«ما أنا بقارئ»: كيف أعاد محمد عابد الجابري قراءة أمية النبي صلى الله عليه وسلم وبداية الوحي؟

محمد عابد الجابري وقراءة مفهوم أمية النبي صلى الله عليه وسلم وبداية الوحي

مقدمة: عبارة قصيرة وراءها سؤال كبير

تستقر بعض العبارات في الذاكرة حتى يكاد طول الألفة يحجب عنا الأسئلة الكامنة فيها. ومن أشهر ما حفظه المسلمون من قصة بدء الوحي جواب النبي محمد صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام حين قال له: «اقرأ»، فأجابه، بحسب الرواية المشهورة في صحيح البخاري: «ما أنا بقارئ». لم تبق هذه الكلمات مجرد تفصيل في قصة غار حراء، بل أصبحت جزءاً من الصورة التي تشكلت في الثقافة الإسلامية عن النبي الأمي الذي تلقى كتاباً معجزاً من غير أن يكون قارئاً للكتب أو كاتباً لها.

ولهذا الفهم جذور راسخة في التراث. فالقرآن الكريم يصف محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه «النبي الأمي»، ويقول له: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: 48]. وقد فهم جمهور المفسرين من هذه النصوص أن الرسول لم يكن معروفاً قبل نزول القرآن بقراءة الكتب وكتابتها، ورأى كثير منهم في ذلك وجهاً من وجوه إقامة الحجة على أن القرآن لم يكن حصيلة تعلم سابق أو اقتباس من كتب أهل الكتاب.

لكن المسألة تصبح أقل بساطة عندما نعود إلى ألفاظ الروايات القديمة نفسها. فإلى جانب «ما أنا بقارئ» تظهر في مادة السيرة والتاريخ صيغ مثل «ما أقرأ؟» و**«ماذا أقرأ؟»**. والفرق اللغوي ليس هيناً: فقول المرء «لست بقارئ» يمكن فهمه نفياً للقدرة على القراءة، أما قوله «ماذا أقرأ؟» فهو، في ظاهره، سؤال عن المقروء.

عند هذا الاختلاف توقف المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935–2010) في المرحلة المتأخرة من مشروعه الفكري، حين اتجه إلى دراسة القرآن والسيرة. ولم يتعامل مع المسألة باعتبارها لغزاً لغوياً محدوداً، بل وسّعها إلى سؤال أكثر حساسية: هل تعني كلمة «الأمي» في القرآن بالضرورة عدم معرفة القراءة والكتابة؟

وقد قاده بحثه إلى موقف واضح لم يكتف فيه بالتشكيك في القراءة الموروثة للمفهوم، بل انتهى إلى ترجيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يجهل القراءة والكتابة. وهنا تحديداً يصبح من الضروري التمييز بين أمرين: عرض حجة الجابري بأمانة، والحكم على مدى كفاية أدلتها. فليس من الإنصاف أن ننسب إليه موقفاً أضعف مما قال، كما ليس من المنهج أن نحول ترجيحه إلى حقيقة تاريخية لمجرد أنه قدم قراءة مختلفة للمصادر.

من هنا يسأل هذا المقال: كيف أعاد محمد عابد الجابري قراءة «ما أنا بقارئ» ومفهوم «النبي الأمي»؟ وما الأدلة التي اعتمد عليها؟ وكيف تعامل التراث التفسيري والحديثي مع النصوص نفسها؟ وهل تكفي حجة الجابري لإثبات أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف القراءة والكتابة، أم أنها تنجح أساساً في إظهار أن القضية أكثر تعقيداً من الصورة الشائعة عنها؟


رواية بدء الوحي: ماذا يقول صحيح البخاري؟

البداية المنهجية الصحيحة لا تكون من التأويل، وإنما من النص.

يروي البخاري عن عائشة رضي الله عنها حديث بدء الوحي، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلو بغار حراء، حتى جاءه الملك فقال: «اقرأ»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : «ما أنا بقارئ». ثم أخذه الملك فغطه حتى بلغ منه الجهد، وأعاد الأمر ثلاث مرات، قبل أن يتلو عليه صدر سورة العلق: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق…﴾.

