ملخص الدراسة
يعد حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، الذي يروي فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل قوله: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم»، من أوسع النصوص النبوية دلالة على التصور الإسلامي لطبيعة الإنسان، والفطرة، ونشأة الانحراف الديني، وعلاقة الشيطان بالإنسان، ووظيفة الوحي والنبوة، وحدود التشريع البشري في الحلال والحرام.
فالحديث لا يقرر مجرد فكرة أن الإنسان يولد بريئاً من الشرك، وإنما يقدم بناء متكاملاً يبدأ بخلق الإنسان على الحنيفية، ثم يصف انتقاله عن مقتضى هذا الأصل بتأثير الشياطين، ويجمع بين نوعين كبيرين من الانحراف: الشرك بالله، وتحريم ما أحل الله بغير سلطان من الوحي. ثم ينتقل إلى بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب والابتلاء بالرسالة، وينتهي ببيان جملة من الصفات الأخلاقية التي تميز أهل الجنة وأهل النار.
وتزداد أهمية الحديث لارتباطه الوثيق بحديث «كل مولود يولد على الفطرة»، وبقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وبالآيات التي تصف إبراهيم عليه السلام بالحنيفية، وبقضية الميثاق الأول، وبأسئلة عقدية عميقة تتصل بالهداية والضلال والقدر والمسؤولية الإنسانية.
ويهدف هذا البحث إلى دراسة الحديث من جهاته الحديثية واللغوية والتفسيرية والعقدية والتربوية، مع تتبع أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والمفسرين وشراح الحديث عبر العصور، والتنبيه إلى بعض الدقائق الإسنادية التي يغفل عنها العرض المختصر للحديث.
مدخل: حديث يؤسس لفهم الإنسان والدين
من النصوص النبوية التي يصعب استيعاب أبعادها إذا اقتصر القارئ على جملة واحدة منها حديث عياض بن حمار رضي الله عنه. فالجملة المشهورة: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً» ليست حديثاً مستقلاً في أصل الرواية، وإنما تقع في خطبة طويلة للنبي صلى الله عليه وسلم ينقل فيها عن ربه عز وجل تعليماً خاصاً أُمر أن يبلغه للناس. وقد أخرجها الإمام مسلم في صحيحه ضمن حديث طويل عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه.
وهذه الملاحظة مهمة؛ لأن فهم الجملة في سياق الحديث الكامل يكشف عن بنية أوسع بكثير من مجرد تقرير «الفطرة». فالحديث يبدأ بالتعليم الإلهي وتصحيح مفاهيم الحلال والحرام، ثم ينتقل إلى أصل الخلقة الإنسانية، ثم إلى الشياطين وآلية إفسادها للإنسان، ثم إلى الشرك، ثم إلى حال الأرض قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إلى الرسالة والكتاب والابتلاء، ثم إلى صفات أهل الجنة وأهل النار.
فنحن أمام نص يجمع بين الأنثروبولوجيا الدينية، والعقيدة، والتشريع، ونظرية المعرفة، والأخلاق، والنبوة، والمسؤولية الإنسانية. ولهذا كان من الخطأ أن يحصر الحديث في جملة وعظية قصيرة؛ إذ إن دلالاته تتشكل من تتابع موضوعاته وترابط أجزائه.
نص الحديث وسياقه الداخلي
أخرج مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب».
ثم مضت الخطبة في بيان بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وإنزال الكتاب والابتلاء بالرسالة، وأوامر الجهاد والإنفاق، وأصناف أهل الجنة وأهل النار. وهذا هو سياق اللفظ في صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، حديث رقم 2865.
اعتمدت هذه الدراسة لفظ مسلم أصلاً؛ لأنه أوثق ألفاظ الباب وأتمها. وعند ذكر لفظ مختلف نُصَّ على مصدره، مثل رواية النسائي التي جاء فيها: «وإني خلقت عبادي حنفاء» من غير «كلهم» في الموضع المنقول، ورواية بعض الطرق بعبارة «فأتتهم الشياطين». ولا يغير هذا الاختلاف اليسير أصل الدلالة، لكنه يمنع تركيب لفظ واحد من مصادر متعددة ثم نسبته إلى مصدر بعينه.
وعليه، فقول الله تعالى في الحديث القدسي: «خلقت عبادي حنفاء» ينبغي ألا يفصل عن أربع جمل تحيط به: قبلها أن أصل ما منحه الله لعبده من المال مباح، وليس للبشر أن يخترعوا تحريمات دينية من عند أنفسهم. وبعدها مباشرة أن الشياطين جاءت الإنسان فأخرجته عن دينه. ثم أنها حرمت عليه ما أحل الله. ثم أنها أمرته بالشرك الذي لم ينزل الله عليه سلطاناً.
وهذا الترتيب بالغ الأهمية؛ لأنه يرسم صورة دقيقة للانحراف الديني: يبدأ الإنسان من أصل مستقيم، ثم يقع الاجتيال، ثم يظهر أثره في باب الاعتقاد وفي باب التشريع معاً. فالانحراف عن الحنيفية ليس نوعاً واحداً، بل قد يقع في الجهة التي يتوجه إليها القلب بالعبادة، وقد يقع في الطريقة التي يتقرب بها الإنسان إلى الله حين يشرع من عند نفسه ما لم يأذن به الله.
راوي الحديث: عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه
عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه صحابي من بني مجاشع من تميم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وروى عنه. وتذكر كتب الرجال أنه كان بصرياً، ولذلك انتقلت رواياته إلى طبقة التابعين بالبصرة، ومن أبرز من روى حديثه مطرف بن عبد الله بن الشخير.
ولا توجد في الإسناد إشكالية تتصل بصحبة عياض؛ فالقاعدة الحديثية أن الصحابة عدول من جهة الرواية، والبحث الإسنادي يبدأ عملياً من الرواة الذين حملوا الخبر عنه. وتتميز رواية عياض هذه بأنها ليست جواباً مقتضباً عن سؤال عابر، وإنما خبر عن خطبة نبوية، وهذا يفسر طولها وكثرة الموضوعات التي انتظمت داخلها، كما يرجح أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بها تأسيس جملة من الأصول الكبرى أمام جماعة من الناس، لا بيان حكم جزئي منعزل.
تخريج الحديث وطرق روايته
الحديث صحيح ثابت؛ أخرجه مسلم في صحيحه برقم 2865 من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه هشام الدستوائي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار رضي الله عنه. وأخرجه أحمد في المسند من طريق معمر عن قتادة عن مطرف مختصراً مع إحالة إلى نحو حديث هشام، ومن طريق عوف عن حكيم الأثرم عن الحسن قال: حدثني مطرف، ومن طريق همام عن قتادة مع كشف وسائط قتادة؛ وهي الطرق المرقمة 18338 و18339 و18340 في ترقيم طبعة مؤسسة الرسالة.
ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده، رقم 1175 في طبعة دار هجر، عن هشام عن قتادة عن مطرف، ثم ساق عقب المتن خبر سؤال قتادة عن سماعه من مطرف وجوابه بأنه حدثه جماعة عنه. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى ضمن فضائل القرآن من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة عن مطرف، واقتصر على صدر الخطبة إلى قوله: «إلا بقايا من أهل الكتاب». كما أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق همام عن قتادة مع تسمية بعض الوسائط، والطبراني في المعجم الكبير في مسند عياض بن حمار من عدة أوجه. وتختلف أرقام ابن حبان والنسائي والطبراني باختلاف الطبعات والترتيبات، لذلك أحيل هنا إلى الكتاب والموضع ومسند الصحابي ولا يوضع رقم غير متحقق منه.
تدور أشهر الطرق على المدرسة البصرية: مطرف عن عياض، ثم رواية قتادة بواسطة جماعة عن مطرف. وتوجد متابعة مستقلة لا يمر إسنادها بقتادة، هي طريق الحسن عن مطرف عند أحمد. أما فروق الألفاظ فمعظمها اختصار لبعض الخطبة أو إحالة الراوي على لفظ طريق آخر؛ فلا توصف بالاضطراب لمجرد اختلاف طول المتن. ومع ذلك لا يجوز الجزم بأن كل لفظة في الطريق المختصر محفوظة بلفظ مسلم ما لم ينص الراوي على ذلك.
إسناد صحيح مسلم ورجاله
إسناد مسلم: أبو غسان مالك بن عبد الواحد المسمعي، ومحمد بن المثنى العنزي، ومحمد بن بشار بندار، قالوا: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه. واللفظ عند مسلم لأبي غسان ومحمد بن المثنى. هؤلاء الأئمة – إلى قتادة – بصريون في هذا الطريق، وهو ما يفسر استقرار الحديث في رواية أهل البصرة.
أبو غسان المسمعي ثقة من شيوخ مسلم، ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار إمامان حافظان احتج بهما أصحاب الكتب الستة. ومعاذ بن هشام الدستوائي صدوق احتج به مسلم وروى عنه الجماعة، وحديثه عن أبيه أقوى من روايته عن غيره عند من تكلم في بعض أوهامه. وأبوه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي ثقة ثبت، من أوثق أصحاب قتادة. وقتادة بن دعامة السدوسي حافظ مفسر ثقة، لكنه معروف بالتدليس، ولذلك لا يكفي في هذا الموضع وصفه بالثقة من غير فحص صيغة تحمله.
مطرف بن عبد الله بن الشخير تابعي بصري ثقة عابد، أدرك عياضاً وروى عنه. وعياض صحابي تميمي مجاشعي، والصحابة عدول في باب الرواية. موضع البحث، إذن، ليس عدالة الرجال ولا لقاء مطرف بعياض، وإنما صورة نقل قتادة لهذه الخطبة عن مطرف: أسمعها منه أم حملها عن وسائط؟
المسألة الإسنادية الدقيقة: رواية قتادة عن مطرف
التحقيق في هذه المسألة لا يقف عند عنعنة صحيح مسلم. فقد حفظ همام بن يحيى عن قتادة القصة المفسرة: لما قيل لقتادة إنك لم تسمع حديث عياض من مطرف، سئل صراحة: أسمعته من مطرف؟ فأجاب – في رواية أحمد -: «لا، حدثني أربعة عن مطرف»، وسمى العلاء بن زياد العدوي، ويزيد أخا مطرف، وعقبة، وبقي رابع لم يسم في ذلك السياق. وفي لفظ الطيالسي قال: «حدثنيه ثلاثة عنه»، فسمى يزيد والعلاء، وذكر ثالثاً لم يحفظه همام. والجمع بين العددين ممكن من جهة اختلاف المجلس أو الحفظ، لكن الثابت في الروايتين واحد: نفي السماع المباشر لهذه الخطبة وإثبات تلقيها عن جماعة عن مطرف.
