دراسة شرعية في النصوص الصحيحة وأقوال أئمة الإسلام ومناقشة شبهات التحريم
كان مولد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولا زال، حدثاً عظيماً في تاريخ البشرية؛ ففيه أشرق نور الرسالة الخاتمة، وظهر إلى الوجود من اصطفاه الله لهداية الخلق، وجعله رحمة للعالمين، وداعياً إلى الإيمان والعدل والعلم ومكارم الأخلاق. والفرح بمولده الشريف فرح بالرحمة التي أرسلها الله إلى عباده، وبالهداية التي أخرجت الناس من ظلمات الشرك والجهل إلى نور التوحيد والمعرفة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]. وإذا كان المؤمن مأموراً بالفرح بفضل الله ورحمته، فإن بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولده من أجلّ مظاهر هذه الرحمة في حياة الأمة.
ومن هذا المعنى الإيماني استمد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف مكانته في قلوب المسلمين. فهو موسم لشكر الله على نعمة الرسالة، وتجديد المحبة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعريف الأجيال بسيرته وشمائله، والإكثار من الصلاة والسلام عليه، وتلاوة القرآن الكريم، وإنشاد المدائح النبوية، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وبذل الصدقات. وهذه قربات ثابتة في الشريعة، فإذا اجتمعت في مجلس واحد وجُعلت ذكرى المولد الشريف باعثاً عليها، بقيت على أصلها من المشروعية والفضل، وكان تنظيمها وسيلة إلى نشر العلم وإحياء الذكر وإظهار السرور بنعمة الله.
والاحتفاء بالمولد لا يحصر محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة، كما أن اجتماع الناس في موسم قرآني لا يحصر تلاوة القرآن في ذلك الموسم، وعقد مؤتمر للعلم لا يجعل طلب العلم مؤقتاً بيوم انعقاده. إنما تمنح المواسمُ المعانيَ الكبرى حضوراً اجتماعياً وتربوياً، وتوقظ الهمم، وتجمع ما يتعذر جمعه في الأيام المعتادة. ولهذا يمكن أن يكون المولد محطة سنوية تنتقل فيها السيرة من الكتب إلى البيوت والمساجد والمدارس، ويتعلم فيها الأبناء أن محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة واتباع ورحمة وخدمة للناس.
أما الاحتجاج بتصرف خاطئ يقع من فرد أو في مجلس ما لتحريم أصل الاحتفال، فخلط بين حكم العمل وسلوك المكلَّف. لا يقول فقيه بتحريم التجارة لأن بعض التجار يغشون، ولا بتحريم الأعراس لأن بعض الناس يتجاوزون فيها، ولا بمنع المجالس العلمية لأن متحدثاً قد يروي خبراً غير ثابت. الخطأ يُنسب إلى فاعله ويعالج بحكمه، أما أصل الاحتفاء القائم على القرآن والسيرة والذكر والمديح والإحسان فلا يُحكم عليه من خلال أفعال عارضة خارجة عن حقيقته.
وتكشف المراجعة العلمية أن دعوى التحريم المطلق لا تمثل إجماعاً، بل تخالف أقوالاً صريحة لجماعة من كبار أئمة الإسلام. كما أن كثيراً من حجج المنع يقوم على جعل الترك دليلاً على التحريم، أو تسوية الوسائل التنظيمية بالعبادات المستقلة، أو تحميل لغة الشعر ما لا تحتمله، أو نقل الحكم من مخالفة جزئية إلى تبديع عمل كامل. لذلك يعرض هذا المقال أدلة جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، ويبين جذوره الشرعية والتاريخية، ثم يناقش اعتراضات منكريه، بما فيها اعتراضهم على قصيدتي البردة والهمزية، والقراءة الجماعية للقرآن الكريم، والحزب الراتب، والذكر الجماعي.
ما المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟
المقصود بالاحتفال بالمولد النبوي الشريف اتخاذ ذكرى مولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مناسبةً للفرح والشكر والتعليم والإحسان، فيجتمع المسلمون في البيوت أو المساجد أو المدارس أو المؤسسات الثقافية، ويحيون المجلس بما تيسر من أعمال البر، ومن أبرزها:
- تلاوة القرآن الكريم، فرادى أو جماعة، ومدارسة ما اشتمل عليه من الهداية والأخلاق.
- قراءة السيرة النبوية والشمائل المحمدية، وربط أحداثها بواقع الناس ومسؤولياتهم.
- الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر الله تعالى والدعاء.
- قراءة قصائد المديح النبوي وإنشادها، مثل «بردة» الإمام البوصيري وقصيدته «الهمزية»، وغيرهما مما خلفه شعراء المحبة عبر القرون.
- إقامة الحزب الراتب والقراءة الجماعية للقرآن الكريم، وهي عادة قرآنية راسخة في المغرب.
- إطعام الطعام، والصدقة، وصلة الرحم، وإدخال السرور على الأسر والأطفال.
- تنظيم الدروس والمسابقات والمعارض والبرامج التي تعرف برسالة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخلاقه.
هذه الصورة لا تنشئ ركناً جديداً في الدين ولا صلاة بعدد مخصوص، وإنما تجمع أعمالاً شهدت الشريعة لأصولها بالفضل. والذكرى هنا سبب تنظيمي وتربوي يحمل الناس على تلك الأعمال، مثلما تُحدد أوقات لدروس الحديث، وأسابيع للتعريف بالقرآن، ومواسم لجمع الصدقات، من غير أن يزعم أحد أن تحديد الموعد حوّل الوسيلة إلى عبادة مستقلة.
ومحل الخلاف أوسع من مجرد اختيار ربيع الأول موعداً للاجتماع؛ إذ يمتد اعتراض دعاة التحريم إلى عدد من الأعمال التي اشتهرت بها مجالس المولد. فهم يرفضون قراءة القرآن الكريم جماعة بصوت واحد، وينكرون القراءة المعروفة في المغرب بالحزب الراتب، ويبدّعون الذكر الجماعي، كما يطعنون في جانب واسع من تراث المديح النبوي، ولا سيما قصيدتي البردة والهمزية، ويحملون بعض أبياتهما على معاني الشرك، ويرفضون إنشادهما في مجالس المولد. ومع قبول هاؤلاء ما ثبت من شعر حسان بن ثابت رضي الله عنه، فإنهم يضيّقون دائرة المديح النبوي بناءً على تصورهم لمعاني التوسل والشفاعة والتعظيم. ومن ثم لا تقتصر هذه الدراسة على مناقشة حكم تخصيص ذكرى المولد بالاجتماع والفرح والشكر، بل تتناول أيضاً مشروعية المديح النبوي وأصالته في تراث الأمة، وتناقش الأبيات التي أسيء فهمها، وتعرض أدلة جواز القراءة الجماعية للقرآن الكريم والذكر في جماعة.
أصول شرعية تؤسس لجواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
لا توجد في السنة صيغة سنوية مفصلة باسم «حفل المولد»؛ وهذه حقيقة تاريخية لا نزاع فيها. غير أن عدم ورود الاسم أو الصورة المركبة لا يلغي الأدلة العامة والخاصة التي تشهد لمعانيها. فالاستدلال الفقهي لا يقتصر على البحث عن اسم الحادثة الجديدة في النص، بل ينظر في مكوناتها ومقاصدها، وفي العمومات والقواعد التي تنتظمها. وبهذا المنهج بحث الأئمة مسائل المدارس والمصاحف المطبوعة ومكبرات الصوت والمؤتمرات العلمية وسائر الوسائل التي لم توجد بصورتها في العصر الأول.
الفرح بفضل الله ورحمته
يقول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: 58]. والآية تأمر بالفرح بما يأتي من الله من فضل ورحمة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موصوف بنص القرآن بأنه رحمة للعالمين. فالفرح به وببعثته وبظهور دعوته داخل في معنى محمود تشهد له الآيتان معاً.
ويقول تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5]، أي بالأيام التي ظهرت فيها نعمه وآياته وعبره. وتذكير الأمة بيوم أشرق فيه وجود نبيها، مع تعليمها سيرته وآثار رسالته، يحقق مقصد التذكير بنعم الله، وإن كان تعيين صورة المجلس وترتيبه من الوسائل التي تتغير باختلاف البلدان والعصور.
صيام الاثنين: نص صحيح يربط العبادة بذكرى الميلاد
أقوى ما يستند إليه في أصل شكر الله على الميلاد حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه في صحيح مسلم: سُئل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ». فالحديث يثبت أن زمن الميلاد يمكن أن يكون باعثاً على طاعة وشكر، وأن تذكر النعمة المرتبطة بيوم معين معنى معتبر شرعاً.
ولا يصح حصر دلالة الحديث في الصيام وحده؛ فالصيام هو الكيفية التي اختارها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، أما العلة التي صرح بها فهي شرف اليوم بوقوع الميلاد والوحي فيه. فإذا شكر المسلم الله بتلاوة القرآن، أو الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو تعليم سيرته، أو إطعام الطعام، فقد شكر الله بطاعات مقررة في الشرع. ولا يزعم أن تلك الصورة سنة قولية مخصوصة، وإنما يقول: لها أصل صحيح هو مشروعية شكر الله على نعمة الميلاد، ولها أصول أخرى تثبت فضل كل عمل من أعمال المجلس. ويمكن مراجعة شرح حديث صيام الاثنين في الموسوعة الحديثية.
عاشوراء: تجدد الشكر عند تجدد ذكرى النعمة
ثبت في الصحيحين أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً. فقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ»، فصامه وأمر بصيامه.
وجه الدلالة أن الشكر على نعمة ماضية يتجدد عند عودة زمنها، وأن ربط الطاعة بذكرى حدث عظيم أصل تقبله السنة. وقد بنى الحافظ ابن حجر العسقلاني على هذا الحديث تخريجه لعمل المولد، ونقل عنه الإمام السيوطي أن الشكر يحصل بأنواع العبادة من سجود وصيام وصدقة وتلاوة، وأن نعمة بروز نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم. فالمقارنة ليست تسوية بين المناسبتين في الأحكام، وإنما استنباط للقاعدة: تذكر النعمة في زمنها يحرك الشكر المشروع.
مجالس القرآن والذكر ثابتة بالنصوص الصحيحة
روى مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ». وروى مسلم أيضاً: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ».
وفي صحيح مسلم أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه فقال: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومنّ به علينا، فأخبرهم أن جبريل أتاه فأخبره أن الله يباهي بهم الملائكة. هذا النص شديد الصلة بمجالس المولد؛ إذ موضوع الحلقة ذكر الله وحمده على نعمة الهداية، وهو عين المقصد الذي يعلن عنه المحتفون عند اجتماعهم للشكر على بعثة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتعرض دار الإفتاء المصرية أدلة مشروعية الذكر الجماعي من القرآن والسنة وأقوال الفقهاء.
الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة مأمور بها
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: 56]. والأمر مطلق يشمل الصلاة عليه فرادى وجماعات، في البيوت والمساجد، في ربيع الأول وفي غيره. ومجلس يكثر فيه المسلمون من الصلاة والسلام عليه يحقق أمراً قرآنياً، ولا يصير المأمور به محظوراً لأن الناس تعاونوا عليه أو رتبوا له موعداً.
وتتضاعف القيمة التربوية لهذا الاجتماع حين تقترن الصلاة عليه بقراءة سيرته؛ إذ تتحول المحبة إلى معرفة، والمعرفة إلى اقتداء. وقد تناول مقال التصوف السني وخطاب المحبة في «كوكب المعرفة» أثر التربية بالمحبة في تهذيب السلوك وربطه بالاتباع.
ويعين تحرير المفاهيم المتصلة بالسيرة واللسان العربي على قراءة النصوص النبوية بعيداً عن الإسقاطات المتأخرة؛ ومن ذلك ما عرضه مقال معنى وصف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمي في «كوكب المعرفة» من مناقشة لغوية وفكرية لمفهوم شائع في كتب السيرة.
المديح النبوي امتداد لعمل الصحابة
الشعر في ذاته كلام، وحكمه تابع لمعناه ومقصده. وقد كان حسان بن ثابت رضي الله عنه ينافح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وثبت في الصحيح أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «اهْجُهُمْ ـ أَوْ هَاجِهِمْ ـ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وثبت أنه أذن له بالإنشاد في المسجد. وفي الحديث الصحيح: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا يُنَافِحُ أَوْ يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ». وهذه النصوص تقطع الطريق على دعوى أن مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم شعراً أمر دخيل على الإسلام.
والبردة والهمزية من أشهر ما أثمره تراث المديح النبوي عبر العصور؛ فقد حفظهما الناس، وشرحهما العلماء، ونظم شعراء كثيرون قصائد مستوحاة منهما، تحاكي وزنهما وقافيتهما وتستكمل معانيهما في محبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه.، وأنشدهما المغاربة في مجالس المولد تعبيراً عن محبتهم لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم واستحضاراً لسيرته وشمائله ومعجزاته. وأدت القصيدتان وظيفة علمية وتربوية، إذ قربتا معاني السيرة والمحبة النبوية إلى العامة، وثبتتاها في الذاكرة الجماعية بأسلوب شعري أخاذ. وتوثق الرابطة المحمدية للعلماء في دراستها عن المنظومات المغربية في مولد خير البرية حضور البردة والهمزية وغيرهما من الأمداح في المجالس المولدية المغربية، كما تعرض وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عناية شعراء المغرب وعلمائه بذكرى المولد، وتبين المكانة التي احتلتها القصيدتان في هذا التراث العلمي والروحي الممتد.
كيف عبّر الصحابة عن الفرح والمحبة؟
لم يعرف الصحابة حفلاً سنوياً بالصورة المؤسسية التي ظهرت بعدهم، لكن سيرتهم امتلأت بأصول الفرح والمحبة والمديح والاجتماع على الشكر. وقد روى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه في خبر الهجرة: «فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم». فالفرح بقدومه كان ظاهراً جماعياً، ولم يُذم لأن المحبة ظهرت في مشهد عام.
وكان الصحابة يتعلمون شمائله، ويروون فضائله، ويصلون عليه، وينافحون عنه بالشعر، ويجتمعون لحمد الله على هدايتهم به. وحين سأل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حلقة معاوية رضي الله عنه: «ما أجلسكم؟» صرحوا بأنهم اجتمعوا للذكر وحمد الله على نعمة الإسلام؛ فأقرهم وبشرهم بمباهاة الله بهم ملائكته. فمادة مجلس المولد ـ الذكر والحمد على الهداية والتعريف بصاحب الرسالة ـ متصلة اتصالاً ظاهراً بهذه الأصول.
كما أن الصحابة أحدثوا وسائل تخدم الدين حين دعت الحاجة، من جمع المصحف في مصحف واحد، وتوسيع تنظيم الدواوين، وجمع الناس في رمضان على إمام واحد. لم يفهموا الاتباع على أنه تجميد للوسائل، بل حفظوا المقاصد والنصوص واجتهدوا في طرق تحقيقها. وهذا هو الفرق بين إنشاء عبادة تناقض التشريع، وبين تنظيم أعمال مشروعة بما يزيد أثرها.
التنظيم المتأخر لا يحول الطاعة إلى بدعة محرمة
من أهم أسباب الخلاف اضطراب استعمال كلمة «البدعة». فهناك من يجعل كل صورة لم تقع في القرون الأولى محرمة، بينما فرّق أئمة معتبرون بين ما يخالف الكتاب والسنة والإجماع، وما يستند إلى أصل شرعي ويحقق مصلحة معتبرة.
فهم الإمام الشافعي للبدعة
نُقل عن الإمام الشافعي قوله: «المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أُحدث يخالف كتاباً أو سنة أو أثراً أو إجماعاً، فهذه البدعة الضلالة؛ والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهذه محدثة غير مذمومة». والمعيار عنده ليس مجرد التأخر الزمني، بل موافقة الأصول أو مخالفتها. ويمكن مراجعة النص في مناقب الشافعي للبيهقي.
ولما جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس على أُبيّ بن كعب في قيام رمضان قال: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» كما في صحيح البخاري. لم يقصد بدعة تناقض الوحي، وإنما صورة تنظيمية جديدة لعمل له أصل في السنة. ويدل هذا على أن اجتماع أو ترتيب عناصر مشروعة في هيئة نافعة لا يُحكم عليه بالضلالة لمجرد أن الهيئة لم تستقر من قبل.
ويشرح العلامة المغربي الدكتور مصطفى بن حمزة هذا الفرق في حديثه عن معنى البدعة وأقسامها، مبيناً أن الحكم على المحدثات لا يقوم على مجرد تأخر صورتها، وإنما على عرضها على أصول الشريعة والنظر في موافقتها لها أو مخالفتها.
الفرق بين العبادة المستقلة ووسيلة إقامتها
العبادة المستقلة تحتاج إلى دليل يثبت جنسها وكيفيتها إذا كانت الكيفية مقصودة لذاتها. أما الوسائل والعادات والتنظيمات فبابها أوسع. طباعة المصحف ليست عبادة مستقلة، لكنها وسيلة لخدمة القرآن. تحديد ساعة أسبوعية لدرس الحديث ليس سنة موقوتة بهذا الموعد، لكنه تنظيم للتعليم. وكذلك اختيار ليلة من ربيع الأول لدرس في السيرة ومجلس للصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإطعام الناس: فضائل الأعمال ثابتة، والموعد وسيلة لجمع القلوب والجهود.
ومن الخطأ نقل أحكام العبادات التوقيفية إلى كل وسيلة تخدمها؛ لأن ذلك يؤدي إلى منع أكثر ما أنشأه المسلمون من مدارس وجامعات ومواسم ثقافية ومسابقات قرآنية. وما دام المكلَّف لا ينسب إلى الشرع عدداً مخصوصاً أو ركناً جديداً، فإن وصف التنظيم بأنه «عبادة مخترعة» مصادرة على محل النزاع.
الترك النبوي لا يستلزم التحريم
ترك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعل ما لا يدل وحده على تحريمه؛ فقد يكون الترك لعدم الحاجة، أو لعدم وجود السبب، أو خشية المشقة، أو لمجرد إباحة الترك. والتحريم يحتاج إلى نهي أو قاعدة ملزمة، لا إلى غياب الرواية وحده. ولهذا لم يقل الفقهاء بتحريم كل وسيلة تعليمية أو دعوية لم يفعلها الجيل الأول.
والاحتفال السنوي المنظم لم تدع إليه في العصر الأول الحاجة الاجتماعية التي دعت إليه لاحقاً؛ فقد عاش الصحابة مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قريباً من عهده، وكانت السيرة حاضرة في حياتهم اليومية. وحين اتسعت البلاد وطال العهد وكثرت الشواغل، صار جمع الناس على السيرة في موسم معلوم وسيلة لحفظ الذاكرة النبوية. فالتغير هنا في الوسيلة والانتظام، لا في أصول الأعمال.
أئمة أجازوا الاحتفال بالمولد النبوي الشريف واستحسنوه
وتصوير المسألة كأنها مواجهة بين السنة وإجماع العلماء من جهة، واحتفال العامة من جهة أخرى، دعوى تنقضها النصوص الصريحة لكبار أئمة الإسلام في مصنفاتهم المعتمدة.. فقد صرح علماء كبار باستحسان المولد أو تخريجه على أصول الشرع، وبعضهم من المحدثين والفقهاء الذين عُرفوا بمحاربة البدع المخالفة للدين.
أبو شامة المقدسي
قال الإمام أبو شامة المقدسي الشافعي، شيخ الإمام النووي، في كتابه «الباعث على إنكار البدع والحوادث» عن الاحتفاء الذي ظهر في زمانه: «ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يُفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور». وعلل ذلك بما فيه من الإحسان إلى الفقراء والإشعار بمحبة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكر الله على إيجاده رحمة للعالمين. وقيمة هذا النقل أنه صادر عن عالم ألف كتاباً في إنكار البدع، فلم يجعل كل حادثة زمناً بدعة محرمة، بل وزنها بأصولها وآثارها.
ابن الحاج المالكي
انتقد الإمام ابن الحاج المالكي في «المدخل» ممارسات رآها مخالفة في بعض المجالس، لكنه أكد تعظيم شهر المولد، وذكر أن الله خصه بمولده صلى الله عليه وسلم، وأنه ينبغي أن يزداد الناس فيه من العبادات والخير شكراً للمولى على ما أولاهم من هذه النعم العظيمة. وهذا التفريق شاهد مهم: النقد المتوجه إلى فعل جزئي لا يساوي تحريم أصل إظهار الشكر والسرور.
ابن حجر العسقلاني
نقل الإمام السيوطي عن الحافظ ابن حجر أنه خرّج عمل المولد على حديث عاشوراء، فقال إن الشكر لله على ما منّ به في يوم معين من إسداء نعمة أو دفع نقمة يعاد في نظير ذلك اليوم من كل سنة، وإن الشكر يحصل بأنواع العبادة. ثم قال إن أي نعمة أعظم من نعمة بروز سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة في ذلك اليوم. وهذا اجتهاد من أمير المؤمنين في الحديث، لا من متساهل يجهل قاعدة الاتباع.
جلال الدين السيوطي
أفرد الحافظ جلال الدين السيوطي رسالة «حسن المقصد في عمل المولد»، وقرر فيها أن أصل الاجتماع لقراءة شيء من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في مبدأ أمر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما وقع في مولده، ثم تناول الطعام والانصراف، من الأعمال التي يثاب عليها صاحبها لما فيها من تعظيم قدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإظهار الفرح بمولده. والنص الكامل متاح ضمن الحاوي للفتاوي.
السخاوي والقسطلاني
ذكر الحافظ السخاوي، جواباً عن أصل عمل المولد، أنه لم يُنقل عن القرون الثلاثة الفاضلة، ثم قال: «ثم ما زال أهل الإسلام في سائر الأقطار والمدن العظام يحتفلون في شهر مولده»، وذكر ما يصنعونه من الولائم والصدقات وإظهار السرور والعناية بقراءة المولد الشريف، وما يظهر عليهم من بركاته؛ وذلك في كتابه «الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية»، جواب السؤال عن أصل عمل المولد الشريف.
وقال الإمام القسطلاني في «المواهب اللدنية»: «فرحم الله امرأً اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً»، وهو مثبت في «المواهب اللدنية» مع شرح الإمام الزرقاني. والمراد بالأعياد هنا معناها اللغوي، أي مواسم متجددة للفرح والشكر وإظهار السرور بمولد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا استحداث عيد شرعي ذي أحكام مستقلة.
ابن كثير ووصف احتفال إربل
ترجم الحافظ ابن كثير للملك المظفر صاحب إربل، وذكر أنه كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول ويحتفل به احتفالاً هائلاً، ووصفه بالشجاعة والعقل والعلم والعدل، وذكر إنفاقه وصدقاته، ولم يعرضه بوصفه صاحب شرك أو ضلالة. ويمكن مراجعة ترجمته في البداية والنهاية. والوصف التاريخي لا يجعل كل تفصيل حجة، لكنه يهدم دعوى أن علماء القرون لم يعرفوا المولد إلا بوصفه منكراً مجمعاً عليه.
ابن تيمية والاعتراف بالأجر على حسن القصد
مع أن ابن تيمية لم يعد اتخاذ المولد موسماً من عمل السلف، فقد قال في «اقتضاء الصراط المستقيم» إن تعظيم المولد واتخاذه موسماً «قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا النص لا يحوله إلى قائل باستحباب الصورة، لكنه يمنع نسبة التكفير والتضليل المطلق إليه، ويثبت أن المسألة عنده أدق من الشعار المتداول: «كل محتفل آثم مبتدع».
مؤسسات الإفتاء والعلماء في العصر الحديث
استمر القول بجواز الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف في العصر الحديث لدى علماء ومؤسسات معتبرة في العالم الإسلامي. فقد قررت دار الإفتاء المصرية أن الاحتفال بالمولد تعظيم وفرح بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما عرضت الرابطة المحمدية للعلماء في المغرب مشروعية الاحتفاء بالمولد النبوي عند علماء المذهب المالكي.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، صرّح العلامة عبد الله بن بيه، رئيس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، بأن المختار عنده أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف «أمر مستحسن»، وأنه «عمل محمود»، وأن من فعله محبةً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عمل خيراً. وبيّن أن الاحتفاء يكون بالاجتماع لذكر مناقبه والصلاة والسلام عليه، وأن تعظيمه وتوقيره يدخل فيهما الاحتفاء بمولده وتذاكر سيرته العطرة للاقتداء به؛ ويمكن الرجوع إلى نص تصريحه وفتواه في حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
وقال الدكتور أحمد بن عبد العزيز الحداد، كبير المفتين و مدير إدارة الإفتاء في دبي، في كلمة ألقاها خلال احتفالية بالمولد النبوي الشريف: «وحقّ أن تُحيى هذه الذكرى لما فيها من قيم السلام والتسامح والتعايش بين الناس»، كما أوردت صحيفة «الإمارات اليوم» في تغطيتها للاحتفالية.
وبذلك يتبين أن القول بالجواز والاستحسان ليس رأياً معزولاً ولا مذهباً طارئاً، بل هو قول تتبناه طائفة واسعة من كبار العلماء ومؤسسات العلم والإفتاء في المغرب والإمارات ومصر وغيرها؛ ومن ثم فإن دعوى انعقاد الإجماع على تحريم الاحتفال بالمولد دعوى باطلة تاريخاً وفقهاً، يكذبها تعدد أقوال الأئمة واستمرار العمل به في أقطار الأمة الإسلامية.
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب
للمولد في المغرب تاريخ علمي واجتماعي ممتد. وتشير المصادر المغربية إلى دور أبي العباس العزفي السبتي في الدعوة إلى إحياء المولد في الغرب الإسلامي، ثم اتساع الاحتفاء في عهود لاحقة، ولا سيما في العصر المريني. ولم يكن المولد مجرد فرجة؛ فقد ارتبط بتلاوة القرآن الكريم ، ودروس السيرة النبوية ، وإنشاد البردة والهمزية، والصدقات، واجتماع الناس في المساجد والزوايا والبيوت.
ومن خصوصية المغرب اقتران المجالس بالحزب الراتب: قراءة جماعية يتعاون فيها الناس على ورد من القرآن صباحاً أو مساءً. أدت هذه الطريقة عبر القرون وظيفة تعليمية واجتماعية؛ فساعدت على تصحيح التلاوة، وحفظ كتاب الله، وربط العامة بالمساجد، وجعل القرآن صوتاً يومياً حاضراً في القرية والمدينة. وتعرض وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تاريخ القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب ومكانته في صيانة الصلة بالقرآن.
كما حظيت بردة الإمام البوصيري والهمزية بعناية علماء المغرب: قُرئتا في المجالس، ونُظمت عليهما الشروح والتخميسات والتشطيرات والمعارضات الشعرية. وهذا التلقي العلمي الطويل لا يجعل كل تفسير لأي بيت ملزماً، لكنه يثبت أن علماء العقيدة والفقه واللغة لم يفهموا القصيدتين بالقراءة الحرفية المتعجلة التي ظهرت في بعض الجدل المعاصر. والوعي بهذه الذاكرة ضروري حتى لا تُمحى خبرة قرون كاملة بفتوى أحادية.
وقد صار المولد في الوجدان المغربي مدرسة للمحبة والسيرة والتكافل، وتنوعت مظاهره باختلاف الجهات. وقيمة هذا التراث لا تقوم على القِدم وحده، بل على اتصاله بأصول قرآنية ونبوية: ذكر الله، تلاوة كتابه، الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعليم شمائله، وإطعام الطعام.
الرد العلمي على منكري الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
يعتمد القائلون بالتحريم على اعتراضات متكررة. وبعضها يثير مسائل جديرة بالبحث، لكن النتيجة التي يبنونها عليها ـ التحريم المطلق وتبديع المحتفلين ـ أوسع من مقدماتها ولا تلزم عنها. وفيما يأتي مناقشة مباشرة لأهمها.
الاعتراض الأول: لو كان خيراً لسبقنا إليه الصحابة
هذه العبارة صحيحة حين يراد بها رد عبادة مستقلة تناقض ما بلغه الصحابة عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما الوسائل والصور التنظيمية فلا يلزم أن يفعل الصحابة كل صورة نافعة ستظهر بعدهم. لم يسبقونا إلى تنقيط المصحف وطباعته، ولا إلى المدارس النظامية والجامعات، ولا إلى الاحتفال بمرور قرون على تأسيس مؤسسة علمية، لأن هذه صور اقتضتها أحوال لاحقة.
وقد سبق الصحابة إلى أصول المولد: الفرح بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاجتماع لحمد الله على الهداية، وتلاوة القرآن، ورواية الشمائل، والصلاة عليه، والمديح، والإطعام. الذي تأخر هو جمع هذه الأعمال في موسم سنوي، وتأخر الصورة لا يحرم المادة المشروعة.
الاعتراض الثاني: «كل بدعة ضلالة» يشمل المولد
حديث «كل بدعة ضلالة» أصل عظيم في رد ما أُدخل في الدين مخالفاً لهديه. لكن فهمه يكون بجمع النصوص وعمل الصحابة وكلام الأئمة، لا باقتطاع لفظ «كل» عن أبواب الفقه. فقد قال عمر رضي الله عنه عن جمع الناس في التراويح: «نعمت البدعة»، وفرّق الشافعي بين محدث يخالف نصاً أو إجماعاً ومحدث من الخير لا يخالف شيئاً من ذلك.
مجلس المولد لا يضيف صلاة سادسة ولا يبدل حكماً، بل يجمع قرآناً وذكراً وسيرة ومديحاً وصدقة. وصفه بالضلالة يحتاج إلى إثبات أن هذا الجمع يناقض دليلاً شرعياً، لا إلى تكرار تعريف يفترض النتيجة قبل البرهنة عليها.
الاعتراض الثالث: المولد عيد ثالث
العيد الشرعي له أحكام مخصوصة وشعائر مقررة، كصلاة العيد وزكاة الفطر والأضحية والتكبيرات. أما إطلاق الناس كلمة «عيد» على يوم سرور أو ذكرى فاستعمال لغوي لا ينشئ حكماً فقهياً. قال الله تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: 114]، أي يوماً يتجدد فيه السرور بالنعمة.
والقائلون بجواز المولد لا يضيفونه إلى عيدي الفطر والأضحى في الأحكام، بل يعدونه موسماً للذكر والشكر. تحويل اللفظ الاجتماعي إلى «عيد تعبدي ثالث» ثم تحريمه بسبب هذا الوصف بناء على تسمية لم يلتزم بها المحتفلون.
الاعتراض الرابع: الاحتفال تشبه بالنصارى
التشبه المحرم هو قصد محاكاة خصائص دينية لغير المسلمين أو المشاركة في شعائرهم. أما أن يفرح المسلم بنبيه ويقرأ القرآن الكريم وسيرته ويصلي عليه فلا يتحول إلى شعيرة نصرانية لمجرد أن أتباع دين آخر يحتفلون بميلاد نبي. الصيام والصلاة والصدقة موجودة بصور ما لدى أمم مختلفة، ولم تصبح محرمة لهذا الاشتراك العام.
بل إن هوية مجلس المولد إسلامية في مصدرها ومادتها: قرآن وتوحيد وصلاة على خاتم المرسلين وتعليم لشريعته. والقياس على أعياد عقائدية أخرى يتجاهل الفارق في المحتوى والقصد والمرجعية.
الاعتراض الخامس: أصل المولد فاطمي
حتى لو ثبت أن سلطة سياسية معينة سبقت إلى صورة من صور الاحتفال، فإن الحكم الشرعي لا يستخرج من هوية أول من نظم العمل، بل من حقيقة العمل وأدلته. هذه هي المغالطة المعروفة بالحكم على الفكرة من منشئها بدل فحص مضمونها.
ثم إن الاحتفال السني الذي اشتهر في إربل والمغرب وتبنّاه علماء من المذاهب لا يمكن اختزاله في طقوس البلاط الفاطمي. لقد أعاد المسلمون بناءه في بيئات مختلفة على القرآن والسيرة والصدقة والمديح. والتاريخ يفسر تطور الشكل، أما الشرع فيحكم على الفعل القائم لا على نسب مفترض وحده.
الاعتراض السادس: تاريخ الميلاد مختلف فيه
اختلف المؤرخون في اليوم من ربيع الأول الذي وقع فيه الميلاد الشريف ، واشتهر الثاني عشر عند جمهور من أهل السير. لكن مقصد الاحتفاء لا يتوقف على القطع بالحساب الفلكي لليوم؛ إذ المقصود موسم تذكير بميلاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته. ومثل هذا شائع في المناسبات التعليمية التي ترمز إلى حدث عظيم ولو وقع خلاف في بعض تفاصيل تأريخه.
ولو أبطل اختلاف التاريخ المشروعية لأبطل كثيراً من أعمال التذكير بأحداث السيرة المختلف في تحديد أيامها. الدليل الشرعي هنا متعلق بشكر النعمة وإحياء السيرة، لا بادعاء فضيلة تعبدية لساعة محسوبة على وجه القطع.
الاعتراض السابع: ربيع الأول شهر الوفاة أيضاً
اجتمع في ربيع الأول مولده صلى الله عليه وسلم وهجرته ووفاته على أقوال أهل التاريخ، ولا يلغي الحزن على الوفاة الشكر على نعمة الميلاد والبعثة. لقد علّم الإسلام المؤمن أن يستحضر النعم والمصائب كل واحدة بمعناها، وأن موت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع أثر رسالته ولا يحول ذكر ميلاده إلى محظور.
بل إن قراءة السيرة في هذا الشهر تعيد إلى الوعي تمام البلاغ وكمال الرسالة، وتربط المولد بمشروع النبوة كله، من البشارة الأولى إلى الرفيق الأعلى.
الاعتراض الثامن: المحبة تكون بالاتباع لا بالاحتفال
الاتباع أعظم برهان للمحبة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. لكن جعل الاتباع نقيضاً للفرح والمديح والتعليم تقسيم بلا دليل. المحبة القلبية، والصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعلم سيرته، والاقتداء به، والدفاع عنه، كلها معان متساندة.
ومجلس المولد الناجح هو الذي يزيد المعرفة والاتباع؛ فهو يعرّف الناس بالرحمة والأمانة والعدل وصلة الرحم، ويحملهم على الصلاة عليه وخدمة المحتاج. فلا وجه للقول: إما اتباع وإما احتفال؛ والصحيح أن الاحتفاء وسيلة لتقوية الاتباع وتذكير الغافل به.
الاعتراض التاسع: تخصيص وقت للطاعة يحتاج إلى دليل خاص
إن اعتقد شخص ما أن الشرع أوجب على الناس طاعة بعدد مخصوص في ليلة مخصوصة، طولب بدليل هذا الوجوب. أما تحديد موعد ملائم لتنظيم طاعة ثابتة فلا يحتاج إلى نص باسمه؛ وإلا بطلت جداول الدروس، ومواعيد ختم القرآن الكريم ، وأسابيع السيرة، وحملات الصدقة.
ويزيد مسألة المولد قوةً حديث الاثنين الذي صرح فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذكر مولده سبباً للصيام، وحديث عاشوراء الذي يثبت تجدد الشكر في الزمن الموافق للنعمة. فالتوقيت هنا ليس خالياً من الأصل، فضلاً عن كونه وسيلة تنظيمية.
الاعتراض العاشر: تقع في بعض الاحتفالات مخالفات
هذا الاعتراض لا ينتج تحريم الأصل؛ لأنه ينتقل من فعل أشخاص إلى حكم جنس كامل. إذا وقعت رواية موضوعة رُدت الرواية، وإذا ضُيعت فريضة أُنكر تضييعها، وإذا حصل إسراف عولج الإسراف. ولا علاقة منطقية بين ذلك وبين تحريم قراءة القرآن الكريم أو السيرة النبوية أو تلاوة البردة أو إطعام الطعام في ذكرى المولد.
ومهمة الفقيه تمييز الأحكام، لا جمعها في حكم واحد. وقد صنع ابن الحاج هذا التمييز حين انتقد أفعالاً بعينها ثم دعا إلى زيادة الخير في شهر المولد. أما جعل كل خطأ ذريعة لإلغاء المناسبة ولو عُمِّم هذا المنطق على سائر الأعمال المشروعة، للزم منع كثير منها لمجرد أن بعض الناس يسيئون ممارستها، وهو استدلال لا يستقيم.
الاعتراض الحادي عشر: قصة تخفيف العذاب عن أبي لهب ضعيفة
يُذكر في بعض كتب المولد خبر أن أبا لهب يخُفف عنه العذاب كل اثنين لفرحه بميلاد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإعتاقه ثويبة. وهذا خبر عن رؤيا منامية وردت بسند مرسل، فلا تصلح وحدها لتأسيس حكم شرعي. لكن ضعفها لا يمس أدلة الجواز؛ لأن بناء المسألة قائم على القرآن وحديث صيام الاثنين وعاشوراء ومجالس الذكر وأقوال الأئمة.
والمنهج العلمي الصحيح هو وضع كل دليل في مرتبته. إسقاط خبر ثانوي لا يسقط منظومة من النصوص الصحيحة والقواعد الفقهية، ولذلك لا يصح أن يُقدَّم نقد قصة أبي لهب كأنه نقض لأصل الاحتفال.
الاعتراض الثاني عشر: البردة والهمزية تشتملان على الشرك
هذا من أشد الاعتراضات المعاصرة، ويستند غالباً إلى اقتطاع أبيات من سياق المدح وقراءتها قراءة حرفية تهمل أساليب العربية وعقيدة الناظم. ومن أشهر ما يعترضون به قول البوصيري مخاطباً سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم»
والحادث العمم في سياق القصيدة هو هول يوم القيامة، واللوذ المقصود طلب الشفاعة التي أثبتتها الأحاديث الصحيحة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا اعتقاد وجود رب مع الله أو استقلال مخلوق بالتصرف. فالقرآن أثبت الشفاعة بإذن الله، والأحاديث المتواترة في الشفاعة العظمى تذكر إقبال الخلق على الأنبياء ثم مجيئهم إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله: «أنا لها».
ويعترضون كذلك بقول البوصيري:
«فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم»
ومعناه عند شراح القصيدة أن ما جاء به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هداية سبب لخير الدنيا، وأن شفاعته بإذن الله من خير الآخرة، وأن الله أطلعه على شيء من الغيب والوحي؛ و«من» تبعيضية لا تفيد إحاطة علمه بكل علم الله. وقد قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: «إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي»، فنسب القسمة إليه والعطاء إلى الله.
إن إطلاق الشرك حكم على الاعتقاد، ولا يثبت باحتمال لغوي مع وجود معنى صحيح تشهد له النصوص ويقصده المسلم الموحد. ومن أصول العلم حمل كلام المسلمين على المعنى الذي يوافق عقيدتهم ما وجد إليه سبيل. وقد تلقى علماء الأمة البردة والهمزية بالقبول، وتناولوها بالشرح والتدريس قروناً، وكان بينهم فقهاء ومحدثون ومتخصصون في العقيدة؛ فلا يستقيم تجاوز هذا التراث كله وإخراج أبيات المجاز والمدح من لسان العرب ثم بناء تهمة عقدية عليها.
الاعتراض الثالث عشر: القراءة الجماعية للقرآن والحزب الراتب بدعة
يقرر مذهب المعترضين جواز أن يقرأ واحد القرآن الكريم ويستمع الآخرون، أو أن يتناوبوا القراءة، لكنه يمنع تلاوة الجميع بصوت واحد لعدم ثبوت هذه الهيئة عندهم عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وهذا توصيف دقيق لمحل الخلاف، والجواب عنه أن النصوص رغبت في اجتماع القوم لتلاوة كتاب الله ومدارسته، ولم تحصر التعليم والمراجعة في هيئة صوتية واحدة.
وقد نص جمهور من الفقهاء على جواز القراءة بصوت واحد، منهم الإمام النووي. وصيغة الجمع في حديث مسلم: «يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم» تتسع لاجتماعهم على التلاوة، أما المطالبة بنص يصف تطابق أصواتهم حرفاً حرفاً فتنقل وسيلة التعليم إلى رتبة العبادة المستقلة من غير دليل. وقد تناول العلامة المغربي الدكتور مصطفى بن حمزة مسألة حكم قراءة القرآن الكريم جماعة، فشرح أصولها الفقهية ومكانتها في عمل المغاربة، ورد على القول بتبديع الحزب الراتب لمجرد اجتماع القراء واتفاق أصواتهم في التلاوة.
والحزب الراتب في المغرب حقق مصالح ظاهرة: تعليم العامة، ومراجعة المحفوظ، وتصحيح اللسان، وإدامة الصلة بالمسجد. وهذه مصالح داخلة في خدمة القرآن الكريم . ومن الغريب أن توصف تلاوة كتاب الله نفسها بالبدعة الضلالة لأن القراء وحّدوا الإيقاع، مع أن الاجتماع والإسماع والتعليم كلها ثابتة، وكيفية الأداء وسيلة لا تغير كلام الله ولا تنشئ قرآناً آخر.
الاعتراض الرابع عشر: الذكر الجماعي والصلاة على سيدنا رسول الله بصوت واحد بدعة
الأحاديث الصحيحة لا تكتفي بإباحة وجود أفراد يذكر كل منهم في عزلة، بل تمدح «قوماً» جلسوا يذكرون الله، وتذكر الحلقة التي اجتمع فيها الصحابة للحمد والذكر، وتخبر أن الملائكة تحف مجالس الذاكرين. والجهر بالذكر ثابت في مواضع متعددة، منها ما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما من أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا يوجد نص عام يحرم توافق الأصوات في الذكر أو الصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإذا كان أصل الذكر مأموراً به، والاجتماع عليه ممدوحاً، والجهر به ثابتاً، فإن تركيب هذه المعاني يبقى في دائرة المشروعية. ودعوى أن الكيفية الجماعية تحوله إلى ضلالة تحتاج إلى نهي خاص، ولا يكفي فيها أنها لم تُنقل في كل مجلس على الهيئة نفسها.
الاعتراض الخامس عشر: العلماء المجيزون سمّوه بدعة، فاعترفوا بالمنع
كلمة «بدعة» في كتب المتقدمين ليست ذات معنى واحد. قد يراد بها المعنى الشرعي المذموم، وقد يراد معناها اللغوي: الأمر الجديد الذي لم تقع صورته من قبل. أبو شامة والسيوطي وابن حجر وصفوا جدة الصورة، ثم صرحوا بالحسن والأجر والاستحسان؛ فلا يجوز أخذ كلمة وطرح حكم صاحبها وشرحه.
والعبارة المركبة تُفهم كاملة. من قال «بدعة حسنة» أو «أصلها لم ينقل ولكنها اشتملت على محاسن» لا يعترف بالتحريم، بل يستخدم تقسيماً اصطلاحياً يميز بين الجديد الموافق للأصول والجديد المخالف لها. ومنهج الأمانة أن يُنقل مذهبه كما أراده، لا كما يوافق تعريفاً متأخراً لكلمة واحدة.
لماذا لا يثبت التحريم المطلق؟
بعد جمع الأدلة يظهر أن التحريم المطلق يقوم على سلسلة من القفزات الاستدلالية:
- الانتقال من عدم فعل صورة سنوية في العصر الأول إلى تحريمها، مع أن الترك المجرد ليس نهياً.
- الانتقال من توقيف العبادات المستقلة إلى توقيف الوسائل والمواعيد التعليمية، مع اختلاف البابين.
- تجاهل أن مكونات مجلس المولد ـ القرآن والذكر والسيرة والصلاة والمديح والصدقة ـ ثابتة بأدلة مستقلة.
- إسقاط حكم تصرف عارض على أصل الاحتفال كله، بدل محاسبة الفعل وحده.
- اختزال تاريخ المولد في جهة سياسية أولى، بدل فحص الصورة التي تبناها العلماء والمجتمعات لاحقاً.
- قراءة المجاز الشعري قراءة حرفية، ثم بناء تهمة الشرك على احتمال مردود وسوء فهم للسياق.
- ادعاء الإجماع مع وجود نصوص صريحة لأبي شامة وابن حجر والسيوطي والقسطلاني وغيرهم.
- جعل الاجتهاد السلفي المعاصر مرادفاً لمذهب السلف كافة، مع أن سلف الأمة وأئمتها اختلفت مناهجهم في المحدثات والوسائل.
ولهذا فالأقرب إلى قواعد الشريعة أن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف جائز، ويكون عملاً مندوباً حين يحقق الشكر والتعليم والذكر والإحسان. وهذه النتيجة لا تحتاج إلى إثبات أن الحفل السنوي سنة فعلية عن الصحابة؛ يكفي ثبوت أصوله، وصحة مقاصده، وعدم ورود نهي عنه، وقيام اجتهاد معتبر باستحسانه.
الخلاف الفقهي لا يمنح حق تبديع المحتفلين
من اختار لنفسه ترك الاحتفال بالمولد اتباعاً لرأي معين، فله اختياره. لكن تحويل هذا الاختيار إلى دين لازم لجميع المسلمين، ثم تبديع جماهير الأمة والطعن في عقائدهم، تجاوز لحدود الخلاف. المسألة اجتهادية تكلم فيها أئمة كبار، ولم ينعقد فيها إجماع على التحريم، بل جرى العمل بها قروناً في أقطار المسلمين بحضور العلماء ومشاركتهم.
كما أن الاعتراض على البردة أو الحزب الراتب أو الذكر الجماعي لا يبرر اتهام قارئ القرآن أو مادح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشرك والضلالة. الأحكام العقدية أشد من أن تبنى على لوازم يتبرأ منها القائل، أو على تفسير حرفي لأسلوب شعري، أو على تعريف واحد للبدعة خالفه فيه أئمة معتبرون.
والإنصاف العلمي يقتضي أن يقال بوضوح: قول الجواز له أدلته ورجاله وقواعده، وليس رخصة صنعها العامة لتبرير عادة. وهو قول قادر على تفسير النصوص مجتمعة: حديث الميلاد يوم الاثنين، وحديث عاشوراء، وأحاديث مجالس الذكر والقرآن، وسنة المديح، وقواعد الوسائل، وعمل علماء المسلمين عبر العصور.
خاتمة: المولد موسم للمحبة والمعرفة والشكر
الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير مشروع عن الفرح بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكر الله على نعمة الرسالة. تشهد له أصول صحيحة: أمر القرآن بالفرح بفضل الله ورحمته، ووصفه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة للعالمين، وتعليل صيام الاثنين بأنه يوم الميلاد والوحي، وإقرار تجدد الشكر في عاشوراء، وفضائل الاجتماع على القرآن والذكر، والأمر بالصلاة والسلام عليه، وسنة الصحابة في المديح والدفاع عنه.
ثم جاء اجتهاد أئمة كبار ففهموا هذه الأصول، فاستحسن أبو شامة عمل المولد، وخرجه ابن حجر على الشكر، وأفرد له السيوطي رسالة، ونقل السخاوي استمرار عمل المسلمين به، ودعا القسطلاني بالرحمة لمن اتخذ لياليه مواسم سرور، واعترف ابن تيمية بالأجر العظيم لمن فعله حسن قصد وتعظيماً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يبقى بعد ذلك وجه لدعوى أن التحريم إجماع أو أن الجواز قول بلا سلف علمي.
وفي المغرب انضم الاحتفال بالمولد النبوي إلى منظومة حية من القرآن والسيرة والمديح والتكافل؛ فكان الحزب الراتب والبردة والهمزية ودروس الشمائل أدوات لحفظ الذاكرة الدينية وربط الأجيال بنبيها. ومن حق هذا التراث أن يُقرأ بعلم وإنصاف، لا أن يُختصر في أحكام التبديع والتشريك.
إن أجمل ثمرة للمولد أن يخرج المسلم منه أعرف بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر صلاة عليه، وأشد تمسكاً برحمته وصدقه وأمانته، وأقرب إلى الفقراء والأرحام. وحين يحقق الاحتفاء هذه المعاني، يكون موسماً يربط الفرح بالعمل، والمديح بالاقتداء، والذاكرة بمسؤولية الحاضر.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم: يونس 58، الأنبياء 107، إبراهيم 5، الأحزاب 56، آل عمران 31، المائدة 114.
- صحيح مسلم: حديث أبي قتادة في صيام الاثنين، وحديث مجالس الذكر، وحديث اجتماع القوم على تلاوة كتاب الله.
- صحيح البخاري: حديث فرح أهل المدينة بقدوم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأثر عمر رضي الله عنه في جمع الناس على قيام رمضان، وحديث الجهر بالذكر بعد الصلاة.
- الصحيحان: حديث صيام عاشوراء شكراً لله على نجاة موسى عليه السلام.
- الموسوعة الحديثية: شرح حديث «ذاك يوم ولدت فيه».
- الموسوعة الحديثية: حديث اجتماع القوم على تلاوة كتاب الله.
- الموسوعة الحديثية: حديث تأييد حسان بروح القدس.
- البيهقي، «مناقب الشافعي»: تقسيم الإمام الشافعي للمحدثات.
- أبو شامة المقدسي، «الباعث على إنكار البدع والحوادث».
- ابن الحاج المالكي، «المدخل».
- السيوطي، «حسن المقصد في عمل المولد» ضمن الحاوي للفتاوي.
- القسطلاني، «المواهب اللدنية بالمنح المحمدية».
- السخاوي، «الأجوبة المرضية» وما نُقل عنه في تاريخ عمل المولد.
- ابن تيمية، «اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم».
- ابن كثير، «البداية والنهاية»: ترجمة الملك المظفر صاحب إربل.
- دار الإفتاء المصرية: كيفية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
- الرابطة المحمدية للعلماء: مشروعية الاحتفاء بالمولد عند المالكية.
- وزارة الأوقاف المغربية: الاحتفال بالمولد النبوي الشريف في المغرب.
- وزارة الأوقاف المغربية: القراءة الجماعية والحزب الراتب في المغرب.
- وزارة الأوقاف المغربية: شبهات حول القراءة الجماعية والحزب الراتب والرد عليها.