والرواية ثابتة في صحيح البخاري، كما أخرج مسلم حديث بدء الوحي. ومن ثم فإن صيغة «ما أنا بقارئ» ليست عبارة متأخرة ألصقها المفسرون بالقصة، بل هي جزء من رواية حديثية مركزية في المصادر الإسلامية.

والفهم التقليدي لها واضح: «ما أنا بقارئ» أي إنني لا أقرأ. وهذا هو المعنى الذي انسجم لاحقاً مع تفسير «النبي الأمي» بأنه الذي لا يقرأ ولا يكتب.

غير أن وجود هذه الرواية لا ينهي البحث التاريخي في ألفاظ القصة؛ لأن مصادر السيرة والتاريخ نقلت صيغاً أخرى.


«ما أقرأ؟» و«ماذا أقرأ؟»: من هنا بدأ اعتراض الجابري

في مقاله «النبي الأمي: هل كان يقرأ ويكتب؟» المنشور في مايو 2006، عاد الجابري إلى قصة بدء الوحي وقارن بين رواية البخاري وما نقله ابن إسحاق والطبري وغيرهما.

ولاحظ أن بعض تلك الروايات تجعل جواب النبي بصيغة «ما أقرأ؟» أو «ماذا أقرأ؟»، بينما رواية البخاري تقول: «ما أنا بقارئ».

بنى الجابري على هذا الاختلاف ملاحظة لغوية أساسية: «ماذا أقرأ؟» استفهام عن الشيء المطلوب قراءته، وليس نفياً لمعرفة القراءة. ولذلك رأى أن هذه الصيغة أقرب إلى فهم جواب النبي باعتباره سؤالاً لجبريل عما ينبغي أن يقرأه.

هل يثبت الاستفهام معرفة النبي بالقراءة؟

غير أن الجابري نفسه لم يتوقف عند هذه النتيجة. فقد طرح احتمال أن يكون «اقرأ» بمعنى اتلُ وردد ما تسمع، لا بمعنى قراءة كلمات مكتوبة من صحيفة. وهذه ملاحظة مهمة؛ لأنها تمنعنا من بناء استنتاج أكبر من الرواية نفسها. فحتى إذا كان الجواب «ماذا أقرأ؟»، لا يلزم من ذلك وجود نص مكتوب أمام النبي ولا يلزم منه أنه كان يمارس القراءة الكتابية.

إذن أمامنا ثلاثة مستويات ينبغي عدم خلطها:

وجود صيغة استفهامية في بعض الروايات حقيقة نصية تستحق الدراسة.

ودلالتها على السؤال عن المقروء نتيجة لغوية معقولة.

أما اعتبارها دليلاً على معرفة النبي بالقراءة والكتابة فذلك استنتاج إضافي يحتاج إلى قرائن أخرى.

وهذا التمييز سيكون أساسياً في تقييم الجابري لاحقاً.


هل الروايات المختلفة متساوية في القوة؟

هنا يجب إدخال قيد منهجي شديد الأهمية.

دراسة اختلاف ألفاظ الروايات لا تعني أن جميع الروايات متساوية من حيث الثبوت. فحديث عائشة بلفظ «ما أنا بقارئ» ثابت في الصحيحين، بينما المواد التي يستحضرها الجابري من كتب السيرة والتاريخ تخضع من حيث الأسانيد وطرق النقل لتقييم مختلف.

وهذا لا يجعلها بلا قيمة تاريخية، لكنه يمنعنا من وضعها تلقائياً في المرتبة الحديثية نفسها.

ومن ثم فالصياغة العلمية الدقيقة ليست أن نقول: «الرواية الصحيحة هي ماذا أقرأ بدلاً من ما أنا بقارئ»، فهذا لا تسنده المادة المتاحة. الأدق أن نقول: وصلتنا رواية صحيحة مشهورة بلفظ «ما أنا بقارئ»، ووصلتنا في مصادر أخرى ألفاظ مختلفة أثارت سؤالاً حول كيفية انتقال القصة ودلالة جواب النبي فيها.

والجابري استفاد من هذا الاختلاف ليعيد فتح القضية، لكنه لا يستطيع بمجرد وجود الاختلاف إلغاء لفظ الصحيح.


من «الأمي» الفرد إلى «الأميين» الجماعة

بعد قصة حراء انتقل الجابري إلى ما اعتبره قلب المسألة: ماذا يعني «الأمي» في القرآن؟

ورد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى:

﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ [الأعراف: 157].

وقال سبحانه:

﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي﴾ [الأعراف: 158].

لكن القرآن يستعمل أيضاً صيغة الجمع:

﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم﴾ [الجمعة: 2].

ويقول:

﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم﴾ [آل عمران: 20].

وفي موضع آخر:

﴿ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل﴾ [آل عمران: 75].

استند الجابري خصوصاً إلى المواضع التي يظهر فيها التقابل بين «الذين أوتوا الكتاب» و«الأميين»، ورأى أن الكلمة لا تتحدث هناك عن أفراد يعرفون الأبجدية وآخرين يجهلونها، وإنما عن جماعتين دينيتين تاريخيتين: أهل الكتاب من جهة، والعرب الذين لم ينزل فيهم كتاب سابق من جهة أخرى.

ومن هنا خلص إلى أن وصف محمد صلى الله عليه وسلم بـ«النبي الأمي» يمكن أن يعني النبي المنتمي إلى الأمة التي لم يكن لها كتاب منزل قبل القرآن، ولا يلزم منه بذاته أنه شخص لا يعرف القراءة والكتابة.

هل يحمل لفظ «الأمي» معنى واحدا ؟

وهذه من أقوى نقاط حجة محمد عابد الجابري؛ لأن السياق في عدد من الآيات يدعم فعلاً وجود بعد جماعي وديني في لفظ «الأميين».

لكن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا المعنى السياقي إلى تعريف حصري للكلمة.


آية «ومنهم أميون»: اختبار مهم لمعنى الكلمة

يقول القرآن في الحديث عن بني إسرائيل:

﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون﴾ [البقرة: 78].

وهنا يظهر لفظ «أميون» داخل جماعة أهل الكتاب أنفسهم.

وهذا يجعل المعادلة البسيطة:

أهل الكتاب ≠ الأميون

غير كافية لتفسير جميع المواضع.

فاللفظ القرآني يبدو أوسع من تعريف واحد جامد. وقد تتداخل فيه دلالة عدم المعرفة بالكتاب مع الانتماء إلى جماعة غير كتابية بحسب السياق.

ولهذا يبدو أكثر احترازاً أن نقول إن تحليل الجابري نجح في الاعتراض على اختزال جميع استعمالات «الأمي» في العجز التقني عن القراءة والكتابة، لكنه لم يثبت بالضرورة أن هذا المعنى غائب عن الكلمة في جميع السياقات.

وهذه نقطة فارقة؛ لأن إثبات تعدد الدلالة شيء، ونفي أحد معاني الكلمة نهائياً شيء آخر.


آية العنكبوت: النص الأصعب في مواجهة أطروحة الجابري

لو كانت القضية قائمة فقط على معنى «الأمي»، لكان المجال اللغوي أوسع بكثير. لكن القرآن يقدم نصاً أكثر مباشرة:

﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذًا لارتاب المبطلون﴾ [العنكبوت: 48].

هذه الآية لا تستعمل كلمة «أمي» أصلاً، بل تتحدث عن التلاوة من كتاب وعن الخط باليمين.

ولهذا كانت مركزية في التفسير الإسلامي.

كيف فهم المفسرون قول الله تعالى «ولا تخطه بيمينك»؟

فسر الطبري قوله تعالى ﴿تتلو﴾ بمعنى «تقرأ»، وفسر ﴿ولا تخطه بيمينك﴾ بأنه لم يكن يكتب بيمينه، ثم نقل عن ابن عباس وقتادة ومجاهد ما يؤيد هذا الاتجاه.

والقرطبي يقرر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قبل القرآن يقرأ كتاباً ولا يكتب، ويربط ذلك بإزالة الشبهة التي كان يمكن للمبطلين أن يتخذوها ذريعة للقول إن القرآن مأخوذ من كتب السابقين.

أما ابن كثير فيذهب أبعد من ذلك، فيقول إن النبي لبث بين قومه قبل القرآن معروفاً بأنه لا يقرأ كتاباً ولا يحسن الكتابة، ويرى أن هذه الصفة استمرت فيه.

إذن القراءة التقليدية لا تعتمد على اشتقاق كلمة «الأمي» وحده. أمامها نص قرآني مباشر وتراكم تفسيري واسع.