وعليه، فقول هشام أو معمر: «عن قتادة، عن مطرف» لا يثبت أن قتادة سمع هذه الخطبة من مطرف؛ لأن البيان الصريح المروي عن قتادة مقدم في تعيين كيفية التحمل. وأقوى ما يقال: إن الواسطة أو الوسائط حذفت في بعض الأسانيد المختصرة، وقد كشفها الطريق المفصل. ولا يصح بناء توفيق غير مسند بأن قتادة سمع الحديث من مطرف لاحقاً أو سمع بعضه منه؛ فهذا احتمال ذهني لا يعضده تصريح في طرق الخطبة التي وقفت عليها.
أما العلاء بن زياد العدوي فتابعي بصري ثقة عابد، روى عن مطرف. ويزيد بن عبد الله بن الشخير، أخو مطرف، ثقة بصري، وروايته عن أخيه معروفة. وعقبة المذكور في بعض ألفاظ هذا الخبر هو عقبة بن عبد الغافر الأزدي البصري، ثقة من كبار التابعين، روى عن مطرف. فتسمية هؤلاء لا تزيل الإبهام العددي فحسب، بل تبين أن الخبر تلقاه قتادة عن أكثر من ثقة عن مطرف.
ولا توجد – فيما وقفت عليه من الطرق المسندة المهمة لهذه الخطبة – رواية يقول فيها قتادة: «سمعت مطرفاً» أو «حدثني مطرف» بهذا الحديث الطويل. والتنبيه لازم؛ لأن في مسند الطيالسي نفسه رواية أخرى يقول فيها شعبة عن قتادة: «سمعت مطرف بن عبد الله» في خبر مختلف عن حكيم بن قيس. ذلك التصريح يثبت أصل سماع قتادة من مطرف في الجملة، لكنه لا يجوز نقله إلى حديث عياض بعد أن نفى قتادة سماع هذه الخطبة بعينها منه.
يبقى الحديث صحيحاً لثلاثة أسباب متساندة: أولها أن الطرق المفصلة كشفت وسائط قتادة، وأكثر من سمي منهم ثقات معروفون بالرواية عن مطرف؛ وثانيها أن جماعة حملوه عن مطرف، فلا يتفرد به واسطة واحدة مجهولة؛ وثالثها أن أحمد وابن حبان روياه من طريق آخر: عوف الأعرابي، عن حكيم الأثرم، عن الحسن البصري، قال: حدثني مطرف، حدثني عياض. عوف ثقة، والحسن صرح بالتحديث عن مطرف،
أما حكيم الأثرم ففيه خلاف: قال النسائي ليس به بأس، ووثقه أبو داود وابن المديني في نقل، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر فيه لين؛ لذلك لا يجعل هذا الطريق وحده في رتبة طريق مسلم، لكنه متابعة معتبرة لأصل الخطبة. فالصواب: الحديث صحيح، وطريق «قتادة عن مطرف» المجمل يفسره طريق الوسائط، لا أن السماع المباشر ثابت في هذه الخطبة.
الحكم على الحديث وبيان كونه حديثاً قدسياً
الحكم النهائي أن حديث عياض صحيح؛ أخرجه مسلم في صحيحه، وجاءت له طرق شارحة ومتابعات في المصنفات الأخرى. ودقة الكلام تقتضي التفريق بين صحة المتن بمجموع طرقه وبين دعوى اتصال صورة مختصرة بعينها على وجه السماع المباشر؛ الأولى ثابتة، والثانية نفاها قتادة في هذه الخطبة.
وهو حديث قدسي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يسند فيه القول إلى ربه: «إن ربي أمرني…» ثم يحكي خطاب الله. والحديث القدسي وحي يبلغه النبي عن الله، لكنه ليس قرآناً: لا يتعبد بمجرد تلاوته تعبُّد تلاوة القرآن، ولا تثبت له خصائص المصحف ولا التحدي والإعجاز القرآني، وتجوز روايته بالمعنى عند تحقق شروط الرواية كما تجوز في الحديث النبوي. أما القرآن فلفظه المنزل متعبد بتلاوته، محفوظ في المصحف، ولا يروى بالمعنى على أنه قرآن.
ووصف الخبر بأنه من أخبار الآحاد الصحيحة لا ينقص من ثبوته ولا من وجوب قبوله عند أهل الحديث والفقه في أبواب الاعتقاد والعمل متى صح سنده وسلمت دلالته. فلا هو حكمة مرسلة، ولا أثر موقوف، ولا نص متواتر اللفظ؛ بل حديث مرفوع صحيح فيه خطاب قدسي داخل خطبة نبوية.
الحنيفية في اللغة والاستعمال القرآني
الحنيف في أصل العربية من مادة «ح ن ف»، وقد استعملت للدلالة على الميل، غير أن الاستعمال الديني جعل الحنيف هو المائل عن الباطل إلى الحق، وعن الشرك إلى التوحيد، حتى صارت الحنيفية في الخطاب القرآني قرينة الاستقامة على توحيد الله.
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67]. وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]. وقال: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: 31]. وقال: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
فالقرآن نفسه يضع الحنيفية في مقابل الشرك، ويقرنها بالإخلاص والاستقامة والإسلام. وعندما فسر الطبري قوله تعالى في سورة الروم: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً﴾، جعل المعنى متجهاً إلى الاستقامة على الدين والطاعة وعدم الميل إلى الضلالات. ولذلك فإن تفسير «حنفاء» في الحديث بمعنى أنهم خلقوا على أصل التوحيد وقابلية الإسلام متصل اتصالاً وثيقاً بالاستعمال القرآني للكلمة.
حديث الفطرة وآية الروم: مجال الاتفاق وحدود الخلاف
أقرب الآيات إلى حديث عياض قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
التركيب القرآني شديد الدلالة: الدين، حنيفاً، فطرة الله، فطر الناس عليها، الدين القيم. فليست «الفطرة» هنا مفهوماً نفسياً مجرداً معزولاً عن الدين، بل وضعت داخل سياق الأمر بإقامة الوجه للدين حنيفاً.
ويزداد هذا المعنى قوة عندما نضم إليه حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «كل مولود يولد على الفطرة»، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أثر الأبوين في تهويده أو تنصيره أو تمجيسه. وكان أبو هريرة نفسه يقرأ بعد رواية الحديث آية الروم، وهو تفسير صحابي بالغ الأهمية لأنه يربط الحديث بالآية مباشرة.
جمع ابن حجر في فتح الباري الأقوال في الفطرة، وجعل من أشهرها تفسيرها بالإسلام، ونقل عبارة ابن عبد البر في شهرة هذا الوجه عند السلف. غير أن ابن عبد البر نفسه منع أن يفهم الإسلام هنا بمعنى إيمان تفصيلي قائم من المولود بقول اللسان واعتقاد القلب؛ وفسر الحنيفية بالسلامة من الجحد والشرك وبتهيؤ الخلقة لمعرفة الرب عند بلوغ المعرفة. فليس في كلامه تناقض إذا ميزنا بين «الإسلام» اسماً للوجهة الفطرية الموافقة للتوحيد وبين الإسلام المكتسب تفصيلاً بعد العلم والتكليف. بهذا القيد يلتقي حديث عياض وحديث أبي هريرة وآية الروم، من غير ادعاء إجماع على جميع تفاصيل تفسير الفطرة.
ماذا يعني أن الله خلق عباده حنفاء؟
ذكر النووي في شرح صحيح مسلم عدة عبارات في معنى «حنفاء»: «مسلمين»، و«طاهرين من المعاصي»، و«مستقيمين منيبين لقبول الهداية»، وذكر صلة ذلك بالعهد الأول. هذه عبارات منقولة في مقام شرح اللفظ، وليست صياغة لمذهب واحد متفق على جميع حدوده.
يمكن الجمع بين بعضها من جهة تعدد الاعتبار: فالطفل بريء من الذنب المكتسب، وخلقته غير مؤسسة على الشرك، وفيه قابلية للحق. لكن لا يلزم دمج جميع الأقوال أو دعوى تطابقها؛ فتفسير الفطرة بالإسلام، وتفسيرها بالخلقة السليمة، وربطها بميثاق الذر، مسالك متقاربة في بعض النتائج مختلفة في جهة البيان. ويمنع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78] أن تجعل الفطرة علماً تفصيلياً واعياً بأركان الدين وأحكامه منذ الولادة.
المعنى الأقرب الذي يجمع النصوص من غير إلغاء للخلاف: أن الله خلق الإنسان على خلقة سليمة موافقة للتوحيد، غير متلبسة في أصلها بالشرك، مهيأة لقبول الحق؛ ثم تأتي المعرفة التفصيلية بالتعليم والوحي، وقد تعرض للفطرة مؤثرات تصرفها. وهذه صياغة ترجيحية مستفادة من مجموع النصوص والشروح، لا نص حرفي لعالم واحد ولا دعوى إجماع.
هذا التعبير بالغ الدقة عند محاولة الجمع بين الفطرة وبين جهل المولود بالتفاصيل. فالطفل لا يولد حافظاً للقرآن، ولا عارفاً بأحكام الصلاة والصوم، ولا مدركاً لمسائل الأسماء والصفات والنبوات، ولكن خلقته ليست محكومة منذ البداية باعتقاد الشرك أو جحود الخالق.
وفي شرح ابن رجب لحديث «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته» بيان أن الإنسان محتاج إلى هداية التعليم والإرشاد وإلى هداية التوفيق، ولو كان في أصل خلقته قابلاً للحق. فالهداية ليست رتبة واحدة: قد توجد سلامة الفطرة ولا توجد معرفة الشرع المفصلة، وقد يسمع المرء البيان ولا يوفق لقبوله. وبهذا ينتفي التعارض بين «خلقت عبادي حنفاء» و«كلكم ضال إلا من هديته».
من الأخطاء الشائعة في قراءة الحديث تصور الفطرة كأنها موسوعة عقائدية مزروعة في عقل كل طفل. النصوص لا تقول ذلك. فالقرآن صريح في أن الإنسان يخرج من بطن أمه لا يعلم شيئاً، ثم يجعل الله له السمع والأبصار والأفئدة.
