سلسلة قراءة في كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام» لأبي العلا عفيفي | 8 من 8
يختتم هذا الجزء الثامن والأخير سلسلة القراءة في كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام» ببحث الولاية في التصوف، وهو المبحث الذي بدأ أبو العلا عفيفي التمهيد له في نهاية الجزء السابع. ومن معنى الولي ومراتب القرب والكرامات، ينتقل الكتاب إلى علاقة الولاية بالنبوة والحفظ والعصمة، ثم يبلغ خاتمته مع الحكيم الترمذي وابن عربي ونظرية خاتم الأولياء والحقيقة المحمدية. وتُحافظ هذه الصياغة على جميع محاور القسم الثامن، مع جمعها في فقرات مترابطة وضبط عناوينها بما يلائم النشر في «كوكب المعرفة».
من التأثير الشيعي إلى بناء نظرية صوفية مستقلة للولاية
يستكمل أبو العلا عفيفي في بداية هذا القسم الحديث الذي بدأه في نهاية القسم السابع عن العلاقة التاريخية بين مفهوم الولاية في بعض البيئات الشيعية وبين تطوره في التصوف. وهو لا يقول إن الصوفية أخذوا نظرية الولاية من التشيع ثم كرروها كما هي، بل يلاحظ أن التصوف ظهر في مناطق، خاصة البيئة العراقية والفارسية، كانت تعيش فيها تيارات متعددة وتتفاعل فيها الأفكار الدينية. ولهذا يمكن أن تكون بعض العناصر قد انتقلت بين التيارات، لكن الصوفية تجاوزوا الحدود التي رسمتها بعض الاتجاهات الشيعية للولاية، وطوروا المفهوم في اتجاه روحي أوسع.
فالولي في الفكر الصوفي لم يعد بالضرورة مرتبطًا بسلسلة الإمامة أو الانتماء إلى نسب مخصوص، بل أصبح إنسانًا بلغ درجة من القرب من الله عن طريق الصفاء الروحي والمحبة والمعرفة والسلوك. ومن هنا تتشكل للولاية في التصوف بنية مستقلة لها: مراتب، صفات، شروط، كرامات، وعلاقة خاصة بالنبوة. ثم ستصل هذه النظرية في النهاية إلى الحديث عن خاتم الأولياء.
الولي والصوفي
يفتح عفيفي عنوانًا واضحًا: «الولي والصوفي» ويرى أن المعنى الأساسي لكلمة الولي في الإسلام يدور حول القرب من الله. فالقرآن يستعمل الولاية بمعانٍ مثل القرب والنصرة والحماية، والله ولي المؤمنين، والمؤمنون أولياء بعضهم لبعض. لكن التصوف أعطى للكلمة معنى اصطلاحيًا أخص. فالولي، وفق التصور الذي يعرضه المؤلف، هو الصوفي الذي بلغ مقامًا عاليًا من: القرب، الورع، المحبة، المعرفة، والفناء في إرادة الله. وهكذا يصبح الولي عند جمهور الصوفية صاحب مرتبة روحية خاصة. ولكن عفيفي يصر في الوقت نفسه على ضرورة التمييز بين الولاية والنبوة. فالنبوة وظيفة مخصوصة بالأنبياء الذين اختصهم الله بالوحي والرسالة، أما الولاية فهي مرتبة روحانية يمكن أن يتحقق بها عباد صالحون.
الولاية لا تعني الألوهية
ينبه عفيفي إلى نقطة بالغة الأهمية. فمفهوم الولاية في الإسلام السني لا يعني أن الولي أصبح إلهًا أو جزءًا من الإله، ولا يعني بالضرورة القول بالحلول. فالولي، مهما ارتفعت مرتبته، يبقى عبدًا لله. وما ينسب إليه من قدرات أو كرامات يفسره الصوفية باعتباره عطاءً أو تأييدًا من الله، لا قوة ذاتية مستقلة يمتلكها الولي بنفسه. وهذا الفرق ضروري لفهم التصور الصوفي كما يعرضه عفيفي: الولي مقرّب من الله، وليس إلهًا.
الكرامات: هل يملك الولي قدرات خارقة؟
يتناول المؤلف بعد ذلك إحدى أكثر المسائل التي ارتبطت تاريخيًا بصورة الأولياء: الكرامات ويذكر أن الصوفية نسبوا إلى الأولياء أنواعًا مختلفة من الخوارق، مثل: إجابة الدعاء، الفراسة، الإخبار ببعض الأمور، النجاة من أخطار غير عادية، أو حدوث أمور تخالف المألوف على أيديهم. ويحاول أصحاب هذا الاتجاه إثبات إمكان الكرامة بالاستناد إلى نماذج قرآنية يرون فيها خوارق وقعت لغير الأنبياء، مثل قصة مريم وما كان يأتيها من رزق، وبعض ما ورد في قصة أصحاب الكهف، وقصة الذي جاء بعرش بلقيس إلى سليمان. ويقرر عفيفي أن الاعتقاد بإمكان كرامات الأولياء كان واسعًا جدًا في كتب التصوف.
