فقه السلم والمواطنة وحقوق المكونات الدينية والحوار بين الأديان
ملخص
تبحث هذه الدراسة في التعاون المغربي الإماراتي في صناعة السلم، وتجديد الخطاب الديني، وتعزيز المواطنة الشاملة، وحماية حقوق المكونات الدينية، وبناء جسور الحوار والتعاون بين أتباع الأديان. وتنطلق من فرضية مركزية مفادها أن التجربتين المغربية والإماراتية لا تلتقيان عند مستوى المواقف العامة الداعية إلى التسامح فحسب، وإنما تتكاملان ضمن مسار مؤسسي وعلمي ودبلوماسي نقل فكرة السلم من المجال الوعظي المجرد إلى مجال المواثيق والبرامج والشبكات الدولية.
وقد تجسد هذا المسار بصورة خاصة في «إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي» الصادر سنة 2016، والذي نظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية بشراكة مع منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، المعروف اليوم بمنتدى أبوظبي للسلم، ثم في المبادرات التي استلهمت الإعلان، ومنها قافلة السلام الأمريكية، و«ميثاق حلف الفضول الجديد» الذي أُعلن في أبوظبي سنة 2019.
وتعتمد الدراسة مقاربة وصفية تحليلية تستند إلى نصوص المبادرات الأصلية، والوثائق الرسمية المغربية والإماراتية، وقرارات أممية ودراسات أكاديمية ذات صلة. كما تبرز الأسس الشرعية والفكرية التي يقوم عليها فقه السلم، وفي مقدمتها كرامة الإنسان، والعدل، والرحمة، والوفاء بالعهد، واعتبار المآلات، وترجيح الصلح، وإدارة الاختلاف بمنطق المواطنة والقانون. وتخلص الدراسة إلى أن أهمية النموذج المغربي الإماراتي تكمن في جمعه بين ثلاثة أبعاد متكاملة: شرعية دينية مؤصلة، ومؤسسات وطنية حاضنة، ودبلوماسية قيمية قادرة على بناء شراكات عابرة للحدود والأديان. ومن ثم يقدم هذا التعاون أرضية واعدة لتطوير برامج مشتركة في التعليم والتكوين الديني، والوساطة، ومواجهة خطاب الكراهية، وحماية دور العبادة، وبناء مناعة الشباب أمام التطرف العنيف.
الكلمات المفتاحية: التعاون المغربي الإماراتي؛ فقه السلم؛ إعلان مراكش؛ حلف الفضول الجديد؛ المواطنة؛ حقوق الأقليات الدينية؛ الحوار بين الأديان؛ مكافحة التطرف؛ الدبلوماسية الدينية.
مقدمة: حين تتحول قيم السلم إلى سياسة ومؤسسات
لم يعد السلم في عالم اليوم مجرد غياب مؤقت للحرب، ولا مجرد شعار أخلاقي يُستدعى في المؤتمرات والخطب؛ بل غدا عملية مركبة تتداخل فيها التربية الدينية، والسياسة العمومية، والتشريع، والإعلام، والدبلوماسية، والعمل الاجتماعي. فالصراعات المعاصرة لا تبدأ دائماً من ساحات القتال، وإنما كثيراً ما تبدأ من فكرة إقصائية، أو فتوى منفلتة، أو خطاب كراهية، أو صورة نمطية تحوّل الاختلاف الديني والثقافي إلى ذريعة للخوف والعداء. ولهذا فإن التصدي للاقتتال والتطرف لا يكتمل بالأدوات الأمنية، على ضرورتها، ما لم يواكبه بناء معرفي يعيد ترتيب المفاهيم، ويحرر الدين من توظيفات العنف، ويؤسس علاقة متوازنة بين الإيمان والمواطنة والدولة الحديثة.
في هذا السياق تبرز التجربتان المغربية والإماراتية بوصفهما تجربتين عربيتين راكمتا، كل واحدة منهما من موقعها التاريخي والجغرافي والمؤسسي، أدوات متعددة في خدمة السلم والاعتدال. يستند المغرب إلى عمق تاريخي في تدبير التعدد الديني والثقافي، وإلى مؤسسة إمارة المؤمنين، ووحدة المرجعية الدينية، وشبكة من المؤسسات العلمية والتكوينية ذات الامتداد الإفريقي والدولي. أما دولة الإمارات العربية المتحدة فقد طورت فضاء مؤسسياً ودبلوماسياً واسعاً للتسامح والتعايش والحوار، واحتضنت منتديات ومراكز دولية تجمع العلماء وصناع القرار والقيادات الدينية والخبراء في الوقاية من التطرف وبناء السلام.
غير أن الصلة بين التجربتين ليست مجرد تشابه خارجي أو تزامن في المبادرات؛ إذ توجد محطات تعاون مباشر وواضح، يأتي في مقدمتها مؤتمر مراكش لسنة 2016 الذي أفضى إلى إعلان حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي. فقد انعقد المؤتمر تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، ونظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية بشراكة مع منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة الذي يتخذ من أبوظبي مقراً له، بمشاركة نحو ثلاثمائة عالم ومفكر وممثل ديني من أكثر من مائة وعشرين بلداً [1]. ومن هذه اللحظة تأسس مسار انتقل من مراكش إلى أبوظبي والرباط وواشنطن، ثم عاد إلى أبوظبي في صورة ميثاق جديد، قبل أن يتجدد الاحتفاء به في المغرب بعد مرور عقد على إطلاقه.
تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال رئيس: كيف أسهم التعاون المغربي الإماراتي في بناء نموذج يجمع بين التأصيل الشرعي للسلم، وتنظيم التعدد على أساس المواطنة، وتحويل الحوار بين الأديان إلى تعاون عملي في مواجهة التطرف والكراهية والاقتتال؟ ويتفرع عن هذا السؤال بحث المرجعيات الفكرية والمؤسسات الحاضنة، وتحليل إعلان مراكش وميثاق حلف الفضول الجديد، واستشراف المجالات التي يمكن أن توسع أثر هذه الشراكة في المجالين العربي والإفريقي وعلى الصعيد الدولي.
أولاً: الإطار المفاهيمي — من «السلام السلبي» إلى صناعة السلم
يُستعمل مفهوم السلام أحياناً للدلالة على توقف العنف المباشر، غير أن هذا المعنى، على أهميته، لا يكفي لبناء مجتمعات مستقرة. فقد تتوقف المواجهة المسلحة بينما تظل أسبابها حاضرة في الوعي والتعليم والإعلام والعلاقات الاجتماعية. لذلك تتجه دراسات السلام الحديثة إلى التمييز بين سلام سلبي يقوم على غياب الحرب، وسلام إيجابي يقوم على العدل والثقة وسيادة القانون والاعتراف المتبادل وإتاحة المشاركة للجميع. ومن هذا المنظور تصبح صناعة السلم عملاً وقائياً وعلاجياً في آن واحد: تمنع تشكل بيئة العنف، وتفتح مسالك المصالحة، وتبني مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف بغير الإكراه.
أما في الرؤية الإسلامية، فإن السلم متصل ببنية مقاصدية واسعة. فحفظ النفس لا ينفصل عن حفظ الدين والعقل والمال والعرض، والعدل ليس فضيلة فردية فحسب، بل قاعدة للعمران، والوفاء بالعهد شرط لاستقرار العلاقات، والصلح باب أصيل في تدبير النزاع. كما أن الرحمة، التي تتكرر دلالاتها في القرآن والسنة، ليست عاطفة هامشية، بل مبدأ يضبط تنزيل الأحكام وعلاقة الإنسان بغيره. وعندما تُجمع هذه المعاني في مفهوم «فقه السلم»، فإن المقصود ليس إنشاء باب فقهي معزول، وإنما إعادة تشغيل أدوات الاجتهاد في ضوء الواقع المعاصر: فهم السياق، وتحقيق المناط، واعتبار المآل، وترتيب المصالح والمفاسد، والتمييز بين الثابت والمتغير، وبين مقتضيات الدعوة واختصاصات الدولة، وبين الاختلاف المشروع والعنف المحرم.
ومن هنا أيضاً تتضح الصلة بين السلم والمواطنة. فالمواطنة ليست إذابة للهويات الدينية والثقافية، وإنما إطار قانوني وأخلاقي ينظم اجتماع المختلفين داخل وطن واحد. وهي تقوم على اشتراك المواطنين في الحقوق والواجبات، وعلى حماية الدولة لحرياتهم وكرامتهم وأمنهم، وعلى انتقال الانتماء الديني من مبرر للتفاضل السياسي إلى مصدر أخلاقي للإسهام في الخير العام. ولذلك اتجه إعلان مراكش وميثاق حلف الفضول الجديد إلى استبدال منطق «العزلة المتجاورة» بمنطق «المواطنة التعاقدية»، وإلى جعل التعدد مجالاً للتعارف والتعاون، لا سبباً للتنازع والإقصاء [1][11].
أما الحوار بين الأديان، فلا يعني دمج العقائد أو إلغاء الفوارق اللاهوتية، بل يعني إنشاء فضاء آمن ومحترم للتعارف، وتبديد الجهل المتبادل، والتعاون في حماية الإنسان وخدمة المجتمع. وقد عبّر ميثاق حلف الفضول الجديد بوضوح عن أن غايته ليست تسوية الاختلافات العقدية، وإنما جمع أصحاب النيات الحسنة على أساس الكرامة الإنسانية والفضائل المشتركة [11]. وبهذا ينتقل الحوار من تبادل المجاملات إلى العمل المشترك في التعليم والإغاثة وحماية دور العبادة ومواجهة خطاب التحريض.
ثانياً: العلاقات المغربية الإماراتية — من الأخوة السياسية إلى دبلوماسية القيم
تقوم العلاقات بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة على رصيد ممتد من التقارب السياسي والتعاون الاقتصادي والروابط الإنسانية. وقد تعزز هذا الرصيد بإعلان «نحو شراكة مبتكرة ومتجددة وراسخة» الذي وقعه الملك محمد السادس والشيخ محمد بن زايد آل نهيان في أبوظبي في ديسمبر 2023، بما يعكس إرادة قيادتي البلدين في نقل التعاون إلى مستوى أوسع وأكثر طموحاً [2]. ورغم أن الوثيقة ركزت بصورة بارزة على التنمية والاستثمار، فإن متانة الإطار السياسي العام تمنح المبادرات العلمية والدينية والثقافية فضاء مستقراً للحركة والاستمرار.
في العلاقات الدولية المعاصرة، لا تُقاس الشراكات بما تنجزه في الاقتصاد والأمن وحدهما، وإنما أيضاً بما تنتجه من أفكار وقواعد ومعايير قابلة للتداول عالمياً. ومن هذا الباب يمكن الحديث عن «دبلوماسية القيم» في العلاقة المغربية الإماراتية: أي توظيف الرصيد الديني والثقافي والمؤسسي للبلدين في خدمة التفاهم الدولي، وحماية التعدد، ومقاومة التطرف، وتطوير لغة إسلامية معاصرة للحقوق والمواطنة والسلم.
ويتميز هذا التعاون بأنه يجمع بين ميزتين متكاملتين. فمن جهة، يوفر المغرب فضاء ذا رمزية تاريخية ودينية كبيرة، وخبرة في انتظام الحقل الديني وتكوين الأئمة وتدبير التعدد داخل هوية وطنية مركبة. ومن جهة ثانية، توفر الإمارات قدرة عالية على جمع الفاعلين الدوليين، واحتضان المؤسسات والشبكات والمبادرات العابرة للحدود، وربط النقاش الديني بمسارات الدبلوماسية والسياسات العامة ومراكز الوقاية من التطرف. وقد أتاح هذا التكامل أن يكون «إعلان مراكش» مغربياً في مكانه ورعايته وعمقه التاريخي، وإماراتياً في شراكته المؤسسية وامتداده عبر منتدى أبوظبي للسلم، وإنسانياً في المشاركين واللغة والغايات.
ثالثاً: البناء المغربي للسلم — إمارة المؤمنين والمؤسسات العلمية والمواطنة المتعددة
1. إمارة المؤمنين وضبط الشرعية الدينية
تحتل مؤسسة إمارة المؤمنين موقعاً مركزياً في النموذج المغربي؛ فهي تجمع بين حماية الدين وضمان انتظامه المؤسسي، وبين حماية ممارسة الشعائر. وينص الفصل الثالث من دستور 2011 على أن الإسلام دين الدولة، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية، بينما يجعل الفصل الحادي والأربعون الملك، بصفته أميراً للمؤمنين، ضامناً لهذه الحرية ورئيساً للمجلس العلمي الأعلى [3]. وتنبع أهمية هذا البناء من أنه يحد من تعدد مراكز الفتوى المتصارعة، ويجعل الشأن الديني جزءاً من مسؤولية مؤسساتية معلومة، لا مجالاً مفتوحاً للمزايدات وخطابات التعبئة العنيفة.
كما يقر الدستور المغربي بتعدد روافد الهوية الوطنية، ومن بينها الرافد العبري إلى جانب الروافد العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية والإفريقية والأندلسية والمتوسطية. وهذا الاعتراف لا يقف عند حدود الوصف الثقافي، بل يهيئ أساساً رمزياً لمواطنة ترى في التعدد جزءاً من تاريخ الجماعة الوطنية. وقد أكد الملك محمد السادس، في رسالته إلى المؤتمر البرلماني الدولي حول الحوار بين الأديان المنعقد بمراكش سنة 2023، أن المغرب يسعى إلى أن يظل فضاء تتعايش فيه الديانات في أجواء من الأخوة والأمن، وأن الحوار ينبغي أن يتحول إلى برامج عمل تشارك فيها البرلمانات والمؤسسات الدينية والمدرسة والجامعة والإعلام والمجتمع المدني [4].
2. من تنظيم الحقل الديني إلى بناء المناعة الفكرية
طوّر المغرب شبكة من المؤسسات التي تتقاسم مهمة ترسيخ الاعتدال والتكوين والتأطير، وفي مقدمتها المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية المحلية، والرابطة المحمدية للعلماء، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. وتؤدي هذه المؤسسات وظائف متكاملة: توحيد المرجعية، وتأهيل القائمين على الشأن الديني، وإنتاج المحتوى العلمي، ومواكبة الشباب، وتصحيح المفاهيم التي تستغلها الجماعات المتطرفة.
ويكتسب معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات بعداً يتجاوز الحدود الوطنية، إذ استقبل متدربين من بلدان إفريقية وأوروبية وآسيوية. ووفق المعطيات الرسمية المغربية المقدمة في الأمم المتحدة، تجاوز عدد المستفيدين الأفارقة من التكوين منذ تأسيس المعهد سنة 2015 ثلاثة آلاف مستفيد إلى مطلع 2025 [6]. ولا تقوم قيمة هذا التكوين على نقل مقررات دينية فحسب، بل على إعداد فاعل ديني يعرف مجتمعه، ويمتلك أدوات التواصل، ويستطيع تقديم خطاب يوازن بين صحة المرجعية وفهم الواقع.
وتكمل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة هذا المسار من خلال جمع العلماء وتبادل الخبرات وتنسيق الجهود لإبراز قيم الإسلام المنفتحة القائمة على الوسطية والتسامح والتعايش، بما يخدم الأمن والاستقرار والتنمية في إفريقيا [5]. وقد أبرزت دراسات في بناء السلام أن برنامج تكوين الأئمة الأفارقة يمثل آلية من آليات السلام المستدام، لأنه يربط الوقاية من التطرف ببناء القدرات الدينية المحلية، بدلاً من الاكتفاء باستجابات ظرفية بعد وقوع العنف [18].
3. الذاكرة المغربية للتعايش بوصفها مورداً للمستقبل
يستند الخطاب المغربي حول التعايش إلى ذاكرة اجتماعية وعمرانية ملموسة؛ فقد عاشت في المدن المغربية جماعات مسلمة ويهودية ومسيحية، وما تزال المساجد والبيع والكنائس شاهدة على طبقات من التفاعل التاريخي. ولا يعني استدعاء هذه الذاكرة الاكتفاء بالحنين إلى الماضي، بل استخدامها مورداً تربوياً يساعد الأجيال الجديدة على إدراك أن التعدد ليس جسماً غريباً عن الهوية المغربية.
وقد عبر الملك محمد السادس، خلال زيارة البابا فرنسيس للمغرب سنة 2019، عن تصور يتجاوز مجرد قبول الآخر إلى اعتبار الأديان جسوراً للمعرفة وخدمة الخير العام، مؤكداً أن مواجهة التطرف تبدأ بالتربية ومحاربة الجهل بالدين وبالآخر [20]. وتلتقي هذه الرؤية مع جوهر إعلان مراكش الذي دعا إلى معالجة «رضوض الذاكرة» وإحياء التراث المشترك وبناء الثقة بين المكونات الدينية، لأن السرديات الانتقائية للصراع يمكن أن تمحو قروناً من الجوار والتعاون [1].
رابعاً: البناء الإماراتي للسلم — التشريع والتنوع ومنصات الحوار والوقاية من التطرف
1. تحويل التسامح إلى سياسة عمومية
تتميز دولة الإمارات بتنوع سكاني وثقافي واسع، إذ يعيش فيها أشخاص ينتمون إلى أكثر من مائتي جنسية، وتوجد فيها دور عبادة ومؤسسات ثقافية متعددة [21]. وقد تعاملت الدولة مع هذا التنوع بوصفه عنصراً من عناصر الاستقرار والانفتاح، فأنشأت وزارة للتسامح والتعايش، وأطلقت برنامجاً وطنياً للتسامح، وطورت إطاراً تشريعياً لمكافحة التمييز والكراهية والتطرف. وتعرض المنصة الرسمية لحكومة الإمارات هذه السياسات ضمن منظومة تشمل القانون، والتعليم، وحماية دور العبادة، والبرامج المجتمعية [7].
وتكمن أهمية الانتقال من «التسامح» كفضيلة شخصية إلى سياسة عامة في أن حسن النيات وحده لا يكفل حقوق الناس. فالمجتمع المتعدد يحتاج إلى قواعد واضحة تجرم التحريض والتمييز، ومؤسسات تستقبل الشكاوى وتحمي الأمن الديني، ومناهج تربوية تعزز الاحترام، وخطاب عام يرفض تحويل الاختلاف إلى عداوة. بهذا المعنى يصبح القانون حارساً للحد الأدنى الضروري للتعايش، بينما تتولى التربية والثقافة والدين بناء المستوى الأعلى من التعارف والتضامن ، وتتضح الأبعاد الاجتماعية لهذه الرؤية بصورة أوسع في مقالنا دولة الإمارات بلد التعايش.
2. منتدى أبوظبي للسلم: مختبر لتجديد المفاهيم
منذ انطلاق منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة في أبوظبي سنة 2014، اشتغل المنتدى على نقل سؤال السلم إلى قلب البحث الفقهي والفكري. وقد جاء تأسيسه في سياق اتساع الحروب الداخلية وتصاعد العنف المبرر بخطاب ديني، فدعا إلى مراجعة المفاهيم المتداولة في الفتوى والسياسة الشرعية، وإلى تأهيل العلماء للوساطة وإطفاء النزاعات، وإصدار بحوث ومبادرات تخاطب المجتمعات المسلمة والأقليات المسلمة في العالم [10].
يرأس المنتدى العلامة عبد الله بن بيه، وقد أسهم مشروعه العلمي في بلورة مفاهيم مثل فقه السلم، وتحقيق المناط في قضايا الواقع، والمواطنة الشاملة، وحلف الفضول الجديد. غير أن أهمية المنتدى لا تختزل في إنتاج الأفكار؛ فهو منصة تجمع العلماء والقادة الدينيين وصناع القرار وممثلي المجتمع المدني، وتحوّل خلاصات الاجتهاد إلى إعلانات ومواثيق وشبكات تعاون. وقد برز هذا الدور بوضوح في الشراكة مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية لإصدار إعلان مراكش، ثم في المبادرات التي حملت الإعلان إلى فضاءات دولية متعددة، وللتوسع في الخلفية العلمية والفكرية لهذا المشروع، يمكن الرجوع إلى مقالنا حول العلامة عبد الله بن بيه ومساره في تجديد الفقه وصناعة السلم.
3. المراكز المتخصصة ومقاربة الوقاية
إلى جانب المنصات الدينية، احتضنت الإمارات مؤسسات متخصصة في الوقاية من التطرف العنيف. تأسس مركز «هداية» في أبوظبي سنة 2012 استجابة لحاجة دولية إلى مؤسسة مستقلة متعددة الأطراف تجمع بين البحث والتدريب وتنفيذ البرامج، وتساعد الحكومات والمجتمع المدني على تصميم تدخلات مستدامة لمواجهة التطرف [8]. وتشمل برامجه التعليم، وبناء قدرة المجتمعات المحلية، ودعم الخطط الوطنية، وتطوير المعرفة المبنية على الأدلة.
كما تأسس مركز «صواب» سنة 2015 بتعاون إماراتي أمريكي لمواجهة الدعاية الرقمية للتنظيمات المتطرفة، ولا سيما الرسائل التي تستخدمها في التجنيد والتحريض [9]. وتكشف هذه المبادرات عن اتساع مفهوم الأمن: فمواجهة التطرف لا تبدأ عند لحظة الجريمة فقط، وإنما تبدأ في المدرسة والمنصة الرقمية والأسرة والخطاب الديني والشعور بالانتماء. وهنا تلتقي الخبرة الإماراتية التقنية والدولية مع الخبرة المغربية في تكوين الفاعل الديني وبناء المرجعية المعتدلة.
4. الأخوة الإنسانية وتدويل ثقافة التعايش
شهدت أبوظبي في فبراير 2019 توقيع «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك» من طرف البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب. وقد امتد صدى الوثيقة إلى الأمم المتحدة التي اعتمدت الرابع من فبراير يوماً دولياً للأخوة الإنسانية بموجب القرار 75/200 [15]. وتؤكد هذه المحطة قدرة الإمارات على استضافة لقاءات ذات رمزية عالمية، وعلى ربط الحوار الديني بالمنظومة الدولية وبمشروعات ثقافية ومؤسساتية مستمرة [19].
خامساً: إعلان مراكش — لحظة التأسيس المشترك
1. السياق والجهات المشاركة
صدر إعلان مراكش يوم 27 يناير 2016 في ظرف اتسم بتفاقم الاعتداءات على جماعات دينية، وبصعود تنظيمات مسلحة استعملت مفاهيم دينية منزوعـة من سياقاتها ومقاصدها لتبرير القتل والتهجير والاستعباد وتدمير دور العبادة. وجاء الإعلان بعد مؤتمر دولي انعقد من 25 إلى 27 يناير تحت الرعاية السامية للملك محمد السادس، ونظمته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، بحضور علماء ومفتين ومفكرين ومسؤولين وممثلين عن أديان ومنظمات دولية من أكثر من مائة وعشرين بلداً [1].
هذه الصيغة في التنظيم ذات دلالة عميقة. فالمؤتمر جمع بين مؤسسة دينية رسمية في دولة ذات تقليد علمي عريق، ومنتدى علمي دولي مقره أبوظبي، ومشاركين من داخل العالم الإسلامي وخارجه. وبذلك لم يصدر الإعلان بوصفه موقفاً حكومياً محضاً، ولا بوصفه فتوى فردية، بل بوصفه ثمرة تداول متعدد الأطراف جمع الشرعية العلمية والرعاية السياسية والحضور الديني والمدني الدولي.
2. صحيفة المدينة والمواطنة التعاقدية
اتخذ الإعلان من صحيفة المدينة مرجعاً تأسيسياً لإثبات أن المجتمع السياسي في التجربة النبوية أمكن أن يقوم على عهد يجمع مكونات دينية وقبلية مختلفة، ويحدد الحقوق والواجبات والتضامن والدفاع المشترك. ولم يكن استدعاء الصحيفة مجرد احتجاج تاريخي، بل محاولة لإعادة قراءة التراث في ضوء سؤال الدولة الوطنية المعاصرة. فالوثيقة تنظر إلى صحيفة المدينة بوصفها نموذجاً لمواطنة تعاقدية في مجتمع متعدد الأعراق والأديان واللغات، ينتمي أفراده إلى جماعة سياسية واحدة مع احتفاظهم بخصوصياتهم [1].
وتنبع قوة هذا المسلك من أنه يخاطب الوجدان الإسلامي من داخل مرجعيته، وفي الوقت نفسه ينفتح على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. وقد أكد الإعلان إمكان التوافق بين مقاصد الصحيفة ومبادئ الأمم المتحدة، وربط الحرية الدينية بحرية التنقل والتملك والتكافل والمساواة أمام القانون. ومن ثم يصبح الحق الديني جزءاً من منظومة مواطنة كاملة، لا امتيازاً تمنحه الأغلبية لمن تشاء.
وقد تناولت دراسات أكاديمية الإعلان بوصفه محاولة مهمة لصياغة حقوق المكونات الدينية داخل لغة إسلامية معاصرة، وأبرزت أن استدعاء صحيفة المدينة يفتح مجالاً لترجمة المبادئ الأخلاقية إلى سياسات وقوانين ومناهج تعليم [16][17]. ويهمنا هنا أن الإعلان أعاد توجيه النقاش من سؤال «كيف نتسامح مع الأقلية؟» إلى سؤال «كيف نبني وطناً تتساوى فيه المكونات في الكرامة والحقوق والمسؤولية؟».
3. الكليات الشرعية الحاكمة
يقوم إعلان مراكش على مجموعة من الكليات: تكريم بني آدم، وحرية الاختيار، والأخوة الإنسانية، والعدل، والرحمة، وحفظ الحقوق، والوفاء بالعهد، واعتبار المصلحة. وهو يرفض بناء الأحكام العامة على نصوص جزئية معزولة عن مقاصد الشريعة وسياقاتها. فالتطرف الفكري كثيراً ما ينشأ من تجزئة النص، وتجاهل الواقع، وإلغاء مراتب الأحكام، وتحويل اجتهادات تاريخية مرتبطة بظروفها إلى قواعد أبدية للصراع.
وفي مقابل ذلك، يدعو الإعلان العلماء إلى تجديد النظر في الموروث الفقهي بما يلائم تحولات العالم، ويدعو المؤسسات التعليمية والدينية إلى مراجعة البرامج التي قد تنمي العداوة، ويحث صناع القرار على اتخاذ التدابير الدستورية والقانونية اللازمة لبناء المواطنة، كما يشرك المثقفين والفنانين والإعلام والمجتمع المدني وممثلي الديانات في خلق بيئة اجتماعية تحمي الحقوق وتواجه السخرية من المقدسات وخطاب الكراهية [1].
4. من حماية الأقليات إلى حماية المجتمع كله
قد يوحي عنوان الإعلان بأن المستفيد منه هو الأقليات الدينية وحدها، لكن منطقه العميق يحمي المجتمع بأسره. فعندما تُصان كرامة أضعف مكون، تتعزز سيادة القانون ويشعر الجميع بالأمان. وعندما يُمنع التحريض الديني، لا يُحمى المستهدف المباشر فقط، بل تُحمى وحدة الدولة من دوامة الانتقام والعنف. وحين تصبح المواطنة أساس العلاقة السياسية، تتراجع قدرة الجماعات المتطرفة على تقسيم الناس إلى ولاءات متناحرة.
لهذا فإن إعلان مراكش يمثل وثيقة في الأمن المجتمعي بقدر ما يمثل وثيقة في الحقوق الدينية. فهو يعالج أحد أهم منافذ التطرف: ادعاء امتلاك حق تصنيف الناس وسلبهم حقوقهم باسم الدين. وفي مواجهة هذا الادعاء، يعيد الإعلان سلطة القانون إلى الدولة، ومسؤولية البيان إلى العلماء المؤهلين، وحق الكرامة إلى كل إنسان.
سادساً: من مراكش إلى أبوظبي والرباط وواشنطن — تحويل الإعلان إلى شبكة عمل
لم يتوقف التعاون المغربي الإماراتي عند إصدار الإعلان. ففي مايو 2017 استضافت أبوظبي المحطة الأولى لـ«قافلة السلام الأمريكية»، بمشاركة قيادات مسلمة ومسيحية ويهودية، بهدف بناء الثقة والتعاون انطلاقاً من روح إعلان مراكش. ثم انتقلت القافلة إلى الرباط في أكتوبر من السنة نفسها، حيث نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية لقاءاتها بشراكة مع منتدى تعزيز السلم، قبل أن تواصل مسارها نحو واشنطن [12].
تكشف هذه القافلة عن منهج عملي جدير بالاهتمام. فبدلاً من بقاء الوثيقة في فضاء النخب، انتقل ممثلون دينيون معاً بين مدن وثقافات مختلفة، وتقاسموا النقاش والزيارات والخبرات. والحركة هنا جزء من الرسالة: أبوظبي توفر منصة الانطلاق الدولية، والرباط تمنح المسار عمقه المغربي وتاريخه في التعايش، وواشنطن تفتح باب مخاطبة المجتمعات الغربية التي يعيش فيها مسلمون وتوجد فيها أسئلة متصلة بالإسلاموفوبيا والاندماج والحرية الدينية.
كما أسهمت القافلة في الانتقال من «الحوار حول الآخر» إلى «الحوار مع الآخر»، ثم إلى «العمل بصحبة الآخر». وهذه المراحل الثلاث ضرورية لصناعة الثقة: المعرفة تصحح الصورة، واللقاء يبدد الخوف، والتعاون يبني مصلحة أخلاقية مشتركة. ومن هذه الخبرة تبلورت أفكار إعلان واشنطن لتحالف القيم سنة 2018، وصولاً إلى ميثاق حلف الفضول الجديد.
وفي يوليو 2026، احتفى منتدى أبوظبي للسلم بالذكرى العاشرة لإعلان مراكش في حفل دولي بالمغرب، نُظم بتعاون مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية [13]. ولا تقتصر دلالة هذا الحدث على الاحتفال الرمزي؛ فهو يؤكد استمرار الشراكة المؤسسية التي أطلقت الإعلان، ويعيد وصل المبادرات اللاحقة بمنبعها الأول، ويفتح الباب لتجديد الالتزام بمضامين الوثيقة في سياق عالمي ازدادت فيه تحديات الكراهية والاستقطاب.
سابعاً: ميثاق حلف الفضول الجديد — من المرجعية الإسلامية إلى التحالف الإنساني
1. استلهام الحلف التاريخي
أُعلن «ميثاق حلف الفضول الجديد» في أبوظبي يوم 10 ديسمبر 2019، في ختام الملتقى السنوي السادس لمنتدى تعزيز السلم، ووقعه قادة دينيون وعلماء وخبراء وممثلون عن مؤسسات حكومية ومدنية [11]. وقد استلهم اسمه من الحلف الذي عرفته مكة قبل الإسلام لنصرة المظلوم ورد الحقوق، وهو الحلف الذي أقر النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، قيمته الأخلاقية بعد البعثة. والرسالة التي يحملها هذا الاستلهام أن الفضيلة والعدل يمكن أن يكونا أساساً لتحالف يتجاوز الانتماءات الضيقة، وأن المسلم يستطيع التعاون مع غيره في نصرة الحق من غير أن يتخلى أي طرف عن عقيدته.
ويمثل الميثاق حلقة في سلسلة تراكمية؛ إذ تنص ديباجته على استناده إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وإلى مبادرات سابقة من بينها رسالة عمان، وكلمة سواء، وإعلان مراكش، وإعلان واشنطن، ووثيقة الأخوة الإنسانية، ووثيقة مكة. ويكشف هذا البناء عن عقلية وصل لا قطيعة: فكل مبادرة تضيف لبنة، وتوسع دائرة المشاركين، وتنقل المشترك الإنساني من إعلان أخلاقي إلى التزام وبرنامج [11].
2. المبادئ المؤسسة
يرتكز الميثاق على تسعة مبادئ مترابطة: الكرامة الإنسانية، وحرية الاختيار وممارسة الدين، والتسامح، والعدالة، والسلم، والرحمة، والبر بالآخرين، والوفاء بالعهود والمواثيق، والتضامن. وتتميز هذه المبادئ بأنها تجمع بين لغة دينية أخلاقية ولغة مدنية قانونية. فالكرامة ذات أصل إنساني سابق على اختلاف الانتماءات، والحرية تحتاج إلى حماية الدولة، والتسامح ينبغي أن يحظى بضمان ثقافي وقانوني، والعدل قاعدة للمعاملة، والرحمة والبر والتضامن تنقل العلاقة من الحد الأدنى الحقوقي إلى الإحسان والمشاركة.
كما يقرر الميثاق أن العنف مرفوض في إدارة الاختلاف، وأن الوسائل السلمية هي الأصل، ويدعو القادة الدينيين إلى الوقوف في وجه التطرف وخطابات التحريض والكراهية، وإلى اعتماد مقاربات تصالحية داخل جماعاتهم الدينية وفي العلاقات بينها. وهنا يظهر فقه السلم بوصفه ممارسة: خطبة ترفض التحريض، وفتوى تراعي المآل، ووساطة تمنع الدم، وتربية تحترم الاختلاف، وتحالف يحمي المظلوم.
3. المواطنة الإيجابية والمسؤولة
يعرّف الميثاق المواطنة الإيجابية بأنها المواطنة المبنية على الحرية والمساواة والتعددية والاحترام المتبادل، والمتوازنة مع حماية الوئام الاجتماعي والنظام العام، والملتزمة باللاعنف والتضامن الفكري والمعنوي في مواجهة المشكلات [11]. وهو تعريف يتجاوز التصور الإداري للمواطنة باعتبارها جنسية ووثائق، ليراها علاقة أخلاقية متبادلة بين الفرد والمجتمع والدولة.
وبهذا المعنى لا تكون حقوق المكونات الدينية ملفاً منفصلاً، بل امتحاناً لجودة المواطنة. فالحق في العبادة، وحماية المقدسات، والمساواة أمام القانون، والمشاركة في المجال العام، كلها عناصر في انتماء المواطن إلى وطنه. كما أن مسؤولية المواطن تشمل احترام حق غيره، والإسهام في الوئام، ورفض التحريض، والتعاون في الخير العام.
4. مجالات التطبيق
لا يكتفي الميثاق بالمبادئ؛ فهو يحدد مجالات للعمل تشمل الأسرة والتعليم والعمل الإنساني والتنمية المستدامة. ففي التعليم يدعو إلى وصل المعرفة بالتربية الأخلاقية وتطوير التعليم الديني لمواكبة التحولات الحديثة. وفي العمل الإنساني يحث على إغاثة المحتاج وإيواء اللاجئ والمهاجر وحماية الضعفاء دون تمييز. وفي التنمية يربط السلم بأهداف التنمية المستدامة، لأن الفقر والهشاشة والحرمان من التعليم قد تتحول إلى منافذ للاستغلال والتجنيد.
إن هذا الانتقال من المبادئ إلى المجالات يجعل حلف الفضول الجديد إطاراً صالحاً لبناء برامج مشتركة بين المؤسسات المغربية والإماراتية: في إعداد المناهج، وتكوين القادة الدينيين، وتنظيم القوافل، وتطوير أدوات قياس خطاب الكراهية، وتأهيل الوسطاء، وربط التنمية المحلية ببناء المناعة ضد التطرف.
ثامناً: فقه السلم بوصفه أساساً للتكامل المغربي الإماراتي
1. أولوية حفظ الدماء
يبدأ فقه السلم من إدراك حرمة الدم الإنساني وعظم مسؤولية الكلمة التي قد تقود إلى سفكه. ولذلك لا تُقاس الفتوى بصحة دليلها المجرد فقط، بل أيضاً بسلامة تنزيله وفهم الواقع الذي سيعمل فيه والنتائج المتوقعة منه. وقد شدد علماء المقاصد على اعتبار المآلات؛ لأن الفعل المباح أو المقصود للخير قد ينقلب إلى ضرر إذا نُزّل في غير محله أو استعمله غير المؤهلين [22][23].
وفي المجتمعات الحديثة، التي تضم مواطنين متعددين وترتبط بمواثيق وقوانين وعلاقات دولية معقدة، يصبح تحقيق المناط ضرورة لحماية الدين والناس معاً. فلا يجوز نقل أحكام تشكلت في أوضاع تاريخية من الحرب أو الإمبراطوريات إلى دولة المواطنة المعاصرة من غير نظر في تغير البنية السياسية والقانونية. ومن هنا تأتي أهمية إعلان مراكش: إنه لا يكتفي بالدعوة إلى الرفق، بل يقدم اجتهاداً في طبيعة العقد السياسي الذي يجمع المواطنين.
2. الصلح قبل الاستنزاف
يقوم فقه السلم على توسيع مجال الصلح والوساطة والتحكيم والمصالحة. فالانتصار الحقيقي ليس دائماً غلبة طرف، بل قد يكون منع انهيار المجتمع وحفظ الأرواح وفتح باب العودة إلى الحق. ويحتاج هذا التصور إلى علماء يجيدون لغة النص ولغة النزاع، وإلى مؤسسات تملك الثقة، وإلى شبكات قادرة على التدخل المبكر.
ويملك المغرب والإمارات عناصر مهمة لهذا الدور: فالمغرب يتوفر على مجالس علمية وخبرة في التأطير الديني وشبكات إفريقية، والإمارات تحتضن منتدى دولياً للسلم ومراكز للبحث والتدريب وشبكة واسعة من القيادات الدينية. ويمكن لتقاطع هذه العناصر أن يطوّر مساراً عربياً وإفريقياً لتكوين «وسطاء السلم» يجمعون بين المعرفة الشرعية، ومهارات تحليل النزاع، والتواصل، وعلم النفس الاجتماعي، والقانون الإنساني.
3. التمييز بين الاختلاف والاقتتال
الاختلاف سنة اجتماعية ومعرفية، ولا يتحول إلى خطر إلا حين يُدار بمنطق الإلغاء. أما الاقتتال فهو فشل في إدارة الاختلاف، وغالباً ما تسبقه لغة تنزع الإنسانية عن الخصم وتسوغ الاعتداء عليه. لذلك يركز فقه السلم على ضبط اللسان والرمز بقدر تركيزه على ضبط السلاح. فالتكفير والتحريض والسخرية من المقدسات ونشر الشائعات ليست مجرد انحرافات لفظية؛ إنها مقدمات قد تهيئ للعنف.
ويفسر ذلك اهتمام التجربتين المغربية والإماراتية بالتعليم والإعلام والخطاب الرقمي. فالرابطة المحمدية للعلماء تشتغل على تفكيك المفاهيم المتطرفة وإنتاج مضامين موجهة إلى الشباب، بينما يشتغل مركز صواب على مواجهة الدعاية الرقمية، ويطور مركز هداية برامج تعليمية ومجتمعية للوقاية. والتكامل بين المعرفة الشرعية والخبرة الرقمية يمكن أن ينتج خطاباً أكثر تأثيراً من ردود الأفعال الموسمية.
تاسعاً: المواطنة وحقوق المكونات الدينية — من «الأقلية» إلى الشريك في الوطن
يحمل مصطلح «الأقليات» قيمة وصفية مفيدة في القانون والسياسات العامة، لأنه يلفت الانتباه إلى جماعات قد تحتاج إلى حماية خاصة من التمييز. لكنه قد يتحول في الاستعمال الاجتماعي إلى حاجز نفسي إذا أوحى بأن بعض المواطنين أقل انتماء أو حضوراً. ولهذا يدفع منطق إعلان مراكش وحلف الفضول الجديد نحو الجمع بين الحماية الخاصة عند الحاجة والمساواة العامة في المواطنة.
وتقوم المواطنة الحاضنة للتعدد على خمسة أركان مترابطة. أولها الاعتراف القانوني بكرامة كل مواطن وحقوقه. وثانيها حماية حرية العبادة ودور العبادة من الاعتداء والتحريض. وثالثها المساواة أمام القضاء والإدارة والخدمات العامة. ورابعها المشاركة في بناء الوطن من خلال التعليم والعمل والثقافة والمؤسسات المدنية. وخامسها تنمية ذاكرة وطنية مشتركة تعترف بإسهام جميع المكونات.
يوفر المغرب مثالاً مهماً في إدراج الرافد العبري ضمن روافد الهوية الوطنية، وفي صيانة جانب من التراث اليهودي المغربي وإبرازه داخل التاريخ المشترك. وتوفر الإمارات مثالاً لمجتمع يستقبل مئات الجنسيات ويوفر فضاءات متعددة للعبادة، مع بناء تشريعات ومبادرات للتعايش. وعندما تجتمع الخبرتان، يصبح بالإمكان تطوير خطاب عربي لا يقدم الحقوق الدينية بوصفها تنازلاً تحت ضغط خارجي، بل بوصفها تعبيراً عن الوفاء بالعهد، وصيانة للكرامة، وتقوية للدولة والمجتمع.
كما أن حماية حقوق غير المسلمين داخل البلدان ذات الأغلبية المسلمة تقوي الموقف الأخلاقي في الدفاع عن حقوق المسلمين الذين يعيشون أقليات في بلدان أخرى. فالمعيار العادل لا يتغير بتغير هوية الأكثرية، والكرامة لا تتجزأ. وقد دعا إعلان مراكش ممثلي الديانات إلى رفض ازدراء المقدسات وخطاب الكراهية، وهي دعوة تؤسس لتضامن متبادل لا يقوم على المنافسة في المظلومية، بل على حماية الإنسان أينما كان [1].
عاشراً: الحوار بين الأديان — من التعارف إلى التعاون
يمكن تمييز ثلاث درجات في الحوار بين الأديان. الدرجة الأولى هي التعارف: أن يعرف كل طرف معتقد الآخر وتاريخه كما يقدمه أصحابه، لا كما تصنعه الصور النمطية. والدرجة الثانية هي بناء الثقة: لقاءات منتظمة وقنوات تواصل تمنع سوء الفهم وتتيح التدخل عند الأزمات. والدرجة الثالثة هي التعاون: مشروعات مشتركة في خدمة الفقراء والتعليم والبيئة وحماية دور العبادة ومواجهة الكراهية.
وقد تحرك المسار المغربي الإماراتي عبر هذه الدرجات. جمع مؤتمر مراكش علماء وممثلين عن أديان متعددة حول حقوق المكونات الدينية. وحولت قافلة السلام هذا اللقاء إلى سفر مشترك بين أبوظبي والرباط وواشنطن. ثم صاغ حلف الفضول الجديد مبادئ للتعاون، وفتح باب الانضمام لمن يلتزم بها من أتباع الديانات والتقاليد المختلفة. وهكذا لم يعد الحوار حدثاً منفصلاً، بل صار شبكة من العهود والعلاقات والممارسات.
وحتى يظل الحوار مثمراً، يحتاج إلى وضوح في الغاية. فهو لا يطلب من المتدين أن يخفي معتقده أو يساوي بين العقائد، بل يطلب منه أن يستخرج من معتقده ما يحمله على العدل والرحمة والوفاء وحماية الجار. إن المشترك هنا أخلاقي ومدني، وليس تركيباً عقدياً جديداً. وهذا الوضوح يجعل الحوار أكثر صدقاً وقبولاً داخل المجتمعات، ويمنع المتطرفين من تصويره تنازلاً عن الدين.
حادي عشر: التصدي للتطرف والاقتتال — مقاربة متعددة المستويات
يقدم التعاون المغربي الإماراتي تصوراً يمكن ترتيبه في سبعة مستويات متكاملة:
- المستوى الشرعي: تصحيح المفاهيم التي يُساء استخدامها، مثل الجهاد والولاء والبراء والأمر بالمعروف، وربط الفتوى بالمقاصد والواقع والمآلات.
- المستوى المؤسسي: تأهيل مؤسسات الإفتاء والمجالس العلمية وتحديد الاختصاص، حتى لا تتحول المنصات المفتوحة إلى سوق لفتاوى التحريض.
- المستوى القانوني: حماية المواطنين ودور العبادة، وتجريم التمييز والتحريض والكراهية والعنف، وضمان الاحتكام إلى القضاء.
- المستوى التربوي: تطوير المناهج، وتكوين المدرسين والأئمة والمرشدين، وتعليم مهارات الحوار والتفكير التحليلي والمواطنة الرقمية.
- المستوى الاجتماعي والتنموي: معالجة الهشاشة والعزلة وفقدان المعنى، وتقوية الأسرة والمجتمع المحلي، وتوفير مسارات مشاركة للشباب.
- المستوى الرقمي والإعلامي: إنتاج سرديات مقنعة ومحتوى مهني، ورصد الدعاية المتطرفة وخطاب الكراهية، وتدريب الشباب على التحقق من المعلومات.
- المستوى الدبلوماسي والدولي: بناء تحالفات بين الدول والمنظمات والقيادات الدينية، وربط المبادرات الإقليمية بقرارات الأمم المتحدة وببرامج عملية.
هذه المستويات تفسر لماذا لا ينبغي اختزال الوقاية من التطرف في خطاب ديني وحده أو في إجراء أمني وحده. فالشخص قد يصل إلى العنف عبر مظلمة اجتماعية، أو عزلة نفسية، أو دعاية رقمية، أو فهم ديني مشوه، أو شبكة تجنيد. وكلما تعددت مسارات الاستقطاب وجب أن تتعدد مسارات الوقاية. ويمثل تنوع المؤسسات في المغرب والإمارات فرصة لبناء تدخلات مركبة تتبادل فيها الخبرة العلمية والتقنية والميدانية.
وفي المستوى الدولي، قدم المغرب مشروع القرار الأممي الذي اعتمدته الجمعية العامة سنة 2019 بشأن تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والتسامح في مواجهة خطاب الكراهية، ثم واصلت الأمم المتحدة تطوير هذا المسار بقرارات لاحقة [14]. كما دعمت الإمارات مسار الأخوة الإنسانية الذي أفضى إلى يوم دولي أممي [15]. ويظهر من ذلك أن البلدين لا يكتفيان بالمبادرات المحلية، بل يسهمان في نقل مفردات الحوار والتسامح إلى المرجعية الدولية.
ثاني عشر: مجالات التكامل العملي بين المغرب والإمارات
1. التكوين المشترك لعلماء ووسطاء السلم
يمكن إطلاق برنامج مغربي إماراتي لتكوين الأئمة والمرشدين والباحثين والوسطاء في فقه السلم. يستفيد البرنامج من خبرة معهد محمد السادس في التكوين الديني، ومن شبكة منتدى أبوظبي للسلم وخبرات مركز هداية في تصميم برامج الوقاية. ويجمع المنهج بين علوم الشريعة والمقاصد، والقانون الدستوري والدولي، وتحليل النزاعات، والوساطة، وعلم النفس، والتواصل الرقمي.
2. مرصد عربي إفريقي لخطاب الكراهية
يحتاج صناع القرار والعلماء إلى بيانات دقيقة حول تحولات خطاب الكراهية بلغات ولهجات متعددة. ويمكن إنشاء مرصد مشترك يرصد الاتجاهات من غير انتهاك الخصوصية، ويحلل المفردات والسرديات ومسارات الانتشار، ويصدر تقارير دورية وأدلة للمدرسين والإعلاميين والخطباء. ويمنح الموقع المغربي للمشروع امتداداً إفريقياً وأوروبياً، بينما تمنحه الخبرة الإماراتية في المراكز الدولية والتقنيات الرقمية قدرة تشغيلية واسعة.
3. منصة تعليمية مفتوحة في فقه المواطنة
يمكن تحويل مبادئ إعلان مراكش وحلف الفضول الجديد إلى وحدات تعليمية قصيرة ومفتوحة، تتدرج بحسب الفئة العمرية والمهنية. وتشمل موضوعات الكرامة الإنسانية، وصحيفة المدينة، والوفاء بالعهد، وحقوق الجار، وحماية دور العبادة، وأخلاق الاختلاف، والتحقق من الأخبار، ومسؤولية الكلمة. وينبغي أن تقدم بلغات متعددة، وأن توظف القصص التاريخية والمحاكاة والنقاش، لا الحفظ النظري وحده.
4. قوافل جديدة للسلم وخدمة المجتمع
أثبتت قافلة السلام أن الانتقال بين المدن والمجتمعات يخلق علاقات تتجاوز أثر المؤتمرات المغلقة. ويمكن تطوير قوافل عربية إفريقية تضم علماء وشباباً ومربين وممثلين دينيين، وتربط الحوار بخدمة ملموسة: ترميم مدرسة، أو غرس أشجار، أو دعم مركز اجتماعي، أو تنظيم ورشات ضد التنمر والكراهية. فالعمل المشترك يبني الثقة بصورة أسرع من الخطاب المجرد.
5. شبكة لحماية دور العبادة والوساطة عند الأزمات
يمكن تأسيس شبكة خبراء تقدم للحكومات والمجتمعات المحلية أدلة وقائية لحماية دور العبادة، وخطط تواصل عند وقوع اعتداء، وبرامج لمنع انتقال حادث فردي إلى توتر جماعي. وتجمع الشبكة فقهاء وقانونيين وخبراء أمن مجتمعي وإعلاميين وقادة دينيين، وتعمل وفق قاعدة أن الاعتداء على مسجد أو كنيسة أو معبد اعتداء على السلم الأهلي كله.
6. كرسي علمي ودورية محكمة في دراسات السلم
يمكن للجامعات المغربية والإماراتية إنشاء كرسي مشترك في «فقه السلم والمواطنة والدبلوماسية الدينية»، يصدر دراسات محكمة، ويشرف على رسائل جامعية، وينظم مدرسة صيفية للباحثين الشباب. ومن شأن هذا المسار أن يحفظ الذاكرة العلمية للمبادرات، ويطور أدوات قياس أثرها، ويصل المعرفة الشرعية بدراسات السلام والعلاقات الدولية والقانون وعلم الاجتماع.
7. تقرير دوري عن تنفيذ المواثيق
تملك المواثيق قوة رمزية، وتزداد فاعليتها حين تُترجم إلى مبادرات قابلة للرصد والتبادل. ويمكن إصدار تقرير دوري يعرض البرامج التعليمية والتشريعية والمجتمعية المستلهمة من إعلان مراكش وحلف الفضول الجديد في بلدان مختلفة، ويجمع الممارسات الناجحة ويتيح للمؤسسات التعلم بعضها من بعض. والغرض من التقرير ليس ترتيب الدول، بل توسيع دائرة الاقتداء وتحويل المبادئ إلى خبرة مشتركة.
ثالث عشر: القيمة الحضارية للنموذج المغربي الإماراتي
تكمن القيمة الحضارية لهذا النموذج في أنه يعيد بناء الصلة بين الدين والدولة والمجتمع على أساس السلم. فبدلاً من ترك المجال الديني نهباً للتطرف أو دفعه إلى الهامش، يجري استدعاء موارده الأخلاقية لخدمة المواطنة والعدل. وبدلاً من النظر إلى المواثيق الدولية بوصفها لغة غريبة عن الثقافة الإسلامية، يُبحث لها عن جسور في المقاصد وصحيفة المدينة وحلف الفضول وقيم الوفاء والكرامة. وبدلاً من جعل الحوار بين الأديان مناسبة بروتوكولية، يتحول إلى شبكة قوافل ومواثيق ومؤسسات وبرامج.
كما يجمع النموذج بين المحلي والعالمي. فكل مبادرة تنطلق من سياق محدد: التاريخ المغربي في التعايش، أو المجتمع الإماراتي المتعدد، أو الحاجة إلى وقف خطاب العنف داخل المجتمعات المسلمة. لكنها تصاغ بلغة تسمح لها بالانتقال إلى فضاءات أخرى. وهذا التوازن مهم؛ لأن المبادرات المنفصلة عن ثقافة الناس تفقد الثقة، والمبادرات المنغلقة داخل الخصوصية تعجز عن التعاون الدولي.
ومن مزايا هذا المسار أيضاً أنه يربط السلم بالتنمية والمعرفة. فالأمن الروحي لا يعني الانسحاب من الحياة، بل تمكين الإنسان من معنى يحميه من اليأس والاستغلال، وتعليمه كيف يختلف بغير عنف، وإشراكه في بناء مجتمعه. لذلك تتقاطع برامج تكوين الأئمة مع التعليم، وتتقاطع مراكز الوقاية من التطرف مع المجتمع المدني، وتتقاطع مواثيق الحوار مع أهداف التنمية المستدامة.
إن المغرب، بامتداده الإفريقي والمتوسطي والأندلسي وتقاليده العلمية، والإمارات، بموقعها العالمي وقدرتها على جمع الجنسيات والمؤسسات والقيادات، يستطيعان معاً تقديم صوت عربي وإسلامي واثق: صوت لا يعتذر عن الدين، ولا يسمح باختطافه من دعاة العنف؛ يصون الخصوصية، ولا يجعلها باباً للعزلة؛ يؤمن بالدولة الوطنية، ويعطي المواطنة مضموناً أخلاقياً؛ ويتمسك بالسلام، لا باعتباره ضعفاً، بل باعتباره ثمرة للعدل والحكمة والشجاعة.
خاتمة
يكشف مسار التعاون المغربي الإماراتي في صناعة السلم عن تجربة تتجاوز حدود المناسبات الدبلوماسية. فقد التقت الرؤية المغربية، بما تحمله من عمق تاريخي ومؤسسات دينية وتكوينية وامتداد إفريقي، مع الرؤية الإماراتية، بما توفره من منصات دولية وتشريعات للتعايش ومراكز للوقاية ودبلوماسية دينية نشطة. وكان «إعلان مراكش» التعبير الأوضح عن هذا اللقاء: وثيقة صدرت في المغرب بشراكة مؤسسية مع منتدى أبوظبي للسلم، واستعادت صحيفة المدينة لتؤسس لمواطنة تعاقدية تحمي الكرامة والحقوق الدينية.
ثم أثبت المسار قدرته على الاستمرار والتحول. انتقلت روح الإعلان عبر قافلة السلام من أبوظبي إلى الرباط وواشنطن، وتراكمت المبادرات إلى أن صدر «ميثاق حلف الفضول الجديد» في أبوظبي سنة 2019، جامعاً الكرامة والحرية والعدل والرحمة والسلم والوفاء والتضامن في إطار للتعاون بين أتباع الأديان. وبعد عقد على إعلان مراكش، عاد الطرفان إلى إحياء ذكراه في المغرب، بما يؤكد أن الوثيقة لم تكن حدثاً عابراً، بل أساساً لمسار متجدد.
إن الحاجة اليوم كبيرة إلى توسيع هذا المسار في التعليم والتكوين والوساطة والإعلام الرقمي والبحث العلمي والعمل الإنساني. فالسلم لا يولد من وثيقة وحدها، لكنه يحتاج إلى وثائق تضبط وجهته، وإلى علماء يبينون أصوله، ومؤسسات تحميه، ومدارس تربي عليه، وقوانين تصونه، ومواطنين يحولونه إلى سلوك يومي. ومن هذه الزاوية يستطيع التعاون المغربي الإماراتي أن يقدم للعالم نموذجاً في كيفية استثمار المرجعية الدينية والدولة الحديثة والدبلوماسية الثقافية لبناء مواطنة آمنة، وصيانة التعدد، وإطفاء أسباب الفتنة قبل أن تتحول إلى اقتتال.
المصادر والمراجع
ابن عاشور، محمد الطاهر، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر، 2004.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، «إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي»، 27 يناير 2016. https://habous.gov.ma/fr/annonce-et-activites-ministere/3115-the-marrakech-declaration-on-the-rights-of-religious-minorities-in-the-muslim-world.html
وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، «نحو شراكة مبتكرة ومتجددة وراسخة بين المملكة المغربية ودولة الإمارات العربية المتحدة»، 5 ديسمبر 2023. https://diplomatie.ma/en/hm-king-uae-president-sign-abu-dhabi-towards-innovative-renewed-and-consolidated-partnership-between-kingdom-morocco-and-uae-state-declaration
دستور المملكة المغربية لسنة 2011، الفصلان 3 و41، قاعدة Constitute Project. https://www.constituteproject.org/constitution/Morocco_2011
البوابة الرسمية للمملكة المغربية، «الرسالة الملكية إلى المشاركين في المؤتمر البرلماني حول الحوار بين الأديان: العمل معاً من أجل مستقبلنا المشترك»، 13 يونيو 2023. https://maroc.ma/en/royal-speeches-and-messages/royal-messages/full-text-message-addressed-hm-king-participants-parliamentary-conference-interfaith-dialogue
البوابة الرسمية للمملكة المغربية، «خطاب الملك محمد السادس في افتتاح المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة»، 14 يونيو 2016. https://maroc.ma/en/royal-speeches-and-messages/royal-speeches/full-text-hm-kings-speech-inauguration-ceremony-higher-council-mohammed-vi-foundation-african-ulema
البوابة الرسمية للمملكة المغربية، «استراتيجية المغرب في مكافحة الإرهاب والتطرف بإفريقيا»، 22 يناير 2025. https://maroc.ma/en/news/security-council-moroccos-hilale-outlines-royal-strategy-fight-terrorism-africa
البوابة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، «التسامح والتعايش» و«قانون مكافحة التمييز والكراهية والتطرف». https://u.ae/en/about-the-uae/culture/tolerance
Hedayah, “About Hedayah: Countering Extremism and Violent Extremism,” 2026. https://hedayah.com/about/
Sawab Center, “Survey and Institutional Background,” 2022. https://sawabcenter.org/wp-content/uploads/2022/10/001Survey_E.pdf
وكالة أنباء الإمارات، «البيان الختامي لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، مارس 2014. https://www.wam.ae/ar/article/hsyrgoui-الامارات-تحتضن-مجلس-حكماء-المسلمين
وكالة أنباء الإمارات، «نص ميثاق حلف الفضول الجديد»، 10 ديسمبر 2019. https://www.wam.ae/ar/article/hszr9m6j-ميثاق-حلف-الفضول-الجديد
مجلس الجالية المغربية بالخارج، «قافلة السلام الأمريكية: من أبوظبي إلى الرباط وواشنطن»، 26 أكتوبر 2017. https://www.ccme.org.ma/en/american-caravan-for-peace-mr-boussouf-on-the-facets-of-fraternity-of-faith-in-morocco/
وكالة أنباء الإمارات، “Abu Dhabi Forum for Peace Marks 10th Anniversary of Landmark Marrakesh Declaration,” 30 July 2026. https://www.wam.ae/en/article/c1hd658-abu-dhabi-forum-for-peace-marks-10th-anniversary
الجمعية العامة للأمم المتحدة، القرار 73/328 بشأن تعزيز الحوار بين الأديان والثقافات والتسامح في مواجهة خطاب الكراهية، 25 يوليو 2019، والقرار 77/318، 25 يوليو 2023. https://digitallibrary.un.org/record/4017443/files/A_RES_77_318-EN.pdf
الأمم المتحدة، «اليوم الدولي للأخوة الإنسانية»، القرار 75/200. https://www.un.org/en/observances/human-fraternity
Horsfjord, Vebjørn L. “The Marrakesh Declaration on the Rights of Religious Minorities.” Islam and Christian–Muslim Relations, 2018. https://doi.org/10.1080/18918131.2018.1510653
Hayward, Susan. Understanding and Extending the Marrakesh Declaration in Policy and Practice. United States Institute of Peace, 2016. https://www.usip.org/sites/default/files/SR392-Understanding-and-Extending-the-Marrakesh-Declaration-in-Policy-and-Practice.pdf
Hmimnat, Salim. “Peacebuilding through Religious Training: Morocco’s African Imams Training Program.” In Routledge Handbook of Peace, Security and Development, 2021. https://doi.org/10.4324/9781003187585-6
Hayward, Joel. The United Arab Emirates and the Architecture of Interfaith Dialogue. Anwar Gargash Diplomatic Academy, 2026. https://www.agda.ac.ae/docs/default-source/2026/(final-pdf)-agda-insight-interfaith-dialogue–joel-hayward.pdf
البوابة الرسمية للمملكة المغربية، «خطاب الملك محمد السادس بمناسبة زيارة البابا فرنسيس إلى المغرب»، 30 مارس 2019. https://maroc.ma/en/royal-speeches-and-messages/royal-speeches/full-text-speech-hm-king-occasion-pope-francis-visit-morocco
بعثة دولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، «التسامح والتعايش السلمي»، 2026. https://uaeun.org/tolerance/
الشاطبي، أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق أبو عبيدة مشهور آل سلمان، دار ابن عفان، 1997.