وهنا تصبح حجة الجابري أكثر صعوبة.


لكن ماذا تعني عبارة «من قبله»؟

مع ذلك، تحتوي الآية نفسها على قيد لا ينبغي إهماله:

﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب﴾.

أي: من قبل القرآن.

وهنا ظهر داخل التراث نفسه سؤال دقيق: إذا كان النص ينفي القراءة والكتابة قبل نزول القرآن، فهل يمنع من حيث اللفظ أن تقع كتابة ما بعد النبوة؟

هذا ليس اختراعاً حديثاً.

بل أصبح السؤال حاداً عند تفسير بعض روايات صلح الحديبية.


الحديبية: الخلاف الذي سبق الجابري بقرون

في قصة الحديبية وردت روايات تتعلق بكتابة وثيقة الصلح. وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه كاتب الوثيقة، ثم وقع الخلاف حول عبارة «محمد رسول الله»، وطلب المشركون استبدالها بـ«محمد بن عبد الله».

وتوجد في صحيح البخاري رواية جاء فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الكتاب «وليس يحسن يكتب» ثم ورد بعدها «فكتب».

هذه العبارة فتحت نقاشاً قديماً.

موقف أبي الوليد الباجي من واقعة الكتابة

فذهب أبو الوليد الباجي، الفقيه المالكي الأندلسي، ومعه بعض العلماء، إلى إمكان حمل الرواية على ظاهرها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب في تلك الواقعة، ورأوا أن هذا لا يناقض آية العنكبوت لأن الآية تقيد النفي بما قبل القرآن.

لكن هذا الرأي واجه اعتراضاً شديداً.

كيف أجاب ابن حجر و الجمهور؟

وينقل ابن حجر في فتح الباري مناقشة واسعة للمسألة، ويعرض جواب الجمهور بأن الكاتب كان علياً، وأن «كتب» قد تأتي بمعنى أمر بالكتابة، كما يقال «كتب النبي إلى قيصر» مع أن الكاتب الفعلي أحد كتّابه.

ويذكر ابن حجر احتمالاً آخر مهماً: حتى لو حملنا الرواية على أن النبي خط الكلمة بيده في تلك الواقعة، فلا يلزم من كتابة كلمة أو اسم أن يكون قد أصبح عارفاً بصناعة الكتابة؛ فقد يستطيع من لا يحسن الكتابة رسم كلمات محدودة.

وهذه المناقشة القديمة تغير صورة القضية جذرياً.

فلم يكن التراث كتلة مغلقة تقول قولاً واحداً لا يسمح بالسؤال. كان الاتجاه الغالب يثبت أمية النبي بمعنى عدم القراءة والكتابة، لكن داخل هذا الاتجاه نفسه وُجد نقاش حول كيفية فهم بعض الروايات التي قد يوحي ظاهرها بوقوع كتابة منه في مرحلة لاحقة.

وهذا أدق بكثير من تصوير القضية باعتبارها مواجهة بين «تراث جامد» و«جابري مجدد».


الجابري لا يكتفي بالسؤال: ماذا انتهى إليه فعلاً؟

من الضروري هنا تصحيح قراءة شائعة لموقف محمد عابد الجابري.

قد يوحي مقاله الأول بأنه لا يفعل أكثر من التشكيك في الدلالة التقليدية للأمية. لكن متابعة سلسلة مقالاته تظهر أن موقفه تطور إلى ترجيح واضح.

من إعادة تفسير الأمية إلى ترجيح معرفة القراءة والكتابة

فبعد بحث معنى «الأمي» ومناقشة الروايات، كتب في ختام هذه السلسلة متسائلاً عن سبب إصراره هو نفسه على القول بأن النبي لم يكن يجهل القراءة والكتابة، ثم أجاب بأن ذلك هو ما أداه إليه بحثه.

إذن من غير الدقيق أن نقول إن الجابري «لم يقل إن النبي كان يعرف القراءة والكتابة». لقد انتهى بالفعل إلى هذا الترجيح.

لكن الدقة نفسها تفرض إضافة شيء آخر: ترجيح الجابري نتيجة بحثه لا يجعل المسألة محسومة تاريخياً.

