سلسلة من تاريخ المغرب | الحلقة السابعة
مقدمة: حين تتداخل نهاية دولة مع بداية أخرى
يشكل العلويون في تافيلالت بداية مرحلة جديدة في تاريخ المغرب خلال القرن السابع عشر، وهي مرحلة تداخل فيها أفول الدولة السعدية مع صعود قوى سياسية ومحلية متعددة، قبل أن تتقدم الأسرة العلوية تدريجياً نحو موقع القيادة.
في الحلقة السادسة من سلسلة تاريخ المغرب تابعنا صعود الدولة السعدية من سوس، وتوحيدها البلاد، وانتصارها في وادي المخازن، ثم عصر أحمد المنصور الذهبي وما اتسم به من قوة سياسية واقتصادية وعسكرية. وبعد وفاته سنة 1012هـ/1603م دخلت الدولة مرحلة طويلة من الصراع على الحكم، وانتهت تلك الحلقة عند أفول البيت السعدي الحاكم في مراكش سنة 1069هـ/1658-1659م. ولم تكن تلك النهاية تعني اختفاء جميع مراكز السلطة القائمة في المغرب، إذ استمرت قوى متعددة في فاس ومراكش وسوس وأبي رقراق والشرق. أما دخول المولى الرشيد مراكش فسيأتي لاحقاً، سنة 1079هـ/1668-1669م، بعد سنوات من صعود العلويين وتغير موازين القوة في البلاد.
لكن الانتقال بين السعديين والعلويين لا يمكن فهمه باعتباره انتقالاً بسيطاً من أسرة حاكمة إلى أخرى. فالعلويون لم يظهروا فجأة بعد سنة 1659م، كما أن السعديين لم يفقدوا سلطانهم على المغرب كله دفعة واحدة منذ وفاة أحمد المنصور. بين الحدثين يمتد أكثر من نصف قرن من التحولات السياسية العميقة، وفي هذا النصف قرن تراجع مركز مراكش، وتغيرت موازين القوى في فاس والوسط والشمال، وبرزت الزوايا والقيادات المحلية، وأصبحت طرق التجارة والقوافل جزءاً من الصراع على النفوذ، بينما كانت تافيلالت، في الجنوب الشرقي، تشهد صعود أسرة شريفة ستتحول بالتدريج من مكانة دينية واجتماعية محلية إلى مشروع سياسي قادر على إعادة جمع البلاد.
لهذا تبدأ قصة الصعود العلوي قبل نهاية السعديين بسنوات طويلة. إنها قصة تداخل زمنين: زمن دولة سعدية تراجعت قدرتها على ضبط المجال المغربي كله، مع بقاء فرعها الحاكم في مراكش، وزمن قوة علوية ناشئة في تافيلالت انتقلت بالتدرج من مكانة شريفة محلية إلى زعامة سياسية ثم إلى مشروع سلطاني. لم يكن المغرب في هذه العقود فراغاً سياسياً مطلقاً، بل مجالاً تتجاور فيه سلطات ومراكز نفوذ متفاوتة، لكل منها قواعدها وتحالفاتها ومواردها.
هذا المقال لا يصل بعد إلى عهد المولى إسماعيل، ولا يستبق بالتفصيل سنوات حكم المولى الرشيد التي ستخصص لها الحلقة التالية. غايته أن يشرح ما سبق لحظة اتساع السلطنة: كيف تراجع السلطان السعدي بعد 1012هـ/1603م؟ لماذا ازدادت أهمية تافيلالت؟ من هم الشرفاء العلويون قبل أن يصبحوا سلاطين المغرب؟ وكيف انتقلت الأسرة من زعامة محلية إلى قوة إقليمية، ثم إلى العتبة التي مثلتها فاس سنة 1077هـ/1666م؟
من وفاة أحمد المنصور إلى تراجع السلطان السعدي وتعدد مراكز القوة
حين توفي السلطان أحمد المنصور الذهبي قرب فاس سنة 1012هـ/1603م، كان السعديون يملكون جهازاً سلطانياً واسع النفوذ، يسيطر على المراكز الحضرية الكبرى ويرتبط بشبكات دبلوماسية وتجارية تمتد إلى أوروبا والبحر المتوسط والصحراء وبلاد السودان الغربي. غير أن أزمة الخلافة التي أعقبت الوفاة كشفت سريعاً هشاشة التوازن داخل البيت السعدي. لم يختف المخزن السعدي في يوم واحد، لكنه فقد بالتدريج القدرة التي كانت له في عهد المنصور على فرض مركز سياسي واحد على البلاد.
تنازع زيدان وأبو فارس والشيخ المأمون، وتبدلت البيعات بين فاس ومراكش، وتحولت المنافسة داخل الأسرة إلى حروب استنزفت المال والرجال وأضعفت هيبة المركز. واستدعى بعض المتنافسين دعماً خارجياً وقدموا تنازلات ثقيلة؛ ومن أبرزها تسليم الشيخ المأمون العرائش إلى الإسبان سنة 1019هـ/1610م في سياق سعيه إلى استعادة السلطان. ومع امتداد النزاع اتسعت هوامش الحركة أمام قوى محلية وزاوية وقبلية ومدينية كانت تملك تنظيماً وموارد وقدرة على حماية مجالاتها أو توسيع نفوذها.
استمر البيت السعدي في مراكش بعد زيدان وأبنائه، وظلت المدينة مركزاً لسلطة سعدية فعلية وإن تقلص مجالها كثيراً قياساً بعهد المنصور. وفي الوقت نفسه اتسع نفوذ الزاوية الدلائية في الأطلس المتوسط والوسط وأجزاء من الشمال، وبرزت إيليغ وتازروالت في سوس، وتشكل على مصب أبي رقراق تنظيم سياسي وتجاري وعسكري ارتبط بالموريسكيين، وتحرك محمد العياشي ثم الخضر غيلان في الشمال الغربي، بينما تمتعت قبائل ومدن ومجالات أخرى بدرجات مختلفة من الاستقلال العملي. كانت الخريطة السياسية متحركة، ولم تكن حدود هذه القوى ثابتة أو متطابقة مع حدود إدارية حديثة.
لهذا فالمغرب في العقود الوسطى من القرن السابع عشر لا يوصف بدقة إذا قيل إنه كان بلا سلطة، كما لا يوصف بدقة إذا قيل إن دولة واحدة كانت تحكمه كله. كانت هناك سلطات متعددة، تختلف في طبيعتها ومجالها وشرعيتها. بعضها استند إلى زاوية دينية، وبعضها إلى قوة قبلية وعسكرية، وبعضها إلى مدينة وشبكة تجارية، وبعضها إلى بقايا الشرعية السعدية. وفي هذا السياق ظهرت الأسرة العلوية في تافيلالت باعتبارها واحدة من القوى الصاعدة، قبل أن تصبح القوة التي ستنجح في تجاوز الآخرين.
استمرار السعديين في مراكش مهم لفهم هذه الخريطة. فقد بقيت البيعة السعدية قائمة في الجنوب بعد انحسار نفوذ الأسرة في مناطق أخرى، وتوالى حكام من البيت السعدي على المدينة إلى أحمد العباس. وفي فاس كانت حروب أبناء المنصور قد تركت أثراً عميقاً، ثم انتقل ثقل القوة إلى الدلائيين. لذلك لا يُرسم القرن السابع عشر كسلسلة أسر حاكمة تتعاقب من دون تداخل، بل كمرحلة تتزامن فيها شرعيات قديمة مع قوى صاعدة.
الزاوية الدلائية: نفوذ واسع في الوسط وأجزاء من الشمال
كانت الزاوية الدلائية، التي نشأت في مجال الأطلس المتوسط، من أقوى القوى السياسية والدينية في المغرب خلال النصف الأول من القرن السابع عشر. جمعت بين المكانة الدينية وشبكات الأتباع والتحالفات والقدرة العسكرية، واتسع نفوذها في عهد محمد الحاج الدلائي حتى صار لها حضور مباشر أو غير مباشر في مراكز وممرات مهمة. ودخلت فاس تحت النفوذ الدلائي سنة 1051هـ/1641م، لكن طبيعة هذا النفوذ ودرجته تغيرتا بمرور الوقت، كما واجه الدلائيون مقاومات محلية وتبدلات في الولاءات؛ لذلك لا يصح تصوير الوسط والشمال كله كتلة واحدة خاضعة لهم على نحو دائم.
تكمن أهمية الدلائيين في قصة صعود العلويين في أن المنافسة لم تكن ثنائية بين السعديين والعلويين. حين بدأ محمد بن الشريف يوسّع نفوذه خارج تافيلالت وجد أمامه قوة دلائية متقدمة نحو ملوية وفاس ومكناس ومسالك الأطلس. واستطاع الدلائيون إيقاف التوسع العلوي في بعض الجولات وفرض تسويات عليه. نجاح المولى الرشيد بعد ذلك لم يكن استمراراً آلياً لمسار منتصر منذ 1631، بل جاء بعد عقود من المحاولات والهزائم وإعادة توجيه القوة نحو مجالات أخرى.
إيليغ وتازروالت: قوة سوس ومنافسة طرق الجنوب
في سوس وتازروالت برزت سلطة مرتبطة بزاوية إيليغ وبأبي حسون السملالي. توسع هذا النفوذ مع ضعف السلطان السعدي، واتصل بالطرق التجارية الممتدة نحو وادي نون والصحراء وبشبكات من الأعيان والتجار والقبائل. ولم تكن إيليغ تحكم كل الجنوب بحدود ثابتة؛ فقد كان نفوذها يتفاوت بحسب الموضع والمرحلة والتحالف. لكن امتدادها إلى تافيلالت أو الضغط على مصالحها جعلها طرفاً مباشراً في البيئة التي ظهر فيها الشرفاء العلويون قوةً سياسية.
تساعد هذه المنافسة على فهم محطة 1041هـ/1631-1632م التي تضعها مصادر كثيرة في بداية الزعامة السياسية للمولى الشريف بن علي بتافيلالت. لم يكن سكان الواحات يومئذ يعلنون قيام سلطنة على المغرب كله، بل كانوا يتعاملون مع ضغط إقليمي شديد ومع مسألة حماية القصور والأسواق والمسالك. لذلك تؤخذ سنة 1631 بوصفها تاريخاً تقريبياً لبروز سلطة علوية محلية، لا تاريخاً قطعياً لاجتماع واحد يمكن وصفه بأنه يوم تأسيس الدولة المغربية العلوية مكتملة الأركان.
أبو رقراق والموريسكيون: مركز بحري في زمن تعدد السلطات
بعد طرد الموريسكيين من إسبانيا في بدايات القرن السابع عشر، استقر عدد منهم في المغرب، وكان للموريسكيين الوافدين من هورناتشوس وغيرهم حضور قوي في قصبة الرباط، أو ما كان يسمى أحياناً سلا الجديدة، وعلى مصب أبي رقراق. ومنذ نحو 1037هـ/1627م تشكل هناك تنظيم سياسي وتجاري وعسكري عرف في الكتابات الحديثة باسم جمهورية أبي رقراق أو جمهورية سلا، وارتبط بالملاحة والغزو البحري والتفاوض مع قوى أوروبية. لكن اسم «سلا» في المصادر الحديثة قد يوهم بوحدة سياسية دائمة للضفتين؛ فالقصبة وسلا العتيقة والمجالات المحيطة دخلت في علاقات متغيرة مع العياشي والدلائيين وقوى أخرى.
وجود هذا المركز المستقل نسبياً يضيف بعداً بحرياً إلى صورة المغرب في زمن الانتقال. فالصراع لم يكن يدور في الواحات والجبال وحدها، بل شمل الموانئ والتجارة الأطلسية والصلات الأوروبية. وقد عقدت جماعات أبي رقراق اتفاقات وتعاملت معها دول أوروبية بوصفها طرفاً سياسياً، ثم تغير وضعها مع اتساع النفوذ الدلائي. هذه المرونة نفسها تؤكد أن الحديث عن «دويلات» ذات حدود نهائية لا يصف المرحلة بدقة؛ الأدق هو الحديث عن مراكز سلطة متداخلة ومتغيرة.
تافيلالت وسجلماسة: موقع قديم عاد إلى قلب التحول السياسي
قد تبدو تافيلالت، لمن ينظر إلى تاريخ المغرب من فاس أو مراكش وحدهما، بعيدة عن مركز القرار. لكن واحات تافيلالت كانت عقدة اتصال بين المجال المغربي وطرق الصحراء، ترتبط بتوات ودرعة وبلاد السودان، كما ترتبط عبر الأطلس وملوية بمدن الوسط والشمال. وبالقرب من الريصاني الحالية قامت سجلماسة، إحدى أشهر حواضر التجارة الصحراوية في تاريخ المغرب الوسيط.
ارتبط اسم سجلماسة منذ القرون الأولى للقوافل بالذهب والأسواق والعبور نحو بلاد السودان. لكن من الضروري ألا ننقل صورة المدينة المزدهرة في القرون الوسطى كما هي إلى القرن السابع عشر. كانت سجلماسة التاريخية قد تعرضت للتخريب والتفكك العمراني منذ أواخر العصور الوسطى، وتحول ثقل الاستقرار إلى قصور وواحات المجال التافيلالتي. بقي الاسم حاضراً في المصادر، وبقي الموقع التجاري للمنطقة مهماً، لكن السلطة العلوية الناشئة لم ترث مدينة وسيطة مزدهرة على صورتها القديمة؛ بل تحركت داخل شبكة واحات وقصور ومسالك صحراوية.
زادت اضطرابات ما بعد وفاة أحمد المنصور من أهمية القوى القادرة على حماية القوافل وتأمين المرور. ويبين ميشيل أبيتبول، في دراسته للتجارة الصحراوية، أن ضعف الإشراف المركزي بعد 1603 دفع جزءاً من الحركة التجارية إلى الاعتماد أكثر على سوس وتافيلالت، حيث قدمت سلطات إقليمية الحماية والخدمات الضرورية للتجار. وتذكر الدراسة أن الشرفاء العلويين بسطوا سيطرتهم على طريق توات في نحو 1053هـ/1643م، وهي محطة تكشف أن التوسع العلوي لم يكن عسكرياً فقط، بل ارتبط أيضاً بممرات التجارة والاتصال.
منحت تافيلالت العلويين قاعدة اجتماعية وموقعاً على تقاطع طرق ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية. كانت طرق توات ودرعة وسوس تتغير أهميتها بحسب الأمن والسياسة والتحولات التجارية، ولم تكن أي منها طريقاً وحيداً يحتكر الصلة ببلاد السودان. ومن يضمن سلامة القوافل ويقيم علاقات مع القصور والقبائل يستطيع تحصيل موارد وكسب ولاءات ونقل الأخبار والرجال. هكذا دخلت الجغرافيا التجارية ضمن عناصر القوة العلوية من غير أن تكون تفسيراً كافياً بمفردها لقيام الدولة.
من الحسن الداخل إلى الشرفاء العلويين في تافيلالت
تنتسب الأسرة العلوية المغربية، بحسب أنسابها المتداولة في المصادر المغربية، إلى الشرفاء الحسنيين من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما. وتربط الرواية السلالية استقرار الفرع الذي تنحدر منه الأسرة في تافيلالت بالحسن بن القاسم المعروف بالحسن الداخل، القادم من الحجاز إلى سجلماسة في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي. ويثبت تاريخ الأسرة العلوية حضوراً سابقاً بقرون على ظهورها قوةً سياسية في القرن السابع عشر.
تورد مؤلفات مغربية عدداً من التواريخ لقدوم الحسن الداخل، ومن أشهرها نحو 664هـ/1265-1266م، وتربط بعض الروايات قدومه بطلب أعيان من سجلماسة استقدام شريف من الحجاز لما للنسب النبوي من مكانة اجتماعية وروحية. أما تفاصيل الاستقدام وقصص البركة والتمور والجفاف فتصلنا أساساً عبر أخبار سلالية ومحلية متأخرة؛ لذلك تُذكر بوصفها روايات متوارثة، ولا تعامل كل جزئية فيها بوصفها واقعة موثقة بالدرجة نفسها. الأكثر ثباتاً أن الأسرة استقرت بتافيلالت قبل القرن السابع عشر بزمن طويل.
وتظهر في سلسلة النسب العلوية شخصية أقدم باسم المولى علي الشريف، عاشت بحسب دراسة أكاديمية مغربية من نحو 762هـ إلى 847هـ (نحو 1360م إلى 1443م)، وارتبطت بسجلماسة وبمرحلة تفكك المدينة القديمة وتحول طرق التجارة. وجود هذه الشخصية قبل قرنين تقريباً من أحداث 1631 يجعل ضبط الأسماء ضرورياً: فالمولى علي الشريف القديم ليس المولى الشريف بن علي، والد محمد والرشيد وإسماعيل. هذا الفصل سيُحافظ عليه في بقية المقال حتى لا تتداخل السيرتان.
أما ما يتفق عليه المؤرخون بصورة أوسع فهو أن الأسرة كانت مستقرة في تافيلالت قبل القرن السابع عشر بزمن طويل، وأنها تمتعت بمكانة دينية واجتماعية باعتبارها من الشرفاء، وأن هذه المكانة لم تكن تعني أنها كانت تحكم المغرب أو حتى تافيلالت حكماً سياسياً دائماً منذ القرن الثالث عشر. فالانتقال من الشرف الاجتماعي إلى السلطة السياسية حدث في ظروف القرن السابع عشر، حين ضعفت الدولة السعدية واشتد التنافس على الجنوب الشرقي.
وهذا الفرق أساسي. إن أصل الأسرة في تافيلالت سابق للدولة العلوية بعدة قرون، بينما قيام مشروع سياسي علوي منظم يرجع إلى القرن السابع عشر. وبذلك يمكن فهم تاريخ العلويين على مرحلتين: مرحلة طويلة من الحضور الديني والاجتماعي في سجلماسة وتافيلالت، ثم مرحلة التحول إلى قيادة سياسية وعسكرية.
أما وصف الأسرة بـ«الفيلالية» فيحيل إلى تافيلالت، موطن استقرارها ومجال صعودها الأول، فيقال «الشرفاء الفيلاليون» أو «العلويون الفيلاليون» عند الحديث عن هذه المرحلة. وفي أصل تسمية «العلويين» نفسها تذكر المراجع تفسيرين متداولين: ربطها بعلي بن أبي طالب، الذي تنتسب إليه السلالة عبر الحسن، أو ربطها بالمولى علي الشريف، الجد الأقدم للأسرة في تافيلالت. لذلك لا نجعل أحد التفسيرين حقيقة لغوية وحيدة. أما مصطلح «الدولة العلوية» فيحتاج في سياق 1631-1666 إلى بيان المرحلة المقصودة، وهو ما سيعود إليه المقال لاحقاً.
النسب الشريف ومصادر الشرعية السياسية
كان النسب الشريف يتمتع بمكانة كبيرة في المجتمع المغربي، ولم يكن العلويون أول أسرة شريفة تصل إلى الحكم. سبقتهم الدولة الإدريسية في القرون الأولى من تاريخ المغرب الإسلامي، ثم السعديون في القرن السادس عشر. ولهذا كان المجتمع المغربي يعرف جيداً معنى الشرعية المرتبطة بالانتساب إلى آل البيت، ويمنح الشرفاء مكانة خاصة في عدد من البيئات المحلية والعلمية والدينية.
لكن النسب وحده لم يكن كافياً لصناعة دولة. في المغرب نفسه كانت توجد أسر شريفة عديدة لم تتحول إلى سلطنة. ولكي تتحول المكانة الروحية إلى قوة سياسية كان لا بد من عناصر أخرى: قبول محلي، وتحالفات قبلية، وموارد اقتصادية، وقدرة عسكرية، وقيادة تستطيع التفاوض والحرب في الوقت نفسه.
وهذا ما بدأ يتشكل في تافيلالت في النصف الأول من القرن السابع عشر. فالأسرة العلوية لم تحصل على المغرب بمجرد نسبها، بل بنت نفوذها داخل منطقة تعيش صراعاً حقيقياً، ثم دخلت في مواجهات مع قوى أقوى منها أحياناً، وخسرت بعض الجولات قبل أن تتمكن من توسيع سلطتها.
كان النسب الشريف يتيح للأسرة رأسمالاً رمزياً يساعد على قبول الوساطة والبيعة، لكنه لا يفسر وحده انتقالها إلى الحكم. فالأزمات المحلية في تافيلالت، وضغط السملاليين، والمنافسة مع الدلائيين، والقدرة على حماية القصور والطرق، كلها حولت المكانة الاجتماعية إلى مسؤولية سياسية وعسكرية. هذه الظروف تفسر لماذا ظهر التحول في القرن السابع عشر، بعد قرون من استقرار الأسرة في المنطقة من غير سلطنة.
المولى الشريف بن علي: من المكانة الاجتماعية إلى الزعامة المحلية
يحتاج اسم قائد تافيلالت في مطلع ثلاثينيات القرن السابع عشر إلى ضبط حتى لا يختلط بشخصية أقدم في تاريخ الأسرة. سنستعمل في هذا المقال صيغة «المولى الشريف بن علي» للشريف الذي عاش في أواخر القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر، وهو والد محمد بن الشريف والمولى الرشيد والمولى إسماعيل. أما «المولى علي الشريف» الذي خصته دراسات أنساب وتاريخ علوية ببحث مستقل فهو سلف أقدم عاش تقريباً من 762هـ إلى 847هـ (نحو 1360م إلى 1443م)، في مرحلة سابقة لقيام السعديين. وترد تسمية «مولاي علي الشريف» في بعض الاستعمالات المحلية والحديثة أيضاً للدلالة على والد الرشيد، وهو ما يفسر جانباً من الالتباس؛ لكن الفصل الاصطلاحي داخل هذه الحلقة أدق للقارئ.
في نحو 1041هـ/1631-1632م برز المولى الشريف بن علي قيادةً محلية في تافيلالت، وسط ضغط أبي حسون السملالي وتنازع القوى على المنطقة. تختلف الروايات في وصف البيعة ودرجتها وفي تحديد لحظتها الدقيقة، ولذلك لا نحول 1631 إلى تاريخ وحيد لقيام الدولة. هي بداية سياسية محلية متداولة على نطاق واسع في المراجع الحديثة: الأسرة الشريفة التي كان نفوذها اجتماعياً ودينياً أصبحت طرفاً في إدارة الأمن والتحالف والحرب داخل الواحات.
لم يكن نطاق هذه الزعامة مستقراً أو واسعاً. ففي نحو 1045هـ/1635-1636م دخل المولى الشريف في مواجهة شديدة مع النفوذ السملالي، ولم تنته المحاولة لصالحه. وتذكر الحوليات خبر وقوعه في الأسر أو خضوعه لضغط أجبره على الابتعاد، مع اختلاف التفاصيل في كيفية الأسر والفدية وصلته بإيليغ. النتيجة التي يمكن تثبيتها أن السلطة العلوية الأولى كانت ما تزال محدودة، وأن أبا حسون وقوى محلية منافسة استطاعوا منعها من فرض سيادة مستقرة على تافيلالت في تلك اللحظة.
في هذه الظروف تقدم ابنه محمد بن الشريف إلى واجهة العمل السياسي والعسكري. وتضع روايات كثيرة انتقال القيادة الفعلية في حدود 1045هـ/1635-1636م، ثم ترسخ موقع محمد في تافيلالت خلال السنوات التالية حتى أخرج منافسيه الرئيسيين منها نحو 1050هـ/1640-1641م. ولهذا فالأدق ألا نربط انتقال القيادة بوفاة الأب؛ المولى الشريف بن علي ظل حياً إلى 1069هـ/1659م، بينما تولى ابنه محمد زمام التوسع قبل ذلك بأكثر من عقدين.
محمد بن الشريف: تثبيت تافيلالت وبناء نفوذ إقليمي
يمثل المولى محمد بن الشريف مرحلة الانتقال من الزعامة المحلية المتنازع عليها إلى مشروع إقليمي أكثر حركة. ثبت موقعه في تافيلالت وواجه خصومه في القصور والواحات، ثم اتجه إلى درعة وطرق الصحراء والشرق. ولم يكن هذا التوسع خطاً متصلاً؛ فقد تقدم في جهات وتراجع في أخرى، وعقد تسويات حين واجه قوى تفوقه عدداً وتنظيماً.
توضح محطات الأربعينيات اتساع مجال الحركة. ففي نحو 1053هـ/1643م ارتبط النفوذ العلوي بطريق توات، ثم اشتدت المنافسة على ملوية والجهات الواقعة بين سجلماسة وفاس. وبعد نكسة كبيرة أمام الدلائيين سنة 1056هـ/1646م أعاد محمد بن الشريف توجيه جزء من قوته نحو الشرق، وفي نحو 1057هـ/1647م ثبت حضوره في وجدة وكسب ولاءات قبلية في المجال الشرقي. لا تعني هذه التواريخ سيطرة متصلة على كل ما بينها، بل تشير إلى عقد ومراكز نفوذ كانت تتغير تبعاً للتحالف والقوة.
كان هذا التوسع يحمل معنى أكبر من زيادة مساحة النفوذ. فكل طريق جديدة تعني موارد وحلفاء وقدرة على تحريك الرجال والتجارة، وكل مدينة أو واحة تنضم إلى المجال العلوي تجعل الأسرة أقل اعتماداً على تافيلالت وحدها. وهكذا بدأ المشروع ينتقل من الدفاع عن الواحة إلى بناء شبكة إقليمية.
لم تكن موازين القوة في المغرب خلال القرن السابع عشر ثابتة، بل كانت تتبدل تبعاً للتحالفات والبيعات والقوة العسكرية والسيطرة على المدن والطرق. وقد تخضع منطقة لنفوذ قوة معينة فترة من الزمن ثم تنتقل إلى قوة أخرى، لذلك لا يُفهم النفوذ في هذه المرحلة دائماً بوصفه حكماً إدارياً مستقراً وممتداً على المجال كله.
وقعة القاعة سنة 1056هـ/1646م: حدود القوة العلوية أمام الدلائيين
بلغ الصدام مع الدلائيين ذروة مبكرة في وقعة تسميها مصادر مغربية «وقعة القاعة» يوم 12 ربيع الأول 1056هـ/1646م. كان محمد الحاج الدلائي في موقع قوة، وانتهت المواجهة بهزيمة محمد بن الشريف ودخول الدلائيين إلى مجال سجلماسة وفرض تسوية تحد من نفوذه غرباً. تختلف بعض الكتابات الحديثة في ضبط الاسم الجغرافي للوقعة وفي تفاصيل المجال الذي رسمته التسوية، لكن نتيجتها العامة واضحة: لم يكن العلويون في منتصف الأربعينيات قادرين على كسر التفوق الدلائي في الوسط، واضطر محمد إلى إعادة حساب اتجاه توسعه.
امتدت المنافسة بعد ذلك إلى فاس والممرات المؤدية إليها. وعندما اضطربت أوضاع المدينة في نحو 1061هـ/1651م استدعى بعض أهلها محمد بن الشريف أو حاولوا الاستعانة به في مواجهة النفوذ الدلائي، فدخل في معادلات فاس من غير أن يحول ذلك إلى حكم دائم. استعاد الدلائيون موقعهم، وبقيت المدينة ساحة تنازع بين قوى محلية ودلائية إلى أن تغير ميزان القوى في الستينيات. هذه المحاولة تفسر لماذا ظلت فاس هدفاً سياسياً للعلويين قبل نجاح المولى الرشيد بسنوات.
أظهرت تلك التجربة أن القوة العلوية لا تستطيع بلوغ فاس من الجنوب الشرقي بمجرد التقدم المباشر. دفع الضغط الدلائي محمد بن الشريف إلى الاهتمام أكثر بالشرق وبالمجالات الواقعة حول ملوية ووجدة، حيث أمكنه بناء صلات مع قبائل وقوى مقاتلة خارج المركز الدلائي. وستصبح هذه الشبكات لاحقاً جزءاً من الأرض التي تحرك فيها المولى الرشيد حين انفصل عن أخيه وبنى قوته الخاصة.
وجدة وملوية والشرق: توسع بلا حدود حديثة
وفي نحو 1057هـ/1647م، امتد نفوذ محمد بن الشريف إلى وجدة، فاتسع بذلك مجال الحركة العلوية نحو الشرق. وكانت وجدة وسهل أنكاد وناحية بني يزناسن تقع في منطقة شديدة الأهمية، تتقاطع فيها مصالح القوى المحلية والقبلية مع نفوذ إيالة الجزائر العثمانية. وأدخل هذا التوسع محمد بن الشريف في مرحلة جديدة من الصراع، تجاوزت نطاق تافيلالت والجنوب الشرقي إلى مجال أوسع من المنافسة السياسية والعسكرية.
دخل محمد بن الشريف في احتكاكات مع السلطة العثمانية في الجزائر ومع مجموعات مرتبطة بها، وتذكر المصادر حملات وتفاهمات حدت من توسعه شرقاً في مراحل مختلفة. كان المغرب مستقلاً في سلطانه السياسي، وكانت الجزائر إيالة عثمانية؛ أما المناطق الواقعة بين مراكز الحكم فخضعت لموازين قبلية وعسكرية متغيرة. لذلك يُستبعد من النص أي تعبير يوحي بوجود خط حدودي حديث مرسوم في أربعينيات القرن السابع عشر.
من وجهة نظر المشروع العلوي، كان الشرق مفيداً لسبب آخر: لقد أتاح تكوين علاقات مع قبائل ومجموعات مقاتلة خارج نطاق الضغط الدلائي المباشر، وسيساعد هذا لاحقاً المولى الرشيد على بناء قوة عسكرية تتحرك من الشرق نحو تازة وفاس.
كان الشرق مهماً للمولى الرشيد لاحقاً لأنه أتاح له مجالاً لبناء قوة لا تعتمد على تافيلالت وحدها. ارتبطت حركته بتازة ووجدة وبني يزناسن والقبائل المحلية وبالمسالك المؤدية إلى فاس. لا يعني ذلك أن هذه الجهات شكلت كتلة سياسية واحدة؛ الأهم أن الرشيد وجد فيها موارد بشرية وتحالفات ومساحات حركة ساعدته على الخروج من ظل أخيه محمد.
سنة 1069هـ/1658-1659م: نهاية البيت السعدي في مراكش لا نهاية تعدد السلطات
تحمل سنة 1069هـ/1658-1659م دلالة خاصة في الانتقال بين السعديين والعلويين. ففي مراكش قُتل أحمد العباس، آخر السعديين الذين حملوا السلطنة في المدينة، وتؤرخ مراجع كثيرة الحادثة بسنة 1659م، بينما يورد التسلسل الزمني الرسمي المغربي الصيغة 1658/1659. وفي الفترة نفسها توفي المولى الشريف بن علي في تافيلالت. اجتماع الحدثين زمنياً لافت في التسلسل، لكنه لا يعني أن الحكم انتقل مباشرة من أسرة إلى أخرى.
بعد مقتل أحمد العباس بايع أهل مراكش ابن أبي بكر الشباني، وبقيت المدينة في يد الشبانات سنوات أخرى. وكان الدلائيون ما يزالون قوة مهمة في الوسط، وظلت إيليغ وأبو رقراق وقوى الشمال والقبائل الشرقية فاعلة بدرجات مختلفة. أما العلويون فكان محمد بن الشريف صاحب الزعامة الأبرز داخل الأسرة، في حين كان أخوه المولى الرشيد يتجه إلى مسار مستقل. بذلك تنتهي السلالة السعدية الحاكمة في مراكش من دون أن ينتهي فوراً التعدد السياسي الذي صنعته عقود الأزمة.
حين انتهى البيت السعدي الحاكم في مراكش كان العلويون قد أمضوا ما يقرب من ثلاثة عقود في بناء نفوذهم بتافيلالت والجنوب الشرقي والشرق. كانت لهم خبرة في الحرب والتجارة والتحالف والتفاوض، لكنهم لم يكونوا قد أخضعوا فاس أو مراكش، ولم تكن السلطنة العلوية على نطاق المغرب قد استقرت بعد. هذه المسافة بين 1631 و1659 هي التي تمنع ظهور فجوة مصطنعة في السرد بين الدولتين.
من خلاف الأخوين إلى انتقال المبادرة للمولى الرشيد
بعد وفاة المولى الشريف، ظل محمد بن الشريف صاحب النفوذ الأكبر داخل الأسرة. أما أخوه المولى الرشيد فدخل معه في خلاف تحول بمرور الوقت إلى صراع مفتوح. وتختلف الروايات في بعض تفاصيل بداية القطيعة ورحلات الرشيد، لكن الثابت أنه غادر قاعدة الأسرة واتجه نحو الشمال والشرق، حيث بدأ يبني قوة خاصة به.
تحرك المولى الرشيد في مجال شديد التعقيد، امتد بين تازة والريف والشرق، وتداخلت فيه القبائل والقوى المحلية ومراكز التجارة ومناطق النفوذ المتنافسة. وقد احتاج إلى المال والرجال والتحالفات ليصبح قادراً على تحدي أخيه، الذي كان يملك قاعدة تافيلالت ونفوذاً سابقاً في الشرق.
اختلفت الروايات في تفاصيل خروج المولى الرشيد من تافيلالت وفي المحطات التي مر بها قبل استقرار قوته في الشرق. ويصعب تثبيت كل قصة متأخرة حول تلك الرحلات. ما يتفق مع تسلسل الأحداث هو أن القطيعة مع محمد بن الشريف أخرجت الرشيد من القاعدة العائلية الأولى، فاضطر إلى صناعة قاعدة بديلة، ثم عاد من الشرق منافساً قادراً على حسم الزعامة.
ترد في عدد من المصادر المتأخرة قصة ابن مشعل وثروته بوصفها لحظة حاسمة في تمويل صعود المولى الرشيد. وقد أخضع Benson A. Mojuetan هذه الرواية لنقد تاريخي مفصل، وعدّ جانباً كبيراً منها بناءً أسطورياً وظيفته السياسية أوضح من قيمته كخبر قابل للإثبات. لذلك لا نعتمد القصة أساساً لتفسير نشأة قوة الرشيد. الثابت بدرجة أكبر أنه استطاع في الشرق أن يجمع المال والرجال وأن يبني تحالفات مع مجموعات قبلية ومقاتلين مكّنته من تحدي أخيه.
معركة أنكاد في 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م: انتقال القيادة داخل البيت العلوي
وصل التنافس بين الأخوين إلى نهايته في معركة أنكاد، في السهل المعروف ببسيط أو سهل أنكاد قرب وجدة. ويَرِد الاسم في بعض الكتابات بصيغة «أنجاد» أو باللاتينية Angad، لكن «أنكاد» صيغة عربية راسخة في المصادر المغربية والجغرافيا المحلية. تؤرخ الحوليات والمراجع المغربية المعركة بيوم 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م؛ وتظهر أحياناً فروق يوم واحد في التحويل الميلادي، وهو اختلاف تقويمي لا يمس سنة الواقعة أو تسلسلها.
واجه محمد بن الشريف أخاه المولى الرشيد وقُتل في بداية القتال، فتفككت مقاومة جيشه وانتقلت الزعامة العلوية إلى الرشيد. كانت النتيجة أبعد من حسم نزاع عائلي: فقد ورث الرشيد قاعدة تافيلالت التي بناها أبوه وأخوه، وأضاف إليها القوة التي جمعها في الشرق. ومنذ 1075هـ/1664م صار قادراً على توجيه الجزء الأكبر من جهده نحو تازة وفاس ومنافسيه خارج الأسرة.
تكشف معركة أنكاد طبيعة المرحلة التي سبقت السلطنة الواسعة. لم يكن هناك جهاز مركزي جاهز ينتظر سلطاناً جديداً، بل شبكات ولاء وموارد وقوى عسكرية ترتبط بالأشخاص والقبائل والقصور والمدن. نجاح الرشيد تمثل في قدرته على جمع موارد أخيه وموارده الشرقية في قيادة واحدة، ثم تحويل هذا الجمع إلى حركة نحو المراكز الحضرية الكبرى.
من أنكاد إلى فاس: من الزعامة الإقليمية إلى عتبة السلطنة
بعد 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م ثبت المولى الرشيد سلطته على القاعدة العلوية في تافيلالت والشرق، ثم تحرك نحو تازة وفاس في سياق تراجع النفوذ الدلائي واضطراب القوى داخل المدينة. وتسمح مقارنة المراجع بالفصل بين بدء السيطرة العسكرية وبين البيعة المستقرة: فبعض المراجع الموسوعية يؤرخ دخول الرشيد فاس الجديد في 3 ذي الحجة 1076هـ/6 يونيو 1666م بعد حصار، ثم دخوله فاس القديم وأخذ البيعة؛ بينما يثبت التسلسل الزمني الصادر عن المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب مبايعة سكان فاس له في 1077هـ/1666م، محدداً اليوم في 18 ربيع الأول/19 شتنبر. لذلك تعتمد الحلقة سنة 1666 محطة السيطرة على فاس، مع إبقاء اختلاف التواريخ الجزئية واضحاً بدلاً من دمج الدخول العسكري والبيعة في حدث واحد.
كانت فاس محطة تأسيسية كبرى، لا نهاية لعملية التوحيد. بقيت أمام المولى الرشيد الزاوية الدلائية ومراكش والشبانات وسوس ومراكز أخرى، كما احتاج إلى تثبيت البيعة وربط المناطق التي دخلت في طاعته بمخزن قادر على الاستمرار. ستتناول الحلقة التالية هذه السنوات بالتفصيل: من تثبيت فاس إلى مواجهة الدلائيين ودخول مراكش ثم توسيع السلطة، من غير استباق أحداثها هنا.
متى قامت الدولة العلوية؟ أربع عتبات لا تاريخ واحد
تختلف تواريخ «بداية الدولة العلوية» لأن المؤلفين لا يقصدون دائماً الشيء نفسه بكلمة البداية. سنة 1041هـ/1631-1632م تشير إلى بروز المولى الشريف بن علي قيادةً سياسية محلية في تافيلالت. ونحو 1050هـ/1640-1641م يمثل تثبيت محمد بن الشريف للنفوذ داخل الواحات وتحوّل الأسرة إلى قوة أكثر انتظاماً. ثم تأتي 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م، حين انتقلت القيادة إلى المولى الرشيد بعد معركة أنكاد. أما 1076-1077هـ/1666م فتمثل انتقاله إلى فاس: تورد بعض المراجع 3 ذي الحجة 1076هـ/6 يونيو لدخول فاس الجديد، ويضع التسلسل الرسمي المغربي مبايعة سكان فاس في 18 ربيع الأول/19 شتنبر 1666م.
بهذا الترتيب لا يتعارض استعمال 1631 مع استعمال 1666 ما دام المعنى محدداً. الأول بداية للسلطة العلوية المحلية في تافيلالت وفق التأريخ الشائع، والثاني عتبة قيام سلطنة علوية على نطاق أوسع بعد استقرار الرشيد في فاس. ثم تأتي 1079هـ/1668-1669م وما بعدها ضمن استكمال إخضاع مراكش والدلائيين ومجالات أخرى. لا يحتاج تاريخ دولة بهذا التعقيد إلى «يوم ميلاد» وحيد بقدر ما يحتاج إلى تتبع انتقال القوة من نطاق إلى آخر.
تكرر هذا النمط في تاريخ المغرب السابق: الحركات السياسية تبدأ في مجال محدود، ثم تختبر قدرتها على بناء التحالفات وفتح المدن واكتساب البيعات وربط الطرق، قبل أن تصبح سلطة عامة. لذلك فعبارة «الشرفاء العلويون» أو «العلويون الفيلاليون» أدق في الحديث عن الأسرة والقوة الناشئة في العقود الأولى، بينما يستعمل هذا المقال «الدولة العلوية» و«السلطنة العلوية» بحذر عند الانتقال إلى مرحلة فاس وما بعدها أو عند الحديث بأثر رجعي عن السلالة التي ستستقر في الحكم.
يمكن إذن وصف الفترة الممتدة من 1041هـ/1631-1632م إلى 1077هـ/1666م بمرحلة التكوين السياسي والتوسع الإقليمي، ثم تبدأ بعد فاس مرحلة تثبيت السلطنة وتوحيد أجزاء واسعة من البلاد. هذه الصياغة تجمع بين التواريخ المتداولة بدل أن تجعل أحدها يلغي الآخر، وتفسر لماذا يظهر في بعض الجداول تاريخ 1631 لبداية الأسرة الحاكمة بينما تبرز دراسات أخرى سنة 1666 بوصفها بداية السلطنة الفعلية على مستوى المغرب.
فاس ومراكش في زمن الانتقال: مدينتان لا يمكن تجاوزهما
كان صعود أي قوة إلى مستوى حكم المغرب مرتبطاً بالقدرة على التعامل مع فاس ومراكش. فمراكش حملت إرث العاصمة السعدية ومركز البلاط في الجنوب، بينما ظلت فاس مركزاً علمياً وتجارياً وسياسياً بالغ الثقل في الشمال. وفي العقود التي أعقبت وفاة أحمد المنصور أصبحت المدينتان أحياناً مركزين لبيعات متنافسة، وظهر الانقسام بينهما بوضوح خلال حروب أبناء المنصور.
كانت المدينتان أيضاً رمزاً لاستمرارية مركز الدولة المغربية رغم تغير الأسر. ففاس حملت ثقلاً علمياً وتجارياً وسياسياً في الشمال، ومراكش حملت إرث العاصمة السعدية ومركز السلطان في الجنوب. من يطمح إلى سلطة عامة لا يستطيع الاكتفاء بواحة أو إقليم؛ كان عليه أن يحظى بالبيعة ويقيم سلطة قابلة للعمل في هذه المراكز وأن يربطها بالطرق والقبائل والمدن الأخرى.
لم تكن فاس مجرد مدينة كبيرة يمكن احتلالها عسكرياً ثم تجاوزها. كان فيها العلماء والأعيان والتجار والحرفيون، وكانت البيعة فيها تمنح الحاكم ثقلاً سياسياً ورمزياً، كما أن موقعها يربط طرق الشمال والشرق والوسط. دخلت تحت نفوذ الدلائيين سنة 1051هـ/1641م، ثم شهدت صراعات داخلية ومحاولات للانفصال عنهم. وحاول محمد بن الشريف دخول معادلاتها قبل أن ينجح المولى الرشيد في تثبيت سلطته بها سنة 1077هـ/1666م.
أما مراكش فظلت تحمل ثقل العاصمة السعدية ومركز البلاط في الجنوب. وبعد مقتل أحمد العباس لم تصبح المدينة بلا حاكم، بل انتقلت السلطة فيها إلى الشبانات. ووصلها المولى الرشيد في 1079هـ، وهي سنة هجرية تقابل أجزاءً من 1668 و1669م؛ لذلك تضع بعض المراجع دخوله في 1668 وأخرى في 1669. المهم في تسلسل هذه الحلقة أن مراكش بقيت بعد نهاية السعديين تحت سلطة سياسية أخرى إلى أن أخضعها الرشيد، وهو ما يبين أن سقوط أسرة لا يعني سقوط كل سلطة في المدينة.
إن تتبع مصير فاس ومراكش يمنعنا من تصور انتقال آلي بين دولتين. فالعلويون لم يرثوا عاصمة خالية ولا جهازاً ينتظرهم؛ كان عليهم أن ينتزعوا الاعتراف والسيطرة من قوى موجودة، وأن يعيدوا وصل المراكز الكبرى بسلطة واحدة.
لهذا تكتسب بيعة فاس سنة 1666 وزناً أكبر من مجرد إضافة مدينة جديدة إلى ممتلكات الرشيد، كما يكتسب دخول مراكش سنة 1668 معنى مختلفاً عن سقوط السعديين سنة 1659. الأولى نقلت المشروع العلوي إلى مركز سلطاني رئيسي، والثانية أزالت سلطة الشبانات من العاصمة السعدية السابقة. وبين التاريخين استمرت عملية التوحيد ولم تكن قد استقرت بعد.
التجارة والسلطة: ماذا قدمت طرق الصحراء للصعود العلوي؟
من السهل المبالغة في تفسير صعود العلويين بالتجارة الصحراوية وحدها. كانت الطرق مهمة لأنها ربطت تافيلالت بتوات ودرعة وسوس وبأسواق أبعد، ووفرت مجالاً للرسوم والحماية وتبادل السلع والمعلومات. لكن سجلماسة لم تعد في القرن السابع عشر العاصمة التجارية المزدهرة التي كانتها قبل قرون، كما أن التجارة الصحراوية نفسها كانت تتغير وتتوزع على مسارات متعددة. قيمة الموقع العلوي جاءت من القدرة على استعمال هذه الشبكة ضمن منظومة أوسع من الشرعية والتحالف والقوة العسكرية.
بعد وفاة أحمد المنصور تراجع الإشراف المركزي الذي حاول السعديون فرضه على بعض مسالك السودان الغربي. وفي هذا المناخ زاد دور سلطات سوس وتافيلالت وغيرها في حماية القوافل. وسيطرة العلويين على طريق توات في نحو 1053هـ/1643م دعمت قدرتهم على التواصل والتمويل، لكنها لم تمنع هزيمتهم أمام الدلائيين سنة 1056هـ/1646م. المقارنة بين المحطتين تمنع أي تفسير اقتصادي آلي: المورد التجاري يعزز القوة حين يقترن بقيادة وتحالف وجيش، ولا يعوض هذه العناصر.
كانت المنافسة على الجنوب الشرقي حادة لأن الواحات والمسالك تربط بين أسواق ومجالات بشرية متعددة. تنافست إيليغ والدلائيون والعلويون وقوى محلية على بعض هذه العقد، ولم يحتكر طرف واحد شبكة الصحراء كلها. من يفرض الأمن على جزء من الطريق يكتسب دخلاً ومكانة وقدرة تفاوض، لكن استمرار ذلك كان مرتبطاً أيضاً بعلاقات القبائل وبالمواسم وبقوة المنافسين.
لماذا استطاع العلويون تجاوز قوى منافسة أقوى في بعض المراحل؟
عرف القرن السابع عشر قوى واسعة النفوذ بدت في لحظات معينة أقرب من العلويين إلى السيطرة على مراكز المغرب، وعلى رأسها الدلائيون. ولم يكن تفوق الأسرة العلوية نتيجة عامل وحيد أو حتمية تاريخية؛ بل نتج عن تفاعل موقع تافيلالت، والمكانة الشريفة، والقدرة على إعادة بناء التحالفات بعد النكسات، والتحول من الجنوب الشرقي إلى الشرق حين أُغلق الطريق نحو الوسط، ثم ظهور قيادة المولى الرشيد القادرة على جمع الموارد المتفرقة والتقدم إلى فاس.
قاعدة تافيلالت وموقعها: منحت الواحات الأسرة مجالاً محلياً يمكنها أن تعيد منه تنظيم القوة بعد النكسات، بعيداً نسبياً عن قلب الصراع بين فاس ومراكش، وقريباً في الوقت نفسه من درعة وتوات وملوية والشرق. لم تكن القاعدة معزولة، بل كانت متصلة بمسالك بشرية وتجارية واسعة.
المكانة الشريفة: منح النسب الحسني الأسرة رصيداً من الاحترام والقبول في مجتمع كانت لمكانة الشرفاء فيه قيمة كبيرة. ساعد ذلك في الوساطة والبيعة والتحالف، لكنه لم يمنع الأسر أو الهزيمة ولم يغن عن بناء القوة العسكرية؛ وتجربة المولى الشريف ومحمد بن الشريف دليل واضح على ذلك.
المرونة في التوسع: عندما اصطدم محمد بن الشريف بقوة الدلائيين ولم يستطع التقدم غرباً، اتجه إلى الشرق وعمل على وجدة وملوية والقبائل المتصلة بهما. وعندما دخل الرشيد في صراع مع أخيه، بنى بدوره قاعدة مستقلة خارج تافيلالت قبل أن يعود إلى حسم الزعامة. قدرة القيادة على تغيير الاتجاه حفظت المشروع من الانهيار بعد نكساته.
تغير قوة المنافسين: لم يبق الدلائيون أو إيليغ أو الشبانات في المستوى نفسه من القوة طوال العقود. واجه كل مركز صراعات داخلية وتمردات ومنافسات مع المدن والقبائل. لذلك فإن تفوق العلويين في الستينيات لا يُسقط على سنوات الثلاثينيات والأربعينيات؛ موازين القوة تغيرت تدريجياً حتى فتحت للمولى الرشيد فرصاً لم تكن متاحة لأبيه أو لأخيه بالقدر نفسه.
التحول من نفوذ إقليمي إلى مشروع سلطاني: استطاعت قوى كثيرة حكم مجال محدود، أما التفوق العلوي النهائي فارتبط بعدم الاكتفاء بتافيلالت. توجه محمد بن الشريف نحو فاس والشرق، ثم جعل المولى الرشيد السيطرة على تازة وفاس ومراكش جزءاً من مشروع واحد. بهذا انتقلت الأسرة من حماية قاعدة محلية إلى السعي لربط المراكز الكبرى بسلطة مركزية جديدة.
تافيلالت منحت قاعدة يمكن الرجوع إليها بعد النكسات؛ والنسب الحسني وفر لغة شرعية مقبولة؛ والطرق الصحراوية دعمت الموارد؛ والتحالفات الشرقية فتحت بديلاً عندما سد الدلائيون الطريق نحو فاس؛ وتراجع منافسين مثل إيليغ والدلاء والشبانات غيّر ميزان القوى. العامل الحاسم لم يكن امتلاك هذه العناصر منفردة، بل جمعها في مشروع يتجاوز الإقليم. محمد بن الشريف وسّع أفق الأسرة، ثم استطاع المولى الرشيد بعد 1664 أن يحول هذا الأفق إلى حملة للاستيلاء على مراكز السلطان.
السعديون والعلويون: تغير الأسرة واستمرار بعض مقومات السلطنة المغربية
بين التجربتين اختلافات واضحة في مجال الانطلاق وشبكات التحالف والظروف الدولية، لكن توجد أيضاً استمراريات في التاريخ السياسي المغربي. فالسعديون والعلويون أسرتان شريفتان صعدتا من جنوب البلاد في زمن أزمة سلطة سابقة، واحتاجتا إلى البيعة والتحالفات القبلية والقوة العسكرية ثم إلى كسب فاس ومراكش. كما ورث العلويون فضاءً سياسياً ومدينياً لم يبدأ معهم: طرقاً وأسواقاً وموانئ وعلماء وأعياناً ومؤسسات مخزنية وأعرافاً في البيعة والجباية والتفاوض.
رسخ السعديون في القرن السادس عشر حضور السلطنة الشريفة بقوة، ثم ظهر العلويون في بيئة أصبحت فيها شرعية النسب الشريف عنصراً مفهوماً في المجال السياسي، من غير أن تكون كافية بمفردها. لم تكن الدولة العلوية نسخة من الدولة السعدية؛ فقد اختلفت أوضاع الجيش والتجارة والمراكز الإقليمية والعلاقة بالزوايا، وستتطور بنية الحكم نفسها في عهدي المولى الرشيد والمولى إسماعيل. لذلك يفيد الحديث عن انتقال تاريخي تتغير فيه الأسرة الحاكمة وتستمر بعض مقومات المجال السلطاني في الوقت نفسه.
وتظهر الاستمرارية أيضاً في المدن. ففاس بقيت مركزاً لا يستطيع مشروع سياسي واسع تجاهله، ومراكش بقيت رمزاً للسلطنة ومركزاً استراتيجياً في الجنوب، ومكناس ستصعد لاحقاً في عهد المولى إسماعيل. الدولة التي توحد المغرب لا تبدأ من الصفر، بل ترث شبكة حضرية وطرقاً ومؤسسات وعلاقات اجتماعية تكونت عبر الدول السابقة.
وتبقى المدن نفسها شاهداً على هذه الاستمرارية والتحول معاً. ففاس لم تفقد مكانتها بتغير البيعات، ومراكش ظلت محوراً لا يمكن تجاوزه، ومكناس ستصعد في عهد المولى إسماعيل. السلطنة التي أعاد العلويون بناءها ورثت مجالاً حضرياً وطرقاً ومصالح تراكمت عبر دول المغرب السابقة، ثم أعادت ترتيبها وفق موازين القرن السابع عشر.
هل تكفي كلمة «الفوضى» لوصف هذه العقود؟
تستعمل بعض الكتابات وصف «الفوضى» للعقود التي تلت أوج السعديين، وهو يلتقط جانباً من كثرة الحروب وتراجع القدرة المركزية على إخضاع البلاد كلها، لكنه يضلل إذا تحول إلى وصف وحيد. فقد كانت هناك سلطات فعلية: سعديون في مراكش، ودلائيون في الوسط وأجزاء من الشمال، وإيليغ في سوس، وتنظيم أبي رقراق، وقوى العياشي ثم غيلان، وقبائل ومدن تدير شؤونها وتحالفاتها بدرجات مختلفة. لم يختف الحكم؛ تغيرت خرائطه ومراكزه.
استمرت فاس في العلم والتجارة رغم الاضطراب، وبقيت مراكش مركزاً سياسياً، وظلت سوس وتافيلالت والشرق والشمال مرتبطة بأسواق ومسالك وقوى محلية. ومن داخل هذا المجال المتحرك صعد العلويون. لذلك يصف المقال المرحلة بأنها تعدد لمراكز القوة وتراجع للسلطة المركزية الجامعة، لا «فراغاً سياسياً» مطلقاً بين دولتين.
هذه الصورة تجعل صعود المولى الرشيد أكثر قابلية للفهم. لم يتقدم إلى أرض بلا سلطات، بل إلى مدن ومجالات لها قادة ومصالح وتحالفات. وكان عليه أن يجمع البيعات ويفرض القوة حيث يفشل التفاوض، وأن يهزم منافسين يملكون بدورهم شرعية وموارد. توحيد البلاد في هذه الظروف كان إعادة تركيب لسلطة مركزية من مجال سياسي قائم، لا إنشاء مجتمع أو دولة من العدم.
تافيلالت في الذاكرة السياسية للدولة العلوية
بقيت تافيلالت بعد اتساع الدولة العلوية مرتبطة ببدايات الأسرة وبالشرفاء السجلماسيين وبالمولى الشريف بن علي وأبنائه. ولم يكن هذا الارتباط رمزياً فقط؛ فالمنطقة ظلت حاضرة في شبكات الأسرة وفي أسماء المواقع والأضرحة والقصور التي ارتبطت بتاريخها. لكن فهم هذه الذاكرة يحتاج إلى الفصل بين سجلماسة المدينة الوسيطة التي اندرست وحدتها العمرانية وبين تافيلالت بوصفها إقليماً واحاتياً واسعاً استمر مأهولاً وفاعلاً.
يربط موقع تافيلالت تاريخ العلويين بتاريخ أقدم كثيراً من القرن السابع عشر: تاريخ سجلماسة والقوافل العابرة للصحراء. المكان الذي خرجت منه السلطة العلوية كان قد لعب أدواراً مركزية في اقتصاد المغرب الوسيط، ثم استعاد في القرن السابع عشر ثقلاً سياسياً جديداً من خلال شبكة القصور والواحات والطرق، لا من خلال عودة المدينة القديمة إلى ازدهارها السابق.
بدأ المشروع العلوي من واحات الجنوب الشرقي، ثم تحرك إلى درعة وتوات والشرق، وعاد نحو تازة وفاس. هذا المسار يفسر بطء التكوين الأول وتدرجه: النسب وفر قبولاً وشرعية، والموقع وفر موارد وصلات، والتحالفات وفرت الرجال، لكن تحويل ذلك كله إلى سلطنة تطلب عقوداً من الصراع والتسوية قبل أن يصل المولى الرشيد إلى فاس.
خط زمني مدقق من أفول السعديين إلى صعود المولى الرشيد
• 1012هـ/1603م: وفاة أحمد المنصور الذهبي وبداية الصراع بين أبنائه على السلطنة، مع استمرار الدولة السعدية وعدم زوالها الفوري.
• 1019هـ/1610م: تسليم العرائش للإسبان في سياق صراع الشيخ المأمون على الحكم وطلبه الدعم الخارجي.
• ثلاثينيات القرن الحادي عشر الهجري/عشرينيات وثلاثينيات القرن السابع عشر: اتساع نفوذ الدلائيين وإيليغ وأبي رقراق وقوى محلية أخرى بالتوازي مع استمرار السعديين في مراكش.
• نحو 1041هـ/1631-1632م: بروز المولى الشريف بن علي قيادةً سياسية محلية في تافيلالت؛ تاريخ تأسيسي محلي لا إعلاناً فورياً لسلطنة على المغرب كله.
• نحو 1045هـ/1635-1636م: تعثر المولى الشريف بن علي أمام الضغط السملالي، وبروز ابنه محمد بن الشريف في قيادة المواجهة.
• نحو 1050هـ/1640-1641م: تثبيت محمد بن الشريف نفوذه في تافيلالت وتوسعه نحو درعة ومسالك الجنوب.
• نحو 1053هـ/1643م: ارتباط النفوذ العلوي بطريق توات وفق دراسات التجارة الصحراوية.
• 12 ربيع الأول 1056هـ/1646م: وقعة القاعة وانتصار الدلائيين على محمد بن الشريف وفرض تسوية حدت من توسعه غرباً.
• نحو 1057هـ/1647م: توسع محمد بن الشريف إلى وجدة وتقوية صلاته بالقبائل والمجالات الشرقية.
• نحو 1061هـ/1651م: دخول محمد بن الشريف في صراعات فاس من غير أن يثبت حكماً دائماً فيها، وبقاء النفوذ الدلائي مؤثراً.
• 1069هـ/1658-1659م: مقتل أحمد العباس ونهاية البيت السعدي الحاكم في مراكش، ومبايعة ابن أبي بكر الشباني؛ وفي الفترة نفسها وفاة المولى الشريف بن علي بتافيلالت.
• 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م: معركة أنكاد ومقتل محمد بن الشريف، وانتقال القيادة العلوية إلى المولى الرشيد.
• 3 ذو الحجة 1076هـ/6 يونيو 1666م: تؤرخ بعض المراجع دخول المولى الرشيد فاس الجديد في هذا اليوم؛ وفي 1077هـ/1666م يثبت التسلسل الرسمي المغربي مبايعة سكان فاس له يوم 18 ربيع الأول/19 شتنبر. بهذه المحطات أصبحت فاس عتبة أساسية في اتساع السلطنة العلوية.
• 1079هـ/1668-1669م: دخول المولى الرشيد مراكش بعد إنهاء حكم الشبانات؛ وتختلف المراجع في مقابلة السنة الهجرية بالسنة الميلادية، وهي محطة ستفصلها الحلقة التالية ضمن استكمال التوحيد.
من الحلقة السادسة إلى الثامنة: انتقال تاريخي بلا قفزة
تنتهي الحلقة السادسة عند أفول البيت السعدي الحاكم في مراكش، لكن هذه الحلقة تكشف أن الصعود العلوي بدأ قبل ذلك بنحو ثلاثة عقود. ففي الوقت الذي ظل فيه السعديون يحكمون مراكش بسلطة تقلص مجالها، كان المولى الشريف بن علي ثم محمد بن الشريف يبنيان قوة في تافيلالت، ويواجهان إيليغ والدلائيين، ويتحركان نحو درعة وتوات والشرق. لذلك لا توجد فجوة بين نهاية السعديين وبداية العلويين؛ توجد فترة طويلة من التداخل والمنافسة بين مراكز متعددة.
يحمل المولى الرشيد هذا المسار إلى مرحلة جديدة بعد 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م. انتقلت إليه قاعدة الأسرة، ثم اتجه نحو تازة وفاس. تورد بعض المراجع دخوله فاس الجديد في 3 ذي الحجة 1076هـ/6 يونيو 1666م، بينما يثبت التسلسل الرسمي المغربي مبايعة سكان فاس له في 1077هـ/1666م، يوم 18 ربيع الأول/19 شتنبر. عند هذه النقطة تنتهي وظيفة الحلقة السابعة: لقد شرحت تكوين القوة العلوية ووصولها إلى عتبة السلطنة الواسعة، بينما تبدأ الحلقة الثامنة من سؤال مختلف هو كيف حوّل الرشيد هذا التفوق إلى عملية توحيد خلال سنوات قليلة.
ولا تختفي قضايا العصر السعدي من المشهد بمجرد تغير الأسرة الحاكمة. تقوية المخزن، وربط فاس ومراكش بالمجالات الطرفية، والتعامل مع الثغور والقوى الأوروبية، وتأمين التجارة والطرق، وإدارة العلاقة بالقبائل والزوايا، كلها مسائل ورثها القرن السابع عشر من تجارب سابقة وأعاد العلويون التعامل معها في شروط جديدة.
خاتمة: من تافيلالت إلى عتبة فاس
بدأ القرن السابع عشر والمغرب تحت سلطان أحمد المنصور الذهبي، ثم فتحت وفاته سنة 1012هـ/1603م صراعاً داخل البيت السعدي استمر أثره عقوداً. لم تختف الدولة السعدية فوراً؛ بقيت مراكش في يد سلاطينها إلى 1069هـ/1658-1659م، بينما اتسعت في مناطق أخرى سلطات الدلائيين وإيليغ وأبي رقراق وقوى الشمال والقبائل. هذا التداخل، لا صورة الفراغ بين دولتين، هو الخلفية التي خرج منها العلويون.
في تافيلالت بدأت الأسرة من مكانة شريفة راسخة ومن واقع محلي تحكمه الواحات والقصور وطرق القوافل وتوازنات القوى. مثّل المولى الشريف بن علي بداية الزعامة السياسية في نحو 1041هـ/1631-1632م، ثم وسع محمد بن الشريف مجال الحركة إلى درعة وتوات والشرق، وعرف الانتصار والهزيمة والتسوية. وبعد مقتله في معركة أنكاد يوم 9 محرم 1075هـ/2 غشت 1664م انتقلت القيادة إلى المولى الرشيد.
مع الرشيد تغير إيقاع التوسع، لكن القصة لم تنته. ففي 1076-1077هـ/1666م استقرت له فاس، ثم جاءت بيعة سكانها التي يثبتها التسلسل الرسمي في 18 ربيع الأول/19 شتنبر، فدخل المشروع العلوي مرحلة السلطنة على نطاق أوسع. بقي توحيد أجزاء واسعة من المغرب عملاً سياسياً وعسكرياً لم يكتمل في تلك اللحظة. ولهذا تتوقف هذه الحلقة عند عتبة فاس، لا عند نهاية تاريخ الدولة العلوية ولا حتى عند نهاية مشروع المولى الرشيد.
وتبدأ الحلقة الثامنة من هذه العتبة: المولى الرشيد وتأسيس السلطنة العلوية على نطاق أوسع، من تثبيت فاس إلى مواجهة القوى المنافسة ودخول مراكش وإعادة جمع أجزاء واسعة من المغرب، وصولاً إلى الأساس الذي سيبني عليه المولى إسماعيل مرحلة جديدة من تاريخ الدولة.
روابط الحلقات السابقة من سلسلة تاريخ المغرب
• الحلقة الأولى: دولة الأدارسة في المغرب.
• الحلقة الثانية: دولة المرابطين.
• الحلقة الثالثة: دولة الموحدين.
• الحلقة الرابعة: الدولة المرينية.
• الحلقة الخامسة: الدولة الوطاسية.
• الحلقة السادسة: الدولة السعدية في المغرب.
المصادر والمراجع
• أحمد بن خالد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الأجزاء المتعلقة بأواخر السعديين وبدايات العلويين، ولا سيما أخبار المولى الشريف بن علي ومحمد بن الشريف والمولى الرشيد.
• محمد الصغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، للأخبار المتعلقة بأواخر الدولة السعدية والتحولات السياسية في القرن السابع عشر.
• Jamil M. Abun-Nasr, A History of the Maghrib in the Islamic Period, Cambridge University Press.
• Daniel Rivet, Histoire du Maroc: de Moulay Idrîs à Mohammed VI, Fayard.
• المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، Chronologie de l’histoire du Maroc، مقتطف «المحطات التاريخية» المنشور على البوابة الرسمية للمملكة المغربية؛ ومنه تثبيت مبايعة سكان فاس للمولى الرشيد في سنة 1666، بتاريخ 18 ربيع الأول/19 شتنبر، وتأريخ نهاية السعديين في مراكش بصيغة 1658/1659.
• Encyclopaedia of Islam THREE، مواد ʿAlawī dynasty وMawlay al-Rashid، للمقارنة بين التأريخ للأسرة في تافيلالت ومرحلة السلطنة بعد فاس.
• UNESCO, General History of Africa, Vol. V، الفصول المتعلقة بالمغرب وشمال إفريقيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.
• Türkiye Diyanet Vakfı İslâm Ansiklopedisi، مادة «Mevlây Reşîd»، لتفاصيل دخول فاس سنة 1076هـ/1666م والتسلسل العسكري السابق للبيعة.