لكن عدم وجود المعرفة التفصيلية لا يعني غياب البنية الفطرية. ويمكن تقريب المعنى – مع الفارق – بالفرق بين الاستعداد للغة وبين معرفة لغة بعينها: يولد الإنسان باستعداد لاكتساب اللغة، لكنه لا يولد عارفاً بالمفردات والقواعد. وعلى نحو مشابه، الفطرة تهيئة واستقامة أصلية وقابلية للحق، أما الشريعة المفصلة فتحتاج إلى الوحي والتعليم.
ولهذا بدأ حديث عياض نفسه بعبارة ذات دلالة عميقة: إن الله أمر رسوله أن يعلم الناس ما جهلوا. فالحديث الذي يقرر الفطرة هو نفسه الحديث الذي يقرر الحاجة إلى التعليم الإلهي. الفطرة لا تلغي الوحي، والوحي لا يلغي الفطرة؛ بل الفطرة تستقبل الوحي، والوحي يكشف لها ما لا تستطيع الوصول إلى تفاصيله وحدها ويحفظها من الانحراف.
«فاجتالتهم الشياطين»: معنى الاجتيال وحدود تأثير الشيطان
«فاجتالتهم» من الاجتيال، وأصل مادته يدل على الذهاب بالشيء وصرفه عن موضعه. شرح النووي اللفظة بأن الشياطين استخفت بهم فذهبت بهم وأزالتهم عما كانوا عليه، وذكر أهل اللغة أن الاجتيال أخذ الشيء وسوقه والذهاب به. فاللفظ أبلغ من مجرد «أضلتهم» في تصوير الانتقال عن أصل سابق.
والكلمة توحي بالحركة والتحويل. فالإنسان لم يوصف بأنه خلق على الشرك، ثم أصلحته الرسالات، وإنما خلق على الحنيفية ثم وقع نقل وانحراف وصرف. ويشرح القرطبي هذا المعنى فيربط بين شياطين الجن وشياطين الإنس، ومن جملة صور التأثير الإنساني عنده ما يقع بالتعليم والتدريب، ويربطه بحديث تأثير الأبوين في الطفل.
ولا يعني ذلك أن كل تعليم اجتماعي مذموم؛ فالتعليم قد يكون من أعظم وسائل حفظ الفطرة. وإنما المقصود أن البيئة تستطيع أن تؤثر في اتجاه الإنسان، وأن الباطل نفسه قد ينتقل بالتنشئة والمحاكاة والتقليد والتكرار.
هل يشمل اللفظ شياطين الإنس؟
الأصل أن لفظ الشياطين يشمل شياطين الجن، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6]. لكن القرآن يستعمل أيضاً مفهوم شياطين الإنس والجن: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112].
والأصل في سياق الحديث شياطين الجن؛ لأن الإسناد إليهم صريح في الأمر بالشرك والتحريم. ويجوز توسيع التطبيق إلى شياطين الإنس بقرينة قوله تعالى: ﴿شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112] وبشرح بعض العلماء أثر الآباء والمعلمين. غير أن هذا توسيع تفسيري تدعمه نصوص أخرى، لا يلزم أن يكون لفظ «الشياطين» في هذه الجملة وحدها منصرفاً ابتداءً إلى النوعين على السواء.
التأثير لا يساوي الجبر
لا. فالقول إن الشيطان يؤثر في الإنسان لا يعني أن الإنسان مسلوب الإرادة. القرآن يحسم هذه المسألة في خطاب الشيطان نفسه يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: 22].
فالشيطان يدعو ويزين ويوسوس، لكنه لا يجبر الإنسان على اختيار الكفر أو المعصية. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: 99-100].
إذن يجمع التصور القرآني والنبوي بين وجود قوى للإغواء والتزيين والتنشئة والتأثير، وبين بقاء الإنسان مسؤولاً عن استجابته بعد بلوغ الحجة وتحقق شروط التكليف. ومن الخطأ حذف أحد الجانبين لمصلحة الآخر.
تحريم الحلال والشرك: انحراف في العبادة ومصدر التشريع
تأتي عبارة «وحرمت عليهم ما أحللت لهم» بعد الاجتيال مباشرة. شرح النووي قوله: «كل مال نحلته عبداً حلال» بأنه رد على تحريم الجاهلية ما لم يحرمه الله من البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي. و«نحلته» بمعنى أعطيته وملكته إياه. فالحديث لا يقرر إباحة كل ما يقع في يد الإنسان كيفما كان سببه؛ بل ينفي التحريم الديني المخترع عما منحه الله لعباده على وجه حلال.
وهذا المعنى تؤيده آيات القرآن، ومنها: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة: 103].
فالحديث لا يحصر الانحراف في السجود لصنم. هناك انحراف آخر يقع عندما يجعل البشر شيئاً من الدين الإلهي دون دليل من الله؛ فيحرمون باسم الدين ما أحل الله، أو ينسبون إلى الله تشريعاً لم يشرعه. ولهذا يقول تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
قراءة ابن القيم وترتيب الدلالات
يقرر ابن القيم في شفاء العليل، عند بحث الفطرة وطرق الانحراف، أن فساد القصد يكون بالشرك، وفساد الاتباع يكون بالتشريع والابتداع. أما صياغة «أصلان: أن يعبد الله وحده، وأن يعبد بما شرع» فهي تلخيص تحليلي لمعنى كلامه ومجموع النصوص، وليست اقتباساً حرفياً يجب وضعه بين علامتي تنصيص ونسبته إليه لفظاً.
ويؤيد هذا التلخيص اقتران أمر الشياطين بالشرك بتحريمها ما أحل الله؛ فالأول عدوان على إخلاص العبادة، والثاني عدوان على حق الله في البيان والتحليل والتحريم. والاستشهاد بالبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي يفسر نموذجاً جاهلياً ظاهراً أشار إليه الشراح، ولا يقتضي أن كل تفصيل فقهي مختلف فيه داخل في وعيد الحديث.
فالحنيفية لها بعدان متداخلان: إخلاص الوجهة – لمن تكون العبادة؟ – وسلامة الطريق – كيف تكون العبادة؟ – فلا يكفي أن يقول الإنسان إنه يقصد الله، ثم ينسب إلى الله من الشعائر والمحرمات ما لم يأذن به.
«ما لم أنزل به سلطاناً»: الحجة في الاعتقاد والتشريع
السلطان هنا الحجة والبرهان المنزل، لا السلطة السياسية. ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: 35]، وقوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 23]. ووجه الاستدلال أن الشرك المنفي لا يقوم على وحي ولا برهان من الله.
وهنا تتضح طبيعة الشرك في القرآن: ليس له سلطان. قد تكون له عادات عريقة، وأساطير متوارثة، وسلطة اجتماعية، ومؤسسات وطقوس، لكنه يظل بلا حجة منزلة من الله. ومن ثم فإن الحديث يربط الانحراف الديني أيضاً بأزمة في مصدر المعرفة الدينية: من الذي يملك حق القول «هذا دين الله»؟ ليس كل ما توارثه الناس دينا، ولا كل ما شاع بينهم دليلاً، ولا كل ما نسبه الآباء إلى المقدس سلطاناً منزلاً.
الحنيفية وملة إبراهيم عليه السلام
لفهم «خلقت عبادي حنفاء» ينبغي العودة إلى إبراهيم عليه السلام؛ لأنه النموذج القرآني الأوضح للحنيفية. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 161]. وقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123].
وتكشف قصة إبراهيم أن الحنيفية ليست سلبية؛ أي مجرد غياب الشرك، بل هي حركة واعية إلى الله وانقطاع عن الأنداد. قال إبراهيم: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]. وهنا يجتمع في آية واحدة الفطر، وتوجيه الوجه، والحنيفية، ونفي الشرك، وهي العناصر نفسها التي يعيد حديث عياض صياغتها في الحديث عن طبيعة البشر.
الفطرة والميثاق الأول
ذهب بعض العلماء إلى ربط حديث «خلقت عبادي حنفاء» بآية الميثاق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172].
روى البيهقي في القضاء والقدر، في الباب الذي عقده لمعنى «خلقت عبادي حنفاء»، عن إسحاق بن راهويه تفسير الفطرة بالعهد الذي أخذه الله على بني آدم، مستدلاً بآية الأعراف. فهذا اتجاه قديم ثابت في كتب الاعتقاد، لكنه ليس التفسير الوحيد للحديث، ولا يصح عرضه على أنه إجماع.
يمكن فهم الميثاق والفطرة على جهتين متصلتين: الميثاق خبر غيبي عن الإشهاد، والفطرة وصف للخلقة التي يعيش بها الإنسان في الدنيا. وقد رأى بعض العلماء أن أحدهما يفسر الآخر، بينما جعل آخرون الفطرة الخلقة السليمة القابلة لمعرفة الرب. لذلك تعرض الصلة بينهما بوصفها قولاً تفسيرياً له دليله، لا حقيقة وحيدة أغلقت باب الخلاف.
أقوال الصحابة والتابعين وقراءات كبار العلماء
من أهم ما يستند إليه تفسير الفطرة أثر أبي هريرة رضي الله عنه؛ فبعد روايته حديث «كل مولود يولد على الفطرة» استشهد بآية الروم. وهذه قرينة قوية على أن الفطرة النبوية متصلة بفطرة الله المذكورة في القرآن.
أما الصحابة والتابعون، فأوثق ما يذكر هنا فعل أبي هريرة رضي الله عنه: كان يروي حديث «كل مولود يولد على الفطرة» ثم يقرأ آية الروم، وقد ثبت ذلك في الصحيح. وتنقل كتب التفسير عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن وقتادة عبارات في الحنيفية والفطرة، لكن أسانيدها ودلالاتها ليست في درجة واحدة؛ لذلك لا تنسب إليهم نظرية موحدة. ويكتفى بما يثبت نصاً في المصدر، ويقال في الباقي: «نقل المفسرون» مع بيان اختلاف العبارة.
وهذا لا يعني أن كل واحد منهم صاغ نظرية واحدة متطابقة الألفاظ؛ فمصطلح «الفطرة» من المصطلحات التي تنوعت فيها عبارات السلف. غير أن نقطة الالتقاء الكبرى أن الفطرة ليست شركاً أصلياً مغروساً في الإنسان. فالانحراف طارئ على الأصل لا مكون له.
الطبري: الدين الحنيف والفطرة التي فطر الناس عليها
عند الإمام محمد بن جرير الطبري يظهر الربط الوثيق بين الحنيفية والاستقامة. ففي تفسير آية الروم يفسر إقامة الوجه للدين حنيفاً بمعنى توجيهه إلى طاعة الله والاستقامة، ثم يجعل «الدين القيم» الدين المستقيم الذي لا عوج فيه.
وهذه القراءة مفيدة؛ لأنها تمنع اختزال «الحنيف» في مجرد شخص لم ينضم إلى ديانة أخرى. فالحنيفية في جوهرها اتجاه إيجابي نحو الله. ولهذا لم يقل القرآن عن إبراهيم فقط إنه ليس يهودياً ولا نصرانياً؛ بل قال: ﴿ولكن كان حنيفاً مسلماً﴾. فالنفي يتبعه إثبات.
البيهقي وإسحاق بن راهويه: الفطرة والميثاق
أفرد البيهقي في كتابه القضاء والقدر باباً في بيان معنى قوله «خلقت عبادي حنفاء». وهذا يدل على أن علماء الحديث والاعتقاد منذ القرون الأولى رأوا أن النص يحتاج إلى معالجة دقيقة في باب القدر والفطرة.
جمع البيهقي الآثار والأحاديث في الباب، فظهر منها أكثر من مسلك: الفطرة بمعنى الإسلام أو الحنيفية، والفطرة بمعنى الخلقة السليمة، وصلتها بميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾. ومن الخطأ تحويل تنوع العبارات إلى إجماع تفصيلي، كما أن من الخطأ جعلها متناقضة كلها؛ فبعضها يفسر الأصل، وبعضها يصف أثره، وبعضها يربطه بأصل غيبي سابق.
وتنفصل عن ذلك مسألة أحكام الأطفال في الدنيا والآخرة. فحديث الفطرة لا يجعل كل مولود مستقلاً عن تبعية والديه في أحكام الدنيا، ولا يحسم وحده تفاصيل مصير الأطفال؛ وهذه أبواب لها نصوصها وخلافها. البحث هنا في معنى الخلقة والحنيفية، لا في نقل جميع الأحكام الفقهية إلى لفظ «الفطرة».
النووي: تعدد العبارات في تفسير «حنفاء»
نص النووي في شرح مسلم على أقوال متعددة: مسلمين، وطاهرين من المعاصي، ومستقيمين منيبين لقبول الهداية، وذكر العهد المأخوذ على الذرية. ونسبة هذه العبارات إليه صحيحة من جهة النقل؛ أما ترجيح أن بعضها يفسر بعضاً فهو اجتهاد في الجمع، لا نص صريح للنووي في كل تفصيل.
الأضبط أن يقال: معنى «مسلمين» عند حمله على المولود هو موافقة الخلقة لأصل الإسلام والتوحيد، لا تحقق الإيمان الشرعي التفصيلي منه. ومعنى الطهارة من المعاصي يصف البراءة من الذنب المكتسب. ومعنى الاستقامة لقبول الهداية يشرح القابلية. وربطها بالعهد الأول يفسر منشأ تلك المعرفة عند من اختاره.
وعليه فلا يلزم تحويل تنوع التفسير إلى تناقض مطلق؛ إذ قد تتعدد جهات النظر إلى المفهوم الواحد.
أبو العباس القرطبي: الفطرة وتأثير البيئة
شرح أبو العباس القرطبي الحديث في المفهم، وجعل الحنيف مائلاً عن الأديان الباطلة إلى فطرة الإسلام، ثم ربط «فاجتالتهم» بما يصرف الإنسان عن مقتضى الفطرة الأصلية.
واللافت في شرحه أنه أدخل تأثير شياطين الإنس إلى جانب شياطين الجن، وذكر الآباء والمعلمين في سياق تفسير كيفية انتقال المعتقدات إلى الطفل. وهذه الإشارة المبكرة مهمة من زاوية العلوم الإنسانية؛ لأنها تدرك أن المعتقد لا ينتقل فقط بواسطة برهان عقلي حر، بل بواسطة التنشئة والتدريب والتقليد.
ولا يعني ذلك أن الإنسان يظل أسيراً حتمياً لبيئته؛ فالقرآن نفسه مليء بأناس خرجوا على معتقد مجتمعاتهم عندما قامت أمامهم الحجة، وإبراهيم عليه السلام المثال الأكبر. لكن الحديث يرفض تصور الإنسان باعتباره عقلاً منعزلاً يتخذ معتقداته بعيداً عن كل مؤثر اجتماعي.
ابن تيمية: الفطرة ليست حياداً محضاً
حظي مفهوم الفطرة بمكانة واسعة في كتابات ابن تيمية، واستعمل حديث عياض وحديث المولود في مناقشة طبيعة المعرفة بالله. ومن أبرز نتائج تصوره أن الفطرة ليست مجرد صفحة بيضاء محايدة بالمعنى المطلق، وإنما فيها مقتض للحق؛ أي ميل وقابلية تتجه إلى معرفة الخالق ومحبته وإفراده بالعبادة إذا لم يفسدها المفسد.
وهذا أكثر دقة من تصورين متقابلين: تصور الإنسان مولوداً بعقيدة نظرية مكتملة التفاصيل، وتصوره مولوداً بلا أي بنية فطرية ذات دلالة دينية. النصوص تقود إلى منزلة أعمق: يوجد أصل فطري، لكنه يحتاج إلى البيان والتعليم، ويمكن أن يتعرض للتغيير والتغطية والانحراف.
ابن القيم: المعرفة والمحبة والإنابة
وسع ابن القيم هذا التصور، فلم يجعل الفطرة مجرد قابلية عقلية باردة لمعرفة أن للعالم خالقاً، بل ربطها بالمحبة والإخلاص والإنابة وإرادة الله. وهذا مهم؛ لأن الإسلام لا يعرف التوحيد على أنه مجرد قبول بقضية فلسفية تقول إن للكون علة أولى.
التوحيد القرآني يجمع معرفة الله، وإفراده بالقصد، ومحبته، والتوكل عليه، والخوف منه، ورجاءه، وعبادته وحده. ومن هنا أصبح حديث «خلقت عبادي حنفاء» في قراءة ابن القيم مفتاحاً لفهم الدين بوصفه موافقاً لما ركبه الله في الإنسان، ثم يأتي الشيطان فيصرف هذه الوجهة نحو الشرك أو نحو العبادة غير المشروعة.
ابن رجب: الجمع بين الفطرة والحاجة إلى الهداية
قد يبدو لأول وهلة أن هناك تعارضاً بين قول الله في حديث عياض: «خلقت عبادي حنفاء»، وقوله في الحديث القدسي الآخر: «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته». فكيف يكون الناس حنفاء ثم يكونون جميعاً محتاجين إلى الهداية؟
الجواب عند ابن رجب وغيره مبني على التفريق بين الهداية الفطرية الإجمالية والهداية التعليمية التفصيلية. فالله خلق الإنسان على استعداد لقبول الحق، لكنه لا يولد عالماً بالكتاب والسنة وأحكام الدين.
ولهذا قال تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7]، وقال: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: 52]. والمراد في مثل هذا السياق عدم العلم التفصيلي بالوحي قبل أن يعلمه الله، لا الانحراف إلى الشرك.
ابن حجر وابن عبد البر: تحرير الخلاف
عرض ابن حجر في فتح الباري الأقوال في حديث الفطرة، وذكر أن أشهرها الإسلام، ونقل شهرة هذا القول عند السلف. أما ابن عبد البر فعبارته أدق من أن تختصر في هذا النقل وحده: أنكر أن تكون الفطرة إسلاماً بمعنى قول اللسان واعتقاد القلب من مولود لا يعقل، ثم شرح «حنفاء» بأنهم سالمون من آفات الجحد والإنكار والكفر، وذكر أنهم على توحيد إبراهيم من جهة نفي الشرك، لا على تفاصيل شريعته. فمذهبه يثبت جهة التوحيد والاستعداد وينفي المعرفة التفصيلية القائمة بالفعل.
هذه الدقة تحل كثيراً من النزاع اللفظي: من قال «الفطرة الإسلام» قد يريد الخلقة الموافقة له، ومن قال «الخلقة والاستعداد» يريد نفي العلم المكتسب عند الولادة. يبقى خلاف حقيقي في بعض التفاصيل وفي صلة الميثاق بالفطرة، فلا يطمس؛ لكن الجميع لا يجوز أن ينسب إليهم قول واحد بألفاظ واحدة.
هل يصح إطلاق عبارة «الإنسان يولد مسلماً»؟
يتوقف الجواب على معنى السؤال. إذا كان المراد: هل يولد الطفل معتقداً بوعي تفصيلي جميع أصول الإسلام، ناطقاً بالشهادتين عن اختيار، ملتزماً بأحكام التكليف؟ فالجواب: لا.
أما إذا كان المراد: هل يولد على فطرة لا تحمل في أصلها شركاً ولا جحوداً، ومتجهة في بنيتها إلى توحيد الله وقبول الحق؟ فهذا هو المعنى الذي تدل عليه مجموعة النصوص وعبارات جماعة كبيرة من السلف.
ولهذا ينبغي الحذر من استعمال كلمة «مسلم» هنا دون تفسير، لأن لها استعمالات متعددة: إسلام فطري، وإسلام شرعي مكتسب بعد التمييز والتكليف، وأحكام فقهية دنيوية. والخلط بينها سبب لكثير من الجدل غير الضروري.
الفطرة ونفي الذنب الموروث
من اللوازم المهمة لحديث الفطرة أن الإنسان لا يبدأ حياته حاملاً ذنب أبيه أو أمه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. وقال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].
فالإنسان في التصور الإسلامي يولد بلا ذنب مكتسب، ثم تبدأ مسؤوليته الأخلاقية وفق شروط التكليف. وهذا لا يعني أن الطفل لا يتأثر بآثار أفعال الأجيال السابقة اجتماعياً أو مادياً؛ فقد يولد في مجتمع حرب أو فقر أو ظلم أو جهل. لكن الأثر الاجتماعي شيء، والذنب الأخلاقي الموروث شيء آخر.
والحديث يجعل الانحراف شيئاً يطرأ على الخلقة، لا جرماً يولد الإنسان مداناً به.
الفطرة والقدر والاختيار
قد يسأل القارئ: إذا كان الله هو خالق كل شيء، فكيف يقال إنه خلق الناس حنفاء ثم ضل بعضهم؟ هذا السؤال يدخل في باب القدر، ولا يصح حله بإنكار أي من النصوص.
يقرر القرآن شمول علم الله وكتابته ومشيئته وخلقه، ويقرر كذلك أن للعبد إرادة وفعلاً يقعان بقدرة خلقها الله فيه، وأنه يؤمر وينهى ويحاسب بعد تحقق شروط التكليف وقيام الحجة. فلا تنسب الأفعال إلى العبد استقلالاً عن مشيئة الله، ولا يسلب العبد اختياره فيجعل الشيطان أو البيئة عذراً مطلقاً.
حديث «خلقت عبادي حنفاء» يصف الأصل الذي أنشأ الله عليه البشر، وحديث «فاجتالتهم» يصف سبباً من أسباب الانحراف، والنصوص الأخرى تبين علم الله السابق ومشيئته. هذه مستويات مختلفة لا تتناقض: الخلقة الحنيفية مخلوقة لله، وقدرة العبد واختياره مخلوقان لله، ووقوع الضلال لا يخرج عن مشيئته الكونية، لكنه ليس محبوباً له شرعاً، ولذلك نهى عنه وأرسل الرسل.
خلق الإنسان حنيفاً لا يعني أنه خلق معصوماً. وهذا ظاهر من الحديث نفسه؛ إذ لو كانت الفطرة عصمة لا يمكن خرقها، لما كان لقوله «فاجتالتهم الشياطين» معنى. فالإنسان قابل للخير وقابل للانحراف.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 7-10].
والفطرة تحتاج إلى الحفظ والتزكية والتعليم. ومن هنا تصبح التربية الدينية ليست عملية زرع شيء غريب في طبيعة الإنسان، بل رعاية أصل قابل للنمو أو التشويه.
الفطرة والوحي: تكامل لا استغناء
هذا من أهم الأسئلة التي يجيب عنها الحديث من داخله. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول إن ربه أمره أن يعلم الناس ما جهلوا. إذن الفطرة لا تستغني عن النبوة.
قد تدل الفطرة والعقل على أصل الافتقار إلى الخالق وعلى جملة من الحسن والقبح، لكنهما لا يستقلان بتعيين عدد الصلوات، وأنصبة الزكاة، وتفاصيل الحلال والحرام، وأخبار الغيب، وكيفيات العبادة. وبعض المعارف قد يدرك العقل أصلها ولا يدرك حدها الشرعي ولا مراد الله التفصيلي فيها.
لهذا يبدأ حديث عياض بالتعليم: «أمرني أن أعلمكم ما جهلتم»، ثم يقرر الفطرة، ثم يذكر إنزال الكتاب. الفطرة محل قبول واستجابة، والعقل آلة فهم واستدلال، والوحي بيان معصوم لمراد الله. فلا تجعل الفطرة بديلاً عن الرسالة، ولا يصور الوحي غريباً عن أصل الإنسان السليم.
العقل والفطرة والوحي
لا يقع تعارض حقيقي بين وحي صحيح الدلالة وعقل صريح وفطرة سليمة؛ لكن تنزيل هذه القاعدة يحتاج إلى علم. فقد يخطئ المفسر في دلالة النص، أو يظن الظن برهاناً عقلياً، أو يسمي ميلاً ثقافياً فطرة. لذلك لا تحل المنازعات بمجرد إطلاق الشعارات، بل بتحرير النص والدليل ومحل النزاع.
ومن ثم لا يكون التعارض الحقيقي بين وحي صحيح وعقل صريح وفطرة سليمة، وإنما ينشأ الإشكال من فهم خاطئ للنص، أو استدلال عقلي فاسد، أو فطرة غطتها العادات والشهوات والشبهات. ولهذا جاء القرآن مراراً يدعو إلى العقل والنظر والتذكر، لا إلى إلغاء العقل.
لكن القرآن نفسه يحذر من أن العقل البشري يمكن أن يقع تحت سلطان الهوى والتقليد: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]. وهذه إحدى صور الاجتيال.
التقليد الاجتماعي ومصادر تشكيل المعتقد
حديث المولود يجعل أثر الأبوين نموذجاً واضحاً. ولا يعني ذكر الأبوين أنهما المؤثر الوحيد. فكل عصر يمتلك وسائل لتشكيل وعي الإنسان: الأسرة، والجماعة، والمدرسة، والسلطة، والخطاب الديني، والثقافة، والإعلام، والرفاق، وفي عصرنا المنصات الرقمية وشبكات التأثير.
لكن ينبغي استعمال الحديث هنا بحذر علمي: لا يجوز القول إن كل ثقافة أو كل تربية «شيطانية». المقصود هو أن البيئة قادرة على صرف الإنسان عن الحق إذا حملت إليه الباطل وزينته له. والبيئة نفسها قد تكون وسيلة عظيمة لحفظ الفطرة إذا علمت التوحيد والصدق والعدل والرحمة.
من دقة الحديث أنه وضع بين «الحنيفية» و«الشرك» مرحلة هي الاجتيال. فالانتقال إلى الباطل قد يكون تدريجياً: يبدأ بتغيير مفهوم، أو تعظيم غير منضبط، أو تقليد بلا دليل، أو تحريم ما لم يحرمه الله، أو إضفاء قداسة دينية على عادة بشرية، ثم تتراكم الممارسة عبر الأجيال حتى تصبح جزءاً من الهوية الدينية للجماعة.
ومن هنا كانت حماية التوحيد مرتبطة أيضاً بحماية مصادر التلقي الديني. وليس كل انحراف يبدأ في صورته الأخيرة الصريحة؛ فقد يبدأ بخطوة صغيرة تبدو لأول وهلة محدودة، ثم تتحول بالتكرار إلى أصل يفرض نفسه على الناس.
طلب السلطان والبرهان
هذه العبارة تؤسس مبدأ معرفياً عظيماً: كل دعوى تنسب شيئاً إلى دين الله تحتاج إلى سلطان. ولا يكفي في العقيدة والتشريع أن يقال: هكذا وجدنا الناس، أو هكذا اعتدنا، أو هكذا قيل لنا.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 111]. ومن هنا يظهر أن حديث الفطرة ليس دعوة إلى دين شعوري بلا علم، بل على العكس: يبدأ بالتعليم وينتهي بضرورة السلطان. الفطرة تحتاج إلى البرهان والوحي حتى لا تتحول المشاعر الدينية نفسها إلى وسيلة لاختراع العقائد والأحكام.
حين يقرر الإسلام أن الإنسان خلق حنيفاً، فإنه يربط كرامته بتحريره من تعدد الأرباب. قال يوسف عليه السلام: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: 39].
والتوحيد لا يحرر الإنسان من عبادة الحجر فقط، وإنما يحرره من إعطاء أي مخلوق مقام الألوهية. فالعبودية لله في المنظور القرآني ليست إلغاء لكرامة الإنسان، بل تحرير له من أن يكون قلبه موزعاً بين آلهة وأنداد وقوى يطلب منها ما لا يملكه إلا الله. ولهذا ارتبطت الحنيفية في القرآن بإخلاص الدين لله.
لماذا قرن الحديث تحريم الحلال بالشرك؟
لو كان الحديث يريد فقط بيان أن الوثنية خطأ، لكفى قوله إن الشياطين أمرتهم بالشرك. لكنه أضاف: تحريم ما أحل الله. وهنا تظهر وحدة التوحيد والتشريع.
فالإنسان قد يبتعد عن الحنيفية لا لأنه أنكر الله، بل لأنه يضع بينه وبين الله منظومة من القيود الدينية التي لم يضعها الله. وكان هذا واضحاً في جاهلية العرب عند تحريم أنواع من الأنعام لأسباب دينية مبتدعة.
ومن ثم لا تكون الصرامة في ذاتها دليلاً على شدة التدين. قد يكون الامتناع عن شيء عبادة إذا حرمه الله، وقد يكون الامتناع نفسه تعدياً إذا نسب الإنسان التحريم إلى الله بلا دليل. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].
«كل مال نحلته عبداً حلال»: الإباحة وحدودها
لا ينبغي تجاوز الجملة التي تسبق «خلقت عبادي حنفاء». فالله يقرر أولاً إباحة ما منحه لعباده، ثم يبين أن الشياطين حرمت عليهم ما أحله. وهذا يجعل السماحة ورفع الأغلال جزءاً من السياق العام للحنيفية.
ولا يعني ذلك أن كل شيء حلال؛ فالله نفسه هو الذي يحرم الخبائث ويضع الحدود. المشكلة ليست في وجود التحريم، وإنما في اختراع التحريم دون الله. وهذا فرق جوهري. فالذي يقول إن الخمر حرام يستند إلى تحريم الله، أما أهل الجاهلية حين ينشئون نظاماً مقدساً للبحيرة والسائبة والحامي فهم ينسبون إلى الدين قيوداً لم يأذن بها الله.
«نظر إلى أهل الأرض فمقتهم»: سياق البعثة من غير تعميم زائد
«المقت» أشد البغض، والحديث يصف مقت الله لما كان عليه أهل الأرض من فساد ديني قبل البعثة، عربهم وعجمهم، مع استثناء «بقايا من أهل الكتاب». الاستثناء يدل على بقاء أفراد أو جماعات متمسكين بما بقي عندهم من حق النبوات، لكنه لا يحدد أسماءهم ولا أعدادهم ولا أماكنهم؛ فلا يحمل النص ما لم يذكره.
والتعميم في اللفظ ليس حكماً عرقياً ولا تقريراً بأن كل فرد من العرب والعجم سواء في كل خلق وعمل؛ فالذم متعلق بالحالة الدينية التي عم فسادها، والاستثناء نفسه ديني. كما أن الحديث يتحدث عن لحظة سابقة لبعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز تحويله إلى وصف تاريخي تفصيلي لكل حضارات العالم من غير أدلة مستقلة.
تأتي البعثة في هذا السياق رحمة وبياناً بعد غلبة الضلال، لا لأن الفطرة انعدمت، بل لأن البشر يحتاجون إلى الوحي الذي يصحح ويعلم ويحكم بين المختلفين. وهذه هي الصلة السياقية بين «فمقتهم» و«إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك».