كبار الصوفية لم يجعلوا الكرامة غاية الطريق
لكن النقطة الأهم في تحليل عفيفي هي أن الكرامة ليست عند كبار الصوفية دليل الكمال الأساسي. بل ينقل عنهم تحذيرًا من الاهتمام بها. فالإنسان إذا أصبح يبحث عن الخوارق قد يقع في: الغرور، الرياء، الشعور بالتفوق، والانشغال بالكرامة بدل الله. ويذكر عفيفي نماذج من أقوال الجنيد وأبي يزيد وسهل بن عبد الله وغيرهم تبين هذا التحفظ. ويصل المعنى عند سهل بن عبد الله التستري إلى أن: أعظم الكرامات هي تغير الأخلاق المذمومة. أي أن الإنسان الذي كان متكبرًا فأصبح متواضعًا، أو حسودًا فأصبح محسنًا، أو أنانيًا فأصبح مؤثرًا للآخرين، قد حقق تحولًا روحيًا أعمق من مجرد ظهور أمر خارق على يده. قد حقق تحولًا روحيًا أعمق من مجرد ظهور أمر خارق على يده.
وهذه واحدة من أهم الأفكار التي يمكن التوقف عندها في هذا المقال النهائي من السلسلة.
الخوارق ليست دليلًا قطعيًا على الولاية
ومن هنا يحذر عفيفي من تحويل كل قصة خارقة إلى إثبات للولاية. فالأساطير والخرافات، كما يقول، التصقت عبر الزمن بسير كثير من الأولياء. وقد وصل الأمر في بعض البيئات الشعبية إلى اعتقاد أن كل من نُسب إليه المشي على الماء، أو الطيران في الهواء، أو معرفة الغيب، أو السيطرة على قوى الطبيعة، فهو ولي بالضرورة. فهو ولي بالضرورة. لكن كبار الصوفية أنفسهم لم يجعلوا هذه الخوارق معيارًا نهائيًا. فالعبرة في تصورهم الأصلي هي بـ: الاستقامة والسلوك والقرب من الله.
عفيفي ينتقد الخرافة المرتبطة بقبور الأولياء
يسجل عفيفي هنا موقفًا نقديًا صريحًا من بعض المظاهر الشعبية التي نُسبت إلى التصوف. فهو يميز بين الحياة الصوفية باعتبارها تجربة روحية، وبين اعتقادات شعبية نشأت حول: القبور، الأضرحة، الخوارق، والقصص الأسطورية. ويرى أن كثيرًا من هذه المظاهر لا يمكن جعلها معيارًا للحكم على التصوف نفسه. وهذا ينسجم مع موقفه السابق من الذكر حين فرق بين التجربة الصوفية وبين بعض المظاهر والحركات التي ظهرت في عصور متأخرة.
من أين جاءت فكرة قدرة الولي على التصرف؟
يناقش عفيفي كذلك توسع بعض المتصوفة في مفهوم الكرامة إلى حد الحديث عن تسخير قوى الطبيعة أو التصرف في الكون. ويلاحظ وجود أوجه تشابه بين هذه التصورات وبعض الأفكار التي عرفتها بيئات ثقافية قديمة، خصوصًا في: خراسان، الموروث الفارسي، بعض المذاهب الغنوصية، والفلسفات الأفلاطونية الحديثة. ولهذا لا يستبعد دخول عناصر ثقافية وفلسفية مختلفة في تشكيل بعض النظريات المتأخرة المتعلقة بقدرة الأولياء. لكن هذا لا يعني أن جميع الصوفية تبنوا تلك التصورات.
الولاية منحة إلهية
بعد ذلك يفتح المؤلف عنوانًا مهمًا: «الولاية منحة إلهية». فالولاية، في نظر كثير من الصوفية، ليست شهادة يحصل عليها الإنسان تلقائيًا لأنه أدى عددًا معينًا من العبادات؛ فقد يعبد ويزهد ويجاهد نفسه، لكن الولاية نفسها منحة من الله. وهنا يعود عفيفي إلى مفهوم سبق أن رأيناه مرارًا: الجهد الإنساني يهيئ، لكن الفضل الإلهي يمنح. فالإنسان يسلك الطريق، لكن الجذب والكشف والقرب والولاية ليست نتائج ميكانيكية يستطيع الإنسان أن يفرضها على الله.
الجذب والفناء وعلاقتهما بالولاية
يصف الصوفية الولي الكامل بأنه مجذوب إلى الله؛ أي أن المحبة الإلهية استولت على قلبه. فتضعف إرادته الذاتية، ويصبح أقل تعلقًا: بنفسه، بالدنيا، وبما سوى الله. وهنا ترتبط الولاية من جديد بمفهوم الفناء. فالولي في أعلى أحواله، وفق هذا التصور، لا يعود يرى لنفسه إرادة مستقلة في مقابل الله، وإنما يكون وجوده الروحي قائمًا بالله. وهذا لا يعني انعدام شخصيته ماديًا، بل هو استمرار لنظرية الفناء التي شرحها عفيفي سابقًا بوصفها حالًا في الوعي والشعور.
درجات القرب
ينقل عفيفي عن الصوفية تقسيمات متعددة لدرجات القرب. فليس جميع الأولياء في منزلة واحدة. وقد تحدث بعضهم عن مراتب مثل: المحادثة، المجالسة، والمناجاة. ويصل أعلاها عند بعضهم إلى المشاهدة والفناء. أي أن الولاية ليست مرتبة جامدة، بل درجات متفاوتة من القرب الروحي.
صفات الولي
يفرد المؤلف بعد ذلك عنوانًا مستقلًا: «صفات الولي» ويبدأ بالتنبيه إلى أن لكلمة الولاية في الإسلام مستويين: المعنى العام: كل مؤمن قريب من الله بحسب إيمانه وطاعته. والمعنى الصوفي الخاص: مرتبة لها شروط وصفات مخصوصة. ومن خلال كتب التصوف يستخلص عفيفي مجموعة من الصفات التي جعلها الصوفية للولي.
الصفة الأولى: تأييد الله له
من المعاني القديمة للولاية أن الله: ينصر وليه، يحفظه، ويؤيده. ويستند هذا المعنى إلى الاستعمال القرآني للولاية. فالولي في الأصل عبد نصر دين الله، فنصره الله وأيده. وهذا المعنى سابق تاريخيًا على ظهور التصوف بوصفه مذهبًا منظمًا.
الصفة الثانية: الكرامة
تأتي الكرامة في بعض كتب التصوف ضمن علامات الولاية. لكن كما رأينا، لا يجعل عفيفي منها شرطًا مطلقًا. وقد توجد الولاية من غير ظهور كرامة حسية واضحة. بل إن بعض الصوفية يرى أن إخفاء الكرامة أفضل للولي من إظهارها. لأن ظهورها قد يفسد: إخلاصه، أو نظرة الناس إليه، أو إحساسه بنفسه.
أعظم الكرامة هي الاستقامة
تتكرر هنا مرة أخرى قاعدة مهمة: ليس كل خارق كرامة، وليست الكرامة أعظم من الاستقامة. فبعض كبار الصوفية كان شديد الحذر من الخوارق. لأن الهدف عندهم ليس أن يصبح الإنسان صاحب «قدرات»، بل أن يصبح: صادقًا، مستقيمًا، خاليًا من الأهواء، ومتحققًا بالأخلاق. وهذا الفرق يسمح لعفيفي بالتمييز بين الولاية الروحية وبين السحر أو الشعوذة أو الأساطير الشعبية.
الصفة الثالثة: الفناء في حب الله
من أخص صفات الولي في التصوف أن يكون قد بلغ درجة عالية من المحبة. فلا يعود قلبه موزعًا بين محبوبات كثيرة، بل تصبح علاقته بالله محور حياته. وهنا يمتزج: الحب، الفناء، الإرادة، والتوحيد. والولي عند هذا المستوى هو، في تعبير عفيفي، الإنسان الذي استولى سلطان المحبة الإلهية على قلبه.
الصفة الرابعة: الحفظ لا العصمة
وهنا يصل المؤلف إلى تمييز دقيق جدًا: النبي معصوم أما الولي فمحفوظ. والفرق بينهما عند الصوفية هو أن العصمة للنبي ذات طبيعة مخصوصة مرتبطة بالنبوة والوحي. أما الحفظ فهو أن يمد الله الولي بنور وإيمان يساعدانه على تجنب المعصية. لكن الولي لا يصبح إنسانًا يستحيل عليه الخطأ. يمكن أن: يزل، يخطئ، أو تقع منه معصية. ثم يتوب منها. ويضرب عفيفي صورة تقريبية: رجلان قادران على الإصابة بمرض معين؛ أحدهما محمي بطبيعته، والآخر يأخذ دواء يمنع المرض. كلاهما قد ينجو، لكن طريقة الحماية مختلفة. وبهذا لا يساوي الصوفية بين حفظ الولي وعصمة النبي.
هل الذنب يسقط الولاية؟
اختلف المتصوفة في هذه المسألة. فبعضهم يرى أن وقوع الكبائر لا يؤدي بالضرورة إلى زوال الولاية ما دام الإيمان قائمًا وكانت التوبة ممكنة. ومنهم: الحكيم الترمذي، الجنيد، أبو الحسين النوري، والحارث المحاسبي. بينما رأى آخرون أن الولاية مرتبطة باستمرار الطاعة، وأن الكبيرة قد تسقطها. ويرى عفيفي أن أصل هذا الخلاف يعود إلى سؤال أعمق: هل الإيمان نفسه يزول بالمعصية الكبيرة أم يبقى؟ أي أن الخلاف الصوفي هنا متصل بالخلاف الكلامي القديم حول مرتكب الكبيرة.
الولي محفوظ من مخالفة الأدب
ويتوسع بعض الصوفية في مفهوم الحفظ ليشمل ليس فقط المعاصي الكبيرة، بل حتى ما يرونه مخالفة لأدب الطريق. ومن هنا أصبحت شخصية الولي في بعض الكتب مثالًا: للاستقامة، الضبط، والأدب. ويورد عفيفي قصصًا تؤكد أن بعضهم كان يرى من غير المقبول أن يدعي إنسان الولاية ثم يخالف أبسط الآداب الشرعية.
الشفاعة
ومن الصفات التي نسبت إلى بعض الأولياء الشفاعة يوم القيامة. ويذكر عفيفي أن بعض المتصوفة بالغوا في هذا الباب، فظهرت ادعاءات واسعة بأن بعض الشيوخ سيشفعون في أعداد كبيرة من أتباعهم. ويسجل المؤلف موقفًا نقديًا تجاه المبالغة في مثل هذه الدعاوى. لأنها أدت في بعض الحالات إلى نوع من الثقة المفرطة في الأشخاص بدل التركيز على المسؤولية الدينية الفردية.
المفاضلة بين الأولياء والأنبياء والملائكة
ثم يصل الكتاب إلى واحد من أكثر المباحث حساسية: «المفاضلة بين الأولياء والأنبياء والملائكة» ويبدأ من قضية قديمة في الفكر الإسلامي: أيهما أفضل: الإنسان أم الملائكة؟ ويستعرض عفيفي الرأي الذي يرى أن الإنسان الكامل قد يكون أفضل من الملائكة. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى قصة آدم: اختاره الله للخلافة، علمه الأسماء، ووأمر الملائكة بالسجود له. ويضيفون أن طبيعة الإنسان تجمع: قابلية الخير وقابلية الشر. فإذا قاوم الإنسان شهواته واختار الطاعة بإرادته، رأوا أن فضيلته تصبح أعلى من الملَك الذي لا يعاني الصراع نفسه. ومن هنا تقول بعض الاتجاهات: أفضل البشر أفضل من الملائكة. لكن ليس معنى ذلك أن كل إنسان أفضل من كل ملك.
الأنبياء أفضل من الأولياء عند جمهور الصوفية السنيين
بعد ذلك يناقش المؤلف السؤال الأخطر: هل الولي أفضل من النبي؟ ويشير عفيفي إلى أن بعض الاتجاهات المتطرفة ظهرت في التاريخ وذهبت إلى تفضيل الأولياء على الأنبياء. لكن جمهور الصوفية من أهل السنة رفضوا ذلك. فالأنبياء عندهم أفضل من الأولياء. والولي نفسه تابع للنبي ويصل إلى الله من خلال الطريق الذي جاءت به النبوة. ويورد عفيفي احتجاجًا منطقيًا بسيطًا: التابع لا يمكن أن يكون أعلى رتبة من المتبوع من حيث كونه تابعًا له. فالأنبياء جاءوا بالرسالة، والأولياء يسيرون على ما جاءت به هذه الرسالة.
الولاية ليست بديلًا عن النبوة
يشرح عفيفي كذلك أن وظيفة الولي بعد النبي ليست تأسيس دين جديد. فالناس بعد خاتم النبوة لا يحتاجون: إلى شريعة جديدة ولا إلى رسول جديد. لكن الصوفي يرى أن وجود الأولياء يمكن أن يؤدي وظيفة روحية في: حفظ روح الدين، إرشاد الناس، وتجديد الإيمان. وهكذا تصبح الولاية في هذا التصور امتدادًا روحيًا للنبوة، لا نبوة جديدة.
كيف نفهم كلام ابن عربي في أفضلية الولاية؟
يخصص عفيفي مساحة مهمة لتصحيح أحد أكثر الأقوال المنسوبة إلى ابن عربي إثارة للجدل. فقد فهم بعضهم أن ابن عربي يقول: كل ولي أفضل من كل نبي. ويقول عفيفي إن هذا سوء فهم. فابن عربي يستعمل كلمة الولاية بمعنى واسع. عنده: الرسول ولي أيضًا، النبي ولي أيضًا، وثم تضاف إلى الولاية وظائف النبوة أو الرسالة. فالولاية هي، في نظامه، الأصل الروحي المشترك.
النبي الواحد ولي ونبي ورسول في الوقت نفسه
إذا كان شخص ما رسولًا، فهو عند ابن عربي: 1. ولي من حيث معرفته وقربه من الله. 2. نبي من حيث علمه بالغيب عن طريق الوحي. 3. رسول من حيث تكليفه بتبليغ رسالة إلى الخلق. وبذلك لا يقارن ابن عربي في هذه العبارة بين ولي عادي ورسول. بل يقارن بين المراتب داخل الشخص نفسه.
لماذا يقول ابن عربي إن ولاية الرسول أرفع من رسالته؟
السبب الذي يعرضه عفيفي هو أن: الرسالة مرتبطة بالتكليف ولها نهاية. فمهمة الرسول في تبليغ الشريعة تنتهي بانتهاء هذه الوظيفة. أما الولاية بمعنى القرب والمعرفة بالله فهي في تصور ابن عربي باقية. ولهذا يقول إن: ولاية النبي نفسه أرفع من رسالته من جهة دوامها وقربها من الله. ولا يعني ذلك أن وليًا غير نبي يصبح أفضل من النبي. ويؤكد عفيفي أن من فهم كلام ابن عربي بهذا المعنى المطلق فقد أخطأ في تفسيره.
الولاية أصل المراتب الروحية عند ابن عربي
من هنا يصل عفيفي إلى أن الولاية عند ابن عربي تمثل العنصر المشترك بين جميع المراتب الروحية. يدخل فيها: الأنبياء، الرسل، الأولياء، الأفراد، الأمناء، الأبدال، والورثة. لكن كل واحد منهم يتميز بوظيفة أو درجة. ولهذا يطلق ابن عربي أحيانًا على الولاية: «الخلافة العامة» ويربطها بـ الروح المحمدية أو الحقيقة المحمدية بوصفها المنبع الباطني الذي تستمد منه المراتب الروحية في تصوره.
خاتم الأولياء
بعد ذلك يدخل الكتاب آخر مبحث كبير: «خاتم الأولياء» ويبدأ بـ الحكيم الترمذي. ويذكر عفيفي أن أبا عبد الله محمد بن علي الحكيم الترمذي كان – فيما يعلم – من أوائل من صاغوا نظرية واضحة حول ختم الولاية. بل ينقل عن الهجويري اعتباره من أوائل من وضعوا نظرية كاملة في الولاية. ويذكر عفيفي كتابًا للترمذي في هذا الباب يسميه «ختم الولاية»، وهو العمل المعروف في الطبعات الحديثة غالبًا بعنوان «ختم الأولياء». ولأن عفيفي يصف حال مصادره في وقت تأليفه، يوضح أن الكتاب لم يكن متاحًا له كاملًا؛ لذلك بنى جانبًا من عرضه على إشارات ابن عربي، وعلى ما حفظه الهجويري في «كشف المحجوب».
ما معنى «خاتم الأولياء»؟
الفكرة الأساسية قريبة في صورتها من: خاتم الأنبياء لكنها ليست مطابقة لها. فالنبوة خُتمت بالنبي محمد ﷺ في العقيدة الإسلامية. أما الحكيم الترمذي فيتحدث عن وجود ولي يمثل أكمل صورة للولاية. ومن هنا ظهر مفهوم: خاتم الأولياء. أي الإنسان الذي تبلغ الولاية في شخصه صورتها القصوى.
ابن عربي يطور نظرية ختم الولاية
لكن النظرية تصبح أكثر تعقيدًا مع محيي الدين ابن عربي. فهو يأخذ الفكرة من الحكيم الترمذي، ثم يدمجها داخل فلسفته الكبرى المتعلقة بـ: الحقيقة المحمدية، الكلمة، الروح المحمدي، التجلي، والإنسان الكامل. ومن هنا لم يعد «خاتم الأولياء» مجرد صالح بلغ أعلى درجة من العبادة. بل أصبح عند ابن عربي مظهرًا كاملًا للحقيقة المحمدية في مجال الولاية.
الحقيقة المحمدية
يعرض عفيفي تصور ابن عربي للـ حقيقة المحمدية أو الروح المحمدية باعتبارها أصلًا روحانيًا عامًا. ويرى ابن عربي أن الأنبياء والأولياء جميعًا يستمدون، في تصوراته، من هذا الأصل. ولهذا يصبح ظهور الأنبياء والأولياء في التاريخ مظاهر مختلفة لحقيقة روحية واحدة. وهذا مرتبط بمذهبه العام في الوجود والتجلي الذي سبق أن شرحه عفيفي في الأقسام السابقة.
الختم: كمال المرتبة وانقطاع الوراثة المحمدية الخاصة
يوضح عفيفي أن الختم ليس مجرد وصف لآخر ولي يولد في التاريخ، ولا ينفي ابن عربي إمكان ظهور أولياء بعده. لكن المقصود في ختم الولاية المحمدية هو اكتمال مرتبة الوارث المباشر لعلم الحقيقة المحمدية وانقطاع هذا النوع الخاص من الوراثة بعده. أما من يظهر بعده من الأولياء، فيبقى إمكانه قائمًا في عرض عفيفي، غير أنهم لا يرثون ذلك العلم الباطن مباشرةً عن الحقيقة المحمدية على هذا الوجه الخاص. فالمسألة، في هذا التقسيم، كمال وختم لنوع مخصوص من الوراثة، لا مجرد آخرية زمنية.
نوعان من خاتم الولاية عند ابن عربي
من أهم ما يقدمه عفيفي هنا أن ابن عربي يميز بين نوعين من الختم:
1. خاتم الولاية العامة أو المطلقة
ويربطه بعيسى عليه السلام. فعيسى، عندما ينزل في آخر الزمان – وفق التصور الديني الذي يستعمله ابن عربي – يكون خاتم الولاية العامة. لأنه، عند نزوله في آخر الزمان وفق التصور الذي يعرضه عفيفي، يحكم بشريعة محمد ﷺ ويكون خاتم الولاية العامة في هذا التقسيم.
2. خاتم الولاية المحمدية الخاصة
وهو ختم آخر يتعلق بالولاية المحمدية، أي بوارث الحقيقة المحمدية وعلمها الباطن على الوجه الخاص الذي يشرحه عفيفي. وهنا تصبح المسألة أكثر إثارة. وفي قراءة عفيفي لنصوص ابن عربي، تشير إشاراته إلى أنه كان يلمح إلى نفسه بوصفه خاتم الولاية المحمدية الخاصة.
هل قال ابن عربي إنه خاتم الأولياء؟
وينقل عفيفي عنه في هذا السياق قوله: «أنا خاتم الولاية دون شك». كما يقدم أوصافًا لخاتم الولاية المحمدية تنطبق إلى حد بعيد على شخصية ابن عربي نفسه. حتى إن عفيفي يقول، بعد جمع الصفات: لا يكاد يبقى إلا أن يقول صراحة: ومع ذلك، يبقى تعيين ابن عربي لنفسه خاتمًا للولاية المحمدية نتيجة قراءة عفيفي الجامعة لنصوصه وإشاراته، لا عبارة تقريرية مفردة ينبغي فصلها عن سياقها.
ما علاقة خاتم الأولياء بالمهدي؟
يناقش عفيفي هنا التشابه بين: نظرية خاتم الأولياء وبعض التصورات الشيعية عن المهدي المنتظر. ويلاحظ وجود تشابه بنيوي بين الفكرتين: كلاهما يتحدث عن شخص ذي مكانة روحانية استثنائية يظهر داخل تاريخ الجماعة. لكن ابن عربي نفسه يفرق بين الاثنين. فخاتم الأولياء عنده: ليس المهدي المنتظر. ولا يكون، في نظر ابن عربي كما يعرضه عفيفي، المهدي المنتظر، ولا يجعل النسب الحسي من النبي ﷺ شرطًا فيه؛ بل يربط نسبته المحمدية بسلالة الأخلاق والأعراق. ومع ذلك يتساءل عفيفي عما إذا كان هذا الفرق يلغي إمكان وجود تأثير تاريخي للفكرة الشيعية في تشكل نظرية ختم الولاية. ويعرض عفيفي إمكان التأثر التاريخي بوصفه احتمالًا في تشكل الفكرة، من غير أن يحوله إلى حكم قاطع يلغي خصوصية بناء ابن عربي لها.
رؤيا ابن عربي في الكعبة
ويستعمل عفيفي هذه الرؤيا شاهدًا إضافيًا في قراءته التي تميل إلى أن ابن عربي كان يرى نفسه خاتمًا للولاية المحمدية الخاصة. فابن عربي يروي رؤيا وقعت له في مكة سنة 599هـ. رأى الكعبة مبنية من: لبنات فضة ولبنات ذهب. لكن بقي فيها موضع ينقصه لبنتان. إحداهما من فضة. والأخرى من ذهب. فرأى نفسه في المنام موضوعًا في مكان هاتين اللبنتين، فاكتمل بناء الكعبة. وبعد أن رأى نفسه قد انطبعت في موضع اللبنتين، قال متأولًا إنه من أتباع الرسول ﷺ، ورجا أن يكون ممن ختم الله به الولاية.
رمز اللبنتين
يقارن عفيفي هذه الرؤيا بحديث خاتم النبوة المعروف الذي شبه النبي ﷺ بناء الأنبياء ببيت لم يبق منه إلا موضع لبنة، فكان هو تلك اللبنة. لكن ابن عربي يجعل رؤياه ذات لبنتين. ويفسر عفيفي رمزيتهما على النحو الآتي:
اللبنة الفضية
تمثل الجانب الظاهر. أي اتباع الشريعة المحمدية والعمل بأحكامها.
اللبنة الذهبية
تمثل الجانب الباطني. أي حقيقة الولاية والمعرفة الروحية. وبذلك يمثل خاتم الأولياء في تصور ابن عربي اجتماع الشريعة والحقيقة في شخص واحد. وبهذه الرؤيا ينتهي عرض عفيفي لنظرية خاتم الولاية، ثم ينتقل الكتاب إلى قائمة مراجعه.
خلاصة القسم الثامن: الولاية والأولياء وخاتم الولاية في التصوف الإسلامي
يختتم أبو العلا عفيفي هذا القسم بدراسة مفهوم الولاية في التصوف الإسلامي، متتبعًا تطوره في بيئات شهدت تفاعلًا بين التصوف والتشيع وتيارات فكرية وروحية متعددة، وصولًا إلى تبلوره في نظرية صوفية ذات معالم مستقلة. فالولي، وفق التصور الذي يعرضه المؤلف، هو الإنسان الذي بلغ مرتبة عالية من القرب من الله، وتحقق بالمحبة والمعرفة وصفاء النفس والاستقامة في السلوك. وتستند الولاية إلى معنى قرآني عام يتصل بالإيمان والقرب والنصرة، ثم تكتسب في الاصطلاح الصوفي دلالة خاصة ترتبط بالمقامات الروحية ودرجات القرب والمشاهدة. وهي في نظر كثير من الصوفية منحة إلهية تتهيأ لها النفس بالمجاهدة والتزكية، وتتجلى آثارها في المحبة والجذب والفناء عن الأهواء، مع تفاوت الأولياء في مراتبهم وأحوالهم الروحية.
ويفرد عفيفي مساحة مهمة لمسألة الكرامات التي شغلت كتب التصوف وسير الأولياء، فيعرض ما نُسب إليهم من خوارق العادات، والأمثلة القرآنية التي استند إليها القائلون بإمكان وقوع الكرامة لغير الأنبياء. ويبرز في هذا السياق موقف كبار الصوفية الذين جعلوا الاستقامة وحسن السلوك وتزكية النفس أساسًا للتحقق الروحي، ورأوا في تحول الأخلاق المذمومة إلى فضائل راسخة صورة جليلة من صور الكرامة.
ومن هنا يأتي نقد المؤلف للمبالغات والحكايات الخرافية التي التصقت ببعض سير الأولياء والمعتقدات الشعبية المتعلقة بالقبور والأضرحة، وكذلك للتصورات التي توسعت في نسبة القدرة على التصرف في الكون إليهم. ويتصل بذلك بحث صفات الولي، وفي مقدمتها التأييد الإلهي والمحبة والفناء والحفظ، مع بيان الفرق بين عصمة الأنبياء وحفظ الأولياء، وما أثارته مسألة وقوع الولي في الذنب من خلاف بين الصوفية. كما يتناول المؤلف ما نُسب إلى بعض الأولياء من الشفاعة، ويناقش المبالغات التي نشأت حول هذه المسألة.
وتنتقل الدراسة بعد ذلك إلى العلاقة بين الولاية والنبوة ومسألة المفاضلة بين الإنسان والملائكة. فقد رأى بعض المفكرين أن الإنسان الكامل قد يبلغ مرتبة تفوق مرتبة الملائكة من جهة مجاهدته للشهوات واختياره الطاعة، بينما استقر جمهور الصوفية السنيين على تفضيل الأنبياء على الأولياء، وجعل الولاية قائمة على الاقتداء بالنبوة وتجديد الحياة الروحية في ضوء هدايتها.
وفي هذا الإطار يتوقف عفيفي عند كلام محيي الدين ابن عربي في أفضلية الولاية، موضحًا أن المقارنة تتعلق بالمراتب المختلفة التي تجتمع في الشخص الواحد؛ فالرسول ولي من جهة قربه ومعرفته بالله، ونبي من جهة الوحي، ورسول من جهة تكليفه بالتبليغ. وتتميز الولاية في هذا البناء النظري بدوام صلتها بالقرب والمعرفة الإلهية، في حين ترتبط الرسالة بوظيفة التبليغ والتكليف. وبهذا يفسر عفيفي أفضلية الولاية من جهة دوام المرتبة الروحية داخل شخصية النبي نفسه، ويجعلها الأصل المشترك الذي تتفرع عنه المراتب الروحية في تصور ابن عربي.
ويبلغ البحث ذروته مع نظرية «خاتم الأولياء»، التي وضع الحكيم الترمذي إحدى أقدم صيغها المنظمة، ثم طورها ابن عربي وربطها بتصوره للحقيقة المحمدية والإنسان الكامل والوجود والتجلي. ويكتسب الختم في هذا السياق معنى اكتمال مرتبة مخصوصة من الولاية والوراثة الروحية، مع إمكان ظهور أولياء بعد صاحب الختم. ويميز ابن عربي بين خاتم الولاية العامة، الذي يجعله عيسى عليه السلام، وخاتم الولاية المحمدية الخاصة، الذي يرى عفيفي أن نصوص ابن عربي تشير إلى اعتقاده بأنه صاحب هذه المرتبة. ويبحث المؤلف كذلك أوجه التشابه بين نظرية ختم الولاية وبعض التصورات الشيعية المتعلقة بالمهدي، متوقفًا عند الفروق بين المفهومين واحتمالات التأثير التاريخي.
وتصل هذه المناقشة إلى خاتمتها مع رؤيا ابن عربي للكعبة سنة 599هـ، التي رأى فيها بناءها مكتملًا بلبنتين من فضة وذهب كان هو في موضعهما. ويفسر عفيفي رمزية اللبنتين باجتماع ظاهر الشريعة وباطن الولاية والحقيقة، ليصبح هذا المشهد تعبيرًا مكثفًا عن البناء الروحي الذي انتهت إليه نظرية ختم الولاية عند ابن عربي. وهكذا يكتمل القسم الثامن برؤية تتلاقى فيها المحبة والمعرفة والسلوك والولاية، وتتضح من خلالها المكانة التي احتلها مفهوم الولي في تطور الفكر الصوفي الإسلامي، من معاني القرب والاستقامة إلى النظريات الروحية والفلسفية المتعلقة بختم الولاية.
الخاتمة العامة: حصيلة رحلتنا في قراءة كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام»
على امتداد ثمانية أجزاء متتابعة، رافقنا أبا العلا عفيفي في رحلته الفكرية والعلمية داخل عالم التصوف الإسلامي، محاولين استيعاب رؤيته لهذا الميدان الرحب، وتتبع الأفكار والمفاهيم التي بنى عليها كتابه «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام». بدأنا بتحديد ماهية التصوف ومعانيه المختلفة، ثم انتقلنا إلى نشأته التاريخية ومصادره الفكرية والروحية، وتابعنا تطور مدارسه من الزهد المبكر إلى التجارب التي جعلت من المحبة والمعرفة وأعمال القلوب محورًا للحياة الدينية. وبعد ذلك دخلنا إلى صميم الطريق الصوفي، فدرسنا مجاهدة النفس وتزكيتها، والمقامات والأحوال، وآداب السلوك، وتطور مفهوم التوحيد من الإقرار العقلي والاعتقادي إلى التجربة الذوقية والشهود الروحي.
ومع تقدم القراءة، انفتحت أمامنا المباحث الفلسفية والروحية الكبرى التي عالجها عفيفي، وفي مقدمتها الفناء والبقاء، ووحدة الشهود ووحدة الوجود، ومكانة ابن عربي في صياغة التصوف الفلسفي. ثم توقفنا مطولًا عند المحبة الإلهية وما أحدثته من تحول عميق في فهم الصوفية للعلاقة بين الإنسان وربه، من خلال تجارب رابعة العدوية والمحاسبي والجنيد وغيرهم من أعلام التصوف. وانتقلنا بعد ذلك إلى المعرفة الصوفية، فبحثنا حدود العقل وأداة الذوق والكشف، ووظيفة الذكر والتربية الروحية، وعلاقة الشيخ بالمريد، وأحوال السكر والصحو والمشاهدة، قبل أن نصل في الجزء الأخير إلى مفهوم الولاية، وصفات الأولياء وكراماتهم، والعلاقة بين الولاية والنبوة، ونظرية خاتم الأولياء عند الحكيم الترمذي وابن عربي.
وقد كشفت هذه الرحلة عن الغنى الفكري والروحي للتصوف الإسلامي، وعن تنوع مدارسه ومناهجه وتجاربه، وعن إسهام أعلامه في تعميق النظر في النفس الإنسانية وعلاقتها بالله. ومن خلال التحليل التاريخي والمقارنة بين المذاهب والنصوص والتجارب، أتاح لنا عفيفي أن نتعرف إلى التصوف بوصفه حركة روحية وفكرية أسهمت في تشكيل جوانب أساسية من الحضارة الإسلامية، وأنتجت تصورات عميقة في الأخلاق والمحبة والمعرفة والتوحيد والوجود.
وفي نهاية هذه القراءة، تتلاقى المحاور التي رافقتنا منذ الجزء الأول: الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، والعمل والتجربة، والعقل والذوق، والعبادة والمحبة والمعرفة. فقد كان التصوف، كما تكشف عنه دراسة عفيفي، سعيًا متواصلًا إلى الارتقاء بالحياة الروحية، والانتقال بالمعاني الدينية من مستوى المعرفة النظرية إلى مستوى التحقق القلبي والسلوك العملي. وقد اتخذ هذا السعي صورًا متعددة عبر التاريخ، من زهد الأوائل ومحاسبة النفس إلى نظريات المعرفة والوجود والولاية، وجمع بين التجربة الشخصية والتأمل الفلسفي والتعبير الرمزي والأدبي.
وبإتمام هذا الجزء الثامن، نصل إلى ختام سلسلتنا في قراءة كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام»، بعد أن تتبعنا مساره من بدايته إلى آخر مباحثه، ووقفنا عند أبرز قضاياه وشخصياته ومفاهيمه. ونرجو أن تكون هذه الأجزاء قد قدمت للقارئ مدخلًا علميًا واسعًا إلى عالم التصوف، وفتحت أمامه آفاقًا لمواصلة القراءة والبحث في مؤلفات أعلامه ونصوصهم الأصلية، بما يعمق المعرفة بهذا الميدان الأصيل من ميادين الفكر والحياة الروحية في الحضارة الإسلامية.
المصادر والمراجع
1. أبو العلا عفيفي، التصوف: الثورة الروحية في الإسلام، الطبعة الأولى، القاهرة: دار المعارف، 1963؛ والنسخة الرقمية المتاحة عبر مؤسسة هنداوي.
2. القرآن الكريم، ولا سيما المواضع التي يستند إليها عرض الكرامات والولاية، ومنها قصة مريم، وأصحاب الكهف، والذي عنده علم من الكتاب في قصة عرش بلقيس.
3. أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، في أبواب الولاية والكرامات وآداب الطريق.
4. علي بن عثمان الهجويري، كشف المحجوب، وهو من المصادر التي يعرض عفيفي من خلالها جوانب من نظرية الولاية والحكيم الترمذي.
5. الحكيم الترمذي، ختم الأولياء، ويَرِد اسم الكتاب في عرض عفيفي بصيغة «ختم الولاية»، في أصل نظرية ختم الولاية.
6. محيي الدين ابن عربي، الفتوحات المكية وفصوص الحكم، في الولاية والحقيقة المحمدية وختم الولاية.
7. للاطلاع الببليوغرافي على الكتاب: صفحة التصوف: الثورة الروحية في الإسلام في Google Books.
روابط الأجزاء السابقة من السلسلة
1. الجزء الأول: ما هو التصوف؟ ماهيته وتجربته الروحية وتطور مفهومه عند أبي العلا عفيفي
2. الجزء الثاني: نشأة التصوف الإسلامي ومصادره عند أبي العلا عفيفي
3. الجزء الثالث: مدارس التصوف: من الزهد إلى الثورة الروحية عند أبي العلا عفيفي
4. الجزء الرابع: الطريق الصوفي ومجاهدة النفس: من المقامات والأحوال إلى التوحيد عند أبي العلا عفيفي
5. الجزء الخامس: من التوحيد والفناء إلى وحدة الشهود ووحدة الوجود والحب الإلهي
6. الجزء السادس: الحب الإلهي بين التجربة الصوفية والتفسير الفلسفي عند أبي العلا عفيفي
7. الجزء السابع: المعرفة الصوفية والذكر والمشاهدة عند أبي العلا عفيفي

