حين تحمل المرأة الحامل هاتفاً ذكياً قريباً من بطنها، أو تقضي ساعات أمام الحاسوب، أو تعيش في منزل تتوزع فيه شبكات الواي فاي والأجهزة اللاسلكية، يصبح السؤال عن أثر هذه البيئة الإلكترونية في الحمل سؤالاً مشروعاً، لا مجرد خوف صنعته عناوين الإنترنت. فالجنين لا يمر بمرحلة نمو عادية؛ خلال أشهر قليلة تتكاثر خلاياه بسرعة، وتتكون أعضاؤه وجهازه العصبي، وتتشكل أنظمة دقيقة سترافقه بعد الولادة. ولذلك تبدو فكرة التعرض المتكرر لعوامل بيئية حديثة، لم تكن موجودة بهذه الكثافة قبل عقود، جديرة بالبحث.
لقد أصبح تأثير الهواتف على الحمل والجنين موضوعاً متزايد الحضور في الدراسات الطبية والوبائية الحديثة. غير أن البحث في هذا التأثير أصعب مما توحي به الإجابات الجاهزة. بعض الدراسات البشرية رصدت بالفعل ارتفاعاً في الإجهاض، أو قِصراً في مدة الحمل، أو تغيرات في وزن المولود ونموه لدى النساء الأكثر تعرضاً لبعض المجالات الكهرومغناطيسية أو الأكثر استعمالاً للهاتف. وفي المقابل لم تجد دراسات أخرى العلاقات نفسها، أو وجدت تأثيرات صغيرة يصعب فصلها عن النوم والضغط النفسي والخمول والعمر والحالة الصحية والاجتماعية.
المراجعة المنهجية الأحدث المنشورة سنة 2026 جمعت 31 دراسة بشرية تناولت التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية أثناء الحمل. وكانت النتيجة أبعد من الطمأنة المطلقة وأبعد أيضاً من إعلان الخطر المؤكد: ظهرت إشارات إلى ارتباط التعرض الأعلى في بعض الدراسات بالإجهاض، وقصر مدة الحمل، وبعض اضطرابات نمو الجنين، بينما جاءت دراسات أخرى بنتائج سلبية أو متناقضة. واعتبر الباحثون أن الأدلة الحالية لا تسمح بعد بإثبات علاقة سببية نهائية بسبب اختلاف طرق قياس التعرض والعوامل المربكة بين الدراسات.
إذن، لا يملك الطب اليوم أساساً علمياً للقول إن الهاتف يسبب حتماً الإجهاض أو التشوهات، لكنه لا يملك أيضاً سبباً يسمح باختزال الملف كله في عبارة «لا يوجد أي خطر». بين الجملتين توجد مساحة واسعة من الأدلة والشكوك، وهذه هي المساحة التي يستحق القارئ أن يراها.
أولاً: ماذا نعني بإشعاعات الأجهزة الإلكترونية؟
قبل الحديث عن المخاطر ينبغي التمييز بين نوعين مختلفين تماماً من الإشعاع.
الأشعة السينية وأشعة غاما تنتمي إلى الإشعاع المؤين، وهو قادر عند جرعات كافية على إحداث تغيرات جزيئية وضرر خلوي. لهذا تخضع الأشعة الطبية أثناء الحمل لقواعد صارمة، وتوضح منظمة الصحة العالمية أن الجرعات المرتفعة من الإشعاع المؤين خلال مراحل حساسة من الحمل قد تؤثر في الدماغ الجنيني.
أما الهواتف المحمولة والواي فاي وBluetooth وشبكات 4G و5G فتعمل أساساً ضمن الترددات الراديوية RF-EMF، وهي إشعاعات غير مؤينة. كما تولد الأجهزة الكهربائية وأسلاك الكهرباء أنواعاً أخرى من المجالات، من بينها المجالات المغناطيسية شديدة الانخفاض في التردد ELF-EMF.
والتمييز بين RF وELF بالغ الأهمية؛ لأن دراسة تجد ارتباطاً بين مجال مغناطيسي منخفض التردد والإجهاض لا يجوز تحويلها تلقائياً إلى عنوان يقول: «الهاتف يسبب الإجهاض».
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن التأثير البيولوجي المثبت بوضوح للترددات الراديوية عند المستويات المرتفعة هو تسخين الأنسجة، بينما تستمر الدراسات في البحث عن تأثيرات محتملة عند مستويات أقل من تلك القادرة على إحداث تسخين ملحوظ.
وتعامل إرشادات ICNIRP الجنين، احترازياً، باعتباره من عامة السكان حتى في بيئات العمل؛ أي إنه يخضع للحدود الأكثر تحفظاً المخصصة للجمهور، وليس لحدود العاملين المهنية الأعلى.
لكن وجود حدود دولية للتعرض لا يعني أن كل سؤال علمي حول الحمل قد حُسم؛ فالبحث لا يزال قائماً خصوصاً في الآثار المحتملة للتعرض المتكرر طويل المدة.
الإجهاض: من أكثر النتائج التي أثارت الجدل
الإجهاض من أكثر المسائل حساسية في هذا الملف، كما أنه من أكثرها صعوبة في البحث لأن أسبابه كثيرة، وأبرزها اضطرابات الكروموسومات والعمر وبعض الأمراض والحالات الصحية. لذلك فإن العثور على ارتباط إحصائي مع عامل بيئي لا يعني بالضرورة أنه المسؤول وحده.
مع ذلك، توجد دراسات لا يجوز تجاهل نتائجها.
نشرت دراسة من Kaiser Permanente في الولايات المتحدة بيانات 913 امرأة حاملاً ارتدين أجهزة لقياس المجال المغناطيسي لمدة 24 ساعة. بلغ معدل الإجهاض 10.4% بين صاحبات أدنى مستوى من التعرض المقاس، مقابل 24.2% بين النساء في الفئات الأعلى من التعرض، ووجد الباحثون ارتباطاً واضحاً بعد ضبط عدد من العوامل المعروفة المرتبطة بالإجهاض. ومع ذلك بقيت الدراسة محدودة لأن التعرض قيس في يوم واحد فقط ولم يتكرر طوال الحمل.
ثم جاءت مراجعة منهجية وتحليل تلوي عام 2023 ضما ست دراسات وبنحو 3,187 مشاركة. وقدر التحليل أن خطر الإجهاض لدى النساء الأكثر تعرضاً للمجالات الكهرومغناطيسية كان أعلى بنحو 70%، مع نسبة خطر مجمعة بلغت RR=1.70 وفاصل ثقة 95% بين 1.12 و2.36.
هذه النتيجة لافتة، لكنها تحتاج إلى قراءة نقدية. فقد جمعت المراجعة دراسات عن مصادر مختلفة للتعرض، من RF إلى ELF، بينما بلغ عدم التجانس بين الدراسات نحو 84.6%، وهو مستوى مرتفع جداً. وانتقدت هيئة ARPANSA الأسترالية هذه المنهجية، معتبرة أن دمج أنواع تعرض غير متجانسة يقلل القدرة على استخلاص نتيجة سببية موحدة.
وتوجد أيضاً مراجعة منهجية سابقة عام 2021 وجدت زيادة تقدر بنحو 27% في خطر الإجهاض مع بعض مستويات التعرض للمجالات منخفضة ومتوسطة التردد، وذهب الباحثون إلى أن تقديم نصيحة احترازية للحوامل بخفض التعرض غير الضروري قد يكون معقولاً.
على الجانب الآخر، خلص تحليل تلوي نُشر سنة 2023 وركز على ELF-EMF إلى عدم العثور على ارتباط واضح بالإجهاض أو ولادة جنين ميت أو العيوب الخلقية أو الولادة المبكرة، وهو مثال على استمرار التناقض داخل الأدلة نفسها.
إذن توجد إشارة بحثية حقيقية بخصوص الإجهاض، لكنها لا تبرر القول إن الهاتف وحده ثبت أنه يسبب فقدان الحمل.
دراسة 2025: ارتباط مباشر بين مدة المكالمات وبعض نتائج الحمل
من أكثر الدراسات التي تستحق الانتباه دراسة نشرت في أبريل 2025 في BMC Pregnancy and Childbirth، واعتمدت بيانات 1,666 امرأة من مجموعة Yazd للأم والطفل خلال الفترة من 2015 إلى 2019.
درس الباحثون استعمال الهاتف المحمول والهاتف اللاسلكي والواي فاي، ثم قارنوها بنتائج تشمل الإجهاض والولادة المبكرة ووزن وطول المولود ومحيط الرأس.
أظهرت النماذج الإحصائية المعدلة أن زيادة المدة التراكمية للمكالمات بالهاتف المحمول ارتبطت بزيادة احتمال الإجهاض. وقدر نموذج الباحثين أن كل ست ساعات إضافية تراكمية من زمن المكالمات ارتبطت بارتفاع في الخطر بنحو 3.7%، وأن زيادة تراكمية مقدارها 24 ساعة ارتبطت بزيادة تقدر بنحو 16%.
كما ظهرت ارتباطات بين بعض مقاييس استخدام الهواتف وبين وزن وطول غير طبيعيين عند الولادة، في حين لم يجد الباحثون علاقة ذات دلالة واضحة بين مقدار التعرض المدروس والولادة المبكرة، ولم يظهر ارتباط واضح بمحيط الرأس.
هذه دراسة مهمة لأنها أحدث من كثير من الدراسات التي بنيت عليها المراجعات السابقة، ولأنها تناولت أجهزة مستخدمة فعلاً في الحياة اليومية. لكنها تظل دراسة رصدية؛ وزمن المكالمات ليس قياساً مباشراً للطاقة التي امتصها الجنين، كما أن النساء اللاتي يتحدثن طويلاً في الهاتف قد يختلفن عن غيرهن في طبيعة العمل والنوم والضغط النفسي والحركة وعوامل أخرى.
القيمة العلمية للدراسة أنها تعطي سبباً لمواصلة البحث والاحتياط، لا أنها أصدرت حكماً نهائياً بأن موجات الهاتف هي المسؤولة وحدها عن النتائج.
هل يمكن أن يؤثر الهاتف في نمو الجنين؟
نمو الجنين من المجالات الأخرى التي ظهرت فيها إشارات تستحق الانتباه.
دراسة فرنسية نُشرت سنة 2020 بحثت استعمال الهاتف أثناء الحمل وعلاقته بنمو الجنين. وخلص الباحثون إلى أن استعمال الهاتف في المكالمات أكثر من 30 دقيقة يومياً قد يرتبط بتأثير سلبي في نمو الجنين، ودعوا إلى دراسة مستقبلية للتحقق من العلاقة بصورة أدق.
وفي دراسة أخرى نشرت سنة 2024 حول قيمة SAR للهواتف المستخدمة أثناء الحمل، ظهر اتجاه نحو زيادة احتمال ولادة طفل صغير بالنسبة إلى عمر الحمل SGA مع ارتفاع قيمة SAR للأجهزة، وإن لم تكن النتيجة وحدها دليلاً كافياً على السببية.
كما أن المراجعة المنهجية الأوسع المنشورة سنة 2026 سجلت أن بعض الدراسات التي استخدمت مستويات أعلى من المجالات المغناطيسية أو مؤشرات مرتبطة باستعمال الهاتف وجدت علامات على ضعف نمو الجنين أو تغير القياسات الجسمية للمولود. لكنها شددت مرة أخرى على أن الدراسات ليست متجانسة بما يكفي لجمعها في تقدير سببي واحد.
وعندما جمعت مراجعة Environment International لعام 2024 الدراسات البشرية الخاصة بـRF-EMF، خلص الباحثون إلى أن الدليل المتعلق بالولادة المبكرة وصغر الحجم بالنسبة إلى عمر الحمل وانخفاض الوزن كان شديد عدم اليقين. المراجعة ضمت 18 دراسة، منها ثماني دراسات لعامة السكان وعشر دراسات عن التعرض المهني.
المعنى هنا دقيق: وجود إشارة محتملة إلى النمو لا يساوي إثبات الضرر، لكنه أيضاً يمنع وصف القضية بأنها خالية تماماً من المخاطر المحتملة.
قِصر مدة الحمل والولادة المبكرة
في سنة 2019 نشرت دراسة دولية كبيرة بيانات 55,507 حالة حمل من أربع مجموعات ولادة في الدنمارك وهولندا وإسبانيا وكوريا الجنوبية.
وجد الباحثون أن الاستعمال الأعلى للهاتف أثناء الحمل قد يرتبط بقِصر مدة الحمل وزيادة احتمال الولادة المبكرة. إلا أنهم نبهوا إلى أن النتيجة يمكن أن تتأثر بعوامل لم تستطع الدراسة ضبطها بالكامل، وعلى رأسها الضغط النفسي أو اختلاف نمط الحياة بين مستخدمات الهاتف بكثافة وباقي النساء.
وتعود المراجعة المنهجية لعام 2026 لتؤكد أن قصر مدة الحمل والولادة المبكرة من النتائج التي ظهرت فيها إشارات في أكثر من دراسة، لكنها لم تكن متسقة في جميع الأبحاث.
وهذا التناقض يظهر بوضوح في دراسة Yazd لعام 2025: مع أنها رصدت ارتباطاً بين مدة المكالمات والإجهاض وبعض مقاييس وزن وطول المولود، فإنها لم تجد علاقة واضحة بالولادة المبكرة.
لذلك لا يمكن القول إن الهاتف ثبت أنه يؤدي إلى الولادة المبكرة، لكن وجود النتيجة في مجموعات سكانية كبيرة يجعلها فرضية بحثية جدية لا ينبغي تجاهلها.
هل توجد علاقة بالتشوهات الخلقية؟
هنا الأدلة أضعف بكثير.
لم تثبت الدراسات البشرية الحالية أن استعمال الهاتف أو الواي فاي بالمستويات المنزلية المعتادة يسبب التشوهات الخلقية. والمراجعة المنهجية لعام 2024 التي تناولت RF-EMF لم تجد قاعدة قوية تسمح بإثبات هذا الارتباط.
كما أن مراجعة 2026 وجدت نتائج متفاوتة، ولم يظهر نمط متماسك يجعل العيوب الخلقية إحدى النتائج الأكثر إقناعاً في هذا المجال.
لذلك فإن نشر عبارات من نوع «إشعاع الهاتف يشوه الجنين» غير مقبول علمياً وفق الأدلة المتاحة.
وفي المقابل لا ينبغي الخلط بين الهاتف وبين الإشعاع المؤين المستخدم في بعض تقنيات التصوير الطبي، لأن الأخير يخضع لقواعد جرعة مختلفة تماماً وله تأثيرات جنينية موثقة عند مستويات معينة.
ماذا عن دماغ الطفل وسلوكه بعد الولادة؟
الآثار العصبية والسلوكية من أكثر الملفات إثارة للجدل، لأن الحكم فيها لا يتم عند الولادة، بل يحتاج إلى متابعة الطفل سنوات.
دراسة دولية كبيرة جمعت بيانات خمس مجموعات ولادة وجدت أن استعمال الأم للهاتف أثناء الحمل ارتبط بزيادة متواضعة في احتمال ظهور مشكلات فرط الحركة وعدم الانتباه عند الأطفال. وكانت الزيادة أوضح في مجموعات الاستخدام المرتفع. لكن الباحثين حذروا من أن عوامل غير مقاسة قد تؤثر في النتيجة؛ فالاستعمال المكثف للهاتف قد يكون مرتبطاً بسلوكيات وخصائص أسرية ونفسية تؤثر بدورها في الطفل.
وفي دراسة أخرى تابعت أطفالاً حتى عمر خمس سنوات لم يظهر ارتباط واضح بين استعمال الهاتف أثناء الحمل وبين بعض مؤشرات الأداء المعرفي.
كما أن دراسة أخرى على النمو المبكر لم تجد دليلاً على تأخر حركي أو لغوي مرتبط باستعمال الهاتف قبل الولادة.
إذن توجد إشارة سلوكية محتملة، لكنها من أكثر النتائج عرضة للعوامل المربكة ولا يمكن في الوقت الراهن تحويلها إلى قاعدة تقول إن تعرض الجنين للهاتف يسبب اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
ماذا وجد الباحثون في التجارب الحيوانية؟
الدراسات الحيوانية مهمة لأنها تسمح للباحث بالتحكم في التعرض بطريقة يستحيل تطبيقها على الحوامل، لكنها تحمل مشكلة أخرى: ظروف التجربة قد تكون أعلى بكثير من تعرض الإنسان العادي.
مراجعة منهجية للتجارب على الثدييات نُشرت سنة 2023 وجدت في التحليل التلوي انخفاضاً صغيراً في وزن الأجنة المعرضة لـRF-EMF، لكن متوسط التعرض الذي استخدم في التحليل بلغ نحو 9.83 واط/كغ من SAR للجسم كله، وهو مستوى مرتفع للغاية مقارنة بالتعرض المعتاد للجمهور.
وخلص الباحثون إلى أن التعرض داخل الرحم ربما يؤثر في بعض مؤشرات صحة النسل عند الولادة، لكن حدود الدراسات لم تسمح بتحديد ما إذا كانت التأثيرات تحدث عند المستويات الواقعية المنخفضة التي يتعرض لها الناس في حياتهم اليومية.
وهنا تظهر فائدة الدراسة الحيوانية وحدودها في الوقت نفسه: هي تقول لنا إن التأثير البيولوجي ممكن تحت ظروف معينة، لكنها لا تحدد بالضرورة أن المكالمة الهاتفية المعتادة للحامل تعيد إنتاج تلك الظروف.
هل توجد آليات بيولوجية محتملة غير التسخين؟
التأثير الحراري عند المستويات المرتفعة معروف، أما البحث في التأثيرات غير الحرارية فيتناول فرضيات مثل الإجهاد التأكسدي، وتغير الدفاعات المضادة للأكسدة، والالتهاب، واضطرابات الإشارات الخلوية.
المراجعة المنهجية لعام 2026 أشارت إلى وجود أدبيات تجريبية رصدت تغيرات في بعض مؤشرات الأكسدة والالتهاب في ظروف معينة، لكنها لم تعتبر ذلك إثباتاً لمسار مرضي محدد لدى الجنين البشري.
وهذا فرق أساسي: اكتشاف تغير في مؤشر خلوي داخل تجربة لا يعني تلقائياً وجود مرض سريري لدى الإنسان. للوصول من الآلية المحتملة إلى إثبات الضرر، يجب أن تتكرر النتائج عند جرعات واقعية، وأن يظهر تسلسل واضح بين التعرض والتغير البيولوجي والنتيجة الصحية.
هذا التسلسل لم يثبت بعد بصورة قاطعة بالنسبة للتعرض العادي للهاتف أثناء الحمل.
الهاتف بالقرب من البطن: هل للمسافة أهمية؟
من المبادئ الفيزيائية الأساسية أن التعرض الصادر عن مصدر قريب من الجسم يمكن تقليله بزيادة المسافة عنه. لذلك فإن الهاتف الذي يكون ملاصقاً للجسم أثناء الإرسال ليس مماثلاً لجهاز موجود على طاولة بعيدة.
ولا يعني ذلك أن حمل الهاتف في اليد أو قرب البطن لفترة قصيرة ثبت أنه ضار. لكنه يجعل قاعدة بسيطة مثل عدم إبقاء الهاتف ملاصقاً للبطن ساعات من دون حاجة إجراء احترازياً معقولاً، خصوصاً أنه لا يترتب عليه أي ضرر أو مشقة.
والاحتياط هنا لا يعني أننا نعرف أن الخطر موجود ثم نحاول تفاديه؛ بل يعني أن الأدلة لم تحسم بعض الآثار طويلة المدى، بينما خفض التعرض غير الضروري سهل.
ماذا عن الواي فاي؟
معظم شبكات Wi-Fi تعمل بترددات راديوية غير مؤينة، وتندرج ضمن النوع نفسه من المجالات العامة التي تشملها إرشادات التعرض الدولية.
لم تقدم الدراسات الحالية دليلاً بشرياً قوياً يثبت أن وجود راوتر منزلي يسبب الإجهاض أو التشوهات الخلقية. كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن مستويات الترددات الراديوية المعتادة الأقل من المستويات المسببة للتسخين لم يثبت حتى الآن أنها تؤدي إلى نتائج صحية سلبية مؤكدة.
ومع ذلك، شملت المراجعة المنهجية لعام 2026 دراسات تناولت الواي فاي والهواتف اللاسلكية ومصادر RF أخرى ضمن الأدلة التي ما تزال تحتاج إلى قياسات أدق.
ولا يوجد بالتالي سبب طبي يفرض على الحامل إزالة الراوتر من المنزل، لكن يمكن وضعه في مكان عملي بعيد عن مكان الجلوس أو النوم إذا كان ذلك سهلاً، بدلاً من إبقائه ملاصقاً للسرير بلا حاجة.
وماذا عن 5G؟
شبكات الجيل الخامس لا تحول الهاتف إلى مصدر إشعاع مؤين؛ فهي ما تزال تعمل ضمن الترددات الراديوية.
وتوضح منظمة الصحة العالمية أن ارتفاع التردد يقلل عمق اختراق بعض الموجات إلى أنسجة الجسم، وأنه لا يتوقع حدوث نتائج صحية عند بقاء التعرض ضمن الحدود الدولية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه استمرار البحث في الآثار طويلة المدى لتقنيات الاتصالات اللاسلكية.
لذلك لا توجد حالياً دراسة حملية جيدة تسمح بالقول إن 5G أخطر على الجنين من 4G، كما لا توجد قاعدة تسمح باعتباره آمناً «بلا أي سؤال بحثي متبقٍ».
الحاسوب المحمول والأجهزة الكهربائية
الحاسوب المحمول يختلف عن الهاتف لأنه يجمع بين أكثر من عنصر: الحرارة، ومكونات كهربائية، واتصالات Wi-Fi وBluetooth، ووضعية جلوس قد تستمر ساعات.
لا توجد أدلة بشرية قوية تثبت أن استعمال الحاسوب بصورة طبيعية يسبب تشوهات الجنين. ومع ذلك لا يبدو وضعه مباشرة فوق البطن أو الفخذين لساعات خياراً جيداً، حتى بعيداً عن مسألة المجالات الكهرومغناطيسية؛ فالحرارة ووضعية الجسم وطول الجلوس أسباب كافية لاستعمال مكتب أو طاولة.
أما البطانيات الكهربائية والأجهزة والمحولات وخطوط الكهرباء فغالباً ما يتعلق الحديث حولها بـELF أكثر من RF، وهي النقطة التي يجب تذكرها عند قراءة دراسات الإجهاض؛ إذ لا يجوز تحويل النتائج المتعلقة بها إلى حكم مباشر على الهاتف.
الخطر الذي تثبته الحياة الرقمية بصورة أوضح: الشاشة تغير سلوك الحامل
حتى لو وضعنا الجدل حول المجالات الكهرومغناطيسية جانباً، يبقى الاستخدام المفرط للأجهزة قادراً على التأثير في صحة الحامل بطرق أكثر وضوحاً.
الهاتف لا يصدر موجات فقط؛ إنه أيضاً يأخذ الوقت. وقد يأخذه من النوم والحركة والراحة والعلاقات الاجتماعية.
دراسة منشورة سنة 2024 وجدت ارتباطاً بين التعرض للشاشات وبعض مؤشرات الاكتئاب أثناء الحمل، ولا سيما مع أنماط استعمال معينة، مع بقاء الطبيعة الرصدية للدراسة مانعاً من الجزم بالسببية.
كما تناولت دراسة أخرى سنة 2024 العلاقة بين التعرض للشاشات واضطرابات ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، ولاحظ الباحثون ارتباطاً مع مشاهدة التلفاز قبل النوم، ودعوا إلى تقليلها، مع التأكيد على أن هذه النتائج أولية وليست دليلاً على أن الشاشة بذاتها تسبب تسمم الحمل.
ولا يقتصر أثر الاستخدام المفرط للأجهزة على الجدل المتعلق بالمجالات الكهرومغناطيسية؛ فقد يمتد إلى النوم نفسه، إذ يمكن للسهر أمام الشاشات وتأخير موعد النوم أن يؤثرا في الراحة والصحة العامة للحامل، وهي العلاقة التي تناولناها بتفصيل أكبر في مقال الشاشات واضطرابات النوم: لماذا نعجز عن النوم رغم الشعور بالتعب؟.
لماذا ما زالت الدراسات غير قادرة على إعطائنا جواباً نهائياً؟
لأن قياس التعرض الحقيقي أصعب مما يبدو.
امرأتان قد تستعملان الهاتف ساعة واحدة يومياً، لكن تعرضهما الفعلي قد يختلف بسبب قوة الشبكة، وطريقة حمل الهاتف، ونوع الاتصال، والمسافة عن الجسم، واستخدام مكبر الصوت أو السماعة، وطراز الجهاز.
كما أن كثيراً من الدراسات القديمة اعتمد على سؤال الأم عن عدد المكالمات أو مدتها، وهذا ليس مقياساً مباشراً لـSAR أو للطاقة التي وصلت إلى الأنسجة.
وتضاف إلى ذلك مشكلة العوامل المربكة. الاستخدام المكثف للهاتف قد يرتبط بطبيعة العمل، وقلة الحركة، والقلق، واضطراب النوم، والعمر، والوضع الاجتماعي والاقتصادي. وقد يكون واحد أو أكثر من هذه العوامل مسؤولاً عن جزء من الارتباط الذي تنسبه الدراسة ظاهرياً إلى الهاتف.
لهذا خلصت المراجعة المنهجية لعام 2026 إلى أن توحيد قياس التعرض حسب الثلث الأول والثاني والثالث من الحمل، واستخدام مقاييس فعلية بدلاً من المؤشرات السلوكية، وضبط العوامل المربكة بصورة أفضل، ضروري للوصول إلى نتائج أكثر يقيناً.
ما الذي تستطيع الحامل فعله دون الوقوع في الخوف؟
وجود عدم يقين علمي لا يفرض العيش في بيت بلا تكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، الحمل مرحلة لا يوجد فيها سبب يجعل الإنسان يختار أعلى تعرض ممكن حين يستطيع خفضه بسهولة.
لذلك يمكن تطبيق مبدأ الاحتياط المعقول:
- إبقاء الهاتف بعيداً عن البطن عند عدم الحاجة إلى ملامسته للجسم، وعدم وضعه فوق البطن أثناء مشاهدة المحتوى فترات طويلة.
- استعمال مكبر الصوت أو سماعة سلكية في المكالمات الطويلة عندما يكون ذلك عملياً.
- وضع الهاتف على الطاولة بدلاً من حمله ملاصقاً للجسم طوال اليوم.
- تجنب النوم والهاتف تحت الوسادة أو ملاصقاً للرأس، ووضعه بعيداً عن السرير قدر الإمكان.
- استخدام وضع الطيران عند عدم الحاجة إلى الاتصال ليلاً، من دون اعتبار ذلك إجراءً طبياً إلزامياً.
- وضع الراوتر في مكان عملي بعيد عن منطقة النوم إن أمكن، من غير حاجة إلى إخراجه من المنزل أو التعامل معه كمصدر خطر مؤكد.
- استعمال الحاسوب المحمول فوق مكتب أو سطح ثابت بدلاً من البطن أو الفخذين لساعات.
- تقليل الاستعمال الذي يسرق النوم والحركة، وإدخال فترات منتظمة من الوقوف والمشي إذا سمحت الحالة الصحية.
- عدم شراء ملصقات أو أحجار أو منتجات تدعي «إلغاء الإشعاع» من دون أدلة علمية موثوقة.
- في حالة العمل قرب مصادر صناعية أو طبية قوية للمجالات الكهرومغناطيسية، ينبغي الرجوع إلى مسؤول السلامة المهنية أو الطبيب لأن التعرض المهني يختلف عن الهاتف المنزلي.
هذه الإجراءات لا تفترض أن الهاتف ثبت أنه يؤذي الجنين. قيمتها أنها تخفض التعرض غير الضروري بتكلفة شبه معدومة، وهو مبدأ يمكن تبريره عندما تكون بعض الأدلة مقلقة ولكنها غير حاسمة.
تأثير الهواتف على الحمل والجنين: ما الذي تقوله الأدلة العلمية؟
بعد مراجعة الدراسات البشرية الحديثة، يصعب اختزال الأدلة في حكم قاطع بالضرر أو الأمان. فالنتائج المنشورة لا تسير كلها في اتجاه واحد؛ إذ ظهرت في عدد من الدراسات إشارات تستحق الاهتمام، بينما لم تتمكن دراسات ومراجعات أخرى من تأكيدها بدرجة تسمح بإثبات علاقة سببية.
فقد خلص تحليل تلوي نُشر سنة 2023 إلى وجود ارتباط بين المستويات الأعلى من بعض أنواع التعرض للمجالات الكهرومغناطيسية وزيادة خطر الإجهاض، مع بقاء اختلاف نوع التعرض وطرق قياسه بين الدراسات من القيود المهمة عند تفسير النتيجة. كما أظهرت دراسة Yazd المنشورة سنة 2025، والتي شملت 1,666 امرأة، أن زيادة المدة التراكمية للمكالمات الهاتفية أثناء الحمل ارتبطت إحصائياً بارتفاع احتمال الإجهاض وبعض الاضطرابات في وزن المولود وطوله. غير أن الدراسة كانت رصدية، واستعملت مدة المكالمات مؤشراً للتعرض، وهو ما لا يعادل قياس الجرعة الفعلية التي امتصتها أنسجة الأم أو الجنين.
وظهرت إشارات أخرى في دراسات واسعة النطاق؛ فقد وجدت دراسة شملت أكثر من 55 ألف حمل ارتباطاً بين الاستخدام الأعلى للهاتف أثناء الحمل وقِصر مدة الحمل وارتفاع احتمال الولادة المبكرة، لكن الباحثين أشاروا إلى أن عوامل مثل نمط الحياة والضغط النفسي قد تسهم في تفسير هذه العلاقة، ولذلك لا يمكن اعتبار استعمال الهاتف سبباً مباشراً مثبتاً للولادة المبكرة.
وتدعم الدراسات الحيوانية فكرة أن التعرض للترددات الراديوية عند مستويات وظروف معينة قد يؤثر في بعض النتائج الإنجابية، ومنها وزن الأجنة، وهو ما يجعل مواصلة البحث في التأثيرات المحتملة مبررة. غير أن ظروف التعرض في التجارب الحيوانية لا تماثل بالضرورة الاستعمال اليومي المعتاد للهاتف لدى الإنسان، ولذلك لا يجوز نقل نتائجها مباشرة إلى الحوامل.
وفي المقابل، خلصت المراجعة المنهجية المنشورة في Environment International سنة 2024 إلى أن الأدلة البشرية المتعلقة بتأثير التعرض للترددات الراديوية في نتائج الحمل ما تزال شديدة عدم اليقين. فقد كانت درجة اليقين منخفضة جداً بالنسبة إلى الولادة المبكرة وانخفاض وزن المولود وصغر الحجم بالنسبة إلى عمر الحمل، كما لم يكن ممكناً إجراء تحليل تلوي موحد لخطر الإجهاض الناتج عن استعمال الهاتف لدى عامة السكان بسبب اختلاف الدراسات ونتائجها.
وبذلك لا تشير الأدلة الحالية إلى أن كل استعمال للهاتف يمثل خطراً على الحمل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن إشارات بحثية لا ينبغي تجاهلها، ولا سيما فيما يتعلق بالإجهاض ومدة الحمل وبعض مؤشرات نمو الجنين. وما تزال قوة هذه الارتباطات وسببها البيولوجي ومدى ارتباطها بالموجات نفسها، بدلاً من العوامل المصاحبة للاستخدام المكثف، أسئلة مفتوحة تحتاج إلى دراسات أدق.
ولهذا يبدو مبدأ الاحتياط المعقول هو الموقف الأكثر اتزاناً في الوقت الراهن: تقليل التعرض غير الضروري، وعدم إبقاء الهاتف ملاصقاً للبطن فترات طويلة، واستخدام مكبر الصوت أو السماعة عند المكالمات المطولة، من دون تحويل هذه الاحتياطات إلى مصدر للقلق أو التعامل معها باعتبارها دليلاً على وجود ضرر مؤكد.
خاتمة
قد يكون الخطأ الأكبر في التعامل مع موضوع الهواتف والحمل هو البحث عن جواب مريح أكثر من البحث عن جواب دقيق. فمن السهل أن يقال للحامل إن كل موجة حولها خطر على جنينها، كما يسهل في الاتجاه المقابل إغلاق الملف بعبارة أن «كل شيء آمن». الدراسات لا تمنحنا أياً من هذين اليقينين.
ما تمنحه لنا هو صورة أكثر تعقيداً: بعض الدراسات البشرية رصدت ارتباطاً بالإجهاض، وبعضها وجد قِصراً في مدة الحمل أو تغيراً في نمو الجنين، وهناك تجارب حيوانية وآليات بيولوجية محتملة تجعل استمرار البحث مبرراً. وفي الجهة المقابلة توجد دراسات لم تجد هذه الآثار، وما زالت طرق قياس التعرض عاجزة في كثير من الأحيان عن فصل أثر الموجات عن أثر نمط الحياة الذي يصاحب الاستخدام المكثف للأجهزة.
ولهذا فإن الاحتياط أثناء الحمل ليس استسلاماً للخوف. يمكن أن يكون موقفاً هادئاً: لا حاجة إلى إبقاء الهاتف فوق البطن، ولا إلى النوم به تحت الوسادة، ولا إلى قضاء ساعات طويلة في المكالمات عندما تتوفر بدائل سهلة. وفي الوقت نفسه لا يوجد سبب لأن تعيش الحامل في قلق دائم كلما مرت بجانب راوتر أو أمسكت هاتفاً لبضع دقائق.
الجنين في طور شديد الحساسية من البناء، والعلم لم يغلق بعد جميع الأسئلة المتعلقة بالتعرض طويل الأمد. وبين التهويل والإنكار توجد قاعدة عملية بسيطة: نستفيد من التكنولوجيا، لكن لا نحول القرب الدائم منها إلى عادة لا ضرورة لها، وخصوصاً عندما يكون تقليل التعرض ممكناً من دون أن نخسر شيئاً.
المصادر والمراجع العلمية
- Armalina D, Susilaningsih N, Sutanto H, Sunarno S. Prenatal exposure to non-ionizing electromagnetic fields and adverse perinatal outcomes: a systematic review. PAMJ-One Health. 2026;19:12. DOI: 10.11604/pamj-oh.2026.19.12.50284.
- Razavimoghadam M, et al. The association of widely used electromagnetic waves exposure and pregnancy and birth outcomes in Yazd women: a cohort study. BMC Pregnancy and Childbirth. 2025;25:427. DOI: 10.1186/s12884-025-07512-4.
- Johnson EE, Kenny RPW, Adesanya AM, et al. The effects of radiofrequency exposure on adverse female reproductive outcomes: A systematic review of human observational studies with dose-response meta-analysis. Environment International. 2024;190:108816. DOI: 10.1016/j.envint.2024.108816.
- Irani M, Aradmehr M, Ghorbani M, Baghani R. Electromagnetic Field Exposure and Abortion in Pregnant Women: A Systematic Review and Meta-Analysis. Malaysian Journal of Medical Sciences. 2023.
- Ghazanfarpour M, et al. Effect of electromagnetic field on abortion: A systematic review and meta-analysis. 2021.
- Zhou F, et al. Effect of extremely low-frequency electromagnetic radiation on pregnancy outcomes: a systematic review and meta-analysis. 2023.
- Tsarna E, Reedijk M, Birks LE, et al. Associations of Maternal Cell-Phone Use During Pregnancy With Pregnancy Duration and Fetal Growth in 4 Birth Cohorts. American Journal of Epidemiology. 2019;188(7):1270–1280.
- Boileau N, et al. Mobile phone use during pregnancy: Which association with fetal growth? 2020.
- Birks L, Guxens M, Papadopoulou E, et al. Maternal cell phone use during pregnancy and child behavioral problems in five birth cohorts. Environment International. 2017.
- Cordelli E, et al. Effects of Radiofrequency Electromagnetic Field (RF-EMF) exposure on pregnancy and birth outcomes in experimental mammalian studies: systematic review and meta-analysis. 2023.
- International Commission on Non-Ionizing Radiation Protection. Guidelines for limiting exposure to electromagnetic fields (100 kHz to 300 GHz). Health Physics. 2020;118(5):483–524.
- World Health Organization. Radiation: Electromagnetic fields. WHO.
- World Health Organization. Radiation: 5G mobile networks and health. WHO.
- World Health Organization. Ionizing radiation and health effects. WHO.