«لأبتليك وأبتلي بك»: الرسالة بوصفها تعليماً وامتحاناً
معنى «لأبتليك» أن الرسالة تكليف وامتحان للنبي صلى الله عليه وسلم في البلاغ والصبر والجهاد والطاعة، ومعنى «وأبتلي بك» أن الناس يمتحنون بموقفهم من الرسول وما جاء به: أيتبعون الحق أم يعرضون عنه؟ والابتلاء هنا إظهار ما علمه الله أزلاً في عالم الشهادة ووقوع مقتضى التكليف، لا استفادة علم لم يكن لله.
ثم قال: «وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظان». شرح العلماء ذلك بحفظ القرآن في الصدور؛ فلا يذهب بذهاب الصحف أو غسل المكتوب، ويبقى على لسان القارئ وفي صدره. ولا يراد أن المصحف المادي لا يصيبه الماء، ولا أن النائم يتلو بوعي كاليقظان؛ بل المعنى شدة ملازمة الكتاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحفظه له في أحواله، وقيل: تقرؤه في سهولة واستمرار.
بقية ألفاظ الخطبة: الحفظ والنصرة والتكليف
قوله: «إن الله أمرني أن أحرق قريشاً» إخبار عن أمر القتال بعد الإذن، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما يخشاه من تمكنهم منه: «إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة»، أي يشدخوا الرأس ويكسروه. فجاء الجواب: «استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك». «نغزك» أي نعنْك ونيسر لك أسباب الغلبة، والمعنى العام تثبيت الرسول ووعده بالنصرة والرزق مع أمره بالأخذ بالأسباب.
هذه الأوامر جزء من سياق الابتلاء، ولا تستخرج منها أحكام قتال منفصلة عن السيرة والنصوص المحكمة وشروط الفقه؛ فقد وجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في مقام مخصوص. موضعها في هذا البحث أنها تبين أن الفطرة لا تعني هداية تلقائية بلا رسالة ولا مجاهدة، وأن الكتاب الذي يوافق الفطرة ينشئ جماعة مكلفة بالبلاغ والعمل والعدل.
الفطرة لا تسقط التكليف
من الخطأ القول: ما دام الإنسان مفطوراً على الخير فلا حاجة إلى أوامر ونواه. لو كان الأمر كذلك لما أنزلت الكتب ولا بعثت الرسل. الفطرة أصل، لكنها قابلة للضعف والتغطية.
والشهوة موجودة، والغضب موجود، وحب المال موجود، والتقليد موجود، والجهل موجود، والشيطان موجود. ولهذا جاءت الشريعة لتربي الإنسان وتضبط نوازعه، لا لأنها تناقض فطرته، بل لأنها تحفظ توازنها وتمنع القوى الأخرى من السيطرة عليها.
الفطرة طريق من طرق معرفة الله وليست الدليل الوحيد
يمكن أن تكون الفطرة طريقاً إلى الإقرار بالخالق، وقد استدل علماء كثيرون بما يجده الإنسان في نفسه من افتقار وتوجه إلى الله، ولا سيما في أوقات الشدة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: 65].
لكن ينبغي ألا نجعل الفطرة وحدها بديلاً عن الأدلة الأخرى. فالقرآن نفسه يجمع أدلة الفطرة، والخلق، والنظام، والإحياء، والتاريخ، والوحي، والآيات في الأنفس والآفاق. والمنهج القرآني أكثر ثراء من حصر معرفة الله في مسلك واحد.
الفطرة والشر الأخلاقي والتزكية
إذا كان الإنسان خلق حنيفاً، فمن أين يأتي الشر؟ الحديث لا يقول إن الإنسان لا يملك شهوات أو قابلية للخطأ. الحنيفية وصف للأصل الديني، وليست إلغاء لبقية خصائص النفس.
وقد قال تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، وقال: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]. وجمع النصوص يقتضي أن الإنسان ليس ملاكاً ولا شيطاناً؛ فيه استعداد للحق، وفيه شهوات ونوازع، وهو موضوع للاختبار.
ومن هنا تظهر ضرورة التزكية: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾. والتزكية لا تخلق الإنسان من جديد، بل تصلح ما فيه وتوجهه إلى الغاية التي خلق لها.
هل تمحى الفطرة تماماً؟
قوله تعالى: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] فسر على وجوه، منها النهي عن تبديل دين الله، ومنها الخبر عن أصل الخلقة. لذلك لا يقال جازماً إن البيئة «تمحو» الفطرة أو إنها لا تؤثر فيها مطلقاً. الأثبت أن النصوص تصف اجتيالاً وتغييراً في الاعتقاد والسلوك، مع بقاء نسبة الخلقة الأولى إلى الله.
وقد تظهر آثار الفطرة في الافتقار إلى الله، وطلب المعنى، والنفور من كثير من صور الظلم؛ لكن الاستدلال بالأمثلة النفسية يحتاج إلى احتراز، لأن الشعور الفردي قد يتشكل بالعادات والخبرات، ولأن الناس يختلفون في وعيهم وتعبيرهم. فلا تجعل الملاحظة العامة برهاناً تجريبياً قاطعاً على كل تفصيل عقدي.
لكن من الضروري التمييز بين هذا التحليل الشرعي وبين الادعاءات التجريبية في علم النفس. الحديث نص ديني يقرر حقيقة عقدية عن الإنسان، ولا يصح ادعاء أن كل تفاصيلها قد أثبتتها تجربة مخبرية معاصرة.
الفطرة وعلم النفس الحديث: مقارنة منضبطة
يجوز عقد مقارنة بين الحديث وبعض موضوعات علم النفس المعرفي وعلم نفس النمو والتنشئة، بشرط الفصل بين مجالين: الحديث خبر شرعي يقرر معنى عقدياً وأخلاقياً للفطرة، والبحث التجريبي يدرس سلوكاً قابلاً للملاحظة في عينات وشروط محددة. نتائج المختبر لا تمنح الحديث صحته، وصحة الحديث لا تحول كل فرضية نفسية ملحقة به إلى حقيقة.
تستطيع الدراسات المعاصرة فحص تطور تمييز القصد والفاعلية، وبدايات الحكم الأخلاقي، واكتساب اللغة والمعتقدات، وأثر الأسرة والرفاق والمؤسسات. لكنها لا تستطيع بقياس سلوكي واحد أن تختبر مباشرة قول الله: «خلقت عبادي حنفاء» بحمولته الغيبية. لذلك تحذف عبارات من نوع «أثبت العلم الحديث»، ويستعاض عنها بقول أدق: بعض النتائج توفر مجالاً للمقارنة في مسألة الاستعداد السابق وقوة التعلم الاجتماعي.
والتشابه هنا جزئي لا مطابق: الحديث يجمع بين أصل فطري وبين تأثير البيئة والشيطان والاختيار؛ أما علم النفس فيستخدم مفاهيم إجرائية تختلف باختلاف النظريات. الإفادة المشروعة هي إبراز أن الإنسان ليس مادة اجتماعية بلا بنية، ولا ذاتاً مستقلة عن التنشئة؛ مع إبقاء معنى الحنيفية والتوحيد مستنداً إلى النص الشرعي.
الدلالة التربوية
في المجال التربوي، يحمل الحديث تصوراً مختلفاً للطفل. فالطفل ليس مادة فاسدة ينبغي خلق الخير فيها من الصفر، ولا هو كائن كامل لا يحتاج إلى توجيه، بل هو مخلوق على فطرة تحتاج إلى الحفظ والرعاية والتعليم.
ومن هنا تتغير وظيفة المربي. المربي لا يملك الفطرة ولا يخلقها، لكنه يستطيع أن يساعدها على النمو أو أن يربكها. ويؤكد حديث «فأبواه يهودانه…» أن البيت أول مجال كبير تتشكل فيه التصورات.
ولهذا يكون تعليم الطفل الدين أحسن حين يجمع بين المعرفة والمحبة والقدوة والصدق، لا حين يقدم الدين بوصفه مجموعة أوامر منعزلة عن معرفة الله ورحمته وحكمته.
الدلالة الدعوية
إذا كان الإنسان مفطوراً على أصل الحنيفية، فالدعوة ليست عملية فرض لحقيقة مناقضة لطبيعة الإنسان، وإنما تذكير وبيان. ولهذا يكثر في القرآن وصف الرسول بالتذكير: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: 21].
لكن هذا لا يعني أن كل إنسان سيقبل بمجرد سماع كلمة، لأن الفطرة قد تحجبها المصالح والشبهات والعادات. ولذلك تحتاج الدعوة إلى العلم والحكمة والصبر وحسن البيان، وإلى فهم الإنسان والبيئة التي تشكل تصوره.
الحنيفية ليست انعزالاً عن الحياة
قد يتصور بعض الناس الحنيف رجلاً ينسحب من المجتمع إلى تأمل فردي. لكن القرآن يقدم إبراهيم حنيفاً وهو في قلب التاريخ: يحاور أباه وقومه، ويهاجر، ويبني البيت، ويربي الأسرة، ويقيم الشعائر.
فالحنيفية ليست مزاجاً روحياً مجرداً، بل توحيد يترجم إلى حياة. ولهذا ينتهي حديث عياض نفسه بصفات اجتماعية وأخلاقية لأهل الجنة: العدل، والرحمة، والعفة، والصدقة. وهذه النهاية دليل آخر على أن الفطرة الصحيحة لا تنحصر في تصورات ذهنية، بل تثمر أخلاقاً.
من الفطرة إلى الأخلاق: خاتمة الخطبة وأصناف الناس
يصف الحديث أهل الجنة بثلاثة أصناف: صاحب سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال. ويذكر من أهل النار: الضعيف الذي لا زبر له، والتابع الذي لا يطلب أهلاً ولا مالاً، والخائن الذي يتتبع المطامع، والمخادع في الأهل والمال، ثم البخل أو الكذب على شك الراوي، و«الشنظير الفحاش». ويجب إبقاء شك الراوي كما هو؛ فلا يجزم بأن اللفظ البخل أو الكذب في رواية مسلم.
غريب ألفاظ خاتمة الحديث
«ذو سلطان مقسط» صاحب ولاية عادل، و«متصدق موفق» جمع بين بذل الخير وتوفيق الله. و«العفيف المتعفف» من يحفظ نفسه ويسعى في أسباب العفة. و«لا زبر له» قيل: لا عقل له يزبره ويردعه، وقيل: لا تماسك ولا نهوض له إلى مصلحة دين أو دنيا؛ فلا يحمل اللفظ على مجرد الفقر أو الضعف الجسدي. و«لا يبتغون أهلاً ولا مالاً» وصف لخمول الهمة والتبعية، لا ذم للعزوبة أو قلة المال في ذاتها.
«لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه» أي لا يظهر له مطمع، ولو دقيقاً، إلا طلبه بالخيانة. و«الشنظير» سيئ الخلق الغليظ الفحاش. بهذا تختم الخطبة بنقل البحث من أصل الفطرة إلى أثر الاختيار في العدل والرحمة والعفة أو الخيانة والخداع والفحش.
كأن الحديث ينتقل بالقارئ من السؤال: ما الأصل الذي خلق عليه الإنسان؟ إلى السؤال: ماذا يصير إليه الإنسان بعد الاختبار؟ الفطرة بداية وليست نهاية. فالإنسان لا يدخل الجنة لمجرد أنه ولد على الفطرة، بل بما يؤمن ويعمل بعد قيام التكليف والحجة.
وحدة الأصل الإنساني ومنع الاستعلاء
لا يبيح الحديث احتقار المخالفين ولا الحكم على خلقتهم بالشر؛ بل يقرر وحدة الأصل: «عبادي حنفاء كلهم». ثم يبين أسباب الانحراف ويقيم معيار الحجة والاختيار. أما الحكم المعين على الأفراد في الدنيا والآخرة فله شروطه وأدلته، وليس مجالاً للتوسع الإنشائي في شرح لفظ الفطرة.
وهذا يعني أن الاختلاف اللاحق ليس اختلافاً في قيمة الخلقة الإنسانية الأولى. ثم إن الحكم على الأشخاص في الآخرة متعلق بما يعلمه الله من قيام الحجة والقدرة والاختيار والظروف، ولا يجوز للبشر تجاوز ما أعطاهم الشرع من علم. فالحديث يؤسس وحدة الأصل الفطري الإنساني قبل أن يصف اختلاف الطرق اللاحقة.
ليس كل ميل نفسي دليلاً على الفطرة الشرعية
ينبغي الحذر من استعمال كلمة «الفطرة» استعمالاً فضفاضاً. ليس كل ميل يشعر به الفرد فطرة شرعية. فالإنسان يحمل شهوات وعادات وتجارب نفسية وتأثيرات ثقافية، وقد يظن شيئاً «طبيعياً» لأنه اعتاده فقط.
لذلك لا يصح الاستدلال في الأحكام بعبارة: «هذا ما أشعر أن الفطرة تقوله» وحدها. ميزان الشرع لا يلغى باسم الفطرة. بل الوحي هو الذي يساعد على التمييز بين مقتضى الفطرة السليمة وبين الهوى أو العادة. وهنا نعود إلى بداية الحديث: التعليم الإلهي.
الحنيفية والإخلاص
قال الله تعالى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5]. وهذا الاقتران يكشف أن الحنيفية ليست مجرد الاعتقاد الصحيح، بل إخلاص الاتجاه لله.
فقد يعرف الإنسان أن الله خالقه ثم يجعل معه أنداداً في الحب أو الدعاء أو العبادة. وكان مشركو العرب يقرون في كثير من المواطن بأن الله خلق السماوات والأرض، ومع ذلك لم يجعلهم القرآن حنفاء. إذن المعرفة بأن الله موجود وحدها ليست تمام التوحيد؛ الحنيفية تستدعي إفراد الله بالعبادة.
الحنيفية والغلو في تحريم المباح
وجود عبارة تحريم الحلال في قلب الحديث ينبه إلى أن الانحراف لا يقع فقط بالتساهل، بل قد يقع أيضاً بتدين زائد في الظاهر إذا نسب إلى الله ما لم يشرعه.
ويشهد لذلك حديث أنس في النفر الثلاثة الذين سألوا عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فعزم أحدهم على قيام الليل أبداً، والآخر على صيام الدهر، والثالث على ترك الزواج؛ فأنكر عليهم وقال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني» (صحيح البخاري، كتاب النكاح، رقم 5063). وجه الاستدلال ليس مساواة كل اجتهاد منهم بتحريم الجاهلية، بل تقرير أن زيادة المشقة لا تصير سنة لمجرد حسن القصد.
الفطرة والهوية الموروثة
حديث الفطرة يقدم تمييزاً عميقاً بين ما فطر الله الإنسان عليه وما ورثه الإنسان عن بيئته. قد يتفق الاثنان، وقد يختلفان. ولهذا كان القرآن يدعو الإنسان إلى فحص ما ورثه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 170].
وهذا لا يعني ازدراء الآباء أو رفض الموروث لكونه موروثاً. المعيار هو الحق. فالحق لا يصبح باطلاً لأنه قديم، والباطل لا يصبح حقاً لأنه قديم. والسلطان – أي الحجة – هو الفيصل.
أثر المعاصي وإمكان العودة
المعصية لا تعني بالضرورة انتقال الإنسان إلى دين آخر، لكنها تؤثر في القلب. وقد كثرت النصوص في أن الذنوب تضعف البصيرة وتزيد الران. قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14].
ومن هنا تكلم علماء السلوك عن أثر الطاعات والمعاصي في صفاء القلب. ولا ينبغي مساواة كل ذنب بـ«اجتيال عن الدين» بمعنى الردة؛ فذلك توسع غير صحيح. لكن من المشروع القول إن استمرار الذنوب والهوى قد يضعف استجابة الإنسان للحق، كما أن التوبة والذكر والعلم تعيد للقلب يقظته.
الاجتيال لا يجعل العودة مستحيلة؛ فباب التوبة والهداية مفتوح، وقد انتقل كثير من الصحابة من شرك الجاهلية إلى التوحيد بالوحي والاختيار والتوفيق. وهذه العودة لا تعني أن الفطرة وحدها أعادتهم من غير رسالة، بل إن الوحي خاطب ما فيهم من قابلية للحق، وأزال الشبهة، وأقام الحجة، وهدى الله من شاء بفضله.
وهذا يقدم قراءة مفعمة بالأمل لمعنى الفطرة: قد تغطى، وقد تضعف آثارها، وقد تتراكم فوقها عادات وأفكار، لكن باب العودة إلى الله مفتوح. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53].
يمكن الآن رؤية البنية الكبرى للحديث. يبدأ بتقرير سلطان الله في الحلال والحرام، ثم يقرر أصل الإنسان الحنيف، ثم يشرح كيف يقع الانحراف، ثم يجمع نوعين من الانحراف: الشرك والتشريع بغير سلطان، ثم يصف فساد العالم الديني قبل البعثة، ثم يقدم الرسول والكتاب بوصفهما طريق البيان والهداية والاختبار، ثم يختم بأخلاق أهل الجنة وأهل النار.
وعليه، فالحديث ليس نصاً جزئياً في «الفطرة» فحسب، بل خريطة مختصرة للدين والإنسان، تجمع أصل الاعتقاد بمصدر التشريع وبالهداية وبالسلوك الأخلاقي والمصير.
إجابات محررة عن أبرز الإشكالات
كيف يكون الطفل على الفطرة وهو «لا يعلم شيئاً»؟
لأن الفطرة ليست معرفة تفصيلية مكتسبة. هي أصل واستعداد واتجاه موافق للحق، بينما العلم التفصيلي يأتي بالتعليم والوحي.
كيف يكون الناس حنفاء ثم يقول الله: «كلكم ضال إلا من هديته»؟
الحنيفية تتصل بالأصل الفطري، أما الهداية التفصيلية إلى الإيمان والعمل فتحتاج إلى تعليم الله ووحيه وتوفيقه. وقد حرر ابن رجب هذا الجمع بصورة واضحة.
إذا كان كل مولود على الفطرة، لماذا ينشأ في أديان مختلفة؟
الحديث نفسه يجيب: الإنسان يتأثر بعد ولادته بالتنشئة والبيئة والتعليم والاختيار، إضافة إلى وسوسة الشيطان.
هل معنى ذلك أن الوالدين يجبران الطفل نهائياً على دينه؟
لا. الحديث يقرر قوة التأثير الأول، لا الحتمية الدائمة. يستطيع الإنسان بعد البلوغ والتعلم أن يراجع ما ورثه ويختار.
إذا كان الشيطان هو الذي يجتال الناس، فلماذا يحاسبون؟
لأنه لا يجبرهم. وقد قال الشيطان نفسه: ﴿وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي﴾.
هل يستطيع الإنسان معرفة كل الدين بفطرته؟
لا. والحديث نفسه يبدأ بأن الله أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلم الناس ما جهلوا.
هل كل ما يشعر الإنسان بأنه طبيعي هو فطرة؟
لا. الشعور الشخصي قد يكون نتيجة شهوة أو عادة أو ثقافة. الوحي هو المعيار الحاكم عند الاشتباه.
هل «الفطرة الإسلام» تعني أن جميع الأحكام الفقهية للمسلم تثبت لكل مولود؟
ليس هذا لازماً. وقد فصل العلماء بين حقيقة الفطرة وبين أحكام الدنيا المرتبطة بالنسب والوالدين والتكليف والظاهر.
القواعد والفوائد المستخرجة من الحديث
- أصل خلقة الإنسان ليس الشرك؛ فالحديث يجعل الحنيفية هي البداية، والانحراف طارئاً عليها.
- حديث عياض أصل عظيم في باب الفطرة، ويجب قراءته مع آية الروم وحديث «كل مولود يولد على الفطرة».
- الحنيفية في القرآن مرتبطة بالتوحيد، ويتضح ذلك من اقترانها المتكرر بإبراهيم عليه السلام ونفي الشرك.
- الفطرة لا تعني امتلاك معرفة دينية تفصيلية منذ الولادة؛ بل تدل على أصل واستعداد وميل إلى الحق.
- الحاجة إلى الوحي باقية مع وجود الفطرة؛ لأن الإنسان يجهل تفاصيل الدين حتى يعلمه الله.
- التنشئة الاجتماعية عامل حقيقي في تكوين المعتقد، وهو معنى ظاهر في حديث تأثير الأبوين.
- الشيطان مؤثر لا مجبر؛ ولذلك يبقى الإنسان مسؤولاً عن اختياره.
- الاجتيال وصف للحركة من أصل إلى حالة أخرى، وهو من أقوى الألفاظ الدالة على أن الانحراف مكتسب لا أصلي.
- الدين لا يقتصر على صحة المعبود، بل يشمل صحة العبادة؛ فيعبد الله وحده وبما شرع.
- الشرك والتشريع بغير إذن الله يجتمعان في الحديث بوصفهما صورتين كبيرتين من الانحراف.
- تحريم الحلال بلا دليل ليس ورعاً بالضرورة؛ فقد يكون تجاوزاً لحدود التشريع.
- الحاجة إلى السلطان والبرهان أصل في نسبة الأقوال إلى الدين.
- الموروث الاجتماعي لا يساوي الحق لمجرد قدمه، كما لا يساوي الباطل لمجرد كونه موروثاً؛ الميزان هو الدليل.
- الفطرة لا تعني العصمة؛ فالإنسان يمكن أن ينحرف ويحتاج إلى التزكية.
- الفطرة والوحي متكاملان لا متعارضان؛ الوحي يخاطب أصلاً قابلاً للحق ويصححه ويحفظه.
- الفطرة والعقل الصحيح لا ينبغي وضعهما في صراع مع الوحي الصحيح.
- التوحيد في الإسلام ليس مجرد الإقرار بوجود الخالق، بل إخلاص العبادة والقصد له.
- المسؤولية الفردية تنفي فكرة الذنب الموروث؛ فلا يحمل الإنسان إثم آبائه.
- البيئة تستطيع حجب آثار الفطرة لكنها لا تحول الباطل إلى الأصل الذي خلق الإنسان عليه.
- التوبة ممكنة مهما طال الاجتيال، ولذلك فالفطرة أساس للرجوع لا ذريعة لليأس.
- المربي حافظ وموجه للفطرة لا خالق لها، ومن هنا عظمت مسؤولية الأسرة والتعليم.
- الدعوة في التصور القرآني تذكير وبيان، لا فرض لحقيقة مناقضة للطبيعة الإنسانية.
- الفطرة لا تستقل بوضع الأحكام الشرعية؛ فلا يجوز تحويلها إلى مصدر ذاتي للتحليل والتحريم بعيداً عن النص.
- الحديث يوحد العقيدة والتشريع والأخلاق، ولذلك انتهت الخطبة بصفات أهل الجنة وأهل النار.
- صحة الحديث ثابتة رغم التفصيل المتعلق برواية قتادة عن مطرف؛ لأن الطرق كشفت الوسائط وحفظت الحديث.
- التمييز بين صحة الحديث وصورة إسناد معين قاعدة حديثية مهمة؛ فقد يصح المتن بمجموع الطرق مع وجود بحث دقيق في وجه من وجوه النقل.
- الفطرة مفهوم مركب: فيه الخلقة السليمة، والاستعداد للحق، والميل إلى التوحيد، والقابلية للهداية.
- المجتمع قد يكون حافظاً للفطرة أو عاملاً في اجتيالها، بحسب ما يقدمه من حق أو باطل.
- الرسالة الإلهية امتحان أخلاقي إضافة إلى كونها تعليماً معرفياً، كما في قوله في الحديث: «لأبتليك وأبتلي بك».
- حديث «خلقت عبادي حنفاء» يقدم رؤية إيجابية للإنسان من غير أن يكون ساذجاً في نظرته إليه؛ فالإنسان يبدأ بفطرة سليمة لكنه يعيش في عالم من الشهوة والجهل والوسوسة والاختيار والاختبار.
خاتمة: الفطرة والوحي ومسار المسؤولية
يكشف حديث «خلقت عبادي حنفاء كلهم» تصوراً مركباً للإنسان: ليس مولوداً على شرك أو ذنب مكتسب، وليس عالماً بالدين تفصيلاً، وليس معصوماً من التأثير والانحراف، وليس مستقلاً عن مشيئة الله، وليس مجبراً بالشيطان والبيئة. إنه مخلوق على فطرة موافقة للتوحيد، محتاج إلى البيان والتوفيق، مسؤول عما يختاره بعد تحقق شروط المسؤولية.
إنه مخلوق على حنيفية، قابل لمعرفة الحق ومهيأ لقبوله، لكنه يخرج إلى عالم تتزاحم فيه المؤثرات والشهوات والتقاليد والوساوس. يستطيع أن ينحرف، ولذلك يحتاج إلى الهداية. ويستطيع أن يختار، ولذلك يتحمل المسؤولية. ويجهل تفاصيل مراد الله، ولذلك يحتاج إلى الرسل والكتب.
وهنا تتضح العلاقة العميقة بين بداية الحديث ونهايته. في البداية يقول الله لرسوله إن عليه أن يعلم الناس ما جهلوا، ثم يذكر الحنيفية التي خلقهم عليها، ثم يذكر اجتيال الشياطين، ثم تحريم الحلال والشرك بغير سلطان، ثم تأتي الرسالة والكتاب والابتلاء، ثم ينتهي الحديث إلى العدل والرحمة والعفة والخيانة والخداع والفحش.
لهذا يفقد الحديث شيئاً من دقته إذا اختصر في عبارة مطلقة مثل «كل إنسان يولد مسلماً». الأضبط أن يقال: يولد على فطرة حنيفية سليمة، غير متلبسة بالشرك في أصلها، مهيأة لقبول التوحيد؛ ولا تكون عنده منذ الولادة معرفة تفصيلية بالشريعة، ولا تثبت له بمجرد هذا الوصف جميع الأحكام الفقهية الدنيوية التي تثبت للمسلم المكلف أو التابع لدار الإسلام.
وهكذا يلتقي حديث عياض مع قول الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
فالرسالة في جوهرها ليست دعوة الإنسان إلى أن يخون خلقته، بل إلى أن يعود بها إلى وجهتها الصحيحة: أن يكون حنيفاً لله، غير مشرك به، عابداً له بما شرع، مستضيئاً بالوحي، متحرراً من سلطان الأنداد والأهواء والتشريع بغير برهان.
المراجع والمصادر المعتمدة
- القرآن الكريم؛ راجعت الآيات على ترتيب المصحف وأرقام السور والآيات.
- مسلم بن الحجاج، الصحيح، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، حديث 2865؛ وكتاب البر والصلة، حديث «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته»، رقم 2577 في الترقيم الشائع.
- أحمد بن حنبل، المسند، مسند عياض بن حمار، الأحاديث 18338 و18339 و18340 في ترقيم طبعة مؤسسة الرسالة؛ وبخاصة الطريق الذي يكشف وسائط قتادة والمتابعة عن الحسن عن مطرف.
- أبو داود الطيالسي، المسند، حديث عياض بن حمار رقم 1175، 2/404 في طبعة دار هجر؛ وفي آخره خبر سؤال قتادة عن سماع الخطبة من مطرف.
- النسائي، السنن الكبرى، كتاب فضائل القرآن، حديث عياض بن حمار من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة؛ ويراجع الموضع بحسب ترقيم الطبعة.
- ابن حبان، الصحيح (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان)، حديث عياض بن حمار من طريق همام عن قتادة مع ذكر وسائطه؛ تختلف أرقام الحديث بين الترتيبات والطبعات.
- الطبراني، المعجم الكبير، مسند عياض بن حمار المجاشعي، الطرق المجموعة في الجزء السابع عشر؛ روجعت الطرق دون إلزام القارئ برقم يختلف باختلاف الطبعات.
- البخاري، الصحيح، كتاب الجنائز، أبواب حديث «كل مولود يولد على الفطرة»؛ وكتاب النكاح، حديث النفر الثلاثة، رقم 5063.
- مسلم، الصحيح، كتاب القدر، باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار، حديث 2658 بألفاظه؛ وفيه قراءة أبي هريرة لآية الروم.
- البيهقي، القضاء والقدر، باب القول في معنى قول الله عز وجل «خلقت عبادي حنفاء»؛ وفيه نقل تفسير إسحاق بن راهويه وصلته بآية الميثاق.
- الطبري، جامع البيان، تفسير الروم: 30، والأعراف: 172، وآيات الحنيفية في آل عمران والنحل والحج والبينة.
- ابن عبد البر، التمهيد، شرح حديث أبي هريرة «كل مولود يولد على الفطرة»، وكتاب الاستذكار في الموضع نفسه؛ ومنه تحرير معنى الإسلام والحنيفية والتنبيه إلى أن قتادة لم يسمع خطبة عياض من مطرف.
- النووي، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، شرح حديث عياض، 17/197 وما بعدها في الطبعة المتداولة لدار إحياء التراث العربي؛ وشرح حديث «يا عبادي كلكم ضال».
- أبو العباس القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، كتاب الجنة، شرح حديث عياض بن حمار؛ ويفيد في معاني الحنيفية والاجتيال والابتلاء.
- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، كتاب الجنائز، باب ما قيل في أولاد المشركين، شرح حديث «كل مولود يولد على الفطرة»، 3/248 وما بعدها في الطبعات الموافقة لترقيم السلفية.
- ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، الجزء الثامن، فصول الفطرة والمعرفة؛ ومجموع الفتاوى، المواضع الجامعة بين الفطرة ومعرفة الله.
- ابن قيم الجوزية، شفاء العليل، الباب الثلاثون وما يتصل بحديث الفطرة؛ ومدارج السالكين، مباحث الإخلاص والعبادة والمتابعة. نسبت إليه المعاني الصريحة، وميزت عنها الصياغة التحليلية للكاتب.
- ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الرابع والعشرين: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي»، في بيان مراتب الهداية والحاجة إلى التعليم والتوفيق.
- ابن منظور، لسان العرب، مادتا «حنف» و«جول»؛ وابن الأثير، النهاية في غريب الحديث والأثر، مواد «حنف»، «جول»، «زبر»، «ثلغ»، «شنظر».
- المزي، تهذيب الكمال؛ وابن حجر، تهذيب التهذيب وتقريب التهذيب؛ تراجم قتادة بن دعامة، ومطرف بن عبد الله، والعلاء بن زياد، ويزيد بن عبد الله بن الشخير، وعقبة بن عبد الغافر، ومعاذ بن هشام وهشام الدستوائي.
- منصة محمد السادس للحديث الشريف، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية؛ استفيد منها في مقابلة نص الحديث وتيسير الرجوع الرقمي، مع اعتماد كتب السنة الأصلية في العزو.