والسؤال العلمي الحقيقي يصبح:

هل الأدلة التي قدمها تكفي للوصول إلى النتيجة التي وصل إليها؟


لماذا أراد الجابري فك الارتباط بين الأمية والإعجاز؟

لفهم إصرار الجابري ينبغي تجاوز البحث اللغوي إلى خلفيته الفكرية.

رأى محمد عابد الجابري أن كثيراً من المتكلمين والمفسرين ربطوا بين أمية الرسول وإعجاز القرآن: إذا كان الرسول لا يقرأ ولا يكتب، فظهور القرآن على لسانه يصبح دليلاً إضافياً على أنه ليس من صنعه.

الجابري يعترض على ضرورة هذا الربط.

فبالنسبة إليه، الوحي لا يكتسبه الإنسان عن طريق تعلم الكتابة أصلاً. وبالتالي فإن معرفة الرسول بالقراءة – لو ثبتت – لا تحول القرآن إلى إنتاج بشري، كما أن عدم معرفته بها ليس الشرط الذي يجعل القرآن وحياً.

وفي خاتمة مناقشته صرح بأن المعرفة بالقراءة والكتابة وعدمها سواء بالنسبة إلى حقيقة الوحي؛ لأن الوحي ليس معرفة مكتسبة بالدرس.

هذه الفكرة ينبغي فصلها تماماً عن الإثبات التاريخي.

يمكن أن تكون العبارة التالية صحيحة منطقياً:

إيمان المسلم بأن القرآن وحي لا يتوقف بالضرورة على كون الرسول يعرف الكتابة أو لا يعرفها.

لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال:

هل كان الرسول يعرف الكتابة بالفعل؟

الأولى قضية تتعلق ببنية الاستدلال على الوحي، والثانية مسألة تاريخية تحتاج إلى دليل.

والخلط بينهما أحد المواضع التي ينبغي الحذر منها عند قراءة الجابري.


أين تكمن قوة قراءة محمد عابد الجابري؟

يمكن تحديد قوة الجابري في أربع نقاط أساسية.

أولاً، أعاد القارئ إلى المصادر واختلاف ألفاظها، ولم يتعامل مع الصيغة الأشهر وكأنها الشكل الوحيد الذي وصلت به قصة بدء الوحي.

ثانياً، نبه إلى ضرورة قراءة لفظ «الأمي» داخل الاستعمال القرآني نفسه، بدلاً من إسقاط معنى معاصر للكلمة على جميع الآيات.

ثالثاً، أظهر أن التقابل بين «أهل الكتاب» و«الأميين» في بعض المواضع يمنعنا من التعامل مع الأمية دائماً باعتبارها مجرد مستوى من مستويات التعليم.

رابعاً، ميز – ولو لم يكن هذا التمييز دائماً واضحاً في انتقالاته الاستدلالية – بين حقيقة الوحي وبين المهارات الكتابية للرسول. فالقدرة على القراءة لا تنتج قرآناً، كما أن الجهل بها ليس تفسيراً كافياً للإعجاز.

هذه مكاسب منهجية حقيقية، ولا ينبغي إنكارها لمجرد الاختلاف مع النتيجة التي وصل إليها.


وأين تضعف الحجة؟

المشكلة الرئيسية هي أن عدداً من أدلة الجابري يعمل بصورة أفضل في نقد الاستدلال التقليدي منه في إثبات النتيجة المضادة.

فإذا أثبتنا أن «الأمي» قد يعني في بعض السياقات من ليس من أهل الكتاب، لم نثبت بذلك أن النبي كان يقرأ ويكتب.

وإذا أثبتنا أن بعض الروايات تقول «ماذا أقرأ؟»، لم نثبت أن أمامه صحيفة كان يستطيع قراءتها.

وإذا أثبتنا أن إعجاز القرآن لا يتوقف منطقياً على عدم معرفة الرسول بالكتابة، لم نثبت أنه كان كاتباً.

وإذا وجدنا رواية في الحديبية ظاهرها «فكتب»، بقي علينا التعامل مع الروايات الأخرى التي تجعل علياً الكاتب، ومع عبارة «ليس يحسن يكتب»، ومع الاحتمالات التي ناقشها شراح الحديث.

هذا فرق منهجي بالغ الأهمية:

نقد الدليل لا يعني إثبات النفي

إضعاف الدليل على القضية لا يساوي إثبات نقيض القضية.

وهنا يبدو أن الجابري كان أقوى حين هدم بعض البداهات اللغوية مما كان عليه حين انتقل إلى ترجيح معرفة النبي بالقراءة والكتابة.


«ما أنا بقارئ»: هل كانت دهشة معرفية أمام الوحي؟

نعود الآن إلى العبارة التي أثارت هذا المقال أصلاً:

«ما أنا بقارئ: هل كانت عجزاً عن القراءة أم دهشة معرفية أمام الوحي؟»

بعد مراجعة نصوص الجابري المنشورة في هذه القضية، لا يصح نسبة عبارة «دهشة معرفية أمام الوحي» إليه بوصفها اقتباساً.

محمد عابد الجابري لم يبن حجته على تحليل نفسي للحظة حراء بوصفها «دهشة معرفية». ما فعله أكثر تحديداً: قارن بين «ما أنا بقارئ» و«ماذا أقرأ؟»، وحلل معنى القراءة، ثم انتقل إلى مفهوم «الأمي» في القرآن، وإلى آية العنكبوت، ثم إلى الروايات التي رأى فيها قرائن على معرفة النبي بالقراءة والكتابة.

لذلك فإن وضع العبارة المتداولة بين علامتي تنصيص ونسبتها إليه غير صحيح توثيقياً ما لم يظهر مصدر صريح لها.

ويمكن استعمالها، إن أريد، كسؤال حديث من واضع الصورة، بشرط ألا تقدم بوصفها كلام الجابري.

لكنها حتى من الناحية الفكرية لا تلخص موقفه بدقة؛ لأن البديل عند الجابري ليس ببساطة:

العجز أم الدهشة؟

بل سؤال أكثر تعقيداً:

هل تدل عبارة «ما أنا بقارئ» ومفهوم «النبي الأمي» بالضرورة على عدم معرفة القراءة والكتابة؟

وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن ننسبه إليه.


بين القراءة التراثية وقراءة الجابري: ماذا نستطيع أن نقول بثقة؟

بعد جمع أطراف القضية يمكن ترتيب النتائج بحسب قوة الأدلة.

الثابت أولاً أن رواية صحيح البخاري تقول «ما أنا بقارئ».

والثابت ثانياً أن مصادر أخرى نقلت ألفاظاً مثل «ما أقرأ؟» و«ماذا أقرأ؟»، وقد بنى الجابري جزءاً من استدلاله على هذا الاختلاف.

والثابت ثالثاً أن القرآن الكريم يصف الرسول صلى الله عليه وسلم بـ**«النبي الأمي»**، وأن استعمال «الأميين» في بعض الآيات يحمل بعداً جماعياً في مقابل أهل الكتاب، وهو ما يمنح قراءة الجابري أساساً لغوياً يستحق النظر.

لكن الثابت أيضاً أن آية العنكبوت تنفي عن النبي عليه الصلاة والسلام، قبل القرآن تلاوة كتاب وخطه بيمينه، وأن جمهور المفسرين حملوها على عدم معرفته قراءة الكتب وكتابتها.

كما أن الخلاف حول الحديبية يثبت أن بعض العلماء القدماء أجازوا وقوع كتابة منه بعد النبوة، لكنه لا يثبت وجود إجماع قديم على ذلك؛ بل الاتجاه الغالب كان على خلافه.

وأخيراً، فإن الجابري نفسه رجح بالفعل معرفة النبي بالقراءة والكتابة، لكن الأدلة التي استعملها لا تبلغ – في تقدير تحليلي متحفظ – درجة تجعل هذا الترجيح حقيقة تاريخية محسومة.

وهكذا لا تخرج الدراسة بنتيجة مثيرة من قبيل «الجابري أثبت أن النبي كان يقرأ»، ولا بنتيجة دفاعية من قبيل «الجابري لم يكن لديه أي دليل».

الحقيقة أكثر تركيباً من الطرفين.


خاتمة: حين تكون قيمة السؤال أكبر من ادعاء الحسم

بدأ البحث بعبارة لا تتجاوز كلمات قليلة: «ما أنا بقارئ». لكنه سرعان ما كشف أن وراءها طبقات من الرواية واللغة والتفسير والتاريخ.

فالرواية الصحيحة المشهورة تحفظ هذا اللفظ بالفعل، والقراءة الغالبة في التراث الإسلامي تفهم أمية النبي صلى الله عليه وسلم في سياق عدم قراءة الكتب وكتابتها، ويمنحها قوله تعالى ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك﴾ أساساً قرآنياً قوياً.

وفي المقابل، لم يكن سؤال محمد عابد الجابري بلا أساس. اختلاف ألفاظ روايات بدء الوحي موجود، والاستعمال القرآني لكلمة «الأميين» أوسع من أن يختزل بلا نقاش في الجهل بالأبجدية، والخلاف القديم حول بعض روايات الحديبية يبين أن التراث نفسه عرف مساحة للنقاش في تفاصيل المسألة.

غير أن قوة السؤال لا تعني بالضرورة قوة كل جواب يقدم عنه.

لقد نجح محمد عابد الجابري في زحزحة بعض المسلمات التفسيرية من موقع البداهة إلى موقع السؤال، لكنه حين انتقل من القول إن الأمية لا تعني بالضرورة الجهل بالقراءة والكتابة إلى ترجيح أن النبي لم يكن يجهلهما فعلاً، أصبح مطالباً بدليل تاريخي أقوى من مجرد تعدد الدلالات والروايات.

وهنا يظهر الفارق بين البحث الذي يفتح الاحتمال والبحث الذي يثبت الواقعة.

لذلك ربما تكون النتيجة الأكثر اتزاناً أن المصادر الإسلامية المتقدمة والاتجاه التفسيري الغالب تؤيد بقوة الصورة التقليدية للنبي الذي لم يكن معروفاً بقراءة الكتب وكتابتها، ولا سيما قبل نزول القرآن، بينما تكشف قراءة الجابري أن بعض الأدلة التي اعتدنا استعمالها في هذه القضية تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة، وأن مفهوم «الأمية» القرآني لا ينبغي اختزاله في تعريف مدرسي بسيط.

وبهذا يعود السؤال إلى حجمه الحقيقي: ليس المطلوب أن نجعل التراث عاجزاً عن السؤال، ولا أن نجعل القراءة الحديثة سلطة فوقه. المطلوب أن نقرأ النصوص بقدر من الأمانة يسمح لنا بأن نقول «نعلم» حين يكون لدينا دليل، و**«نرجح»** حين تتفاوت القرائن، و**«لا نستطيع الجزم»** حين لا تمنحنا المصادر أكثر من ذلك.

وفي سياق قراءة المفاهيم الإسلامية في ضوء مصادرها ومسارات تشكلها، يمكن الرجوع أيضاً إلى قراءتنا في كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام» لأبي العلا عفيفي

وفي هذه المسافة بين اليقين والاحتمال تبدأ قيمة البحث، لا تنتهي.

المصادر والمراجع

المصادر الأصلية

  • القرآن الكريم.
  • البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، وحديث صلح الحديبية.
  • مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث بدء الوحي.
  • ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، روايته عن محمد بن إسحاق.
  • الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الرسل والملوك.
  • الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تفسير سورة العنكبوت، الآية 48.
  • القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، تفسير سورة العنكبوت، الآية 48.
  • ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، تفسير سورة العنكبوت، الآية 48.
  • ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، شرح حديث صلح الحديبية.

مؤلفات محمد عابد الجابري ونصوصه

  • الجابري، محمد عابد، مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006.
  • الجابري، محمد عابد، فهم القرآن الحكيم: التفسير الواضح حسب ترتيب النزول، مركز دراسات الوحدة العربية.
  • الجابري، محمد عابد، «النبي الأمي: هل كان يقرأ ويكتب؟»، 1 مايو 2006.
  • الجابري، محمد عابد، «النبي الأمي… والأمة الأمية»، مايو 2006.
  • الجابري، محمد عابد، «هل كان النبي يعرف القراءة والكتابة؟»، مايو 2006.
  • الجابري، محمد عابد، «هل الأمية علامة على المعجزة؟»، مايو 2006.
  • الجابري، محمد عابد، «انشقاق القمر والإسراء والمعراج… وأمور أخرى»، يونيو 2006.

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *