محمد سبيلا: فيلسوف الحداثة والعقل النقدي في الفكر المغربي المعاصر

جعل محمد سبيلا من الحداثة سؤالاً فلسفياً مفتوحاً، وربطها بالعقلانية والتقنية والإيديولوجيا وحقوق الإنسان. قراءة في مشروعه ومكانته وحدوده.

المفكر المغربي محمد سبيلا خلال محاضرة، ضمن تصميم يعكس فلسفته حول الحداثة والعقل النقدي.

قراءة في فلسفته وأفكاره حول الحداثة والعقلانية والتقنية والإيديولوجيا وما بعد الحداثة

ارتبط اسم محمد سبيلا بسؤال الحداثة أكثر مما ارتبط باسم كتاب واحد أو مذهب فلسفي مغلق. لم تكن الحداثة عنده شعاراً سياسياً، ولا مرادفاً لاقتناء الآلات وتقليد أنماط العيش الغربية، بل تحوّلاً تاريخياً عميقاً يمس طريقة إنتاج المعرفة والثروة والسلطة، ويعيد تشكيل علاقة الفرد بالمجتمع والدولة والزمن.

كان السؤال الذي وجّه جانباً واسعاً من أعماله هو: لماذا تصل منتجات العالم الحديث إلى المجتمعات العربية بسرعة، بينما تتأخر القيم والمؤسسات وأنماط التفكير التي نشأت معها؟ كيف يجتمع الهاتف الأحدث مع ذهنية ترفض الاختلاف، أو إدارة عصرية مع علاقات سلطة تقليدية، أو خطاب يدعو إلى العودة إلى الماضي مع استعمال مكثف لأدوات التنظيم والإعلام الحديثة؟

من هنا تستمد فلسفة محمد سبيلا قوتها وراهنيتها. لقد دافع عن العقل والحرية وحقوق الإنسان، لكنه لم يحوّل الحداثة إلى عقيدة معصومة. قرأ تناقضاتها، وأصغى إلى نقد التقنية والعقل الأداتي، وناقش ما بعد الحداثة والعولمة، وظل حذراً من موقفين متقابلين: تمجيد الغرب بوصفه نموذجاً جاهزاً، وتمجيد الماضي كأنه يملك وحده أجوبة الحاضر.

محمد سبيلا ومسار تكوّن مشروع فلسفي

وُلد محمد سبيلا في الدار البيضاء سنة 1942. تابع دراساته العليا في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط وفي جامعة السوربون بباريس، وحصل على الإجازة في الفلسفة سنة 1967، ثم على دبلوم الدراسات العليا سنة 1974، ودكتوراه الدولة من جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1992. اشتغل بالتدريس منذ أواخر ستينيات القرن العشرين، وتولى رئاسة شعبة الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع بكلية الآداب بفاس بين 1972 و1980، كما ترأس الجمعية الفلسفية المغربية بين 1994 و2006، وأشرف على مجلة «مدارات فلسفية». رحل في يوليو 2021 بعد مسار جمع بين التدريس والتأليف والترجمة والعمل الثقافي. وتقدم مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية ثبتاً مفيداً لسيرته وأعماله.

لم يتكوّن مشروع سبيلا داخل الفلسفة وحدها. فقد انفتح مبكراً على الماركسية والتحليل النفسي والسوسيولوجيا والبنيوية وتحليل الإيديولوجيا، قبل أن يجد في مفهوم الحداثة الإطار الذي يجمع هذه الاهتمامات. وفي حوار مطول أجراه معه الفيلسوف محمد الشيخ، استعاد دهشته في الطفولة أمام الآلة والحركة والسرعة، ثم بيّن كيف أتاح له مفهوم الحداثة لاحقاً أن يقرأ تلك الخبرات المتفرقة ضمن تحول تاريخي وفكري واسع.

الترجمة بوصفها عملاً فلسفياً

كان سبيلا مترجماً ووسيطاً ثقافياً إلى جانب كونه مؤلفاً. نقل إلى العربية «الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا» للوي ألتوسير، و«التقنية – الحقيقة – الوجود» لمارتن هايدغر، و«نظام الخطاب» لميشيل فوكو، وأعمالاً أخرى في التحليل النفسي والفكر المعاصر. كما شارك عبد السلام بنعبد العالي في إعداد وترجمة كتب ونصوص فلسفية، من بينها «الحداثة» و«ما بعد الحداثة» ضمن سلسلة «دفاتر فلسفية».

هذه الترجمات ليست هامشاً على مشروعه. ألتوسير عمّق لديه سؤال الإيديولوجيا، وهايدغر فتح أمامه نقد الميتافيزيقا والتقنية، وفوكو أتاح التفكير في الخطاب وعلاقته بالسلطة. لم ينقل سبيلا المصطلحات فحسب، بل أسهم في إدخال نقاشات كاملة إلى المجال العربي، ثم أعاد توظيفها في قراءة المجتمع المغربي وتحولاته.

الحداثة عند محمد سبيلا: تحول تاريخي وبنية فكرية

يرفض محمد سبيلا اختزال الحداثة في مظهر واحد. السيارة والمصنع والحاسوب وشبكات الاتصال علامات على التحديث التقني، لكنها لا تكفي لإثبات تحقق الحداثة في المجتمع. فالحداثة، في معناها الأوسع، سيرورة تمس الاقتصاد والسياسة والقانون والعلم والتعليم والقيم وصورة الإنسان عن نفسه.

يتحرك مفهوم الحداثة عنده بين مستويين متكاملين. الأول تاريخي، يشير إلى التحولات التي عرفتها أوروبا منذ النهضة والثورة العلمية ونشوء المجتمع الصناعي والدولة الحديثة. والثاني فلسفي، يتصل بالعقلانية وحرية الفرد والنقد وفكرة التقدم وإعادة بناء مشروعية السلطة والمعرفة على أسس قابلة للفحص والنقاش.

لا يعني ذلك أن الحداثة واقعة أوروبية بقيت حبيسة موطنها الأول. لقد بدأت في سياق تاريخي محدد، ثم اكتسبت قدرة كونية بفعل انتشار الاقتصاد الرأسمالي والعلم والتقنية والدولة الحديثة وشبكات الاتصال. غير أن كونية آثارها لا تلغي تفاوت طرق استقبالها، ولا تجعل كل المجتمعات نسخاً متطابقة.

الحداثة والتحديث: تمييز لا غنى عنه

من المفاتيح الأساسية في فلسفة محمد سبيلا التمييز بين التحديث والحداثة. يشير التحديث إلى تغيير البنى المادية والتنظيمية: إنشاء الطرق والمصانع، وتطوير الإدارة والمدرسة والمدينة، وإدخال التقنيات ووسائل الاتصال. أما الحداثة فتتعلق بتحول أعمق في الوعي والقيم والعلاقات الاجتماعية والسياسية.

قد تنجح دولة في بناء إدارة رقمية ومدن متطورة واقتصاد موصول بالسوق العالمية، من غير أن تتجذر فيها بالدرجة نفسها ثقافة المساءلة أو استقلال الفرد أو المساواة أمام القانون. وقد يستعمل الشخص أحدث الوسائط، بينما يحتفظ بنظرته التقليدية إلى السلطة والمعرفة والاختلاف. هنا يظهر التفاوت بين سرعة التحديث المادي وبطء التحول الثقافي.

لم يجعل سبيلا هذا التفاوت ذريعة لاحتقار المجتمع أو لوصفه بالتناقض الأخلاقي. كان يحاول تشخيص اختلاف الأزمنة داخل البنية الاجتماعية الواحدة: زمن التقنية سريع، وزمن المؤسسات أبطأ، وزمن القيم والذهنيات أشد بطئاً وتعقيداً. لذلك لا يكفي استيراد الجهاز أو القانون حتى تتغير طرائق التفكير التي ستستخدمه وتفسره وتمنحه معناه.

الحداثة والتقليد عند محمد سبيلا: تداخل ومخاتلة

لا ينتقل المجتمع، في نظر سبيلا، من التقليد إلى الحداثة كما ينتقل المسافر من مكان إلى آخر. التقليد ليس زمناً انتهى، بل منظومة من القيم والرموز والعلاقات والسلطات المتجذرة في اللغة والعائلة والمؤسسة والذاكرة. والحداثة ليست كتلة مكتملة يمكن استيرادها في حزمة واحدة.

لهذا وصف العلاقة بينهما بأنها علاقة مركبة تقوم على الاستعارة المتبادلة و«المخاتلة». تستخدم قوى التقليد أدوات الحداثة وتقنياتها لتدافع عن استمراريتها، بينما تعيد الحداثة توظيف بعض عناصر التراث وتمنحها وظائف جديدة. وقد يجتمع الحديث والقديم في المؤسسة نفسها، بل في موقف الفرد نفسه، من غير أن يشعر دائماً بحدود هذا التداخل.

تكشف هذه الفكرة ضعف صورتين شائعتين: صورة الماضي النقي الذي لم تمسه الحداثة، وصورة الحداثة الخالصة التي قطعت نهائياً مع كل موروث. الواقع أكثر تركيباً؛ فالتراث يُعاد بناؤه في الحاضر، والحداثة تدخل المجتمعات عبر لغاتها وصراعاتها ومؤسساتها القائمة.

بين القطيعة والاستنساخ

تحفظ سبيلا تجاه خطاب يمجّد الماضي كأنه قادر وحده على حل مشكلات الدولة والاقتصاد والمعرفة المعاصرة، كما تحفظ تجاه خطاب يتعامل مع التجربة الغربية بوصفها وصفة جاهزة. الأول يغفل التحولات التي جعلت العودة الكاملة إلى الماضي مستحيلة، والثاني ينسى أن الحداثة الأوروبية نفسها ثمرة صراعات تاريخية طويلة، وأن نقل النتائج لا ينقل تلقائياً شروط إنتاجها.

كان موقعه، بتعبيره، في «البين بين»: استيعاب الفكر الحديث ونقده، والانفتاح على التراث من دون جعله سلطة تمنع السؤال. إنه موقف يحاول الجمع بين الاعتراف بأن الحداثة صارت أفقاً كونياً وبين ضرورة تملكها محلياً، لا استنساخها على صورة واحدة.

العقلانية في فلسفة محمد سبيلا: حق السؤال قبل امتلاك الجواب

إذا كانت الحداثة هي المفهوم الجامع في مشروع محمد سبيلا، فإن العقلانية هي طاقته المحركة. ولا يقصد بالعقلانية أن العقل يملك تفسيراً نهائياً لكل شيء، بل أن الأفكار والمؤسسات والقرارات ينبغي أن تبقى قابلة للفحص والمناقشة والتصحيح.

العقل النقدي لا يقبل أن يتحول الموروث أو الهوية أو السلطة أو حتى العلم إلى منطقة محرمة على السؤال. وفي الوقت نفسه لا يوجه نقده إلى التقليد وحده؛ فهو يراجع ادعاءات الحداثة، ويكشف إمكان انحراف العقل إلى عقل أداتي لا يرى في العالم إلا موضوعاً للحساب والسيطرة.

لهذا لا ينبغي فهم دفاع سبيلا عن العقل باعتباره عداءً آلياً للدين أو للعاطفة والمخيال. المسألة عنده تتعلق بشروط بناء الحجة وإدارة الاختلاف ومنع أي مرجعية بشرية أو سلطة سياسية من احتكار الحقيقة العامة من غير مساءلة. وهو دفاع عن القدرة على النقد الذاتي أكثر مما هو احتفاء بعقل متعالٍ لا يخطئ.

الفلسفة والتنوير في المجتمع

لا يؤدي التنوير وظيفته حين يتحول إلى تلقين مجموعة أخرى من الإجابات الجاهزة. قيمته في بناء الاستعداد للسؤال والبرهنة والتمييز بين الرأي والمعرفة، وبين قوة الحجة وقوة صاحبها. لذلك ارتبط دفاع سبيلا عن الفلسفة بوظيفتها الاجتماعية والتربوية، لا بمكانتها الجامعية فقط.

الفلسفة، بهذا المعنى، تدريب على التحرر من البداهات. وهي تساعد المجتمع على ترجمة تحوله المادي إلى وعي بذاته وباختياراته. وتظهر هذه الصلة بوضوح في نصه عن الفلسفة وتحولات المجتمع المغربي، المنشور بترجمة إسبانية ودراسة تمهيدية في مجلة Anaquel de Estudios Árabes التابعة لجامعة كومبلوتنسي بمدريد.

الإيديولوجيا عند محمد سبيلا: أكثر من كذب سياسي

سبق اشتغال محمد سبيلا على الإيديولوجيا كثيراً من أعماله المتأخرة حول الحداثة. وفي كتابه «الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية» رفض اختزال المفهوم في الكذب المتعمد أو الدعاية السياسية أو «الوعي الزائف» وحده.

الإيديولوجيا عنده ظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية وسياسية ومعرفية. إنها منظومة من الأفكار والتمثلات تمنح الجماعة صورة عن العالم وعن ذاتها والآخرين، وتفسر موقعها، وتبرر مواقفها، وتبني الانتماء والمعنى. قد تتضمن وهماً أو إخفاءً للمصلحة، لكنها تؤدي أيضاً وظائف حقيقية في تماسك الجماعات وتوجيه الفعل.

تسمح هذه النظرة بفهم الصراع الفكري من غير افتراض أن طرفاً واحداً يقف خارج الإيديولوجيا ويمتلك الحقيقة الخالصة. حتى الخطاب الذي يعلن أنه تحرر منها تماماً قد يخفي اختيارات قيمية وصوراً مسبقة عن الإنسان والتاريخ. مهمة النقد، إذن، هي كشف الافتراضات والمصالح والآليات اللغوية التي تجعل موقفاً تاريخياً يبدو طبيعياً أو وحيداً أو حتمياً.

ومن هنا يرتبط نقد الإيديولوجيا بمشروع الحداثة: المجتمع الحديث لا يغيّر مؤسساته فقط، بل يجعل مبررات السلطة والسياسات والقيم موضوعاً للنقاش العمومي.

التقنية في فكر محمد سبيلا: حين تغيّر الأداة رؤيتنا للعالم

اهتمام محمد سبيلا بالتقنية لم يتوقف عند رصد انتشار الآلات. فمن خلال اشتغاله على هايدغر، اقترب من سؤال فلسفي أعمق: هل التقنية مجرد أداة محايدة يأمرها الإنسان بما يشاء، أم أنها تعيد تشكيل نظرته إلى الطبيعة والعمل والزمن والإنسان؟

التقنية الحديثة منطق يقوم على الحساب والنجاعة والتحكم والتسريع. وقد يمتد هذا المنطق من المصنع إلى الإدارة والإعلام والتعليم والعلاقات اليومية، فيُقاس الإنسان أحياناً بقدرته على الإنتاج أو الاستهلاك، وتتحول الأشياء والكفاءات والبيانات إلى موارد جاهزة للاستعمال.

لا يدعو هذا النقد إلى رفض التقنية؛ فسبيلا من أكثر المفكرين وعياً بأنها قوة مؤسسة للعالم الحديث. المقصود هو رفض السذاجة التي ترى كل تقدم تقني تقدماً إنسانياً بالضرورة. الأداة قد توسع الحرية، وقد تتحول في سياق آخر إلى وسيلة للمراقبة والتوجيه وإعادة إنتاج السيطرة.

تبدو هذه الأسئلة أشد راهنية في زمن الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية والقرار الخوارزمي. لم يعرف سبيلا هذه التطبيقات بصورتها الحالية، لكن الإطار الذي صاغه يساعد على طرح السؤال الصحيح: ماذا يحدث لحرية الإنسان ومسؤوليته حين تصبح التقنية بيئة تنظّم الانتباه والاختيار، لا جهازاً منفصلاً يحمله في يده؟ وفي هذا السياق يمكن الرجوع إلى مقال «كوكب المعرفة» عن الذكاء الاصطناعي في التعليم ودور التفكير النقدي، بوصفه مثالاً عملياً على ضرورة إخضاع الأداة لهدف إنساني وتربوي واضح.

الأصولية والحداثة: مقاومة حديثة للعالم الحديث

من أطروحات محمد سبيلا اللافتة أن الحركات الأصولية لا تُفهم بوصفها بقايا ساكنة من الماضي فحسب. إنها تتحرك داخل المجتمع الحديث، وتستعمل التنظيم الحزبي والإعلام الجماهيري والمنصات والتقنيات المعاصرة، لكنها تستدعي مرجعيات يقينية لمقاومة ما تراه تهديداً للهوية والمعنى.

ويجب ضبط المصطلح هنا: الأصولية في هذا السياق مفهوم حديث في تحليل الحركات الدينية والسياسية المغلقة، ولا يعني علم أصول الفقه، ولا يصح أن يُجعل مرادفاً لكل تدين أو محافظة اجتماعية. موضوع سبيلا هو نمط من الخطاب يدّعي امتلاك تفسير شامل ونهائي للمجتمع والسياسة، ويضيق بالتعدد والنقد.

يربط تحليله صعود هذه النزعات بأزمة الحداثة نفسها. حين تسرّع التحولات الاقتصادية والثقافية تفكك أنماط عيش مألوفة، قد يتولد شعور بالفقد أو التهديد، فتزداد جاذبية الخطابات التي تعد باستعادة نظام واضح للهوية واليقين. بهذا المعنى تنتج الحداثة بعض مقاوماتها، ولا تأتي المقاومة دائماً من خارجها.

لا يتحول الفهم عند سبيلا إلى تبرير. فقد ظل منحازاً إلى العقلانية والحرية والدولة المدنية وحقوق الإنسان، ورأى أن مواجهة الانغلاق تحتاج إلى إصلاح ثقافي وتعليمي وسياسي يوسع فضاء المواطنة والنقد، لا إلى الاكتفاء بالسخرية من المتدينين أو وصف المخالفين بالجهل.

ما بعد الحداثة: تجاوز للحداثة أم نقد من داخلها؟

تابع سبيلا النقاش الغربي حول ما بعد الحداثة بحذر، خصوصاً حين انتقل المفهوم إلى المجال العربي بطريقة توحي بأن الحداثة انتهت، وأن مجتمعات لم تستكمل بناء العقلانية والمؤسسات والحقوق تستطيع القفز مباشرة إلى ما بعدها.

لم يكن النقاش الغربي نفسه إعلاناً متفقاً عليه عن نهاية الحداثة. فتيارات ما بعد الحداثة نقدت الثقة المطلقة في التقدم والعقل والسرديات الكبرى، ووسعت الاهتمام بالاختلاف والهامش واللغة والسلطة. وفي المقابل دافع يورغن هابرماس عن الحداثة بوصفها «مشروعاً لم يكتمل».

يميل سبيلا إلى فهم ما بعد الحداثة بوصفها لحظة نقد ذاتي داخل العالم الحديث، لا عودة إلى ما قبله. وقد استعمل تعبير «الحداثة البعدية» للدلالة على مرحلة أخرى أو سرعة أخرى للحداثة، تنقد بنيتها الإيديولوجية من غير أن تمحو تاريخها ومؤسساتها.

كان اعتراضه موجهاً خصوصاً إلى استعمال نقد الغرب لحداثته حجةً لرفض العقلانية والديمقراطية والحقوق في المجال العربي. فانتقاد أسطورة التقدم لا يبرر الاستبداد، وكشف حدود العقل الأداتي لا يلغي الحاجة إلى البرهان، ونقد المركزية الغربية لا يجعل الانغلاق على الذات بديلاً صالحاً.

العولمة: اتساع الحداثة وتفاوت القوة

في «زمن العولمة: فيما وراء الوهم» قرأ محمد سبيلا العولمة باعتبارها طوراً من اتساع دينامية الحداثة. رأس المال والمعلومة والصورة والتقنية وأنماط الاستهلاك تتجاوز الحدود، وتزداد المجتمعات اتصالاً واعتماداً متبادلاً، لكن الاتصال لا يساوي تلقائياً بين أطرافه.

يحمل هذا الاتساع إمكانات للتبادل والانفتاح، ويعيد في الوقت نفسه إنتاج تفاوتات القوة والهيمنة. فالعولمة ليست اقتصاداً وتقنية وإعلاماً فقط؛ إنها أيضاً رؤية إلى العالم، وطريقة في ترتيب الأولويات، ونموذج للقيمة والنجاح.

يتجنب سبيلا وهمين متقابلين: وهم القدرة على الانعزال الكامل عن العالم المترابط، ووهم أن الاندماج فيه طريق محايد ومضمون إلى التقدم. لذلك يحتاج الانفتاح إلى قدرة محلية على إنتاج المعرفة والتفاوض وحماية المجال العام، وإلا تحول إلى استهلاك للصور والسلع والمعايير التي يصوغها الأقوى.

حقوق الإنسان والديمقراطية: الوجه السياسي للعقلانية

لم تكن الحداثة عند محمد سبيلا موضوعاً تجريدياً منفصلاً عن السياسة. حين تنتقل العقلانية إلى المجال السياسي، تصبح السلطة مطالبة بالتبرير والمساءلة، ويُنظر إلى الفرد بوصفه صاحب حقوق، لا مجرد تابع لجماعة أو جهاز أو زعامة.

في «الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان» عاد إلى الجذور الفلسفية والتاريخية لمفاهيم الحق والحرية والكونية. ولم يعالج حقوق الإنسان كشعارات جاهزة، بل بوصفها بناءً تاريخياً يطرح أسئلة صعبة: ما أساس الحق؟ كيف تتوازن حرية الفرد ومصلحة الجماعة؟ وما حدود الخصوصية حين تُستخدم لتبرير انتهاك الكرامة؟

الديمقراطية في هذا الأفق ليست صندوق اقتراع وحده. إنها ثقافة تقبل التعدد، وتمنع طرفاً واحداً من احتكار الحقيقة السياسية، وتبني مؤسسات تسمح بتداول الرأي ومراقبة القرار. لذلك يلتقي مشروع سبيلا مع سؤال التسامح العملي: كيف ينظم المجتمع اختلافه من دون كراهية أو إقصاء؟ ويمكن تعميق هذا الجانب عبر مقال فلسفة التسامح: كيف نختلف دون كراهية أو إقصاء؟.

محمد سبيلا والفلسفة المغربية: التفكير في المجتمع لا الهروب منه

ينتمي سبيلا إلى جيل جعل الفلسفة طرفاً في النقاش العمومي المغربي. الدولة والتربية والدين والهوية والتقنية وحقوق الإنسان والعلاقة بالغرب ليست عنده موضوعات خارج الفلسفة، بل الوقائع التي تختبر فيها المفاهيم قدرتها على الفهم والنقد.

لم يبنِ نسقاً ميتافيزيقياً مغلقاً يحمل اسمه، ولم يصغ «نظرية سبيلا» في مجموعة قوانين نهائية. تكمن قوته في شبكة من المفاهيم المترابطة: الحداثة والتحديث، العقلانية والتقنية، الإيديولوجيا والتقليد، الأصولية وما بعد الحداثة، العولمة وحقوق الإنسان.

لهذا يبدو وصفه بـ«فيلسوف الحداثة» دقيقاً إذا فهمناه باعتباره صاحب مشروع طويل لتفكيك الشرط الحديث، لا صاحب مذهب يمجّد كل ما هو حديث. وكان يرى أن الفلسفة المغربية تكتسب حيويتها حين تفكر في تحولات المجتمع وقضاياه العامة، وحين تصل التاريخ المحلي بالمناقشات الكونية من غير شعور بالدونية أو ادعاء للاكتفاء الذاتي.

ما الذي يميز محمد سبيلا عن العروي والجابري؟

تحاور مشروع محمد سبيلا مع عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري من غير أن يذوب فيهما. جعل العروي التاريخانية أداة مركزية لفهم التأخر وشروط الانتقال، واشتغل الجابري على بنية العقل العربي ونقد أنظمته المعرفية، بينما ركز سبيلا بصورة أكثر استمراراً على الشرط الحداثي نفسه: مستوياته، ومفاهيمه، وتفاوت إيقاعاته، وعلاقته بالتقليد والتقنية.

كان سبيلا واضحاً في تقديره للعروي، ورأى في كتاباته نظرية متماسكة عن الحداثة. أما الجابري، فاعتبر أن قوته تكمن في وعيه بأن التراث مكوّن عضوي لا يمكن إزاحته بقرار، وإن رأى أن تحليله النظري لمفهوم الحداثة كان أقل اتساعاً من اشتغاله على العقل والتراث. وللتعرف إلى جانب من مشروع الجابري المتأخر، يمكن قراءة مقال «كوكب المعرفة» عن محمد عابد الجابري وقراءته لمفهوم أمية النبي صلى الله عليه وسلم.

منح اشتغال سبيلا على التقنية وما بعد الحداثة والعولمة مشروعه حساسية خاصة تجاه تحولات أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين. وهكذا صار جسراً بين أسئلة النهضة العربية القديمة وبين فلسفات معاصرة تنقد العقل والسلطة والتقنية من داخل الحداثة.

نقد مشروع محمد سبيلا وحدوده

لا تكتمل القراءة الفلسفية الجادة بتحويل محمد سبيلا إلى مرجع لا يُناقش. فقيمة مشروعه تظهر أيضاً في الأسئلة التي يتركها مفتوحة.

الحالةمسودة

نشرفوراً

الاسم اللطيفmohamed-sabila-philosophy-modernity

كاتبكوكب المعرفة

نموذجالقالب الافتراضي

هل تسير المجتمعات في طريق تاريخي واحد؟

تبدو لغة الضرورة التاريخية والأفق الكوني قوية في تشخيص استحالة العزلة عن الاقتصاد والتقنية والدولة الحديثة. لكنها قد توحي أحياناً بأن المجتمعات تتحرك في مسار واحد، وأن الاختلاف بينها مجرد تفاوت في سرعة الوصول إلى النموذج نفسه.

تكشف التجارب المعاصرة أن التحديث قد يقترن بالديمقراطية، وقد يقترن بسلطة شديدة المركزية؛ وقد يوسع استقلال الفرد في مجال ويقلصه في مجال آخر. لذلك يفيد مفهوم «الحداثات المتعددة» في تنبيه القراءة إلى تنوع التركيبات التاريخية، من غير إنكار العناصر المشتركة للعالم الحديث.

هل بقي النموذج الأوروبي معياراً مركزياً؟

كان سبيلا واعياً بمشكلة الخصوصية وضرورة التملك المحلي، لكنه بنى مفهوم الحداثة أساساً من التجربة الأوروبية ومن الفلسفة والسوسيولوجيا الألمانيتين. وهذا مفهوم بالنظر إلى تاريخ نشأة الظاهرة، لكنه يفتح سؤالاً مشروعاً حول إسهام التجارب غير الأوروبية في إعادة تعريف الحداثة، لا في استقبالها فقط.

تدفع دراسات ما بعد الاستعمار هذا السؤال أبعد: هل كانت الحداثة الأوروبية منفصلة عن الاستعمار، أم أن التقدم والهيمنة تشابكا تاريخياً؟ وإلى أي حد تستطيع المجتمعات العربية والإفريقية أن تنتج حداثة من داخل تجاربها، لا أن تضيف مسحة محلية إلى نموذج مكتمل سلفاً؟

توتر خلاق بين الدفاع عن العقل ونقده

يجمع سبيلا بين الدفاع عن العقلانية واستيعاب النقد الذي وجهه هايدغر وفوكو وتيارات ما بعد الحداثة إلى العقل الحديث. قد يبدو هذا الجمع متوتراً، لكنه من أكثر عناصر مشروعه خصوبة: يريد إنقاذ العقل من العقلانية المتصلبة، وإنقاذ الحداثة من عبادة الحداثة، من غير أن يتحول النقد إلى ذريعة لعودة اليقينيات المغلقة.

لم يحسم دائماً الحد الفاصل بين نقد العقل الأداتي والدفاع عن عقلانية كونية، لكنه جعل هذا الحد موضوعاً للتفكير. ومن هنا نفهم حذره: المجتمع الذي لم يرسخ بعد تقاليد الحجة والمساءلة قد يستقبل نقد العقل بوصفه ترخيصاً للانسحاب من البرهان، لا بوصفه دعوة إلى عقل أكثر تواضعاً ونقداً لذاته.

مشروع مفتوح أكثر منه نسقاً

تضم أعمال كثيرة لسبيلا مقالات ومحاضرات وحوارات كتبت في فترات متباعدة، ولذلك لا ينتظم مشروعه دائماً في بناء نسقي واحد. تتكرر بعض الأفكار بين كتبه، وتتغير صيغها بحسب المناسبة والسياق.

هذه السمة تحدّ أحياناً من سهولة إعادة بناء نظريته في صورة متماسكة، لكنها أبقت فكره قريباً من الوقائع ومتغيراً معها. لقد قدّم خريطة مفاهيمية للحاضر أكثر مما قدّم نظاماً فلسفياً مغلقاً، وربما كانت الخريطة هي الشكل الأنسب لموضوع سريع التحول كالحداثة.

لماذا ما يزال محمد سبيلا مهماً اليوم؟

تزداد راهنية محمد سبيلا كلما اتضح أن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك ثقافة نقدية. تستطيع المجتمعات اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية والاتصال الفوري، بينما تستمر فيها الأخبار الزائفة وتقديس الزعامات ورفض الاختلاف. المفارقة بين الحداثة التقنية والحداثة الفكرية لم تختف؛ أصبحت أكثر وضوحاً.

وتزداد أهميته لأن النقاش لم يعد مواجهة بسيطة بين مؤيد للغرب ورافض له. العالم الحديث نفسه يواجه أزمات البيئة والخصوصية واللامساواة والهيمنة الرقمية وتآكل الثقة في المؤسسات. لذلك نحتاج إلى موقف يقبل منجزات العلم والحقوق من غير أن يغفل كلفتها، وينقد التقنية من غير أن يحوّل الجهل بها إلى فضيلة.

يعلمنا مشروع سبيلا أن الهوية ليست جداراً خارج التاريخ، وأن العقلانية ليست مجموعة أجوبة محفوظة، وأن التقنية ليست خلاصاً ولا شيطاناً. الهوية بناء يتغير، والعقلانية ممارسة للفحص، والتقنية قوة تحتاج إلى توجيه سياسي وأخلاقي.

إرث محمد سبيلا: الحداثة بوصفها سؤالاً مفتوحاً

تكمن قيمة محمد سبيلا في أنه جعل الحداثة سؤالاً دائماً، لا جواباً جاهزاً. دافع عن العقل والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وقرأ في الوقت نفسه تناقضات العالم الحديث ونقد التقنية والعولمة وما بعد الحداثة.

أراد للمجتمع المغربي والعربي أن يدخل العصر الحديث بوعي، لا بالاستهلاك وحده؛ وأن يتملك العقلانية كثقافة للنقد، لا كشعار للزينة؛ وأن يقرأ التراث من غير أن يحوله إلى سلطة توقف التاريخ، ويقرأ الغرب من غير أن يمنحه احتكار تعريف المستقبل.

وبين «مدارات الحداثة» و«مخاضات الحداثة» و«الشرط الحداثي» ظل سؤال مشروعه واحداً في جوهره: كيف نصير حديثين من دون أن نفقد القدرة على نقد الحداثة نفسها؟ في هذا السؤال، أكثر من أي صيغة نهائية، يقيم الإرث الفلسفي لمحمد سبيلا.

أبرز مؤلفات محمد سبيلا وترجماته

  1. «مدارات الحداثة»، منشورات عكاظ، 1987؛ ثم صدرت طبعة موسعة عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
  2. «الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية»، المركز الثقافي العربي، 1992.
  3. «الأصولية والحداثة»، 1998، و«النزعات الأصولية والحداثة»، منشورات رمسيس، 2000.
  4. «المغرب في مواجهة الحداثة»، منشورات الزمن، 1999.
  5. «دفاعاً عن العقل والحداثة: حوارات»، منشورات الزمن، 2003.
  6. «زمن العولمة: فيما وراء الوهم»، 2005.
  7. «في الشرط الفلسفي المعاصر»، 2007.
  8. «مخاضات الحداثة»، دار الهادي، 2007.
  9. «الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان»، المركز الثقافي العربي، 2010.
  10. «في تحولات المجتمع المغربي»، دار توبقال، 2010.
  11. «الشرط الحداثي»، دار خطوط وظلال، 2020.
  12. «الفلسفة بين العلم والإيديولوجيا» لألتوسير، ترجمة محمد سبيلا، 1974.
  13. «التقنية – الحقيقة – الوجود» لهايدغر، ترجمة محمد سبيلا، 1984.
  14. «نظام الخطاب» لميشيل فوكو، ترجمة محمد سبيلا، 1986.
  15. «الحداثة» و«ما بعد الحداثة»، إعداد وترجمة محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال.

المصادر والمراجع

  1. محمد سبيلا، «مدارات الحداثة»، منشورات عكاظ، الرباط، 1987؛ والطبعة الموسعة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر.
  2. محمد سبيلا، «الإيديولوجيا: نحو نظرة تكاملية»، المركز الثقافي العربي، 1992.
  3. محمد سبيلا، «المغرب في مواجهة الحداثة»، منشورات الزمن، 1999.
  4. محمد سبيلا، «دفاعاً عن العقل والحداثة: حوارات»، منشورات الزمن، 2003.
  5. محمد سبيلا، «زمن العولمة: فيما وراء الوهم»، 2005.
  6. محمد سبيلا، «مخاضات الحداثة»، دار الهادي، 2007.
  7. محمد سبيلا، «الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان»، المركز الثقافي العربي، 2010.
  8. محمد سبيلا، «الشرط الحداثي»، دار خطوط وظلال، 2020.
  9. حوار مع المفكر المغربي محمد سبيلا: في سبيل حداثة فكرية، مركز دراسات الوحدة العربية.
  10. رحيل محمد سبيلا (1942-2021)، مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية.
  11. Mohamed Bilal Achmal, La filosofía y las transformaciones de la sociedad marroquí, Anaquel de Estudios Árabes, 30, 2019, pp. 39-51.
  12. مدارات فلسفية: مجلة الجمعية الفلسفية المغربية، فهرس معهد العالم العربي.
  13. الأسس الفكرية لثقافة حقوق الإنسان، فهرس مكتبة مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.
كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *