة
خطاب الكراهية يقوم على نزع الإنسانية عن الآخر: اختزاله في لقب، والسخرية من آلامه، وتعميم خطأ فرد على جماعة، وتصوير الاختلاف بوصفه تهديدًا دائمًا. أما الخطاب القرآني فيؤسس للتعارف: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا» (الحجرات: 13) [1]. والتعارف لا يعني ذوبان العقائد أو غياب الحدود، بل الاعتراف بالكرامة الإنسانية المشتركة، والتعاون في الخير، وإدارة الاختلاف من دون ظلم.
يقدم التصوف السني أدوات عملية لترجمة هذا المبدأ، منها حسن الظن ما أمكن، والتماس الأعذار، وكف اللسان، وخدمة المحتاج بلا سؤال عن هويته، وإكرام الضيف، والإصلاح بين المتخاصمين. وقد أدت الزوايا تاريخيًا أدوارًا في إطعام الفقراء، وإيواء المسافرين، وتعليم القرآن والعلوم، وربط القبائل والمجتمعات المحلية بشبكات من التضامن [10]. وفي المغرب كانت الزوايا أيضًا فضاءات للعلم والإشعاع الثقافي والاجتماعي، وإن تفاوتت أدوارها باختلاف الأزمنة والمناطق [3].
ويمتلك خطاب الجمال مكانة خاصة في مقاومة الكراهية. فالشعر الروحي، والمديح، والخط، والعمارة، والإنشاد المنضبط، كلها نقلت معاني الدين من لغة الأوامر الجافة إلى خبرة وجدانية تفتح القلب على الرحمة. وقد أبرزت آن ماري شيمّل أثر الحب والشعر والرمز في تاريخ التصوف الإسلامي وانتشاره عبر ثقافات متعددة [10]. والجمال هنا ليس ترفًا؛ إنه يعيد تشكيل المخيلة التي يستهدفها التطرف بصور الدم والعدو والنهاية المظلمة.
كيف يسهم التصوف السني في بناء مناعة فكرية ضد التطرف؟
أول عناصر المناعة هو تصحيح مفهوم التدين. فالدين في المنظور الصوفي السني ليس مجرد هوية تُرفع في مواجهة الآخرين، بل عبودية ومسؤولية وأمانة. كل عبادة ينبغي أن تترك أثرًا في الخلق: الصلاة تواضع، والصوم ضبط للشهوة والغضب، والزكاة تضامن، والحج مساواة. عندما يفهم الشاب هذا الترابط يصعب على دعاة التطرف إقناعه بأن التدين يختزل في صدام دائم.
العنصر الثاني هو التربية المتدرجة. الجماعات المتطرفة تقدم أجوبة سريعة ويقينًا مغلقًا وبطولة فورية، بينما يعلم السلوك الصوفي أن تغيير النفس يحتاج إلى زمن ومجاهدة وصحبة وعلم. هذا الوعي بالتدرج يحمي من القرارات الانفعالية، ويمنح المتعلم قدرة على التريث والتحقق قبل تبني حكم خطير أو الانخراط في جماعة سرية.
العنصر الثالث هو بناء الانتماء الإيجابي. كثير من مسارات التطرف تستثمر الحاجة إلى جماعة تمنح الفرد الاعتراف والقيمة. ويمكن للمؤسسات الروحية والتربوية المنفتحة أن تقدم بديلًا صحيًا من خلال حلقات العلم، والعمل التطوعي، وخدمة الحي، ودعم الأسر، والأنشطة الثقافية. وقد درست أبحاث نوعية استراتيجيات طورتها خمس جماعات صوفية في السويد لمواجهة التطرف من داخل المجتمعات المسلمة نفسها، بدل النظر إلى المسلمين كموضوع سلبي للتدخل فقط [11].
العنصر الرابع هو أدب الاختلاف. التصوف السني يربي على التواضع العلمي، وعلى أن المعرفة هبة ومسؤولية لا وسيلة للاحتقار. ومن يتعلم أن يقول «لا أعلم» وأن يحترم مراتب العلماء ومجالات الاجتهاد، يكون أقل قابلية للفتاوى المقتطعة والمقاطع القصيرة التي توزع أحكام الكفر والخيانة بلا علم.
العنصر الخامس هو تحويل الطاقة الدينية إلى خدمة. التطرف يجذب الحماس ثم يوجهه إلى الخصومة والهدم، بينما توجه التربية الإحسانية الحماس إلى إغاثة المحتاج، وتعليم الطفل، وزيارة المريض، وحماية البيئة، وإصلاح ذات البين. وعندما يختبر الشاب معنى البطولة في إنقاذ إنسان لا في إيذائه، تتغير صورته عن القوة والنصر.
التصوف السني في السياق المغربي والإفريقي
يمثل المغرب نموذجًا بارزًا في حضور التصوف السني ضمن البنية الدينية والتاريخية للمجتمع. فقد ارتبطت الزوايا عبر قرون بالتعليم القرآني، وإيواء العابرين، والوساطة الاجتماعية، ومقاومة التفكك، ونشر الإسلام في مناطق من إفريقيا بواسطة التجارة والعلم والقدوة أكثر من الإكراه. وتؤكد مصادر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن التصوف السني، إلى جانب العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي وإمارة المؤمنين، من مكونات النموذج الديني المغربي [3].
كما ساهمت الروابط الروحية والعلمية بين المغرب وبلدان غرب إفريقيا في بناء جسور تتجاوز الحدود السياسية، خاصة عبر طرق مثل التيجانية والقادرية وغيرها. لكن القيمة المعاصرة لهذه الروابط لا ينبغي أن تختزل في الاحتفالات أو الرموز؛ المطلوب تحويلها إلى برامج لتكوين الأئمة والمرشدين، وتعزيز الأمن الروحي، وتمكين الشباب، ومقاومة الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية.
وفي هذا السياق، يمكن للتصوف المغربي أن يقدم للعالم صورة عن تدين يجمع بين الوفاء للمرجعية والانفتاح على العصر. غير أن نجاح هذه الرسالة مشروط بالشفافية، والعلم، ومحاربة استغلال الدين، وتجديد الخطاب بما يفهمه الشباب. فالتراث الذي لا يدخل المدرسة والمنصة الرقمية والعمل الاجتماعي يبقى معرضًا للتحول إلى ذاكرة احتفالية لا تؤثر في الواقع.
تاسعًا: التصوف والعصر الرقمي – معركة المعنى قبل معركة المحتوى
لم تعد الكراهية تنتشر فقط عبر الخطب المباشرة؛ إنها تتحرك اليوم في مقاطع قصيرة، وصور ساخرة، وغرف مغلقة، وخوارزميات تكرر المحتوى الذي يثير الغضب. لذلك لا يكفي أن يبقى خطاب التصوف السني في الكتب القديمة أو المجالس المحدودة. يحتاج إلى لغة رقمية واضحة، ومحتوى بصري جذاب، وقصص إنسانية، وحضور لعلماء ومربين يفهمون أسئلة الجيل الجديد.
ينبغي أن ينتقل الخطاب من التلقين إلى الحوار. فالشاب الذي يسأل عن العدالة أو الهوية أو معنى الألم لا يحتاج إلى اتهام نواياه، بل إلى من يصغي إليه ويحترم عقله. وتنسجم هذه المقاربة مع ما تؤكد عليه اليونسكو من أن الوقاية من التطرف تبدأ بالحوار واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، وأن التعليم يساعد المتعلمين على مقاومة السرديات العنيفة والالتزام بالسلام واللاعنف [12].
كما يجب تدريب المتلقين على التحقق من الأخبار، وفهم السياق، والتمييز بين العالم والمتصدر، وبين النقد المشروع والتحريض، وبين الدفاع عن المقدسات والاعتداء على الناس. ويمكن لمفاهيم صوفية مثل المراقبة، وحفظ اللسان، والتثبت، وحسن الظن أن تتحول إلى أخلاق رقمية: لا تشارك خبرًا قبل التحقق، لا تشهر بشخص، لا تجعل غضبك مصدرًا للحكم، ولا تبحث عن الإعجاب على حساب كرامة الآخرين.
توصيات عملية لتفعيل خطاب المحبة
أولًا، إدماج التربية الأخلاقية في التعليم الديني، بحيث لا يدرس الطالب الأحكام منفصلة عن مقاصد الرحمة والعدل وحفظ الكرامة. وينبغي أن تتضمن البرامج نصوصًا في تزكية النفس وأدب الخلاف، وتمارين على الحوار والتفكير النقدي والتعامل المسؤول مع المنصات الرقمية.
ثانيًا، تأهيل الأئمة والمرشدين والفاعلين في الزوايا لفهم علم النفس الاجتماعي وآليات التجنيد الرقمي وخطاب الكراهية. فالنية الصالحة لا تكفي لمواجهة تقنيات دعائية معقدة. ويحتاج المربي إلى مهارات الإصغاء، واكتشاف مؤشرات العزلة والتشدد، والإحالة إلى المختصين عند الحاجة.
ثالثًا، ربط المجالس الروحية بالخدمة الاجتماعية. يمكن لكل مؤسسة أن تطلق برامج ثابتة لمحو الأمية، ودعم المتعثرين دراسيًا، ومساعدة الأسر، وزيارة المرضى، والعناية بالبيئة. فخدمة الناس هي البرهان العملي على صدق خطاب المحبة، وهي أيضًا فضاء يجمع المختلفين حول منفعة مشتركة.
رابعًا، إنتاج محتوى رقمي احترافي يشرح مفاهيم الرحمة والرفق والتزكية بلغة بسيطة، مع تجنب الخطاب المتعالي أو الدفاعي. ويستحسن إشراك الشباب في الكتابة والتصوير والتصميم، لأنهم أقدر على فهم لغتهم ومشكلاتهم.
خامسًا، بناء شراكات بين العلماء والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني. فالمواجهة الناجحة للتطرف تحتاج إلى بيانات ودراسات ميدانية وتقييم مستمر، لا إلى الانطباعات وحدها. ويمكن للمراكز الأكاديمية أن تقيس أثر البرامج الروحية والاجتماعية، وتحدد ما ينجح وما يحتاج إلى مراجعة.
سادسًا، حماية خطاب المحبة من التحول إلى إنكار للخلاف أو تبرير للظلم. فالمحبة الحقيقية لا تسكت عن الاعتداء، لكنها تقاومه بالعدل والقانون والحكمة، وتحفظ إنسانية المظلوم والخصم معًا. وهذا التوازن هو ما يجعل الخطاب الأخلاقي قويًا وواقعيًا.
خاتمة
التصوف السني، يقدم أكثر من تجربة وجدانية فردية؛ إنه مشروع لتربية الإنسان على المحبة والرفق والتواضع وخدمة الخلق. وهذه القيم تمثل نقيضًا مباشرًا للغلو الذي يقدس العنف، وللكراهية التي تنزع عن المختلف كرامته، وللتعصب الذي يحول الفهم البشري إلى حقيقة مطلقة.
غير أن قوة التصوف لا تكمن في اسمه ولا في رموزه، بل في قدرته على إنتاج إنسان أرحم وأعدل وأصدق. فإذا تحول الذكر إلى حفظ للسان، والصحبة إلى تضامن، والمحبة إلى إنصاف، والتوكل إلى عمل، صار التصوف مدرسة للمواطنة والسلام.
إن معركة العصر ليست فقط معركة معلومات، بل معركة معنى وصورة للإنسان. والمتطرف يقدم معنى قائمًا على الخوف والعدو والانغلاق، بينما يقدم التصوف السني معنى قائمًا على العبودية والمحبة والمسؤولية والرجاء. وكلما نجحت المؤسسات الدينية والتربوية في ترجمة هذا المعنى إلى تعليم وخدمة وعدالة وحضور رقمي، ازدادت مناعة المجتمعات ضد الغلو والكراهية، واتسعت مساحة الدين الذي يعمر القلوب والأوطان بدل أن يحولها إلى ساحات خصام.
المصادر والمراجع
[1] القرآن الكريم: آل عمران 159؛ النحل 125؛ المائدة 8؛ الحجرات 13؛ فصلت 34؛ الفرقان 63؛ الأنبياء 107.
[2] صحيح البخاري وصحيح مسلم، أحاديث الرفق؛ وسنن النسائي وابن ماجه، حديث: «إياكم والغلو في الدين». انظر أيضًا: الموسوعة الحديثية بموقع الدرر السنية.
[3] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية: «التصوف»، و«التصوف السني على طريق الإمام الجنيد ثابت من ثوابت الأمة المغربية»، مواد منشورة على الموقع الرسمي للوزارة.
[4] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: «التصوف في المغرب: المفهوم والأصول والتاريخ».
[5] أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، تحقيق عبد الحليم محمود ومحمود بن الشريف، دار المعارف، القاهرة.
[6] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، أبواب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق وآفات اللسان، طبعات متعددة.
[7] ابن عطاء الله السكندري، الحكم العطائية، مع شروحها المعتمدة، طبعات متعددة.
[8] Alexander Knysh, Sufism: A New History of Islamic Mysticism, Princeton University Press, 2017.
[9] Ahmet T. Karamustafa, Sufism: The Formative Period, Edinburgh University Press, 2007.
[10] Annemarie Schimmel, Mystical Dimensions of Islam, University of North Carolina Press, 1975.
[11] Tommy Josefsson, Marco Nilsson & Klas Borell, “Muslims Opposing Violent Radicalism and Extremism: Strategies of Swedish Sufi Communities,” Journal of Muslim Minority Affairs, 37(2), 2017, pp. 183–195.
[12] UNESCO, Preventing Violent Extremism; and Preventing Violent Extremism through Education: A Guide for Policy-makers, 2017.
[13] United Nations, Plan of Action to Prevent Violent Extremism, A/70/674–A/70/675, 2015–2016.
[14] Mark Woodward, Muhammad Sani Umar, Inayah Rohmaniyah & Mariani Yahya, “Salafi Violence and Sufi Tolerance? Rethinking Conventional Wisdom,” Perspectives on Terrorism, 7(6), 2013, pp. 58–78.

