المولى الرشيد وتوحيد المغرب: قيام الدولة العلوية من فاس إلى مراكش

في أقل من ثماني سنوات تمكن المولى الرشيد من جمع أهم حواضر المغرب وأقاليمه حول سلطة مركزية، وثبت دعائم الدولة العلوية من فاس إلى مراكش وسوس، ومهد لعهد المولى إسماعيل.

المولى الرشيد وتوحيد المغرب وقيام الدولة العلوية

سلسلة تاريخ المغرب | الحلقة الثامنة

المولى الرشيد من أنكاد إلى قيام الدولة العلوية

عندما انتهت معركة أنكاد في 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م، كان المغرب يقف عند منعطف حاسم. فقد تراجعت الدولة السعدية، وتوزعت القوة بين الدلائيين والشبانات وإيليغ وقيادات الشمال ومدن تتنازعها جماعات محلية، بينما انتقلت المبادرة داخل البيت العلوي إلى المولى الرشيد. وفي أقل من ثماني سنوات قاد السلطان مساراً أعاد فاس ومراكش والشرق وسوس إلى سلطة مركزية واحدة، وحوّل المشروع الذي نشأ في تافيلالت إلى دولة علوية مغربية راسخة.

كانت الحلقة السابقة، العلويون في تافيلالت: من أفول السعديين إلى عتبة قيام الدولة، قد تتبعت الطريق الطويل الذي سبق هذه اللحظة: مكانة الشرفاء العلويين في سجلماسة وتافيلالت، بروز المولى الشريف بن علي، اتساع نفوذ محمد بن الشريف نحو درعة والشرق، ثم الخلاف بينه وبين أخيه المولى الرشيد وانتهاء الصراع في معركة أنكاد سنة 1075هـ/1664م. أما هذه الحلقة فتبدأ من اللحظة التي أصبح فيها الرشيد صاحب المبادرة، ثم تلاحق خطواته من الشرق إلى تازة وفاس، ومن فاس إلى الأطلس ومراكش، ثم إلى سوس وإيليغ، حتى اكتمل الإطار السياسي الذي ستبني عليه الدولة العلوية قوتها في عهد المولى إسماعيل.

لم يرث المولى الرشيد دولة جاهزة ذات جهاز مستقر وطرق آمنة. كان عليه أن يبني مركز الحكم وهو يخوض الحرب، وأن يثبت البيعات وهو يفتح المسالك، وأن يجمع الرجال والموارد فيما يعيد للحواضر وظيفتها السياسية والعلمية. وقد احتاج ذلك إلى حسم عسكري، وقراءة دقيقة لموازين الولاء، وفهم لمكانة فاس ومراكش في نظام السلطنة المغربية، ثم إلى مخزن يستطيع تحويل النصر إلى إدارة دائمة.

لا تختزل هذه المرحلة في تعاقب الحملات. فبعد دخول الحواضر الكبرى عيّن السلطان الولاة والقواد، ونظم موارد الجند، وضرب السكة، وبدأ مشاريع عمرانية في فاس، ورعى العلماء والطلبة، وأعاد فتح الطرق أمام التجارة، واستقبل مبعوثين قصدوا الدولة الصاعدة. وهكذا اجتمع في سيرته القائد الميداني والسلطان الذي أعاد بناء مؤسسات الحكم.

هذه المرحلة هي أيضاً امتداد مباشر لتاريخ الدولة المغربية قبل العلويين. فالمغرب الذي وصل إليه الرشيد كان قد عرف دولاً كبرى صنعت وحدته على مر القرون، من الأدارسة و المرابطين والموحدين إلى المرينيين و الوطاسيين والسعديين. وحين انحسر سلطان السعديين بعد وفاة أحمد المنصور، لم تنطفئ فكرة الدولة المغربية، بل ظلت حاضرة في المدن والبيعات ومؤسسات الدين والعلم والمخزن، تنتظر قوة قادرة على إعادة جمعها. ومن هذه الزاوية يصبح المولى الرشيد حلقة تأسيسية في استمرارية الدولة، لا بداية لتاريخ منفصل عما قبله.

المغرب بعد أفول السعديين وصعود المشروع العلوي

لفهم سرعة إنجاز المولى الرشيد ينبغي أولاً فهم حجم المهمة التي كانت أمامه. فقد أدت الصراعات التي أعقبت وفاة السلطان أحمد المنصور الذهبي سنة 1012هـ/1603م إلى إضعاف السلطة السعدية، ثم توزعت مراكز النفوذ في مناطق مختلفة. ظلت مراكش في يد السعديين إلى مقتل أحمد العباس سنة 1069هـ/1658-1659م، ثم انتقلت إلى الشبانات. وفي الوسط قوي الدلائيون حتى صار لهم نفوذ واسع يمتد من الأطلس المتوسط إلى فاس ومكناس في مراحل مختلفة. وفي سوس قامت قوة إيليغ السملالية، وفي الشمال تحرك الخضر غيلان وآل النقسيس وغيرهم، بينما كان أبو رقراق يشهد تجربة سياسية بحرية ذات خصوصية كبيرة.

هذه الصورة لا تعني أن المغرب فقد هويته السياسية أو تحول إلى مجالات بلا رابط. المدن الكبرى، والمساجد الجامعة، والعلماء، والأسواق، والطرق، والبيعة، وذاكرة المخزن، كلها ظلت عناصر تجمع المجال المغربي وتحدد معنى السلطان. لكن السلطة العليا التي تربط هذه العناصر وتفرض انتظامها كانت قد ضعفت. ومن هنا كانت مهمة المولى الرشيد في جوهرها إعادة بناء مركز الدولة بحيث يصبح قادراً على جعل فاس ومراكش والشرق والجنوب جزءاً من مسار سياسي واحد.

وقد شرحت حلقة الدولة السعدية في المغرب: وادي المخازن وعصر المنصور الذهبي كيف انتقلت الدولة السعدية من ذروة المنصور إلى أزمة الخلافة والانقسام. ومن المهم هنا أن نرى صعود العلويين باعتباره جواباً مغربياً على هذه الأزمة الطويلة. فالبيت العلوي لم يأت من خارج المجال المغربي، بل نشأ في تافيلالت، وتداخل منذ البداية مع شبكات التجارة الصحراوية والقبائل والمدن والطرق التي كانت جزءاً من بنية البلاد.

كان نجاح أي قوة تطمح إلى السلطنة مرتبطاً ببناء قوة عسكرية قادرة على الحركة بين الجبال والسهول والحواضر، وكسب البيعات وربط العلماء والأعيان والتجار بالمشروع الجديد، وضبط الطرق بين الشرق وفاس، ثم بين فاس ومراكش، وبين مراكش وسوس. فالدولة لا تقوم على مدن منفردة، بل على المسالك التي تنقل الرجال والمال والأخبار وتصل دار الملك بأقاليمها.

رتب المولى الرشيد أهدافه وفق هذه الخريطة. فالشرق الذي بنى فيه قوته قبل 1075هـ/1664م كان قاعدة المبادرة، وتازة بوابة حوض فاس، وفاس قلب السلطنة العلمي والمالي. أما الدلاء فكانوا مركز القوة الأكبر في الوسط، ومراكش دار ملك لا يكتمل توحيد المغرب من دونها، وسوس مجالاً اقتصادياً وعسكرياً يصل الدولة بالطرق الصحراوية. وقد جعل هذا الترتيب كل انتصار أساساً للخطوة التي تليه.

نشأة المولى الرشيد في بيت الحكم بتافيلالت

ولد المولى الرشيد بن الشريف بن علي بتافيلالت نحو 1040هـ/1630-1631م. نشأ في بيت ذي مكانة دينية واجتماعية، وكان أبوه المولى الشريف بن علي من أبرز شرفاء تافيلالت الحسنيين. منح النسب الشريف الأسرة مكانة قوية، ثم حولت خبرة أبنائها في تدبير الواحات والطرق والتحالفات والحرب تلك المكانة إلى مشروع حكم.

كان المولى الرشيد شاهداً منذ شبابه على التحول الذي قاده أخوه الأكبر محمد بن الشريف. توسع محمد نحو درعة والشرق، وخاض صراعاً مع الدلائيين والسملاليين، ودخل في علاقات مع قبائل ومراكز تتجاوز تافيلالت. وهذا يعني أن الرشيد لم يبدأ من فراغ سياسي، بل نشأ داخل بيت يتعلم بسرعة كيف تتحول المكانة المحلية إلى سلطة. لكنه سيختلف عن أخيه في الإيقاع وفي حجم الطموح، وسيظهر منذ انفصاله عنه أنه يريد قوة قادرة على الوصول إلى فاس ومراكش، لا الاكتفاء بمجال نفوذ شرقي أو صحراوي.

تمنحنا أخبار عهده صورة عن شخصية تجمع سرعة القرار مع القدرة على الاقتراب من الرجال المؤثرين. عرف كيف يستقطب مقاتلين من قبائل مختلفة، وكيف يستخدم المصاهرة والتعيين والبيعة لتثبيت المواقع، وكيف يفرق بين خصم يجب كسر قوته السياسية وبين عالم يمكن استيعابه وإكرامه، وبين مدينة تحتاج إلى حصار وبين مدينة يمكن كسب أعيانها. هذه المرونة لم تُضعف حسمه؛ بل جعلت القوة جزءاً من سياسة أوسع.

تظهر قوة شخصيته أوضح ما تكون عند قياس الإنجاز بقصر المدة. فمن بيعة أنكاد بعد مقتل أخيه سنة 1075هـ/1664م إلى وفاته سنة 1082هـ/1672م، امتدت قيادته نحو سبع سنوات وعشرة أشهر، أما سلطانه العام بعد فاس فدام أقل من ست سنوات. وفي هذه المدة دخل فاس، وثبت تازة ومكناس، وحسم القوة الدلائية، ودخل مراكش، ووصل إلى سوس وإيليغ، ونظم مراكز الحكم، وبدأ منشآت علمية وعمرانية بقي بعضها شاهداً على عهده.

لهذا فإن وصف المولى الرشيد بـ«موحد المغرب» لا يستند إلى صورة احتفالية مجردة، بل إلى نتيجة تاريخية واضحة: قبل عهده كانت مراكز السلطة الكبرى موزعة، وعند وفاته كانت الدولة العلوية قد أصبحت القوة السلطانية الجامعة التي سيخلفها المولى إسماعيل ويوسع مؤسساتها. تلك هي المسافة التي قطعها هذا السلطان في سنوات قليلة.

معركة أنكاد وانتقال القيادة إلى المولى الرشيد

بلغ الخلاف بين المولى الرشيد وأخيه محمد بن الشريف نهايته في سهل أنكاد قرب وجدة. وفي 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م وقعت المواجهة التي حسمت الزعامة داخل البيت العلوي. كان محمد بن الشريف صاحب سبق طويل في بناء النفوذ، وقد سبق أن تحرك في درعة والشرق وفاس، بينما كوّن الرشيد خلال سنوات خلافه معه شبكة من الأنصار والمقاتلين في الشرق.

وقعت المعركة في المجال الذي نسج فيه الرشيد شبكة أنصاره خلال صعوده. وأصيب محمد بن الشريف في القتال فقتل، فانفرط جيشه وانتقلت القيادة إلى أخيه. وتورد المصادر المغربية أن الرشيد حمل جثمان أخيه وتولى دفنه؛ فقد انتهت المواجهة بحسم الزعامة داخل البيت العلوي، ثم ورث المنتصر مسؤولية جمع ما بناه أخوه من نفوذ وموارد ضمن مشروع أوسع.

أهمية أنكاد تتجاوز نتيجة المعركة نفسها. فقد اجتمعت بعد 1664 في يد المولى الرشيد ثلاثة أنواع من القوة: الشرعية الأسرية التي ورثها من البيت العلوي، والقاعدة الشرقية التي بناها بنفسه، والموارد والعلاقات التي سبق أن راكمها محمد بن الشريف. وبذلك أصبح الرشيد قادراً على الانتقال من موقع المنافس المحلي إلى موقع القائد الذي يستطيع أن يتقدم نحو مدن المغرب الكبرى.

لم يؤد انتصار أنكاد إلى خضوع جميع القواعد العلوية في لحظة واحدة. فقد بايع فريق في سجلماسة محمد الصغير بن محمد بن الشريف، فكان على الرشيد أن يحسم هذا المنافس قبل التفرغ لفاس. وهكذا كانت أنكاد حسم القيادة العليا، تلتها عملية تثبيت البيت العلوي في موطنه الأول.

بعد أنكاد وسجلماسة عاد المولى الرشيد إلى تازة، القاعدة التي سبق أن ثبت نفوذه فيها، وجعلها منطلق الضغط على فاس. لم يكن في وسع المشروع العلوي أن يبقى في أنكاد أو واحات تافيلالت؛ فالانتقال إلى السلطنة العامة كان يمر عبر الحاضرة التي تجمع ثقل العلم والتجارة والبيعة.

سجلماسة وتثبيت البيت العلوي بعد أنكاد

عقب مقتل محمد بن الشريف بايع فريق من أهل سجلماسة ابنه محمد الصغير، فتحرك المولى الرشيد إلى القاعدة الأولى للأسرة وحاصرها، ثم دخلها وثبت حاميتها وأعاد ترتيب أطرافها قبل رجوعه إلى تازة. وتضع المصادر هذه الخطوة بين أنكاد والحملة النهائية على فاس، ولذلك كانت استعادة سجلماسة جزءاً مبكراً من توحيد القيادة العلوية، لا حملة متأخرة بعد قيام السلطنة في فاس.

منحت هذه الخطوة المولى الرشيد ظهراً آمناً في الجنوب الشرقي، وربطت طرق القوافل في تافيلالت بالقاعدة الشرقية التي كان يدير منها حملاته. كما أبطلت احتمال قيام سلطة أسرية منافسة تستند إلى اسم أخيه الراحل، فصار البيت العلوي أقدر على التقدم بقرار موحد نحو تازة وفاس.

لم تلغ مركزية فاس مكانة تافيلالت في بناء الدولة؛ فقد بقيت موطن الأسرة ومفتاحاً للطرق الصحراوية. وحين دخلت في طاعة الرشيد اتصل الأصل الفيلالي بالمركز السلطاني الذي سيقوم في فاس، ثم بالمجال المراكشي والسوسي بعد ذلك.

تكشف واقعة سجلماسة أن تأسيس الدولة بدأ بتوحيد القرار داخل البيت نفسه. فأي فرع يملك رجالاً ومالاً وقاعدة مجالية كان قادراً على فتح نزاع جديد، ولذلك جمع الرشيد الزعامة العلوية قبل أن يطلب من الحواضر والقبائل الدخول في بيعته.

خرج الرشيد من هذه المرحلة وقد اجتمعت له شرعية البيت وقوة أنكاد وقاعدة سجلماسة وموقع تازة. عندئذ أصبح الطريق إلى فاس امتداداً طبيعياً لمسار بدأ في تافيلالت والشرق، وصار هدفه إقامة السلطنة على نطاق المغرب.

تازة وفاس الطريق إلى السلطنة

احتلت تازة مكانة استراتيجية استثنائية في مشروع المولى الرشيد. فالمدينة تقع في الممر الذي يصل شرق المغرب بحوض فاس، وتطل على شبكة من القبائل والطرق التي تجعل السيطرة عليها ذات قيمة عسكرية واقتصادية معاً. ومن يملك تازة يستطيع أن يحمي ظهره في الشرق وهو يتجه غرباً، وأن يمنع خصومه من استخدام الممر نفسه ضده.

لذلك جعل المولى الرشيد من تازة قاعدة متقدمة، وعمل على استمالة القوى المحيطة بها وتثبيت نفوذه في مجال إيناون والمرتفعات القريبة. وكانت المدينة في الوقت نفسه موضع اتصال مع الريف والطرق المؤدية إلى البحر المتوسط. وقد سجلت رحلة الفرنسي رولان فريجوس، الذي جاء سنة 1666 في مهمة تجارية، صورة عن وجود السلطان في هذا المجال وعن مكانة تازة في تحركاته. وتبقى رحلة رولان فريجوس إلى المولى الرشيد سنة 1666 شهادة أوروبية قريبة زمنياً من الأحداث، تفيد في فهم المسالك والحركة التجارية وصورة الدولة الصاعدة في أعين الأجانب.

في تازة ظهرت قدرة الرشيد على الجمع بين السيف والسياسة. فالمدينة لا تُختزل في حصن؛ هي سوق ومجتمع وعلماء وأعيان وقبائل محيطة. وكل تقدم دائم كان يحتاج إلى تحويل القوة العسكرية إلى طاعة سياسية. لذلك لم يكن احتفاظه بتازة هدفاً نهائياً، بل كان إعداداً لمواجهة أكبر: فاس.

كما أن تازة منحت الرشيد فرصة لإعادة ترتيب جيشه. القوات التي اجتمعت حوله لم تكن كتلة قبلية واحدة، بل خليطاً من الأنصار والمقاتلين والقبائل التي رأت في مشروعه قوة صاعدة تستطيع فرض الأمن وإعادة فتح المسالك. وقد مكّنه هذا التنوع من عدم الارتهان لمجموعة واحدة، وهي خاصية ستصبح مهمة في بناء الدولة العلوية.

ومن هذه القاعدة بدأ الضغط على فاس. وكلما ثبت الرشيد موقعه شرقها أصبح من الصعب على خصومه داخل المدينة أو خارجها تجاهل حضوره. كانت المعركة على فاس معركة على معنى السلطنة نفسها، لأن من يسيطر على المدينة ويفوز ببيعتها يكتسب ثقلاً لا تمنحه أية حاضرة أخرى في الشمال.

فاس قبل دخول المولى الرشيد

كانت فاس في القرن السابع عشر حاضرة القرويين ومركزاً للعلماء والفقهاء والتجار والحرفيين والأعيان، وملتقى طرق بين الشمال والشرق والوسط. جعلها هذا الثقل موضع تنافس منذ الأزمة السعدية؛ فقد دخلها الدلائيون، ثم تنازعت جماعات محلية فاس البالي وفاس الجديد، وكان لكل عدوة قياداتها وأسوارها وحساباتها.

هذه المكانة امتداد لدور طويل لعبته فاس في تاريخ المغرب، وهو دور ظهر بقوة في العصر المريني، كما تتضح تفاصيله في حلقة الدولة المرينية في المغرب: عصر فاس والعلم والعمران. وبقي هذا الإرث حاضراً في العهد الوطاسي والسعدي؛ فالسلطة التي لا تجد لها موطئ قدم في فاس يصعب عليها أن تدعي قيادة شمال المغرب ووسطه.

حين اقترب المولى الرشيد لم يواجه خصماً واحداً، بل مدينة موزعة بين مراكز محلية وصلات متشابكة بالدلاء والقبائل المحيطة. بدأت محاولاته وحصاراته في 1076هـ، وجدد الضغط في الربيع، ثم عاد في ذي القعدة بعد حملته في الريف. ودخل فاس الجديد من جهة السور في 3 ذي الحجة 1076هـ/يونيو 1666م بحسب التأريخ الذي جمعته المصادر المغربية، ثم امتد سلطانه في اليوم التالي إلى فاس البالي بعد فرار رؤساء المقاومة وخروج أهل المدينة للبيعة.

يفرق هذا التسلسل بين دخول المدينة واستقرار البيعة الرسمية. فبعد حملة المولى الرشيد على الخضر غيلان وعودته إلى فاس، جدد أهلها البيعة في 18 ربيع الأول 1077هـ/19 شتنبر 1666م، وهو التاريخ الذي تثبته المحطات التاريخية الرسمية لتاريخ المغرب اعتماداً على عمل المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب. ومنذ تلك اللحظة غدت فاس قاعدة السلطنة العلوية، ومنها انطلقت عملية جمع الشمال والوسط والجنوب.

لم تكن فاس نهاية الحرب، لكنها كانت بداية الدولة بمعناها الواسع. فمنها صار الرشيد يعيّن الولاة، ويرتب القوى، ويوزع المهام على إخوته وأنصاره، ويستعد للتحرك نحو مكناس والشمال والوسط. ومن هنا أيضاً بدأ الوجه الحضاري لعهده يظهر بصورة أوضح.

دخول فاس وبيعتها للمولى الرشيد

لم يكن دخول الأسوار وحده كافياً لصناعة سلطان في النظام السياسي المغربي. فالبيعة تنقل الغلبة العسكرية إلى التزام سياسي وشرعي، وتربط العلماء والأعيان وأهل الحاضرة بالسلطان. ولهذا اكتسبت بيعة فاس في 1077هـ/1666م دلالة تأسيسية، لأنها جعلت المدينة مركزاً للحكم العلوي، لا موضعاً احتله جيش عابر.

كانت فاس تضم طبقة واسعة من العلماء الذين يمنح حضورهم للبيعة وزناً دينياً وعلمياً، كما تضم تجاراً وأعياناً يملكون شبكات مالية تمتد إلى مدن أخرى. وحين استقرت البيعة للرشيد صار بإمكانه أن يتعامل مع هذه النخب بوصفها جزءاً من الدولة الجديدة. لم يختر أن يعزل المدينة أو يتركها تحت حكم عسكري صرف؛ بل بدأ منذ وقت مبكر في ربطها بمشروع علمي وعمراني، وهو ما سيظهر في اهتمامه بالقرويين والمدارس والخزانات.

كما أن فاس سمحت له باستعادة تقليد «دار الملك» الذي عرفته المدينة في عصور سابقة. فقد كانت العاصمة المرينية والوطاسية، وظلت في الوعي المغربي مدينة قادرة على احتضان المخزن. وبانتقال المولى الرشيد إليها استعاد المركز السياسي اتصاله بمؤسسة علمية عريقة وبسوق حضرية واسعة، وأصبحت الدولة العلوية أكثر حضوراً في الحياة اليومية للناس.

بعد فاس جاءت مكناس في سياق البيعة وتثبيت السلطة. وأسند المولى الرشيد إلى أخيه المولى إسماعيل أدواراً في إدارة المنطقة، وهو اختيار سيترك أثراً عميقاً في تاريخ المغرب. فقد تعلم إسماعيل من موقعه في مكناس وفاس إدارة الرجال والموارد، ثم سيصبح بعد وفاة أخيه السلطان الذي يوسع المؤسسات التي أسسها الرشيد.

وهنا تظهر إحدى صفات المولى الرشيد بوصفه مؤسساً: لم يحتكر كل وظيفة بيده، بل استخدم أفراد البيت العلوي في الولاية والقيادة، وربط المدن بنواب يتبعون السلطان. هذه البنية لم تكن بعد الجهاز المركزي الضخم الذي سيظهر في العقود التالية، لكنها وضعت أساساً لاستمرارية الحكم بعد وفاة المؤسس.

تثبيت الشمال وحسم القوة الدلائية

بعد استقرار فاس تحرك المولى الرشيد لإغلاق منافذ المنافسة حولها. تعقب الخضر غيلان نحو القصر الكبير ثم أصيلة، وحرك إلى بني زروال، ودخل تطوان في 1078هـ/1667م وقبض على رئيسها أحمد النقسيس، ثم اتجه إلى بني يزناسن وكيكو. لم تكن هذه التحركات متساوية في طبيعتها؛ بعضها فرض الطاعة المباشرة، وبعضها أضعف نفوذ قوى محلية وأمّن الطرق المؤدية إلى العاصمة.

كان آل النقسيس قد بنوا في تطوان إمارة محلية خلال ضعف السعديين، بينما ثبت الخضر غيلان نفوذه في الهبط والقصر الكبير واتصل بأصيلا. حاصر الرشيد هذه القوى ومنعها من تكوين نطاق شمالي يهدد فاس، لكنه لم ينه ملف الخضر غيلان نهائياً؛ فقد عاد غيلان بعد وفاة الرشيد، وتولى المولى إسماعيل حسم حركته في بداية عهده.

دخل الريف والثغور الشمالية في حساب السلطان العسكري. وتذكر الحوليات أنه وجّه في 1082هـ/1671-1672م خيلاً للجهاد حول طنجة، وكانت المدينة آنذاك ثغراً تحت الاحتلال الإنجليزي منذ انتقالها من البرتغاليين سنة 1661م. لم يحرر المولى الرشيد طنجة؛ فقد استمر الوجود الإنجليزي إلى 1085هـ/1684م، حين دخلتها قوات المولى إسماعيل بعد انسحاب الإنجليز وتخريبهم منشآتهم.

ظل توحيد الداخل المهمة الكبرى في عهد الرشيد، لأن مقاومة الاحتلال في الثغور تحتاج إلى دولة تستطيع تعبئة الرجال والمال زمناً طويلاً. وستظهر ثمرة هذه القاعدة في عهد المولى إسماعيل باسترجاع المعمورة، المعروفة أيضاً بالمهدية، سنة 1092هـ/1681م، وطنجة سنة 1085هـ/1684م، والعرائش سنة 1101هـ/1689م، وأصيلا سنة 1102هـ/1691م.

إن ترتيب الأولويات عند المولى الرشيد كان في ذاته عملاً استراتيجياً. فقد رفض أن يتشتت بين جبهات كثيرة قبل تثبيت فاس والوسط، ثم تحرك خطوة بعد أخرى حتى صار ظهر الدولة أكثر أمناً. ومع كل موقع جديد كان النفوذ العلوي يتحول من شبكة عسكرية إلى نظام سلطاني.

بطن الرمان ونهاية السلطان السياسي للدلاء

كانت الزاوية الدلائية من أعظم مراكز العلم والنفوذ في المغرب خلال القرن السابع عشر. خرج منها علماء كبار، وازدهرت فيها الدراسة والنسخ والتأليف، لكنها تحولت أيضاً إلى قوة سياسية تملك الرجال والموارد وتفرض نفوذها على فاس ومكناس ومجالات واسعة من الوسط. وبذلك أصبحت المنافس الرئيسي لأي سلطان يريد بناء دولة موحدة من فاس.

عرف المولى الرشيد للدلاء وزنهم العلمي، لكنه أدرك أن بقاء سلطة سياسية مستقلة في الأطلس المتوسط وعلى أبواب فاس يهدد الدولة في مركزها. سبقت الحملة الحاسمة مناوشات، منها وقعة أبي مزورة قرب فاس، ثم خرج السلطان في مطلع محرم 1079هـ/يونيو 1668م لملاقاة الجيش الدلائي في بطن الرمان من مجال فازاز.

انكسر الجيش الدلائي في بطن الرمان، وتبعه المولى الرشيد إلى الزاوية فأنهى استقلالها السياسي. ونقل محمد الحاج الدلائي وأهله إلى فاس، ثم أُخرجوا إلى تلمسان سنة 1080هـ/1669م، حيث توفي محمد الحاج سنة 1082هـ/1671م. وبذلك زال المركز الذي نافس السلطنة في الوسط، بينما واصل عدد من علماء البيئة الدلائية التدريس والتأليف في حواضر المغرب.

هذه النقطة مهمة في فهم سياسة الرشيد. فهو لم يكن يقاتل العلم أو التصوف باعتبارهما علماً وعبادة؛ الدليل أن عهده نفسه شهد عناية قوية بالعلماء، وأنه حضر مجالس أبي علي اليوسي، وهو من أشهر من ارتبطوا بالبيئة الدلائية. الذي حسمه السلطان كان تحول مؤسسة علمية وروحية إلى سلطة تنافس المخزن في الحكم والجباية والسلاح.

بعد سقوط القوة الدلائية أصبح الطريق من فاس إلى مراكش أكثر انفتاحاً، ولم يعد الوسط يحتضن منافساً يستطيع قطع التواصل بين شمال الدولة وجنوبها. ومن هنا انطلقت واحدة من أهم حملات المولى الرشيد: الحملة على مراكش.

دخول مراكش وإعادة وصل دار الملك

كانت مراكش في الوجدان السياسي المغربي مدينة دولة بامتياز. منها حكم الموحدون أجزاء واسعة من الغرب الإسلامي، ومنها جعل السعديون مجدهم في القرن السادس عشر، وفي قصورها عاش أحمد المنصور الذهبي وبنى البديع. لذلك لم يكن ممكناً لدولة تريد توحيد المغرب أن تترك مراكش خارج سلطانها.

بعد مقتل أحمد العباس، آخر سلاطين البيت السعدي في المدينة، سنة 1069هـ/1658-1659م، انتقلت السلطة إلى الشبانات. وقد حافظوا على حكم محلي في مراكش خلال سنوات الانتقال، لكنهم لم يمتلكوا القدرة على بناء سلطان مغربي شامل. ومع صعود المولى الرشيد واستقراره في فاس ثم انتصاره على الدلائيين، أصبح ميزان القوة يميل بوضوح نحو الدولة العلوية.

بعد حسم الدلاء توجه المولى الرشيد إلى مراكش، فدخلها في صفر 1079هـ/يوليوز 1668م. حاول أبو بكر بن كروم الحاج الشباني المقاومة ثم فر، فتعقبته قوات السلطان وانتهى حكمه. وأقام الرشيد بالمدينة نحو شهر قبل أن يعود إلى فاس، وقد جمع في بيعته أهم دارين للملك في المغرب.

كان دخول مراكش أكثر من انتصار على أسرة محلية. لقد جمع في يد سلطان واحد مدينتين ظلتا طوال تاريخ المغرب رمزين كبيرين للملك: فاس في الشمال ومراكش في الجنوب. ومن هذه اللحظة أصبح الحديث عن قيام الدولة العلوية على نطاق المغرب أكثر رسوخاً؛ فالقوة التي بدأت في تافيلالت صارت تمسك أهم دارين للملك وتتحرك منهما نحو الأطراف.

كما حمل دخول مراكش معنى تاريخياً يتصل بالسعديين أنفسهم. فالدولة العلوية لم تمح ما سبقها، بل ورثت المجال الذي بنته دول المغرب المتعاقبة. وظلت مراكش مدينة سلطانية في العهد الجديد، وستستمر في لعب دور سياسي وعمراني كبير في القرون التالية. بهذا المعنى كان الرشيد يعيد وصل تاريخ المغرب لا يفتتح صفحة بلا جذور.

محور فاس ومراكش وبناء وحدة الدولة

بعد فتح مراكش صار أمام المولى الرشيد تحدٍ جديد: كيف تتحول الانتصارات إلى طريق آمن بين شمال البلاد وجنوبها؟ فالدولة لا تقاس بعدد المدن التي تحمل اسم السلطان في خطبة الجمعة فقط؛ قوتها تظهر في القدرة على انتقال الجند والبريد والتجارة والجباية من مدينة إلى أخرى من غير أن تتفكك السلطة في المسافة بينهما.

لذلك كان إخضاع الوسط والمرتفعات والطرق جزءاً أصيلاً من مشروع الرشيد. انتصاره على الدلاء أزال منافساً كبيراً في الأطلس المتوسط، ودخول مراكش وضع حداً لسلطة الشبانات، ثم جاءت الحملات اللاحقة لتثبيت تادلا والطرق نحو سوس والجنوب. ومع كل خطوة كان المجال المغربي يستعيد انتظامه حول مركز سلطاني واحد.

وقد انعكس ذلك على الاقتصاد. فالأسواق لا تزدهر حين تكون الطرق رهينة صراعات متعددة، والقوافل لا تتحرك بانتظام إذا كانت كل منطقة تفرض عليها سلطة مختلفة. ومن هنا كان توحيد المغرب عملاً اقتصادياً بقدر ما كان سياسياً. ربط فاس بمراكش يعني ربط شبكات الصنائع والتجارة في الشمال بأسواق الحوز وسوس، وربط الطرق الأطلسية بالمسالك الصحراوية التي عرفتها تافيلالت منذ قرون.

كما أن الدولة الجديدة استفادت من تنوع مدن المغرب. ففاس تمنحها ثقلاً علمياً ومالياً، ومكناس موقعاً عسكرياً في الوسط، ومراكش إشرافاً على الحوز وطرق الجنوب، وسلا والرباط منفذاً بحرياً، وتازة اتصالاً بالشرق. هذا التوزيع هو الذي جعل السلطنة العلوية أكثر قدرة على البقاء من القوى المحلية التي سبقتها في زمن الأزمة.

ولم يكن الرشيد ينتظر اكتمال كل العمليات العسكرية حتى يبدأ التنظيم. فمباشرة بعد تثبيت المدن كان يعين ولاة وقواداً ويعيد توزيع المقاتلين ويقرب العلماء والتجار. وهذه السرعة في تحويل الفتح إلى إدارة من أهم أسباب نجاحه.

أبي رقراق والسواحل في ميزان الدولة الناشئة

كان مصب أبي رقراق في النصف الأول من القرن السابع عشر فضاءً بحرياً وسياسياً نشطاً، استقر فيه موريسكيون قدموا من الأندلس، ونشأ في قصبة الرباط وسلا تنظيم للحكم والتجارة البحرية عرف في الكتابات الأوروبية باسم جمهورية سلا أو جمهورية أبي رقراق. وتبين دراسة محكمة عن تنظيم جمهورية سلا أن استقلالها البلدي المبكر تعاقب مع نفوذ الدلاء، ولذلك لا تختزل تجربتها في كيان واحد ثابت طوال أربعة عقود.

بالنسبة إلى المولى الرشيد كان إدماج هذا المجال ضرورياً لسببين. الأول أن الدولة الموحدة لا يمكن أن تترك أحد أهم الموانئ الأطلسية خارج إشرافها. والثاني أن النشاط البحري كان مورداً اقتصادياً وعسكرياً مهماً، ويمكن للمخزن أن يستفيد منه في الدفاع والتجارة والاتصال بالدول الأوروبية.

بعد سقوط النفوذ الدلائي سنة 1079هـ/1668م دخلت سلا والرباط في طاعة المولى الرشيد، وعين المخزن ممثليه وربط النشاط البحري والجباية بسلطة السلطان. حافظت المدينتان على حيويتهما التجارية والبحرية، لكنهما لم تعودا مركزاً سياسياً مستقلاً ينازع الدولة الناشئة.

هذا الإدماج لم يُلغ الطابع التجاري للمدينتين، بل أعاد توجيهه داخل سلطان أوسع. ومع تحسن قدرة المخزن على التفاوض ظهرت اتصالات مع الفرنسيين وغيرهم حول التجارة والأسرى والموانئ. ولم يكن المغرب في عهد الرشيد منعزلاً عن البحر المتوسط أو الأطلسي؛ كان يعيد بناء أدواته للتعامل مع عالم تتنافس فيه إسبانيا والبرتغال وإنجلترا وفرنسا وهولندا.

وقد تركت لنا كتابات رولان فريجوس ثم جيرمان موييت مادة مهمة عن هذه المرحلة. ومن الكتب القريبة زمنياً تاريخ فتوحات مولاي أرشيد لجيرمان موييت، 1683، وهو مصدر أوروبي مبكر ينبغي قراءته إلى جانب الحوليات المغربية، لأنه يقدم تفاصيل عن المدن والطرق والسلطان كما رآها أجنبي عاش في المغرب في العقود نفسها.

التجارة والاتصال بالقوى الأوروبية

كان المغرب في القرن السابع عشر جزءاً من شبكة تجارية ودبلوماسية واسعة تمتد عبر المتوسط والأطلسي والصحراء. وقد أدرك المولى الرشيد أن توحيد الداخل يرفع قيمة الدولة في عيون القوى الخارجية، لأن التاجر أو المبعوث يفضل التعامل مع سلطان يستطيع ضمان الطريق وتنفيذ الاتفاق.

في 1077هـ/1666م وصل الفرنسي رولان فريجوس في مهمة تجارية إلى المولى الرشيد، وتصفه الرحلة بملك تافيلالت، وهو اللقب الذي كان الأوروبيون يستخدمونه لقائد صاعد من الجنوب الشرقي. جاءت المهمة في السنة نفسها التي دخل فيها فاس، فكانت شاهداً قريباً من لحظة تحوله من صاحب قاعدة شرقية إلى سلطان لإحدى أعظم حواضر المغرب.

لم تصل العلاقات الخارجية في عهده إلى الحجم الذي ستعرفه في زمن المولى إسماعيل ومحمد بن عبد الله، لكن الأساس كان واضحاً: الدولة الجديدة مستعدة للتفاوض التجاري، وتراقب الموانئ، وتتعامل مع الأسرى والتجار والمبعوثين، وتدرك قيمة السلاح والمواد التي تأتي عبر البحر.

حافظ المغرب في عهد المولى الرشيد على استقلاله عن الدولة العثمانية، وتعامل في الشرق مع إيالة الجزائر العثمانية بوصفها قوة مجاورة تتقاطع معها التجارة والحدود والمنافسة. واستفاد السلطان من خبرته في شرق المغرب كي يحمي ظهره من دون أن يستنزف دولته الناشئة في حرب طويلة وهو يجمع الداخل.

إن هذه السياسة تظهر رجلاً يفهم أن الدولة لا تعيش داخل حدودها فقط. القوة الداخلية تمنحها قدرة أفضل على التعامل مع الخارج، والتجارة توفر موارد للجيش والعمران، والموانئ تزيد من وزن السلطان. لهذا كان بناء المخزن والانفتاح التجاري مسارين متكاملين.

سوس وإيليغ واستكمال الحلقة الجنوبية

بعد فاس والدلاء ومراكش، بقي الجنوب السوسي مجالاً لا يكتمل مشروع التوحيد من دونه. كانت إيليغ قد برزت في عهد أبي حسون السملالي مركزاً قوياً يربط التجارة الصحراوية بسوس والأطلس والموانئ الجنوبية. ورغم أن قوة السملاليين تراجعت بعد وفاة مؤسسها، فقد بقيت إيليغ رمزاً لسلطة محلية تملك شبكات اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.

تحرك المولى الرشيد إلى سوس سنة 1081هـ/1670م، فدخل تارودانت، ثم أخضع هشتوكة وأهل الساحل وبلغ قلعة إيليغ، مركز أبي حسون السملالي. وبانتهاء القوة العسكرية التي كانت تحمي استقلال إيليغ أعلنت مجالات واسعة من سوس الطاعة، واتصل الطريق بين مراكش والجنوب بالدولة العلوية.

كان فتح سوس مهماً اقتصادياً بقدر أهميته العسكرية. فالمنطقة غنية بالزراعة والأسواق، وتفتح طرقاً نحو الصحراء ووادي نون، كما ترتبط بالتجارة التي تمر عبر درعة وتافيلالت. والدولة التي بدأت أصلاً في واحات الجنوب الشرقي كانت تدرك جيداً قيمة الطرق الصحراوية؛ لذلك لم يكن ممكناً أن تترك طرفاً قوياً يتحكم فيها بمعزل عن السلطان.

كما أبرزت حملة سوس سرعة المولى الرشيد في الانتقال بين جبهات متباعدة. ففي سنوات قليلة تحرك من أنكاد إلى تازة وفاس، ثم إلى الدلاء ومراكش، ثم إلى الجنوب. هذه الحركة لم تكن اندفاعاً عشوائياً، بل اتبعت خريطة مراكز النفوذ التي إذا سقطت تبعتها مناطق واسعة بالبيعة أو التفاوض.

وبعد 1670 صار المشروع العلوي يملك من الشمال إلى سوس قاعدة جغرافية وسياسية واسعة، وهو ما يسمح بالقول إن عهد المولى الرشيد حقق الانتقال الحاسم من دولة ناشئة في تافيلالت إلى سلطنة مغربية جامعة. وما سيأتي بعده في عهد المولى إسماعيل هو توطيد هذا البناء وتوسيعه عسكرياً وإدارياً، لا إنشاء الدولة من جديد.

بناء المخزن وجيش الدولة

لم يبن المولى الرشيد انتصاراته بجيش قبلي واحد. وهذه من أهم خصائص تجربته. فقد جمع حوله عناصر من قبائل الشرق والريف، واستفاد من جماعات الشراكة والأحلاف وغيرها، ثم استوعب مقاتلين من المجالات التي دخلت في طاعته. وبذلك صار الجيش أداة سلطانية تتوسع مع اتساع الدولة.

كان هذا الأسلوب مناسباً لمغرب القرن السابع عشر. الاعتماد الكامل على قبيلة واحدة يجعل السلطان أسير توازناتها، أما جمع وحدات متعددة فيمنح المخزن قدرة على المناورة. ومن هنا بدأ تقليد عسكري علوي سيأخذ أشكالاً أكثر تنظيماً في عهد المولى إسماعيل.

اهتم الرشيد أيضاً بتوطين جماعات عسكرية في مواقع قريبة من فاس وربطها بالقصبات. وتذكر مصادر مغربية إنشاء قصبة لاستيعاب قوات مرتبطة بالمخزن، وهي البذرة التي ستتطور لاحقاً ضمن سياسة أوسع للتحصين ومراقبة الطرق. كانت وظيفة القصبة مزدوجة: حماية الحاضرة وضبط المجال المحيط بها.

ولم تكن القوة العسكرية منفصلة عن المال. فالجند يحتاج إلى رواتب وسلاح وخيل ومؤن، وهذا ما جعل الرشيد يهتم بالخزينة والتجارة والنقد. كلما دخل مدينة كبيرة أضاف إلى الدولة أسواقاً وحرفاً وضرائب وقدرة على تمويل الحملات. وهكذا كانت فاس ومراكش وتارودانت موارد سياسية وعسكرية في الوقت نفسه.

كما استثمر السلطان في ولاء رجاله بالمنح والتقريب وتوزيع المسؤوليات. هذه العلاقة الشخصية بين السلطان والقائد كانت من طبيعة الدولة في ذلك العصر، لكنها عند الرشيد بدأت تتحول إلى خدمة مخزنية أكثر انتظاماً. لقد كان يبني رجال الدولة كما يبني حدودها.

الطرق والسكة والاقتصاد بعد التوحيد

لا يكتمل الحديث عن المولى الرشيد إذا توقف عند ساحات القتال. فقد ورث المغرب اقتصاداً تأثر بشدة من عقود الانقسام. حين تتعدد مراكز الجباية، وتضطرب الطرق، وتتغير العملات وقيمها، يتراجع النشاط التجاري حتى لو بقيت الأسواق قائمة. لذلك كانت إعادة الأمن السياسي في ذاتها إصلاحاً اقتصادياً.

فاس مدينة تجارية كبرى تتصل بتازة والريف وتلمسان، ومراكش ترتبط بسوس والصحراء والساحل، وتافيلالت عقدة قديمة للقوافل المتجهة نحو الجنوب. حين أصبحت هذه المراكز تحت سلطان واحد أمكن للتجار أن يتحركوا داخل مجال أوسع، وأصبح المخزن قادراً على حماية الطرق وتوحيد جوانب من النظام المالي.

أمر المولى الرشيد بضرب السكة الرشيدية، ثم أجرى سنة 1081هـ/1670-1671م إصلاحاً في الفلوس النحاسية؛ فجعلها مستديرة بعد أن كانت مربعة، وحدد أربعاً وعشرين فلساً للموزونة بدل ثمانية وأربعين. وتكشف هذه الإجراءات أن الدولة الجديدة عالجت أدوات التداول وقيمة النقد بالتوازي مع تنظيم الجباية وتمويل الجند.

يسجل البستان الظريف لأبي القاسم الزياني أن السلطان أقرض تجار فاس اثنين وخمسين ألف مثقال لمدة عام حتى أعادوها. وتكشف الواقعة عن سياسة هدفت إلى تحريك السوق وربط تجار الحاضرة بالدولة، في وقت كانت فيه الخزينة تحتاج إلى موارد ثابتة لتمويل الحملات والعمران.

وفي سنة 1080هـ/1669-1670م أسس المولى الرشيد قنطرة وادي سبو ذات الأقواس الأربعة من جهة فاس، وجدد قنطرة الرصيف داخل المدينة. جمعت هذه الأعمال بين خدمة التجارة وحركة الجيش وربط ضفتي المجال الحضري، فكان العمران جزءاً عملياً من تثبيت الدولة.

إعادة بناء المخزن وتوحيد القرار

من أهم ما أنجزه المولى الرشيد أنه أعاد إلى كلمة «المخزن» معناها العملي بعد عقود من تشتت القرار. لم يكن المخزن مبنى أو خزينة فحسب، بل شبكة حكم تشمل السلطان والولاة والقواد والجيش والجباية والرسل والبيعة. وحين تتعدد السلطات يضعف هذا النظام، وحين يجتمع القرار يستعيد قدرته على العمل.

بدأ الرشيد بتوحيد القيادة داخل البيت العلوي، وجعل فاس مركز السلطنة، ووزع الولاية والقيادة على إخوته ورجاله. وكان المولى إسماعيل خليفته على فاس في فترات من الحملات، وتولى تنفيذ أوامر المخزن وحماية الحاضرة. وكل مدينة أو قبيلة تدخل في الطاعة كانت تربط بوالي أو قائد يرجع إلى السلطان، فاستعاد القرار السياسي مركزه.

كما أعطت البيعات لهذا النظام بعداً شرعياً. لم تكن المدن تنضم إلى جيش منتصر فقط؛ كانت تعلن الطاعة للسلطان وتصبح جزءاً من دولة ذات مرجعية إسلامية مغربية، تستند إلى الشرف والبيعة وحماية البلاد وإقامة النظام. وقد منح نسب الأسرة الحسني هذا المشروع ثقلاً معنوياً، لكن قدرة الرشيد على تحقيق الأمن والوحدة هي التي حولت النسب إلى دولة مستمرة.

ومن هنا نفهم لماذا حفظت الذاكرة المغربية له مكانة «المؤسس الحقيقي» أو «موحد الوطن». المولى الشريف بن علي وضع البداية السياسية في تافيلالت، ومحمد بن الشريف وسعها وأعطاها خبرة الحرب، لكن الرشيد هو الذي أنشأ مركزاً سلطانيًا يملك فاس ومراكش ويستطيع أن يفرض قراره على معظم المجال المغربي.

هذا الإنجاز لا يقل قيمة عن بناء جيش أو فتح مدينة؛ إنه إعادة إنتاج الدولة نفسها. وما إن تحقق حتى صار ممكناً لخلفه أن يبني فوقه مؤسسات أكثر قوة واستمراراً.

أسباب نجاح مشروع المولى الرشيد

تعددت القوى التي ظهرت في المغرب خلال أزمة القرن السابع عشر، وبعضها امتلك المال والعلم والرجال. فلماذا نجح المولى الرشيد في الوصول إلى السلطنة العامة بينما بقيت القوى الأخرى محلية أو جهوية؟

أول أسباب النجاح هو الموقع المتحرك. لم يحصر نفسه في تافيلالت، ولم يجعل الشرق غاية نهائية، ولم يتخذ فاس نهاية الرحلة. كل مركز كان عنده محطة للانتقال إلى مركز آخر حتى تتصل البلاد. هذه القدرة على التفكير في خريطة المغرب بكاملها ميزته عن قوى ارتبطت بمجال واحد.

وقام نجاحه كذلك على تنوع الأنصار. فقد جمع قوات من أنكاد وبني عامر وأشجع ومديونة وبني سنوس وغيرها، واستفاد من العلماء والتجار والأعيان وأفراد البيت العلوي في الحكم. لم تقم الدولة على جماعة واحدة، بل على شبكة بيعة وخدمة مخزنية اتسعت كلما دخل مجال جديد في طاعة السلطان.

السبب الثالث هو اختيار التوقيت. دخل فاس عندما كانت المدينة منهكة من المنافسة، وتحرك ضد الدلاء بعد أن ثبت قاعدته في العاصمة، واتجه إلى مراكش بعد أن أزال أخطر منافس في الوسط، ثم ذهب إلى سوس بعد أن صار ظهره آمناً. ترتيب الحملات جعل كل انتصار يفتح باب الانتصار التالي.

السبب الرابع هو القدرة على تحويل الفتح إلى إدارة. كثير من القادة يستطيعون ربح معركة، لكن الدولة تحتاج إلى من يبقى بعد المعركة. الرشيد عيّن الولاة، أقام القوات، تعامل مع التجار، اهتم بالنقد، بنى المدارس والجسور، وقرب العلماء. هذه الأعمال هي التي جعلت سلطانه قابلاً للاستمرار بعد وفاته.

أما السبب الخامس فهو قوة الرمز السياسي. كان شريفاً حسنيًا من أسرة محترمة في تافيلالت، وظهر في زمن بحثت فيه المدن والمجتمعات عن سلطان قادر على إنهاء التفرق. وحين التقت الشرعية الدينية بالكفاءة العسكرية والإدارية، أصبح المشروع العلوي أكثر قدرة على كسب البيعات.

فاس في عهد المولى الرشيد العلم والعمران

يحظى الجانب العلمي في عهد المولى الرشيد بأهمية خاصة، لأنه يكشف أن تأسيس الدولة لم يكن مشروع حرب فقط. فقد عرف السلطان بحبه لمجالس العلماء، وتذكر المصادر المغربية تردده على حلقاتهم وحضوره مجال الشيخ أبي علي الحسن اليوسي بالقرويين. وكان اليوسي واحداً من كبار علماء المغرب في القرن السابع عشر، وقد تخرج في البيئة الدلائية قبل أن يصبح علماً مستقلاً له مكانته في فاس.

هذه العلاقة بين السلطان والعالم تحمل دلالة عميقة. فالرشيد الذي أنهى القوة السياسية للدلاء لم يعاد رجال العلم الذين خرجوا منها، بل استوعب عدداً منهم في المجال العلمي الجديد. وبذلك انتقلت المعرفة من مركز فقد استقلاله السياسي إلى حاضرة استعادت مكانها تحت الدولة. لقد انتصر المخزن على المنافس السياسي، لكنه فتح الباب للعلماء ليواصلوا التدريس والتأليف.

وتبرز وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في موادها التاريخية عناية المولى الرشيد بالعلم، ويمكن الرجوع إلى ملامح النهضة التعليمية منذ عهد المولى الرشيد للاطلاع على تفاصيل من أخبار المدارس والطلبة ومجالس القرويين. ويظهر من هذه الشواهد أن السلطان كان ينظر إلى العلماء بوصفهم ركناً من أركان المجتمع والدولة، وأن استقرار فاس لا يكتمل من دون استقرار مؤسساتها العلمية.

كما نسب إليه الاهتمام بالخزائن وتحبيس الكتب. وتوجد شواهد على كتب حبسها على مؤسسات بفاس في أواخر عهده. وهذا اللون من الرعاية ينسجم مع تقليد مغربي قديم عرفته الدول المرينية والسعدية، حيث يرتبط مجد السلطان ببناء المدارس وتوفير الكتب مثلما يرتبط بالقصور والأسوار.

إن حضور المولى الرشيد في مجلس العلم يضيف بعداً إنسانياً إلى صورته السياسية. السلطان الذي قطع البلاد في الحملات كان يجد وقتاً ليجلس إلى عالم ويسمع درساً، وهو ما حفظته المصادر باعتباره منقبة. وهذه الصورة ستصبح من ملامح الثقافة السلطانية العلوية في عهود لاحقة.

مدرسة الشراطين منارة العهد العلوي الأول

من أشهر آثار المولى الرشيد في فاس مدرسة الشراطين، أو المدرسة الرشيدية. بدأ إنشاؤها في أوائل شعبان 1081هـ/دجنبر 1670م، وهو شهر يمتد ميلادياً إلى يناير 1671م، ثم أكمل أخوه المولى إسماعيل بناءها وأوقافها. ويزيل هذا الضبط الخلط الشائع بين السنة الهجرية والسنتين الميلاديتين اللتين وافقت أجزاء منها.

اختيار بناء مدرسة كبيرة في السنوات الأخيرة من حكم الرشيد ليس تفصيلاً ثانوياً. بعد سنوات من الحملات كان السلطان يرسل رسالة واضحة: الدولة الجديدة لا تريد أن تكون سلطة سيف مؤقتة، بل راعية للعلم والعمران. وفاس التي عانت الاضطراب تستعيد دورها مدينة للطلبة والعلماء.

صممت المدرسة لإيواء أعداد كبيرة من الطلبة، وارتبطت بأوقاف تضمن استمرارها. وتذكر الدراسات المغربية أنها اشتملت على طبقات متعددة وغرف كثيرة وقبة للصلاة. وقد بقي اسمها جزءاً من الذاكرة العمرانية لفاس، شاهداً على أن أول سلطان علوي حكم المدينة ترك فيها معلماً تعليمياً بارزاً.

وتقدم مادة جهود السلاطين العلويين في توفير الكتب وتحبيسها تفاصيل دقيقة عن تاريخ إنشاء المدرسة وأوقافها، وتحدد بداية البناء سنة 1081هـ.

لم تكن الشراطين المشروع الوحيد المرتبط بعمران الرشيد، لكن رمزيتها أكبر من حجمها. فهي تختصر فلسفة الدولة في لحظة التأسيس: جيش يوحد المجال، ومخزن ينظم المدن، ومدرسة تحفظ العلم. وهذه الثلاثية هي التي تمنح عهد المولى الرشيد مكانته في تاريخ المغرب.

قصبات فاس وقناطرها وخزائنها

إلى جانب مدرسة الشراطين، ارتبط عهد المولى الرشيد بأعمال عمرانية في فاس وضواحيها. أعاد ترتيب بعض القصبات، وهيأ أماكن لإقامة القوات، واهتم بالجسور والخزائن. وكان الهدف واضحاً: العاصمة تحتاج إلى دفاع وماء وطريق ومؤسسة علمية، لا إلى قصر السلطان وحده.

ومن أبرز منشآته قصبة الخميس، المعروفة لاحقاً بقصبة الشراردة، شمال فاس الجديد، وقد أسسها سنة 1081هـ/1670م لإقامة القوات المرتبطة بالمخزن. كما أمر بالقصبة الجديدة في موضع ديار لمتونة وغرسة ابن صالح، ونظم وجود جماعات الجند حول الحاضرة بحيث تحمي دار الملك والطرق من غير أن تبقى قوة متنقلة بلا مقر.

ويرتبط اسمه كذلك بقنطرة وادي سبو التي أسست سنة 1080هـ، وبقنطرة الرصيف داخل فاس. بدأ هذا العمران قبل أن تهدأ جميع الأطراف، وهو دليل على أن السلطان لم ينتظر نهاية الحملات كي يحول الحاضرة إلى قاعدة حكم ذات منشآت عسكرية وتجارية وعلمية.

كما اهتم بالخزائن العلمية. وتوجد شواهد على تحبيس كتب من الحديث وغيره على مؤسسات فاس، وهو استمرار لسنة مغربية راسخة في ربط الكتب بالأوقاف. إن كتاباً محبساً على مسجد أو خزانة قد يبدو بعيداً عن السياسة، لكنه في الواقع جزء من بناء الشرعية الثقافية للدولة؛ لأنه يربط اسم السلطان بالعلم النافع وبمؤسسات تستمر بعد وفاته.

وهكذا تحولت فاس في سنوات الرشيد من ساحة تنازع إلى مركز سلطاني تتشكل فيه ملامح عهد جديد. وهذا التحول هو أحد أهم المعايير التي تجعل سنة 1666 مفصلاً في تاريخ الدولة العلوية.

المولى الرشيد في المصادر المغربية والأوروبية

تتيح سيرة المولى الرشيد المقارنة بين مصادر مغربية وأوروبية قريبة من عهده. فقد حفظ نشر المثاني للقادري، ثم تاريخ الدولة السعيدة للضعيف، والبستان الظريف للزياني، والاستقصا للناصري، أخبار البيعات والحملات والعلماء والمنشآت اعتماداً على مواد مغربية متقدمة. وفي الجانب الأوروبي دوّن رولان فريجوس رحلته سنة 1666، ثم نشر جيرمان موييت سنة 1683 كتابه عن فتوحات المولى الرشيد وبداية عهد المولى إسماعيل.

تتفق هذه المصادر، رغم اختلاف زواياها، على صورة قائد سريع الحركة قوي الشخصية استطاع في زمن وجيز تغيير موازين المغرب. الأوروبي يرى سلطاناً صاعداً يبحث التجار عن الوصول إليه، والمغربي يرى ملكاً يجمع البلاد ويعيد الهيبة إلى الدولة. وبين الصورتين تظهر شخصية سياسية ذات حضور استثنائي.

وتفيد الكتابات الأوروبية خصوصاً في وصف المسالك والمدن والعلاقات التجارية وبعض تفاصيل البلاط، لكنها تُقرأ دائماً في إطار زمنها ولغتها ومصالح أصحابها. أما الحوليات المغربية فتعطينا معنى البيعة والعلاقات بين العلماء والسلطان وتسلسل الأحداث من داخل الثقافة السياسية للبلاد. والجمع بين النوعين يمنح صورة أغنى.

وللباحث الذي يريد إطاراً أكاديمياً حديثاً أشمل يمكن الرجوع إلى كتاب جميل أبو النصر عن تاريخ المغرب الكبير في العصر الإسلامي، الذي يضع صعود العلويين ضمن تاريخ المغرب والمغرب الكبير في العصر الإسلامي، ويخصص فصلاً لتحولات المغرب بين 1510 و1822.

إن قوة المصادر حول المولى الرشيد تعكس قوة أثره. فمن النادر أن يمر قائد في التاريخ بهذه السرعة ثم يترك وراءه هذا القدر من الأخبار والآثار. لقد فرض نفسه على ذاكرة معاصريه كما فرض نفسه على الخريطة السياسية.

الحزم السياسي في زمن التأسيس

كان القرن السابع عشر زمناً خشناً في المغرب وفي حوض المتوسط عموماً. الجيوش تتحرك باستمرار، والمدن قد تغير ولاءها، والقبائل تملك قوة عسكرية كبيرة، والقلاع تتحكم في الطرق. وفي مثل هذا السياق لم يكن بناء الدولة ممكناً بلا حزم. وقد كان المولى الرشيد حازماً إلى أقصى درجة حين يتعلق الأمر بقوة تنافس السلطان أو تقطع الطريق أو ترفض البيعة بعد اكتمال شروطها.

ظهر هذا الحزم في مواجهة الدلاء والشبانات والسملاليين، وفي التعامل مع قادة محليين تحدوا المخزن. لكنه لم يكن أسلوباً واحداً يطبق على الجميع. فالمصادر نفسها تذكر عفواً وتقريباً ونقلاً للعلماء، ومصاهرة مع بعض البيوت، وتعيين رجال من مناطق دخلت حديثاً في الطاعة. وهذا التنوع هو الذي جعل القوة منتجة لنظام جديد بدل أن تبقى مجرد دورة من الانتقام.

كانت الغاية السياسية الكبرى واضحة: لا سلطانين في المجال نفسه، ولا جبايتين على الطريق نفسه، ولا جيش مستقل يستطيع أن يغلق فاس على السلطان. هذه القاعدة هي جوهر بناء الدولة في ذلك العصر. ولذلك كانت الحملات الرشيدية تتجه دائماً إلى مراكز السلطة لا إلى السكان بوصفهم جماعات يجب إقصاؤها.

ويظهر أثر ذلك في سرعة استعادة الحياة العلمية والتجارية بعد الفتح. لو كان مشروع الرشيد قائماً على التدمير لانهارت فاس ومراكش بعد دخولهما، لكن الذي حدث أن المدينتين عادتا إلى لعب دور مركزي، وأن السلطان نفسه استثمر في المدارس والأسواق والطرق.

من هنا يمكن فهم الحزم الرشيدي بوصفه حزم تأسيس: قوة تزيل التعدد المسلح في السيادة، ثم تفتح المجال أمام دولة واحدة قادرة على حماية المجتمع. وهذه هي القيمة التاريخية الأساسية لحملاته.

ثمار الوحدة وبداية الاستقرار

لا تحدث نتائج التوحيد في يوم واحد، لكن آثارها تبدأ منذ اللحظة التي يطمئن فيها الناس إلى أن الطريق لم يعد يتبع سلطة مختلفة كل بضعة فراسخ. وفي أواخر عهد المولى الرشيد ظهرت بوادر هذا التحول. ففاس استعادت نشاطها العلمي، والمدارس أخذت تتلقى دعماً، والأسواق استفادت من وحدة القرار، والمخزن صار أقدر على تنظيم النقد والجباية.

كما أن توحيد مراكش وسوس أعاد وصل مناطق كانت تتحرك في دوائر سياسية منفصلة. القوافل القادمة من الجنوب يمكنها أن تدخل مجالاً أوسع تحت سلطان واحد، والسلع القادمة من الشمال تصل إلى الحوز من دون المرور بين قوى متنافسة. هذه الفائدة الاقتصادية ربما لا تظهر في أخبار الحروب، لكنها من أهم نتائجها.

ومن ثمار الاستقرار أيضاً القدرة على البناء. مدرسة الشراطين وقنطرة سبو والتحصينات ليست مشاريع تنشأ في ظل سلطة عاجزة عن حماية العمال أو جمع المال. إنها علامات على انتقال الدولة من طور البقاء إلى طور الاستثمار في المستقبل.

وتنعكس هذه الروح في رعاية العلماء. فالعلم يحتاج إلى أوقاف وسكن للطلبة وأمان في الطريق، وكلها أمور ترتبط بالدولة. حين أعاد المولى الرشيد فاس إلى مركزها، كان يعيد للمغرب أحد أهم محركاته الثقافية.

لذلك فإن قراءة عهده من زاوية «الفتح» وحدها تنقصه كثيراً. لقد كان الفتح البداية، أما الغاية فكانت أن يعود المغرب قابلاً للحكم والعمل والتعلم والتجارة ضمن دولة واحدة.

وفاة المولى الرشيد وانتقال الحكم

في ثاني أيام عيد الأضحى من ذي الحجة 1082هـ/9 أبريل 1672م كان المولى الرشيد في بستان المسرة بمراكش، فجمح به فرسه واصطدم بغصن شجرة نارنج، فتوفي متأثراً بإصابته. رحل في نحو الحادية والأربعين من عمره، بعد قيادة دامت قرابة سبع سنوات وعشرة أشهر، وترك دولة اتسع سلطانها من الشرق وفاس إلى مراكش وسوس.

دفن المولى الرشيد أولاً في مراكش، ثم نقل جثمانه تنفيذاً لوصيته إلى ضريح سيدي علي بن حرزهم بمقبرة باب الفتوح في فاس. وهكذا عاد إلى الحاضرة التي شهدت بيعته السلطانية وأصبحت في عهده مركز الدولة العلوية.

جاء موته مفاجئاً والدولة ما تزال فتية، وكانت بعض المناطق حديثة العهد بالطاعة. غير أن أخاه المولى إسماعيل امتلك خبرة في الولاية والقيادة، وكانت فاس ومكناس وقوى المخزن قد ارتبطت بالبيت العلوي. وما إن بلغه الخبر حتى بويع في فاس في منتصف ذي الحجة 1082هـ/أبريل 1672م، وبدأ عهد طويل واجه في أوله حركات الخضر غيلان وأحمد بن محرز قبل أن يستكمل توطيد الدولة.

أثبت انتقال الحكم أن ما بناه الرشيد تجاوز سلطة القائد الفرد. فلم تنهر الدولة بوفاته، بل استمر جهاز الولاية والجند والجباية والبيعة، وانتقلت السلطنة داخل البيت العلوي إلى المولى إسماعيل الذي وسع هذه الأسس ونظمها خلال خمسة وخمسين عاماً.

ويثبت التسلسل الزمني الرسمي لتاريخ المغرب وفاة المولى الرشيد في ذي الحجة/أبريل 1672 وتولي أخيه المولى إسماعيل، لتغلق بذلك مرحلة التأسيس السريع وتبدأ مرحلة التوطيد الطويل.

مكانة المولى الرشيد في تاريخ الدولة العلوية

يمكن تقسيم بدايات الدولة العلوية إلى ثلاث طبقات متكاملة. وضع المولى الشريف بن علي أساس الزعامة السياسية في تافيلالت، ووسع محمد بن الشريف المجال وراكم خبرة الحرب والاتصال بالشرق، ثم جاء المولى الرشيد فحوّل هذه التراكمات إلى سلطنة مغربية مركزها فاس وتمتد إلى مراكش وسوس.

هذا التقسيم يحفظ لكل شخصية دورها ويبين لماذا يحتل الرشيد المكانة الأبرز في لحظة قيام الدولة. فهو لم يبدأ النسب ولا الوجود العلوي في تافيلالت، لكنه جعل من ذلك الوجود دولة. وبالاستيلاء على فاس ثم مراكش، أنهى المرحلة التي كان فيها العلويون قوة بين قوى، وبدأ المرحلة التي صار فيها البيت العلوي بيت السلطنة في المغرب.

كما أن شكل الدولة الذي تركه كان أوسع من حدود الفتح العسكري. ترك شبكة ولاة، وقاعدة عسكرية، وعلاقة مع العلماء، ومراكز حضرية موحدة، وبدايات إصلاح نقدي وعمراني. وهذه عناصر مؤسساتية يستطيع خلفه أن يوسعها.

ويتميز عهده أيضاً بأنه أعاد فكرة الوحدة المغربية بعد عقود من الانقسام. لم تكن هذه الوحدة مجرد رسم على خريطة، بل عودة مدينة فاس ومراكش وسوس والشرق إلى طاعة سلطان واحد. وقد أعطت هذه الوحدة المغرب قدرة أكبر على مواجهة تحديات القرن السابع عشر، من الاقتصاد إلى الثغور المحتلة والعلاقات الدولية.

لهذا يبقى اسم المولى الرشيد مرتبطاً في التاريخ المغربي بالسرعة والحسم والتأسيس. كان عهده قصيراً، لكنه من تلك العهود التي تقاس بما تغير فيها لا بعدد سنواتها.

استمرارية تقاليد الدولة المغربية

حين ننظر إلى المولى الرشيد ضمن تاريخ المغرب الطويل تظهر استمرارية واضحة في طرائق بناء الدولة. المرابطون انطلقوا من الجنوب، والموحدون من الأطلس، والمرينيون من قبائل الشرق، والسعديون من الجنوب، ثم جاء العلويون من تافيلالت. وفي كل مرة كانت القوة الصاعدة تحتاج إلى تجاوز موطنها الأول والدخول إلى الحواضر الكبرى وكسب البيعة.

هذا النمط لا يعني تكرار التاريخ حرفياً، بل يبين قوة المجال المغربي نفسه. ففاس ومراكش والطرق بينهما ظلت محاور للملك، والشرعية الدينية والعلمية ظلت مهمة، والتحكم في التجارة الصحراوية والموانئ ظل عنصراً من عناصر القوة. وقد فهم الرشيد هذه البنية ونجح في العمل داخلها.

كما حافظت الدولة العلوية على عدد من تقاليد المخزن التي سبقتها، مع تطويرها بحسب ظروف العصر. البيعة، تعيين الولاة، رعاية المساجد والمدارس، تنظيم الجند، ضرب السكة، بناء القصبات، حماية الطرق؛ كلها وظائف عرفتها الدول المغربية السابقة، ثم دخلت في صلب الدولة العلوية.

ولهذا فإن الاعتزاز بعهد المولى الرشيد لا يقوم على عزله عن تاريخ المغرب، بل على وضعه في سلسلة طويلة من السلاطين الذين حملوا مسؤولية جمع البلاد وحماية مؤسساتها. لقد أخذ الراية في لحظة صعبة، وأعاد للدولة مركزها، ثم سلمها لخلف قادر على مواصلة البناء.

إرث المولى الرشيد بعد رحيله

أول ما بقي من المولى الرشيد هو الدولة العلوية نفسها. فالبيت الذي ثبته في فاس ومراكش استمر بعده، ولا تزال السلالة العلوية تحكم المغرب إلى اليوم. وهذه الاستمرارية، الممتدة لأكثر من ثلاثة قرون ونصف، تمنح لحظة الرشيد ثقلاً لا يمكن مقارنته بسلطة عابرة.

وثاني ما بقي هو وحدة المجال السياسي التي أعاد تأسيسها. قد تعرف الدولة بعده تمردات وصراعات، وهذا طبيعي في تاريخ كل الدول، لكن المرجع الأعلى صار واضحاً: السلطان العلوي ومخزنه. لم تعد الدلاء أو الشبانات أو إيليغ بدائل قادرة على منافسة السلطنة في عموم المغرب.

وثالث ما بقي هو الإرث العمراني والعلمي. مدرسة الشراطين، وآثار القصبات، والتحبيسات والخزائن، كلها تذكر بأن المؤسس لم يكن رجل حرب فقط. وقد ارتبط عهده بإعادة الحيوية إلى فاس ومجالس القرويين.

ورابع ما بقي هو النموذج السياسي الذي ورثه المولى إسماعيل: جيش متعدد العناصر، مدن سلطانية مرتبطة بالمخزن، طرق يجب حمايتها، وبيت علوي موحد حول السلطان. سيأخذ إسماعيل هذه القاعدة ويحولها إلى جهاز أكثر قوة، ويبني مكناس، ويعيد تنظيم الجيش، ويسترجع عدداً من الثغور، ويقود الدولة خمسة وخمسين عاماً.

أما الإرث الأعمق فهو أن المولى الرشيد أثبت في واحدة من أصعب مراحل تاريخ المغرب أن الوحدة قابلة للاستعادة. فبعد أكثر من ستة عقود من الاضطراب منذ وفاة المنصور، ظهر سلطان استطاع في أقل من عقد أن يعيد فاس ومراكش وسوس والشرق إلى مشروع دولة واحدة. وهذا هو السبب الذي يجعل عهده لحظة فخر في تاريخ المغرب.

من تأسيس المولى الرشيد إلى عهد المولى إسماعيل

بين 1075هـ/1664م و1082هـ/1672م تغيرت بنية الحكم في المغرب. حسم المولى الرشيد القيادة في أنكاد، وثبت سجلماسة وتازة، ودخل فاس ونال بيعتها، ثم أضعف القوى المستقلة في الشمال، وأنهى السلطان السياسي للدلاء، ودخل مراكش وسوس وإيليغ، وربط أبو رقراق بالمخزن، وأطلق إصلاحات في النقد والعمران والتعليم.

كان توحيد المغرب في عهده مشروع دولة متكاملاً. فتحت القوة العسكرية الطرق، وثبتت البيعة شرعية السلطان، ومنحت فاس الدولة علمها ومالها، وربطت مراكش الحكم بالحوز والجنوب، وحولت السكة والقصبات والقناطر والمدارس الانتصار إلى مؤسسات. لهذا استحق المولى الرشيد مكانته مؤسساً للسلطنة العلوية على نطاق المغرب.

وتكمن قوة تجربته في أنه لم يحتج إلى عمر طويل ليترك أثراً عميقاً. مات شاباً في مراكش، لكن الدولة التي تركها خلفه كانت أقوى من أن تسقط بموته. انتقلت البيعة إلى أخيه المولى إسماعيل، وبدأ عهد سيحمل ما أسسه الرشيد إلى مستوى جديد من القوة والتنظيم.

تقف سنة 1082هـ/1672م عند اكتمال مرحلة التأسيس السريع. فالمغرب الذي ورثه المولى إسماعيل لم يعد مجموعة مراكز متنافسة كما كان بعد أفول السعديين؛ بل دولة علوية أعاد المولى الرشيد جمع أهم حواضرها وأقاليمها حول السلطان والمخزن. ومن هذه القاعدة تبدأ الحلقة التالية من السلسلة: عهد المولى إسماعيل، وبناء مكناس السلطانية، وتنظيم الجيش، واسترجاع الثغور، وتوطيد سلطة الدولة المغربية.

خط زمني مختصر لعهد المولى الرشيد

  • 1075هـ/2 غشت 1664م: معركة أنكاد ومقتل محمد بن الشريف وبيعة المولى الرشيد، ثم تثبيت سجلماسة والقيادة العلوية.
  • 1076-1077هـ/يونيو-شتنبر 1666م: دخول فاس الجديد وفاس البالي، ثم تجديد البيعة الرسمية في 18 ربيع الأول 1077هـ/19 شتنبر 1666م.
  • 1077-1078هـ/1666-1667م: تعقب الخضر غيلان، وتثبيت مكناس، وحملة بني زروال، ودخول تطوان والقبض على أحمد النقسيس.
  • 1079هـ/يونيو 1668م: الانتصار على الدلائيين في بطن الرمان ودخول الزاوية الدلائية وإنهاء استقلالها السياسي.
  • 1079هـ/يوليوز 1668م: دخول مراكش وإنهاء حكم أبي بكر الشباني فيها.
  • 1081هـ/1670م: دخول تارودانت وإخضاع هشتوكة والساحل وإيليغ وتثبيت الطاعة في سوس.
  • 1081هـ/دجنبر 1670م-يناير 1671م: بداية بناء مدرسة الشراطين، مع ضرب الفلوس المستديرة وبناء القصبات في فاس.
  • 1082هـ/9 أبريل 1672م: وفاة المولى الرشيد في مراكش وبيعة أخيه المولى إسماعيل في فاس.

المصادر والمراجع المعتمدة

  1. أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء الخاص بأخبار الدولة العلوية.
  2. محمد بن عبد السلام الضعيف الرباطي، تاريخ الدولة السعيدة.
  3. محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني.
  4. أبو القاسم الزياني، البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف، تحقيق رشيد الزاوية، مركز الدراسات والبحوث العلوية، الريصاني.
  5. المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، Chronologie de l’histoire du Maroc des temps préhistoriques à la fin du XXe siècle، والمقتطف العربي المنشور في بوابة المغرب.
  6. Germain Moüette, Histoire des conquestes de Mouley Archy, connu sous le nom de Roy de Tafilet, et de Mouley Ismaël, Paris, 1683.
  7. Roland Fréjus, Relation d’un voyage fait dans la Mauritanie en Afrique, par ordre de Sa Majesté, en l’année 1666, vers le roy de Tafilete, Muley Arxid, Paris, 1670.
  8. Jamil M. Abun-Nasr, A History of the Maghrib in the Islamic Period, Cambridge University Press, 1987.
  9. محمد الصغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، فيما يتصل بنهاية الدولة السعدية وتمهيد القرن السابع عشر.
  10. Yves Levant and Leïla Maziane, “The Republic of Salé (1627–1641/1666): An Alternative Pirate Organization Model?”, Management & Organizational History, 12:1, 2017, DOI: 10.1080/17449359.2017.1296773.

روابط الحلقات السابقة من سلسلة تاريخ المغرب :

  1. دولة الأدارسة في المغرب: من وليلي إلى فاس وبدايات بناء الدولة
    الحلقة الأولى – دولة الأدارسة
  2. دولة المرابطين: من الصحراء إلى توحيد المغرب ونصرة الأندلس
    الحلقة الثانية – دولة المرابطين
  3. دولة الموحدين: من تينمل إلى أوج القوة والحضارة المغربية
    الحلقة الثالثة – دولة الموحدين
  4. الدولة المرينية في المغرب: عصر فاس والعلم والعمران
    الحلقة الرابعة – الدولة المرينية
  5. الدولة الوطاسية في المغرب: فاس في زمن التحولات الكبرى
    الحلقة الخامسة – الدولة الوطاسية
  6. الدولة السعدية في المغرب: من صعودها في سوس إلى وادي المخازن وعصر أحمد المنصور الذهبي
    الحلقة السادسة – الدولة السعدية
  7. العلويون في تافيلالت: من أفول السعديين إلى عتبة قيام الدولة
    الحلقة السابعة – العلويون في تافيلالت

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *