قراءة علمية موسعة في دلالات النتائج وأسباب التعثر وخريطة إصلاح قابلة للقياس
تكشف نتائج PISA 2025 في المغرب صورة شديدة القسوة لمستوى التعلمات لدى شريحة واسعة من التلاميذ في سن الخامسة عشرة. فالمسألة لا تتعلق بمجرد ترتيب دولي متأخر يمكن تجاوزه بخطاب مطمئن، بل بمؤشرات تمس القراءة والرياضيات والعلوم، أي الأدوات الأساسية التي يقوم عليها التعلم المدرسي والجامعي والاندماج في اقتصاد المعرفة. لذلك تستحق هذه النتائج أن تتحول من خبر عابر إلى قضية وطنية للمساءلة والإصلاح، وأن تقرأ بصرامة تميز بين ما تثبته البيانات وما لا تسمح به من استنتاجات. الأرقام قوية بما يكفي لدق ناقوس الخطر؛ وما تحتاجه هو الدقة، لا التهويل.
نشرت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD نتائج دورة PISA 2025 في 8 شتنبر 2026. وشارك في التقييم بالمغرب 6978 تلميذاً من 179 مؤسسة، يمثلون قرابة 535800 من أبناء الخامسة عشرة، أي نحو 87% من مجموع هذه الفئة العمرية. وتفيد المذكرة الرسمية الخاصة بالمغرب بأن البيانات المغربية استوفت معايير الجودة في PISA، وبأن أداء التلاميذ بقي دون متوسط دول المنظمة في العلوم والرياضيات والقراءة. بدأت مشاركة المغرب في البرنامج سنة 2018؛ لذلك لا يجوز نسب أي نتيجة مغربية إلى دورة 2015.
بلغ متوسط المغرب 358 نقطة في العلوم مقابل 482 نقطة في OECD، و321 نقطة في القراءة مقابل 461، و355 نقطة في الرياضيات مقابل 463. وبالترتيب الوصفي للمتوسطات في الجداول المنشورة، بعد استبعاد نتيجة دوشنبه في طاجيكستان لأنها نتيجة دون وطنية، يأتي المغرب 82 من 90 في العلوم، و86 من 89 في القراءة، و79 من 89 في الرياضيات. هذه ليست رتبة مركبة، ولا تنشر OECD ترتيباً عاماً واحداً للمواد الثلاث. وتبين بوابة Education GPS التابعة للمنظمة أن 77.2% كانوا دون المستوى الثاني في العلوم، و87.2% في القراءة، و83.9% في الرياضيات، وأن 73.2% كانوا منخفضي الأداء في المجالات الثلاثة معاً.
النتائج الأساسية للمغرب في PISA 2025
| المجال | متوسط المغرب | متوسط OECD | دون المستوى الثاني | ترتيب المتوسطات الوصفي |
| العلوم | 358 | 482 | 77.2% | 82 من 90 |
| القراءة | 321 | 461 | 87.2% | 86 من 89 |
| الرياضيات | 355 | 463 | 83.9% | 79 من 89 |
ملاحظة منهجية: الترتيب الوصفي محسوب من متوسطات الجداول المنشورة بعد استبعاد نتيجة دوشنبه دون الوطنية. وهو ليس ترتيباً عاماً مركباً، كما أن الرتب لا تعكس وحدها عدم اليقين الإحصائي حول المتوسطات.
هذه النسب هي قلب القضية. فالرتبة تتغير بتغير عدد المشاركين ونتائجهم، كما أن الفروق المتقاربة قد لا تكون ذات دلالة إحصائية، أما نسبة من لا يبلغون الحد الأدنى من الكفاية فتقربنا من حجم الفجوة داخل المنظومة. وعندما يكون نحو تسعة من كل عشرة تلاميذ دون المستوى الأساسي في القراءة، وأكثر من ثمانية من كل عشرة دونه في الرياضيات، وأكثر من ثلاثة أرباعهم دونه في العلوم، فنحن أمام أزمة تعلم وطنية لا مجرد نتيجة سيئة في امتحان دولي. وفي الطرف الأعلى من السلم كادت نسب المتفوقين تنعدم: نحو 0.08% في العلوم، و0.08% في الرياضيات، و0.001% في القراءة عند جمع المستويين الخامس والسادس؛ وبلغت نسبة المتفوقين في مجال واحد على الأقل نحو 0.13% فقط.

نتائج PISA 2025 في المغرب وتدقيق الأرقام الرسمية
الخبر صحيح في جوهره، لكن عبارة «المغرب في المرتبة 82 من أصل 90» تحتاج إلى قيدين حاسمين. أولاً، هذه مرتبة العلوم وحدها وليست ترتيباً مركباً للمغرب. ثانياً، هي ترتيب وصفي لمتوسطات النقاط بعد استبعاد نتيجة دوشنبه دون الوطنية، لا «رتبة رسمية» تحسم الفروق بين دول قد تتداخل فواصل الثقة في تقديراتها. وبالمعيار نفسه تأتي القراءة في المرتبة 86 من 89، والرياضيات في المرتبة 79 من 89. أما إذا أدرجت دوشنبه ضمن الوحدات المنشورة في الجداول الخام، فتزداد الرتبة والمقام بواحد في كل مجال متاح؛ لذلك ينبغي التصريح بمعيار العد بدلاً من تداول رقم مبتور.
تؤكد المقارنة المباشرة بين 2022 و2025 اتجاه التراجع، مع تمييز المقدار العددي عن الدلالة الإحصائية. انخفضت القراءة من 339 إلى 321 نقطة، أي بنحو 18 نقطة، والرياضيات من 365 إلى 355، أي بنحو 10 نقاط. أما العلوم فانخفضت من 365 إلى 358، أي بنحو 7 نقاط، لكن OECD تصف أداء 2025 فيه بأنه مماثل إحصائياً لأداء 2022. وبالمقارنة مع 2018 ارتفعت حصة منخفضي الأداء بنحو 14 نقطة مئوية في القراءة، و8 نقاط في الرياضيات، و8 نقاط في العلوم.
وتحتاج أرقام «التغير خلال عشر سنوات» إلى ضبط منهجي أدق. فالقيم ناقص 27 نقطة في العلوم وناقص 54 في القراءة وناقص 18 في الرياضيات هي متوسطات تغير محسوبة على أساس عشر سنوات باستعمال انحدار الاتجاه عبر الدورات المتاحة للمغرب، وليست فروقاً مباشرة بين نتيجتي 2015 و2025؛ فالمغرب لم يشارك سنة 2015. المقارنة المباشرة الصحيحة تبدأ من 2018، بينما يفيد المعدل العشري في وصف سرعة الاتجاه على مقياس موحد. الخلط بين المقياسين يضخم أو يشوش الرواية الزمنية، من دون أن يغير حقيقة أن الاتجاه منذ أول مشاركة سلبي.
مسار النتائج من 2018 إلى 2025 وتفسير التراجع
دخل المغرب PISA سنة 2018 بنتائج ضعيفة أصلاً: 377 نقطة في العلوم، و359 في القراءة، و368 في الرياضيات. وفي 2022 بلغت القيم 365 و339 و365، ثم أصبحت في 2025 على التوالي 358 و321 و355. وبذلك بلغ الفرق المباشر بين 2018 و2025 نحو ناقص 19 نقطة في العلوم، وناقص 38 في القراءة، وناقص 13 في الرياضيات. القراءة هي المجال الذي سجل الخسارة المباشرة الأكبر، لكن المجالات الثلاثة جميعاً بدأت من قاعدة منخفضة وانتهت إلى قاعدة أدنى.
مسار متوسطات المغرب بين دورات المشاركة
| المجال | 2018 | 2022 | 2025 | الفرق المباشر 2018–2025 | معدل التغير على أساس عشر سنوات |
| العلوم | 377 | 365 | 358 | −19 | −27 |
| القراءة | 359 | 339 | 321 | −38 | −54 |
| الرياضيات | 368 | 365 | 355 | −13 | −18 |
الدرجات مدورة إلى أقرب نقطة. العمود قبل الأخير فرق حسابي مباشر، أما العمود الأخير فتقدير اتجاه بالانحدار موحد إلى عشر سنوات، ولا يفترض مشاركة مغربية سنة 2015.
توضح OECD أن عدد أبناء الخامسة عشرة المؤهلين للمشاركة في PISA في المغرب ارتفع بأكثر من 30% بين 2018 و2025، مع استقرار نسبي في الحجم الديمغرافي للفئة العمرية. وهذا يعني أن توسع التمدرس الثانوي أبقى داخل النظام فئات كانت في السابق أكثر عرضة للمغادرة المبكرة أو عدم بلوغ المرحلة المقاسة. وفي تحليل تعديلي، ترى المنظمة أن إدماج مزيد من الفئات المهمشة يمكن أن يفسر التراجع الظاهر في العلوم والقراءة؛ إذ بقي أداء المجموعة الأكثر حظاً التي كانت ممثلة من قبل مستقراً في العلوم والرياضيات، بينما تراجع في القراءة. هذا استنتاج إحصائي مهم، لكنه لا يحول دون وجود مشكلة تعلم واسعة لدى الفوج الفعلي الموجود اليوم في المدرسة.
يجب الفصل هنا بلا مواربة بين مؤشرين مختلفين. الأول هو الوصول إلى التعليم، وقد تحسن عندما بقي عدد أكبر من الشباب داخل المدرسة؛ وهذا مكسب اجتماعي لا يصح إنكاره. والثاني هو جودة التعلم داخل المدرسة، وهي تظل شديدة الضعف كما تظهر نسب من لا يبلغون المستوى الثاني. توسع التغطية قد يفسر جزءاً من انخفاض المتوسط عبر الزمن، لكنه لا يخفف خطورة أن 87.2% من تلاميذ الفوج الممثل في 2025 كانوا دون الحد الأساسي في القراءة. نجاح التسجيل والاستبقاء لا يكتمل إلا إذا تحول كل عام مدرسي إلى تعلم قابل للقياس.
وفي البلاغ الرسمي لوزارة التربية الوطنية بشأن PISA 2025 وردت الدرجات نفسها وفروق 2022–2025، وأكدت الوزارة أن المؤسسات الإعدادية في عينة الاختبار لم تكن آنذاك ضمن مؤسسات الريادة، وأن النتائج تعكس إلى حد بعيد تعلم فوج مر بالنموذج السابق قبل اكتمال الإصلاحات الراهنة. هذا التفسير صحيح من زاوية توقيت القياس، لكنه لا يغير دلالة النتيجة على حال التلاميذ الموجودين فعلاً في النظام سنة 2025، ولا يعفي الإصلاح الجاري من نشر أدلة وطنية مستقلة قبل وصول دورة PISA المقبلة.
أزمة القراءة في المدرسة المغربية
القراءة ليست مادة مدرسية منفصلة عن بقية المواد، بل هي البنية التحتية للتعلم كله. التلميذ الذي لا يفهم نصاً مناسباً لعمره سيجد صعوبة في فهم سؤال الرياضيات، وتعليمات تجربة العلوم، ووثيقة التاريخ، ونص الفلسفة، ودليل استعمال منصة رقمية. لذلك فإن وصول نسبة من هم دون المستوى الثاني في القراءة إلى 87.2% يجب أن يوضع في مقدمة الأولويات الوطنية.
المستوى الثاني في PISA ليس مستوى تفوق، بل حد أدنى يسمح للقارئ بالتعرف إلى الفكرة الأساسية في نص متوسط الطول، والعثور على معلومة وفق معايير محددة، والتفكير في غرض النص وشكله بدرجة أولية. فإذا كان نحو 13% فقط من تلاميذ الخامسة عشرة في المغرب يبلغون هذا المستوى أو يتجاوزونه، فهذا يعني أن الفجوة لم تبدأ في السنة التي أجري فيها الاختبار، بل تراكمت عبر سنوات سابقة من التعلم.
تؤيد الأدلة البحثية أولوية التدخل المبكر، مع ضرورة عدم تحويل متوسطات الأثر إلى وعود آلية. فقد جمع التحليل التلوي الذي أنجزه يونغ سوك غريس كيم وهانسول لي وستيفاني زيلكوسكي، والمنشور إلكترونياً سنة 2019 وفي مجلة Child Development سنة 2020، نتائج 67 دراسة و213464 طفلاً في 32 دولة منخفضة ومتوسطة الدخل، ووجد أثراً إيجابياً متوسطه 0.30 انحراف معياري لتدخلات القراءة ومحو الأمية، مع اختلاف الأثر بحسب المكون وجودة تدريب المدرسين ودعمهم.
كما راجع جيمي غراهام وشون كيلي سنة 2019 خمسة عشر تدخلاً للقراءة في الصفوف الأولى ووجدا مكاسب إيجابية موثوقة في المتوسط، لكنهما نبها إلى أن البرامج القصيرة لا تضمن وحدها بلوغ الطلاقة. الخلاصة ليست أن برنامجاً واحداً يصلح لكل سياق، بل أن التعليم المنظم للمهارات، والمواد الجيدة، والممارسة الموجهة، والمواكبة المهنية عناصر تتكرر في التدخلات الأنجح.
ولهذا فإن معالجة أزمة القراءة لا ينبغي أن تنتظر الإعدادي. المطلوب هو قياس الطلاقة والفهم منذ السنوات الأولى، وبناء دعم سريع للتلميذ الذي يتأخر، وإتاحة كتب مناسبة، وتخصيص وقت فعلي للقراءة داخل القسم، وربط تعليم القراءة بالكتابة والمفردات والفهم والاستنتاج. وقد ناقش «كوكب المعرفة» هذا المنطق بتفصيل في مقال استراتيجيات التدريس وصعوبات التعلم، حيث تبرز قيمة التدخل المبكر قبل أن تتحول الفجوة الصغيرة إلى تعثر مزمن.
ضعف التعلمات الرياضية وتداعياته
بلغت نسبة من هم دون المستوى الثاني في الرياضيات 83.9%. والمستوى الثاني بدوره لا يقيس رياضيات متقدمة، بل قدرة أساسية على التعرف إلى تمثيل رياضي لوضعية بسيطة، وإجراء مقارنات وتحويلات واستعمال المعطيات في سياق مألوف. إن عجز غالبية كبيرة من التلاميذ عن بلوغ هذا الحد يعني أن المشكلة لا تقتصر على علامة مادة دراسية، بل تمتد إلى الثقافة الكمية الضرورية في الحياة والعمل.
في الاقتصاد المعاصر يحتاج الفرد إلى فهم النسب والفوائد والمخاطر والرسوم البيانية والاحتمالات والبيانات. ويحتاج سوق الشغل إلى أساس رياضي يسمح بالتكوين في التكنولوجيا والهندسة والتحليل والمالية والذكاء الاصطناعي. لذلك فإن الضعف الواسع في الرياضيات يقيد خيارات المتعلم بعد البكالوريا ويضيق قاعدة من يستطيعون الالتحاق بتخصصات علمية وتقنية بكفاءة. ويمكن ربط هذا البعد بما عرضه مقال ما بعد البكالوريا في المغرب حول العلاقة بين جودة التكوين المدرسي واتساع فرص الاختيار لاحقاً.
الجواب التربوي لا يكون بمزيد من التمارين المتشابهة فحسب. يحتاج تعليم الرياضيات إلى فهم المفهوم قبل تسريع الإجراء، وإلى أمثلة متنوعة، ومسائل لفظية، وتمثيلات بصرية، وشرح التلميذ لطريقة تفكيره، واستعمال الخطأ كنافذة على التصور الذهني. كما يجب أن تكون هناك مسارات علاجية واضحة لمن لا يتقن مهارات السنوات السابقة، لأن الانتقال في المقرر لا يعوض فجوة في فهم العدد والعملية والنسبة.
الثقافة العلمية بوصفها قضية تعليم ومواطنة
في العلوم لم يبلغ المستوى الثاني أو أكثر سوى نحو 22.8% من التلاميذ، بينما كان 77.2% دون الحد الأدنى. ولم تتجاوز نسبة من بلغوا المستويين الخامس والسادس معاً نحو 0.08%. ويقيس المستوى الثاني القدرة على التعرف إلى تفسير علمي صحيح لظاهرة مألوفة واستعمال بيانات للحكم على استنتاج بسيط. لذلك لا يتعلق المؤشر بحفظ أسماء أعضاء الخلية أو قوانين الفيزياء فقط، بل بقدرة الشاب على استخدام المعرفة العلمية لفهم العالم واتخاذ قرار يستند إلى دليل.
تزداد أهمية هذا البعد في عصر تتزاحم فيه المعلومات الصحية والبيئية والتكنولوجية على الهاتف. المواطن الذي لا يملك ثقافة علمية أساسية يصبح أكثر هشاشة أمام الادعاءات المضللة، وأقل قدرة على قراءة دليل أو تقدير خطر أو التمييز بين تجربة فردية ونتيجة علمية. ومن هنا يجب أن يعود درس العلوم إلى الملاحظة والسؤال والفرضية والتجربة والقياس والتفسير، لا أن يتحول إلى قاموس تعريفات للحفظ المؤقت.
وهذا يلتقي مباشرة مع جوهر التعليم بالكفايات: من حفظ المعارف إلى توظيفها في حل المشكلات. فالقيمة التعليمية للمعرفة تظهر حين يستطيع المتعلم تعبئتها في وضعية جديدة وتبرير قراره وفحص الدليل. وتكشف نتائج PISA أن المسافة بين امتلاك بعض المعلومات وبين استعمالها ما تزال واسعة لدى قطاع كبير من التلاميذ.
انخفاض الأداء في المجالات الثلاثة ودلالة نسبة 73.2 في المائة
تظهر بيانات OECD أن 73.2% من التلاميذ المغاربة منخفضو الأداء في العلوم والرياضيات والقراءة معاً. هذا المؤشر أكثر دلالة من نتيجة كل مادة منفردة، لأنه يشير إلى تعثر متعدد المجالات. عندما يضعف التلميذ في القراءة والرياضيات والعلوم في الوقت نفسه، يصعب تفسير المشكلة بمنهاج مادة واحدة أو كتاب مدرسي واحد؛ فالاحتمال الأكبر أن هناك اختلالات متراكبة تمس التعلمات الأساسية، وزمن التعلم الفعلي، والتقويم، والدعم، والمواظبة، والمناخ الصفي، والفوارق الاجتماعية.
الأزمة إذن ليست «أزمة امتحان PISA»، لأن الاختبار لا يصنع الضعف بل يكشف جزءاً منه. القضية هي طفل يقضي سنوات طويلة في المدرسة ثم يصل إلى سن الخامسة عشرة من غير أن يبلغ مستوى أساسياً في أدوات التعلم الثلاث. هذا الطفل سيتحول بعد سنوات قليلة إلى طالب أو متدرب أو عامل أو باحث عن شغل، وسترافقه الفجوات ما لم يجد فرصة حقيقية للتدارك.
ما الذي يقيسه PISA وحدود تفسير نتائجه
PISA لا يهدف إلى اختبار حفظ المنهاج الوطني حرفياً. فلسفته هي معرفة ما إذا كان تلميذ الخامسة عشرة يستطيع استخدام ما تعلمه في وضعيات غير مطابقة تماماً لتمارين كتابه: قراءة نص وفهم بنيته، توظيف مفهوم رياضي، تفسير ظاهرة علمية، بناء استنتاج من البيانات. لذلك فإن اختلاف الاختبار عن المقررات الوطنية ليس عيباً في ذاته، بل جزء من وظيفته المقصودة.
هذا لا يعني أن PISA معيار وحيد للحكم على التعليم. فهو يقيس مجالات محددة، وتؤثر في نتائجه خصائص العينة واللغة والسياق والتغطية المدرسية، ولا يقيس كل أهداف التربية مثل القيم والفنون والهوية والمهارات الاجتماعية. ومنهجياً يجب الجمع بينه وبين التقويمات الوطنية والدراسات الدولية الأخرى وبيانات الانقطاع والانتقال والغياب. لكن رفض دلالته بالكامل لأن أسئلته لا تنسخ المقرر يفوت السؤال الأهم: هل يستطيع المتعلم نقل المعرفة من درس مألوف إلى مشكلة جديدة؟
الأسباب المتداخلة لأزمة التعلم في المغرب
من أخطاء النقاش العام عن التعليم تحويل أزمة مركبة إلى محاكمة لطرف واحد. المدرس ليس السبب الوحيد، والأسرة ليست السبب الوحيد، واللغة ليست السبب الوحيد، والوزارة ليست السبب الوحيد، والهاتف ليس السبب الوحيد. النتائج التعليمية تنشأ من تفاعل طويل بين الطفولة المبكرة، والمناهج، وتكوين المدرسين، والقيادة، والموارد، والغياب، والتفاوت الاجتماعي، وثقافة التقويم، وجودة التنفيذ.
تراكم الفجوات والانتقال قبل إتقان الأساس
قد يكون التلميذ مسجلاً في السنة الخامسة بينما مستوى قراءته أو حسابه الفعلي أقرب إلى سنوات سابقة. فإذا واصل المدرس محتوى يفترض مهارات لم تكتسب، صار كل درس جديد عبئاً فوق أساس هش. لهذا اكتسبت مقاربة Teaching at the Right Level أهمية؛ فهي تشخص المستوى الفعلي، وتجمع المتعلمين مؤقتاً بحسب الحاجة، وتخصص وقتاً مركزاً لمهارات محددة ثم تعيد القياس. وتعرض دراسة بانيرجي وبانيرجي ودوفلو وغلينرستر وخيماني المنشورة في Journal of Economic Perspectives سنة 2017 مساراً من التجارب العشوائية إلى التوسع الحكومي. وهي لا تقول إن مجرد حمل اسم TaRL يضمن الأثر؛ بل تبين أن وضوح الهدف، وإعادة تنظيم زمن التدريس، وتدريب المنفذين، والمتابعة عناصر حاسمة في النجاح.
يطبق المغرب عناصر من هذا المنطق داخل مؤسسات الريادة، حيث تخصص فترة علاجية في بداية السنة ثم دعماً منتظماً في مجموعات صغيرة، إلى جانب بيداغوجيا منظمة ومواكبة مهنية. ووفق عرض البنك الدولي المنشور في ماي 2026 توسع المكون الابتدائي من 626 مدرسة وقرابة 320 ألف تلميذ في تجربة 2023-2024 إلى 4626 مدرسة وأكثر من مليوني تلميذ في 2025-2026، بما يقارب 54% من الابتدائي العمومي، وشارك نحو 75 ألف مدرس و960 مفتشاً. وشمل الإعدادي 786 مؤسسة ونحو 678 ألف تلميذ. هذه أرقام تغطية لا نتائج تعلم بذاتها؛ أما أثر التعلم فيحتاج تقويماً مستقلاً يختبر استمرار الجودة عند التوسع.
ضعف القراءة المبكرة وفقر التعلم
يشير البنك الدولي إلى أن قرابة 60% من الأطفال المغاربة في سن العاشرة كانوا، وفق بيانات 2023، غير قادرين على قراءة نص بسيط وفهمه بالمستوى المتوقع. هذا تقدير لفقر التعلم، وليس بديلاً عن PISA ولا نتيجة للفئة العمرية نفسها، لكنه يكشف أن جذور الأزمة تسبق الإعدادي. وحين تكون صعوبة القراءة قوية في نهاية الابتدائي، تتراكم آثارها في كل مادة لاحقة. لذلك يجب أن تكون السنوات الأولى منطقة تدخل وطني شديد التركيز؛ فالتدخل المبكر أقل كلفة وأكثر عدلاً من انتظار تعثر مزمن في الخامسة عشرة.
تكوين المدرس والدعم المهني المستمر
لا يمكن إصلاح التعليم من دون المدرس، لكن دعم المدرس لا يساوي دورات نظرية متباعدة. فقد جمع التحليل التلوي لكرافت وبلازار وهوغان المنشور في Review of Educational Research سنة 2018 ستين دراسة سببية، ووجد متوسط أثر قدره 0.49 انحراف معياري على الممارسة التدريسية و0.18 على تحصيل التلاميذ. وهذه متوسطات عبر برامج وسياقات مختلفة، لا ضمانات لبرنامج بعينه؛ كما أظهر التحليل أن الأثر يميل إلى الانخفاض في البرامج الأكبر حجماً. الرسالة العملية هي أن المواكبة الفعالة قريبة من القسم، متكررة، قائمة على الملاحظة والتغذية الراجعة والتخطيط وإعادة التجريب، وأن التوسع يحتاج إلى حماية جودة المدرب ووقته ونسبة المدارس التي يتابعها.
ويحتاج المغرب إلى بناء مسار مهني يجعل المدرس يتلقى مساندة حقيقية منذ التكوين الأساس إلى السنوات الأولى في المهنة ثم خلال تطوره المهني. وينبغي أن يرتبط التكوين بمشكلات محددة: كيف يعلّم القراءة؟ كيف يشخص خطأ حسابياً؟ كيف يدير فروقاً واسعة بين المتعلمين؟ كيف يستخدم التقويم التكويني؟ وكيف يمنع الأدوات الرقمية من التحول إلى مشتت؟
القيادة المدرسية والحكامة القريبة من التعلم
مدير المؤسسة ليس مسؤولاً عن الوثائق والجداول فقط؛ فالقيادة القريبة من التعلم تتابع البيانات، وتدعم المدرسين، وتحمي زمن التدريس، وتبني مناخاً منظماً. ووجدت مراجعة روبنسون ولويد ورو المنشورة سنة 2008 أن القيادة التعليمية المرتبطة مباشرة بالتعلم وتطوير المدرسين أقوى ارتباطاً بالنتائج من أنماط قيادة عامة. كما جمع تحليل تلوي أحدث لتان وديموك وألان ووكر نُشر في 2024 مئة وثماني دراسات ووجد ارتباطاً إيجابياً صغيراً في المتوسط بين ممارسات القيادة ونتائج المتعلمين. هذه الأدلة تدعم أهمية القيادة، لكنها لا تثبت أن تغيير المدير وحده يسبب قفزة في التحصيل؛ فالقيادة تعمل عبر تحسين التدريس والتنظيم والمناخ والموارد.
يجب أن يعرف مدير المدرسة، بصورة دورية، كم تلميذاً يقرأ بالمستوى المطلوب، وكم تلميذاً يحتاج دعماً، وأي الأقسام تتسع فيها الفجوات، وكيف تتغير النتائج بعد التدخل. هذه البيانات لا تستخدم لمعاقبة المدرسة آلياً، بل لتوجيه الموارد والمواكبة واتخاذ القرار.
الموارد وفعالية الإنفاق
التعليم يستحق موارد كافية ومستقرة، لكن زيادة الإنفاق لا تضمن النتيجة إذا لم تصل الموارد إلى ما يغير التعلم. وتبين الدراسة الاقتصادية لـOECD حول المغرب أن الإنفاق على التعليم ارتفع من 4.7% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2017 إلى 5.8% سنة 2022، مقابل متوسط 4.3% في OECD وفق التقرير. لذلك لم تعد كتلة الموارد الإجمالية تفسيراً كافياً للضعف؛ وتصبح أسئلة التوزيع والنجاعة واستقرار الأطر وجودة التنفيذ مركزية. لا يعني ذلك أن كل مدرسة ممولة بما يكفي، بل إن الحكم يجب أن ينتقل من حجم الميزانية وحده إلى ما يصل منها إلى الطفل وما ينتجه من تعلم.
لذلك ينبغي أن يرتبط كل استثمار تربوي بمسار أثر واضح: هل يحسن زمن التعلم؟ هل يخفض الاكتظاظ حيث يؤثر فعلاً؟ هل يوفر كتاباً أو مختبراً أو دعماً في مدرسة محرومة؟ هل يرفع كفاءة المدرس؟ هل يساعد مدير المؤسسة على المتابعة؟ الإصلاح الذي يقيس المدخلات فقط قد يبدو كبيراً في الوثائق بينما يبقى أثره محدوداً داخل القسم.
التفاوت الاجتماعي والمجالي
في PISA 2025 كان 54% من المشاركين المغاربة ضمن الربع الأدنى دولياً على المؤشر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبلغ متوسطهم في العلوم 345 نقطة. وداخل المغرب تفوق الربع الوطني الأكثر حظاً على الأقل حظاً بنحو 55 نقطة في العلوم. ظل هذا الفارق قريباً من مستواه في 2018، إذ تراجع أداء الفئتين بنحو متشابه؛ وهذا لا يبرئ المنظومة، بل يبين أن الأزمة واسعة وأنها تضرب الأكثر هشاشة من قاعدة أضعف. ولا يعمل التفاوت عبر الدخل وحده، بل عبر الكتب واللغة في البيت، ووقت الدعم، وجودة المؤسسة، والمسافة والنقل، والوصول إلى الدروس الإضافية والتكنولوجيا.
العدالة التعليمية لا تعني توزيع الموارد بالتساوي حسابياً، بل إعطاء دعم أكبر حيث تكون الحاجة أكبر. المدرسة القروية البعيدة أو المؤسسة في حي شديد الهشاشة قد تحتاج أساتذة أكثر استقراراً، ونقلاً وإطعاماً، ومواكبة نفسية واجتماعية، ومكتبة، وتجهيزاً، ووقت دعم إضافياً. الأولوية يجب أن تبنى على مؤشر واضح للهشاشة التعليمية لا على قاعدة موحدة تتجاهل السياق.
الغياب والانضباط وزمن التعلم الفعلي
تقدم PISA 2025 مؤشرات مناخية لا يجوز تجاهلها: 36% من التلاميذ أفادوا بأنهم تغيبوا يوماً واحداً على الأقل خلال الأسبوعين السابقين للاختبار، و62% بتجاوز حصة واحدة على الأقل، و59% بالتأخر عن المدرسة مرة واحدة على الأقل. وقال 36% إنهم لا يستطيعون العمل جيداً في معظم حصص العلوم أو كلها، وأشار 41% إلى الضجيج والفوضى، و39% إلى أن التلاميذ لا يستمعون لما يقوله المدرس. هذه بيانات ذاتية الإبلاغ وليست سجلاً إدارياً، ولا تسمح وحدها بإثبات سبب النتائج، لكنها تكشف بيئة قد تهدر زمناً تعليمياً ثميناً وتضعف أثر المنهاج والتكوين.
تحسين المناخ المدرسي يحتاج قواعد واضحة، وعلاقة محترمة بين المدرس والمتعلم، وتعاوناً مع الأسرة، وخدمات دعم حين تكون المشكلات السلوكية انعكاساً لصعوبات اجتماعية أو نفسية، ومتابعة مبكرة للغياب قبل أن يتحول إلى انقطاع. إن المدرسة الجيدة ليست مكاناً يفرض الصمت فقط، بل بيئة تسمح بالعمل والتركيز والشعور بالانتماء.
التكنولوجيا بوصفها أداة لا بديلاً عن التدريس
أفاد 35% من التلاميذ المغاربة بأنهم يتشتتون بسبب استعمال زملائهم للأجهزة الرقمية خلال معظم حصص العلوم أو كلها، كما قال 45% إنهم يستعملون روبوتات المحادثة بالذكاء الاصطناعي لدعم العمل المدرسي مرة أسبوعياً على الأقل. وفي المقابل لم يقل سوى 9% إنهم لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي أبداً أو استخدموه نادراً جداً في المهام المدرسية المدرجة. هذه علاقات وصفية لا تثبت أن الجهاز أو الذكاء الاصطناعي سبب الانخفاض في التحصيل. لكنها تؤكد أن السؤال لم يعد هل ستدخل التكنولوجيا المدرسة، بل كيف تنظم بما يخدم هدفاً تعليمياً واضحاً. ويحذر تقرير اليونسكو العالمي لرصد التعليم حول التكنولوجيا من ندرة الأدلة المحايدة القوية في أجزاء من سوق التقنية التعليمية، ويدعو إلى استعمال إنساني وسياقي وقائم على الدليل.
ينبغي أن يتعلم الطالب متى يستخدم الجهاز ومتى يغلقه، وكيف يتحقق من المعلومة، وكيف يختبر جواب الذكاء الاصطناعي بدلاً من نسخه. وقد ناقش «كوكب المعرفة» في مقال من الشاشة إلى الورق: لماذا يعود التعليم في بعض الدول إلى الكتاب والقلم؟ أن الوسيط يجب أن يخدم المهمة لا أن يسيطر عليها، كما يتقاطع هذا مع تحليل التنشئة الاجتماعية في العصر الرقمي بين الأسرة والخوارزمية بشأن أثر البيئة الرقمية في الانتباه والسلوك والتعلم.
التعليم الأولي والاستثمار قبل ظهور الفجوة
تبدأ فروق التعلم قبل السنة الأولى ابتدائي. فاللغة الشفوية والمفردات والوعي بالأصوات والانتباه والتنظيم الذاتي والتعامل الأولي مع العدد تتكون في سنوات مبكرة. ووفق الدراسة الاقتصادية لـOECD حول المغرب اقتربت مشاركة الأطفال من سن أربع وخمس سنوات في التعليم الأولي من 80% سنة 2023، بعدما كانت في حدود 50% سنة 2018. هذا تحسن مهم في الوصول، لكنه لا يجيب وحده عن سؤال الجودة. فالقسم الذي يفتقر إلى الحوار والقصص واللعب الموجه والتفاعل قد يحقق التسجيل من دون الاستعداد المدرسي المأمول.
يحتاج التعليم الأولي إلى منهاج خفيف يركز على النمو اللغوي والمعرفي والاجتماعي والحركي، وإلى تكوين جدي للمربيات والمربين ومواكبتهم، وأدوات ملاحظة بسيطة لا تحول الطفولة إلى امتحانات مبكرة. ولا ينبغي تفسير الأدلة الدولية على فوائد التعليم الأولي كأثر آلي لكل برنامج؛ فالمدة المنتظمة، ونوعية التفاعل، وحجم المجموعة، واللغة، والربط بالأسرة والابتدائي تحدد القيمة المضافة. المؤشر الأصدق ليس عدد المقاعد فقط، بل تحسن مفردات الطفل وفهمه الشفوي ووعيه الصوتي ومهاراته العددية واستعداده الاجتماعي عند الدخول إلى الابتدائي، مع تضييق الفجوة بين الفئات.
لغة التعلم وسؤال الفهم الفعلي
تتداخل في المدرسة المغربية العربية والأمازيغية والفرنسية، ويصل التلميذ إلى المؤسسة برصيد لغوي يختلف باختلاف الأسرة والمنطقة والمسار السابق. لهذا يجب أن يعالج سؤال اللغة تربوياً لا كشعار سياسي أو سجال هوياتي مجرد. المعيار الأول هو: هل يفهم الطفل لغة الشرح والتعليمات والنصوص؟ وهل يستطيع الانتقال تدريجياً من اللغة الشفوية إلى اللغة الأكاديمية التي تتطلبها العلوم والرياضيات والمواد الإنسانية؟
المشكل يظهر حين يصبح تعلم المفهوم متداخلاً مع صعوبة فهم لغة عرضه، أو حين ينتقل التلميذ بين لغات التدريس من غير بناء جسور مصطلحية ومهارية كافية. والحل ليس تبسيط المحتوى إلى حد إفقاره، بل التخطيط اللغوي داخل كل مادة: شرح المفردات، بناء الجملة العلمية، التدريب على قراءة السؤال، تمثيل المفهوم بصور وأمثلة، والتأكد من الفهم قبل الانتقال. مدرس الرياضيات والعلوم هو أيضاً مدرس للغة الأكاديمية في مادته، لأن التلميذ لا يستطيع حل مشكلة لا يفهم صياغتها.
ثقافة الامتحان والفهم العميق
تستطيع منظومة تعليمية أن تنتج نسب نجاح مرتفعة نسبياً وفي الوقت نفسه تكشف الاختبارات الدولية عن ضعف في التوظيف والفهم. لا يوجد تناقض بالضرورة، لأن الامتحان المدرسي قد يقيس ما تم تدريبه عليه بصورة مباشرة، بينما يطلب PISA نقل المعرفة إلى سياق جديد. إذا اعتاد التلميذ نموذجاً ثابتاً من الأسئلة، فقد ينجح في استرجاع الطريقة من الذاكرة ويجد صعوبة عندما يتغير شكل المسألة أو النص.
لذلك يجب أن يتغير التقويم داخل القسم تدريجياً. لا ينبغي إلغاء الأسئلة المباشرة التي تقيس المعرفة الأساسية، فهي ضرورية، لكن يجب أن تضاف إليها أسئلة تفسير وتعليل ومقارنة وتطبيق في سياقات متنوعة. كما ينبغي أن يحصل التلميذ على تغذية راجعة تكشف له سبب الخطأ، لا علامة رقمية فقط. الامتحان الجيد لا ينتظر نهاية التعلم ليحكم على التلميذ، بل يساعد أثناء الطريق على تحسين التعلم نفسه.
التعليم العمومي والخصوصي ومسؤولية الجودة
ينزلق النقاش أحياناً إلى مواجهة مبسطة بين المدرسة العمومية والخصوصية. لكن الدولة مسؤولة عن ضمان حق الجميع في تعليم ذي جودة، مباشرة عبر العمومي ومن خلال التنظيم والمراقبة والمعايير في الخصوصي. ولا تنشر المذكرة الوطنية لـPISA 2025 تقديراً سببياً نظيفاً لـ«أثر» نوع المؤسسة في المغرب. لذلك لا يجوز أخذ فرق خام، إن وجد في قاعدة البيانات، دليلاً على تفوق مؤسسي سببي؛ فانتقاء الأسر والدخل والرأسمال الثقافي والموقع والدروس الإضافية عوامل تسبق دخول المدرسة وتؤثر في النتيجة.
الأولوية هي تقوية المدرسة العمومية حتى لا تصبح جودة التعليم سلعة يشتريها من يستطيع. وفي الوقت نفسه ينبغي أن تخضع كل المؤسسات، عمومية وخصوصية، لمعايير تعلم وشفافية ومساءلة متكافئة. والمقارنة العادلة تقيس القيمة المضافة بعد ضبط خصائص المتعلمين، وتتبع التقدم داخل المؤسسة بمرور الزمن، لا النتيجة الخام وحدها. بهذا تصبح البيانات أداة لتحسين الجودة وحماية الحق في التعلم، لا وسيلة لتسويق مدرسة أو وصم أخرى.
خطة وطنية قابلة للتنفيذ للخروج من أزمة التعلم
لا يحتاج المغرب إلى شعار تربوي جديد كل بضع سنوات، بل إلى أولويات محدودة تقاس وتستمر. وقد حددت خارطة الطريق 2022-2026 لوزارة التربية الوطنية ثلاثة أهداف استراتيجية: تعزيز التعلمات الأساس، وتوسيع الأنشطة الموازية، وتقليص الهدر المدرسي. وتنسجم مؤسسات الريادة مع هذه الوجهة عبر الدعم العلاجي والبيداغوجيا المنظمة والمواكبة المهنية. غير أن ترتيب الزمن ضروري: إجراءات عاجلة خلال عامين لاستعادة القراءة والحساب والمواظبة؛ إصلاحات متوسطة من ثلاث إلى خمس سنوات لتثبيت التكوين والقيادة والتمويل التفضيلي؛ وتحولات أطول للمناهج ولغة التعلم وبنية التقويم. ويجب أن يملك كل إجراء خط أساس وهدفاً سنوياً ومؤشراً منشوراً.
الأساسيات أولوية وطنية معلنة
المشكلة أن المنظومة قد تتوزع بين عشرات الأهداف من غير ضمان إتقان الأدوات التي تسمح بتحقيقها. في الأجل القصير ينبغي إعلان معايير وطنية واضحة لما يجب أن يتقنه الطفل في القراءة والحساب والاستدلال العلمي في نهاية كل سنة، وربط زمن التدريس والدعم والموارد بها. لا يعني ذلك إهمال الفن والرياضة والقيم واللغات؛ فهذه المجالات تصبح أعمق حين يمتلك المتعلم أدوات الفهم. ويقاس النجاح سنوياً بنسبة من يبلغون المعايير الأساسية في تقويم وطني منخفض المخاطر، وبسرعة تضييق الفجوة بين الجهات والفئات، لا بعدد المذكرات الصادرة.
تقويم تشخيصي قصير ومتكرر يوجه الدعم
المشكلة هي معالجة تعثر غير مشخص أو اكتشافه بعد فوات وقت طويل. يحتاج كل مستوى إلى أدوات قصيرة موحدة المعايير في بداية السنة ومنتصفها ونهايتها لقياس مهارات محددة: فك الكلمات، الطلاقة، فهم فقرة، معنى العدد، العمليات، حل مسألة، وتفسير بيانات. يجب أن تصل النتيجة فوراً إلى المدرس والمدير والأسرة في صورة قابلة للعمل، من دون تحويل التقويم إلى امتحان عقابي أو ترتيب علني للأطفال. ويقاس النجاح بنسبة التلاميذ الذين لديهم تشخيص محدث، وزمن الانتقال من التشخيص إلى بدء الدعم، ونسبة من يغلقون فجوة مهارية محددة خلال دورة دعم واحدة.
دعم مكثف مبني على المستوى الفعلي
المشكلة أن التلميذ قد يكون في السنة الخامسة ويقرأ بمستوى السنة الثانية، بينما يستمر التدريس على مستوى المقرر الاسمي. ينفذ الحل في الأجل القصير عبر وقت محمي يومي أو دوري، ومجموعات صغيرة مرنة بحسب المهارة لا بحسب وصم دائم، ومواد متدرجة، وإعادة قياس كل بضعة أسابيع. ويمكن توظيف خبرة مؤسسات الريادة وTaRL مع حماية نسبة المؤطرين وجودة التدريب. ويقاس النجاح بحركة التلميذ من مستوى تشخيصي إلى المستوى التالي، وبنسبة الخروج من الدعم، وباستمرار المكسب بعد فصل دراسي، لا بمجرد الحضور في حصة علاجية.
خطة قراءة وطنية تبدأ من التعليم الأولي
المشكلة أن فجوة القراءة تبدأ في اللغة الشفوية والوعي الصوتي ثم تتراكم. يبدأ التنفيذ في التعليم الأولي ببيئات غنية بالكلام والقصص والألعاب اللغوية، ثم ينتقل في الابتدائي إلى تعليم صريح ومنظم لفك الرموز والطلاقة والمفردات والفهم والكتابة، مع وقت قراءة يومي ومكتبات صفية وإعارة الكتب إلى البيت. ينبغي تدريب المدرسين على مسار القراءة وملاحظة الأخطاء، وتوفير نصوص متدرجة بلغات المدرسة. ويقاس النجاح بالطلاقة والدقة والفهم في نهاية السنتين الثانية والثالثة، وعدد الكتب المقروءة، ونسبة الأطفال الذين يلحقون بالمعيار بعد الدعم، مع نشر الفروق الاجتماعية والمجالية.
تعليم الرياضيات حول الفهم والتدرج
المشكلة ليست نقص التمرين وحده، بل هشاشة مفاهيم العدد والقيمة المكانية والعمليات والكسور والنسب والقياس والبيانات. في الأجلين القصير والمتوسط تبنى خرائط تعلم تظهر المتطلبات السابقة، وتزود الأقسام بتمثيلات محسوسة وبصرية، وتصبح المسائل اللفظية والتعليل وشرح الاستراتيجية جزءاً يومياً من الدرس. ويتلقى المتعثر مساراً علاجياً للمهارة المفقودة قبل دفعه إلى محتوى أعلى. ويقاس النجاح بإتقان مفاهيم محددة في تقويمات تطبيقية، وانخفاض الأخطاء النمطية، وقدرة التلميذ على تفسير طريقته ونقل المفهوم إلى وضعية جديدة.
تدريس العلوم حول الاستقصاء والدليل
المشكلة أن درس العلوم قد يتحول إلى تعريفات تحفظ للامتحان من دون بناء القدرة على السؤال والاستدلال. يمكن حتى للمدارس التي لا تملك مختبراً كاملاً تنفيذ ملاحظات وتجارب بسيطة وقياسات آمنة، مع دفاتر علمية يسجل فيها المتعلم الفرضية والدليل والتفسير. يحتاج المدرسون إلى حزم أنشطة منخفضة الكلفة وتكوين في السلامة وفي مناقشة الدليل. ويقاس النجاح بقدرة التلميذ على تصميم اختبار بسيط، وقراءة جدول أو رسم، والتمييز بين الملاحظة والاستنتاج، وتبرير حكمه علمياً، إلى جانب نسبة المدارس التي تنفذ نشاطاً استقصائياً فعلياً بانتظام.
تكوين أساس ومواكبة مهنية داخل المؤسسة
المشكلة أن التكوين النظري المنفصل لا يغير الممارسة وحده. في الأجل المتوسط ينبغي ربط التكوين الأساس بإقامة مدرسية مؤطرة وتدريس فعلي وتغذية راجعة، ثم توفير مواكبة مهنية محترمة بعد التعيين: ملاحظة، ونقاش، ونموذج درس، وتجربة جديدة، ومتابعة. تركز المواكبة على تعليم القراءة والرياضيات والعلوم، وإدارة الفروق والتقويم التكويني، لا على قوائم حضور الدورات. ويقاس النجاح بتغيرات موثقة في الممارسة عبر ملاحظات صفية موثوقة، وبنسبة المدرسين الذين يتلقون دورة coaching مكتملة، وبأثرها على تقدم تلاميذهم مع فحص ما إذا كان الأثر يستمر عند التوسع.
مدير المؤسسة قائد للتعلم
المشكلة أن المدير قد يغرق في المعاملات ويبتعد عن جوهر المدرسة. ينبغي تخفيف العبء الإداري غير الضروري، وتكوين المدير في القيادة التعليمية، ومنحه لوحة صغيرة تضم الحضور والقراءة والحساب والدعم والانقطاع والمناخ المدرسي، مع وقت منتظم لزيارة الصفوف وعقد اجتماعات تعلم قصيرة. لا تستخدم البيانات لعقاب آلي، بل لتوجيه الدعم والموارد. ويقاس النجاح بانتظام اجتماعات تحليل التعلم، وسرعة الاستجابة للغياب والتعثر، وتحسن مؤشرات المدرسة، واستطلاعات ثقة المدرسين في نوعية الدعم الذي يتلقونه من القيادة.
تمويل تفضيلي للمدارس الأشد حاجة
المشكلة أن التوزيع المتساوي حسابياً قد يكرس عدم المساواة الواقعية. في الأجل المتوسط يخصص جزء من التمويل وفق مؤشر مركب للهشاشة يشمل التعثر والفقر والبعد والانقطاع وصعوبة استقرار الأطر. تحصل المدرسة الأشد حاجة على مدرسين أكثر استقراراً، ودعم إضافي، ونقل وإطعام ومواكبة اجتماعية وتجهيز ذي وظيفة تعليمية. ويقاس النجاح بنصيب التلميذ من الموارد المعدلة بالحاجة، وبانخفاض شغور المناصب والغياب والانقطاع، وبانكماش فجوة التعلم بين الربعين الاجتماعيين وبين الوسطين القروي والحضري.
تقليص التكرار بالتدخل المبكر
المشكلة أن تكرار السنة يعيد غالباً التجربة نفسها من غير معالجة السبب، ويكلف الطفل والدولة وقد يرفع خطر الانقطاع. وتبين مراجعة OECD للمغرب أن خبرة التكرار أكثر شيوعاً لدى الربع الأدنى دخلاً من الأعلى، وأنها ما تزال مرتفعة في الابتدائي والإعدادي رغم تراجعها في الثانوي التأهيلي. ينبغي جعل التشخيص والدعم خلال السنة والأعياد القصيرة الأداة الأولى، مع إبقاء التكرار قراراً فردياً استثنائياً مصحوباً بخطة مختلفة. ويقاس النجاح بانخفاض التكرار غير المبرر، وبنسبة الحالات التي استعادت المهارات من دون إعادة السنة، وبالانقطاع اللاحق والتكلفة لكل فجوة تعلم أغلقت.
حماية زمن التعلم
المشكلة أن الحق في التمدرس قد يوجد على الورق بينما يضيع زمن التعلم في الغياب والتأخر والفوضى والتنقلات الطويلة. يحتاج كل إقليم ومؤسسة إلى إنذار مبكر للحضور، واتصال سريع بالأسرة، وخطة لاسترجاع التعلم، ودعم اجتماعي للحالات المتكررة، وتدريب على إدارة صفية تقلل وقت الانتقال. في الأجل القصير يمكن متابعة الغياب أسبوعياً لا سنوياً. ويقاس النجاح بمعدل الحضور والتأخر والحصص المنجزة، وبزمن الانخراط الفعلي داخل الحصة، وبانخفاض الانتقال من الغياب المزمن إلى الانقطاع.
شراكة عملية مع الأسرة
المشكلة أن التواصل مع الأسرة قد يقتصر على العقوبة أو النتائج النهائية، أو تتحول الشراكة إلى نقل مسؤولية التعليم إلى البيت. يمكن للمدرسة تقديم إرشادات قصيرة قابلة للتنفيذ: قراءة يومية، سؤال الطفل عما فهم، متابعة الحضور، وتهيئة وقت هادئ، مع بدائل للأسر محدودة الموارد أو غير القادرة على المساعدة الأكاديمية. وينبغي فتح قنوات ثنائية للاستماع إلى العوائق. ويقاس النجاح بنسبة الأسر التي تتلقى معلومات مفهومة وفي وقت مناسب، والاستجابة للغياب، واستعمال إعارة الكتب والأنشطة المنزلية البسيطة، مع عدم اتساع فجوة النتائج بحسب تعليم الوالدين.
استعمال منضبط للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
المشكلة ليست وجود الجهاز وحده، بل استعمال بلا غرض أو قواعد أو حماية. في الأجل القصير تضع المدارس سياسات حسب العمر والمادة تحدد متى يفتح الجهاز ومتى يغلق، وتعلم التحقق من المصدر ومقارنة الإجابات وكشف الهلوسة وتوثيق استعمال الذكاء الاصطناعي. ولا يعتمد أي تطبيق واسع قبل تجربة تقيس أثره مقابل الكلفة وحماية البيانات وإمكان الوصول المتكافئ. ويقاس النجاح بزمن التركيز داخل الحصة، وجودة المهمات المنتجة مع الأداة، وقدرة التلميذ على التحقق من جواب خاطئ، والفروق في الوصول، ومعدل الحوادث المتعلقة بالخصوصية أو الغش.
تقييم مستقل وشفاف لمؤسسات الريادة
المشكلة أن التوسع السريع قد يضعف الأثر أو يحول البرنامج إلى علامة إدارية. تعرض الصفحة الرسمية لمؤسسات الريادة مكوناتها في الدعم والبيداغوجيا والمواكبة، ويورد البنك الدولي نتيجة أولية مفادها أن تلاميذها بعد سنة حققوا مكاسب أعلى من 82% من أقرانهم في مدارس مقارنة. يجب عرض هذه العبارة كما هي: ترتيب نسبي مستند إلى تقييم أولي، لا «تحسن بنسبة 82%»، ولا يغني عن نشر التصميم والبيانات والتقديرات كاملة للتحكيم. يقاس النجاح باختبارات مستقلة قابلة للمقارنة، واستمرار الأثر، والفروق بين الجهات، والتكلفة لكل تلميذ، والمحافظة على جودة التدريب عند التوسع.
لوحة وطنية علنية للتعلم
المشكلة أن المجتمع ينتظر دورة دولية كل بضع سنوات ليعرف حجم التعثر. ينبغي بناء لوحة سنوية أو نصف سنوية للتعلمات الأساسية، تعرض نتائج عينات أو تقويمات وطنية موثوقة حسب المستوى والجهة والفئة، مع فواصل الثقة وشرح المنهج وحماية الخصوصية وتجنب ترتيب المدارس الخام. يقاس نجاح اللوحة بانتظام النشر في موعد ثابت، ونسبة المؤشرات ذات خط الأساس والهدف، وسرعة إتاحة البيانات للباحثين، وعدد القرارات التي توثق كيف استعملت النتائج في تعديل الموارد أو البرامج.
استمرارية الإصلاح والتعلم المؤسسي
المشكلة أن دورة الإصلاح أقصر من الزمن اللازم لظهور أثر تربوي راسخ. يجب إنشاء ذاكرة مؤسساتية تحفظ الأدوات والبيانات والتقييمات، وتحدد مسبقاً شروط توسيع البرنامج أو تعديله أو إيقافه. ما يثبت أثره يحسن ويوسع تدريجياً، وما يفشل لا يحمى بالاسم أو الجهة التي أطلقته. ويقاس النجاح بنسبة البرامج التي تملك نظرية تغيير وخط أساس وتقييماً مستقلاً، واستمرار المكونات الفعالة عبر تغير المسؤولين، والوقت بين ظهور الدليل واتخاذ قرار معلل بشأنه.
المراحل الزمنية ومؤشرات التنفيذ
يمنع هذا التسلسل ازدحام الإصلاح بالشعارات، ويجعل كل مرحلة تعالج اختناقاً محدداً وتنتج بيانات تسمح بتعديل المرحلة التالية.
| الأفق | المشكلة المركزية | الإجراءات ذات الأولوية | مؤشرات النجاح |
| قصير حتى عامين | فجوات القراءة والحساب والغياب | تشخيص ثلاثي؛ دعم بالمستوى الفعلي؛ وقت قراءة؛ إنذار مبكر للحضور | بلوغ المعايير؛ إغلاق الفجوة بعد الدعم؛ الحضور؛ زمن التعلم |
| متوسط من 3 إلى 5 سنوات | جودة التدريس والقيادة وعدم عدالة الموارد | مواكبة صفية؛ قيادة تعليمية؛ تمويل تفضيلي؛ إصلاح التكرار | الممارسة الصفية؛ فجوات الفئات؛ الاستقرار؛ التكرار والانقطاع |
| طويل بعد 5 سنوات | بنية المناهج والتقويم واللغة والحوكمة | تدرج المناهج؛ جسور لغوية؛ تقويم للكفايات؛ بيانات وتقييم مستقل | النقل إلى وضعيات جديدة؛ الاتجاهات الوطنية والدولية؛ استدامة الأثر |
مؤشرات قياس نجاح الإصلاح قبل دورة PISA المقبلة
النجاح لا يقاس بعدد المؤسسات المصنفة ضمن مشروع، أو الأجهزة الموزعة، أو أيام التكوين وحدها؛ فهذه مدخلات لا نتائج. يجب أن تمتلك الدولة سلة صغيرة ثابتة من مؤشرات التعلم والإنصاف: القراءة والفهم في نهاية السنتين الثانية والثالثة، إتقان الحساب الأساسي وحل المسألة، الاستدلال العلمي، نسبة من يغلقون فجوة بعد الدعم، الحضور والانقطاع والانتقال، والفروق بين الجنسين والوسطين والشرائح الاجتماعية. لكل مؤشر تعريف وطريقة حساب وخط أساس وهدف سنوي وفاصل ثقة عند استخدام العينات.
وتربط المؤشرات بالزمن وبالقرار: هل تحسن الطفل بعد دورة دعم مدتها ثمانية أسابيع؟ هل المدرسة التي تلقت مورداً إضافياً قلصت الفجوة؟ هل غيرت المواكبة الممارسة الصفية ثم التحصيل؟ هل حافظ التوسع على أثر المرحلة التجريبية؟ يجب أن تجمع المراقبة بين بيانات كمية وزيارات صفية ومقابلات تكشف آلية التنفيذ، وأن تنشر النتائج السلبية كما الإيجابية. بهذه الطريقة تصبح السياسة التعليمية عملية تعلم مستمرة، لا سلسلة إعلانات ولا انتظاراً لترتيب دولي جديد.
التعليم والتنمية وكلفة تأجيل الإصلاح
التعليم ليس قطاعاً اجتماعياً عادياً إلى جوار قطاعات أخرى. إنه القطاع الذي يحدد نوعية القوى البشرية التي ستشغل تلك القطاعات مستقبلاً. الطبيب والمهندس والتقني والمدرس والقاضي والمقاول والباحث كلهم يبدأون من مدرسة. وإذا كانت المدرسة لا تبني القراءة والحساب والتفكير، فإن الاقتصاد يدفع الكلفة لاحقاً في ضعف الإنتاجية والتكوين وإعادة التأهيل والبطالة وصعوبة الانتقال إلى أنشطة أعلى قيمة.
يحتاج المغرب إلى الصناعة المتقدمة والرقمنة والطاقة والبحث والذكاء الاصطناعي، وكلها تتطلب قاعدة واسعة لا نخبة صغيرة فقط. لا يمكن بناء اقتصاد معرفة إذا كان معظم أبناء الخامسة عشرة دون المستوى الأساسي في الرياضيات والقراءة. التنمية المستدامة لا تقوم على البنية التحتية وحدها؛ تحتاج رأساً مالياً بشرياً قادراً على تشغيلها وتطويرها وصيانتها وابتكار ما بعدها.
ويحمل التعليم وظيفة اجتماعية لا تقل أهمية: المدرسة الجيدة تمنح الطفل فرصة لتجاوز حدود المكان والدخل اللذين ولد فيهما. حين تكون الجودة موزعة بعدالة، يصبح التعليم أداة للحراك الاجتماعي وتقليص الفوارق. وحين تتفاوت الجودة بشدة، قد تعيد المدرسة إنتاج التفاوت بدل تصحيحه. لذلك فإن الاستثمار في مدارس الفئات الأكثر هشاشة ليس عملاً خيرياً بل سياسة استقرار وعدالة وتنمية.
لغة قوية قابلة للدفاع عنها علمياً
الأرقام تبرر وصف الوضع بأنه أزمة تعلم وطنية خطيرة، لأن الحرمان من الحد الأدنى واسع وعابر للمجالات. وفي الوقت نفسه لا تفيد الدقة العلمية تصوير المنظومة كأنها بلا قدرة على التحسن. توسع التمدرس وارتفاع تغطية التعليم الأولي وبناء نموذج مؤسسات الريادة وزيادة الموارد عناصر يمكن البناء عليها. كما أن عينة PISA 2025 لا تقيس بعد الأثر الكامل للإصلاحات التي بدأت حديثاً؛ فقد أوضحت وزارة التربية الوطنية أن المدارس الإعدادية المشاركة لم تكن ضمن مؤسسات الريادة آنذاك، وأن الحكم على أثر المشروع في PISA يتطلب وصول فوج مستفيد إلى سن الخامسة عشرة. هذا قيد زمني صحيح، وليس ذريعة لتأجيل محاسبة السياسات بمؤشرات تعلم وطنية سنوية.
القوة الحقيقية للمقال ليست في أقسى لفظ، بل في جعل خطورة الواقع غير قابلة للإنكار بالدليل. حين تقول الأرقام إن 87.2% دون المستوى الثاني في القراءة، و83.9% في الرياضيات، و77.2% في العلوم، و73.2% منخفضو الأداء في المجالات الثلاثة، فلا نحتاج إلى مبالغة. ويظل من الواجب رفض قراءتين معاً: قراءة تنكر الأزمة لأن التغطية توسعت، وقراءة تتجاهل مكسب التغطية كي تصنع قصة انهيار بسيط السبب. الحقيقة الأصعب أن المغرب مطالب الآن بضمان الوصول والتعلم معاً وعلى نطاق واسع.
الطفل المغربي هو القضية
تضع نتائج PISA 2025 في المغرب المدرسة أمام مرآة صعبة: 358 نقطة في العلوم، و321 في القراءة، و355 في الرياضيات. وفي الترتيب الوصفي للمتوسطات بعد استبعاد نتيجة دوشنبه دون الوطنية يأتي المغرب 82 من 90 في العلوم، و86 من 89 في القراءة، و79 من 89 في الرياضيات؛ ولا يوجد ترتيب مركب رسمي يجمعها. لكن الأشد دلالة هو أن أغلبية واسعة لا تبلغ المستوى الثاني في المجالات الأساسية، وأن 73.2% منخفضو الأداء فيها معاً. هذه حقيقة لا ينبغي أن تضيع بين جدل الرتب أو تفسير كل التراجع بالجائحة أو توسع التمدرس.
لا تعني الأزمة أن التحسن مستحيل. الأدلة الدولية والتجارب المغربية الأولية تشير إلى أن التعلم يتحسن عندما تركز الأنظمة على الأساسيات، وتشخص المستوى الفعلي، وتوفر دعماً علاجياً منظماً، وتواكب المدرس، وتقرب القيادة من القسم، وتوجه الموارد إلى الأشد حاجة، وتقيس الأثر وتحمي جودة التنفيذ عند التوسع. لكن كل تجربة لها شروطها، ولا تنتقل نتائجها تلقائياً إلى المغرب أو من تجربة محدودة إلى نظام وطني؛ لذلك يجب أن يسير التوسع والتقييم جنباً إلى جنب.
المطلوب أن يصبح التعليم في المغرب أولوية وطنية فعلية لا عبارة احتفالية: أولوية في الميزانية، وفي اختيار الكفاءات، وفي البحث، وفي المتابعة، وفي النقاش العمومي. وأن يقاس نجاح كل إصلاح بسؤال بسيط وصارم: هل صار الطفل يقرأ أفضل، ويفكر أفضل، ويحسب أفضل، ويفهم العالم أفضل؟
لا ينبغي أن يكون هدف المغرب في PISA المقبلة مجرد التقدم بضعة مراكز لأن دولاً أخرى تراجعت. الهدف أن تنخفض نسبة الأطفال الذين لا يفهمون ما يقرؤون، وأن تتقلص فجوة الرياضيات، وأن يصبح درس العلوم مختبراً للتفكير، وأن يجد المتعثر دعماً قبل أن يفقد الثقة، وأن تدخل الأسرة إلى المدرسة شريكاً، وأن يجد المدرس مؤسسة تساعده على النجاح.
PISA ليس القضية في حد ذاته. القضية هي الطفل المغربي الذي يقضي سنوات طويلة داخل المدرسة ثم يصل إلى الخامسة عشرة من غير الحد الأدنى الذي يسمح له بمتابعة التعلم باستقلال. إنقاذه من فقر التعلم هو الامتحان الحقيقي للسياسة التعليمية، وهو استثمار المغرب الأهم في مستقبله الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ويبدأ النجاح عندما يصبح الفرق بين الولوج والتعلم واضحاً في القرار العام: كل طفل في المدرسة، وكل يوم مدرسي يترك أثراً معرفياً، وكل فجوة مكتشفة تتلقى تدخلاً، وكل إصلاح يحاسب بما تعلمه الأطفال لا بما وعدت به الوثائق.
المراجع والمصادر الرئيسية
تقارير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية
OECD. (2026). PISA 2025 Results, Volume I, Country Note: Morocco، 8 شتنبر 2026.
OECD Education GPS. Morocco — Student performance, PISA 2025.
OECD. (2024). OECD Economic Surveys: Morocco 2024، قسم التعليم والمهارات.
المصادر المغربية الرسمية
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. مؤسسات الريادة — المكونات وآليات التنفيذ والتوسع.
تقارير المؤسسات الدولية
World Bank. (2026). Morocco’s Pioneer Schools: Advancing Improved Student Learning، 21 ماي 2026.
UNESCO. (2023). Global Education Monitoring Report: Technology in Education — A Tool on Whose Terms?

