مقدمة: لماذا تستحق سيرة عبد الله بن بيّه الدراسة؟
لا تُقرأ سيرة العالم المعاصر قراءة صحيحة إذا اختُزلت في قائمة المناصب التي شغلها، أو في عدد الكتب التي ألّفها، أو في الحضور الإعلامي الذي حققه. فالقيمة الحقيقية للسيرة العلمية تظهر حين نبحث عن الصلة بين التكوين والمنهج، وبين التجربة والفتوى، وبين المعرفة النظرية والأسئلة التي واجهها صاحبها في الواقع. ومن هذه الزاوية تكتسب سيرة العلامة عبد الله بن بيّه أهميتها؛ لأنها سيرة عالم انتقل بين عوالم متعددة: من المحظرة الموريتانية إلى مؤسسات الدولة الحديثة، ومن القضاء والإدارة إلى التدريس الجامعي، ومن البحث الأصولي الدقيق إلى المبادرات الدولية في السلم والمواطنة والحوار الديني.
ولد عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه سنة 1935 في مدينة تمبدغة بشرق موريتانيا، في بيئة علمية عرفت بنظام المحاظر، وهو نظام تقليدي للتعليم يقوم على الملازمة والحفظ والمدارسة والتدرج في المتون. وقد تلقى علومه الأولى في بيت علم وقضاء؛ فوالده الشيخ المحفوظ بن بيّه كان من علماء المنطقة وقضاتها، ومنه أخذ جانباً مهماً من تكوينه الشرعي، كما درس علوم العربية والقرآن على عدد من شيوخ المحظرة الموريتانية [1][2]. ولم يبق هذا التكوين حبيس الصيغة التقليدية، بل اتصل لاحقاً بالتكوين القانوني والقضائي في تونس، ثم بخبرة طويلة داخل الدولة الموريتانية، قبل أن يتجه إلى العمل الأكاديمي والمؤسسي الدولي.
هذه الرحلة الطويلة جعلت ابن بيّه شاهداً ومشاركاً في تحولات كبرى عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة: بناء الدول الوطنية بعد الاستعمار، وتعريب الإدارة والقضاء، وصعود المؤسسات الفقهية الجماعية، وتزايد حضور المسلمين في المجتمعات الغربية، وظهور نوازل اقتصادية وطبية وسياسية غير مسبوقة، ثم اتساع دوائر العنف باسم الدين. ولذلك لا يقتصر مشروعه على الإجابة عن مسائل جزئية، بل يحاول إعادة تنظيم العلاقة بين النص والواقع، وبين الحكم الشرعي ومناطه، وبين المقاصد والأدلة التفصيلية، وبين حفظ الدين وحماية المجتمع من الفوضى والاقتتال.
أولاً: النشأة في تمبدغة والتكوين المحظري
نشأ عبد الله بن بيّه في مدينة تمبدغة، في المجال الثقافي الشنقيطي المعروف بقوة الحفظ، والعناية باللغة العربية، والاشتغال بالفقه المالكي وأصوله، وتداول المتون والشروح والأنظام. ولم تكن المحظرة مدرسة بالمعنى الإداري الحديث؛ بل كانت فضاءً علمياً يتداخل فيه التعليم بالتربية، والحفظ بالمناقشة، والفقه باللغة، والمعرفة بالسلوك. وقد منحت هذه البيئة طالب العلم قدرة على استحضار النصوص، وربط الفروع بأصولها، والانتقال بين علوم الآلة وعلوم المقاصد.
تذكر سيرته الرسمية أنه أخذ عن والده القاضي الشيخ المحفوظ بن بيّه، ودرس العربية على الشيخ محمد سالم ابن الشين، وأخذ علوم القرآن عن الشيخ بيّه بن السالك المسومي، إلى جانب دراسته لمختلف العلوم الشرعية المتداولة في المحظرة [1][2]. وهذه التفاصيل ليست مجرد أسماء في سلسلة التلقي؛ فهي تساعد على تفسير ملامح بارزة في خطابه اللاحق، منها كثرة الاستشهاد بالشعر واللغة، والقدرة على استحضار نصوص الأصوليين والفقهاء، والعناية بالمذهب المالكي مع الانفتاح على المذاهب الأخرى، والاقتناع بأن الفتوى صناعة مركبة لا تستقيم بحفظ حكم منفرد.
كان الفقه المالكي، بما راكمه من عمل بالمصلحة والعرف وسد الذرائع ومراعاة المآل، جزءاً أساسياً من تكوينه. غير أن حضور المالكية عنده لا يتخذ صورة انغلاق مذهبي؛ فهو يرجع في دراساته إلى الغزالي والجويني والآمدي والشاطبي والقرافي وابن رشد وابن تيمية وابن القيم وغيرهم، ويستفيد من المدارس الأصولية المختلفة. ولذلك يمكن وصف منهجه بأنه انطلاق من رسوخ مذهبي نحو أفق مقارن، لا ذوبان للمذهب ولا تعصب له. وهذه خاصية مهمة لفهم اختياراته في فقه الأقليات والمعاملات والنوازل؛ إذ يلجأ أحياناً إلى أقوال خارج المشهور المالكي إذا اقتضت الحاجة والمصلحة المعتبرة ذلك، مع محاولة إبقاء الترجيح داخل ضوابط الصناعة الأصولية.
كما أن التكوين المحظري رسخ عنده مركزية اللغة في فهم الوحي. فالنص الشرعي لا يُفهم، في نظر الأصوليين، بمعزل عن دلالات الألفاظ والسياق ومراتب البيان والعموم والخصوص والمطلق والمقيد. ولهذا حمل أحد كتبه عنوان «أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات»، وجعل جانباً من مشروعه منصباً على ضبط مسالك الاستدلال قبل الانتقال إلى النتائج. فالخلل في الفتوى لا ينشأ دائماً من ضعف النية أو غياب النص، بل قد ينشأ من سوء فهم الدلالة، أو إغفال التعارض الظاهري بين الأدلة، أو عدم التمييز بين الحكم الكلي والواقعة الجزئية.
ولا ينبغي أيضاً إغفال البعد التربوي والروحي في هذا التكوين. فقد نشأ في بيت علم وورع، وتظهر في خطابه عناية بتزكية النفس وأخلاق العالم، إلى جانب المعرفة الفقهية. وقد تناولت دراسة محكمة البعد الصوفي القائم على الالتزام بالشريعة في حياته وكتاباته، ولاحظت أن شهرته في الفقه والأصول وفقه الأقليات حجبت أحياناً هذا الجانب من تكوينه [17]. غير أن الأهم هنا هو أن الأخلاق عنده ليست زينة خارجية للفقه؛ بل شرط في وظيفة المفتي، لأن العلم حين ينفصل عن الرحمة والتواضع والنظر في العواقب يمكن أن يتحول إلى أداة خصومة أو تشدد.
ثانياً: من التكوين القضائي إلى بناء مؤسسات الدولة الموريتانية
بعد مرحلة المحظرة، سافر ابن بيّه إلى تونس ضمن بعثة لتكوين الدفعة الأولى من القضاة الموريتانيين، وتذكر المصادر التعريفية أنه أحرز المرتبة الأولى بين المبتعثين [1][2]. وقد مثّل هذا الانتقال لقاءً بين ثقافتين قانونيتين: ثقافة الفقه التقليدي الذي تشكل في المحظرة، وثقافة الدولة الحديثة التي تحتاج إلى محاكم وإدارة وتشريع وصيغ مؤسسية محددة. ومن الصعب فهم اهتمامه اللاحق بتنزيل الأحكام على الوقائع دون استحضار هذه الخبرة المبكرة؛ فالقاضي لا يكتفي بمعرفة الحكم المجرد، بل يحتاج إلى إثبات الوقائع، وفهم القرائن، والتمييز بين الدعاوى، وتقدير الآثار.
عند عودته إلى موريتانيا، تدرج في مناصب قضائية وإدارية متعددة: عمل رئيساً لمصلحة الشريعة في وزارة العدل، ثم نائباً لرئيس محكمة الاستئناف، ونائباً لرئيس المحكمة العليا، ورئيساً لقسم الشريعة الإسلامية فيها. ثم تولى مسؤوليات حكومية شملت الشؤون الدينية والتعليم والعدل والموارد البشرية والتوجيه الوطني، بحسب ما تورده سيرته الرسمية وصفحة مجمع الفقه الإسلامي الدولي [1][2]. وقد جعلته هذه التجربة قريباً من عملية بناء مؤسسات دولة خرجت حديثاً من الاستعمار، ومن الأسئلة المتعلقة بتعريب الإدارة وإعادة حضور المرجعية الإسلامية في التشريع.
في هذه المرحلة لم يكن الفقيه بعيداً عن تفاصيل الإدارة والسياسة العامة. فالانتقال من حكم فقهي مكتوب في كتاب إلى قانون أو سياسة أو مؤسسة يتطلب حساباً لعناصر القدرة والمصلحة والتدرج والانسجام مع بقية الأنظمة. وربما أسهم هذا الاحتكاك في تكوين حسه القوي بأهمية «المآلات»؛ لأن القرار العام لا يُقاس بصحته النظرية وحدها، بل بما يترتب عليه من مصالح ومفاسد في مجتمع محدد. كما أسهم العمل القضائي في تثبيت مفهوم «تحقيق المناط»، أي التأكد من وجود الوصف المؤثر في الحالة المعينة قبل تنزيل الحكم عليها.
وتكشف التجربة الموريتانية جانباً آخر من شخصيته العلمية، وهو قدرته على العمل داخل المؤسسة. فبعض العلماء يبرزون في الدرس والتأليف الفردي، بينما اتجه ابن بيّه مبكراً إلى لجان الدولة والمحاكم والوزارات والمؤتمرات. وهذه القدرة المؤسسية ستظهر لاحقاً في المجامع الفقهية ومراكز البحث ومنتدى السلم ومجلس الإمارات للإفتاء. وهي ميزة تمنح الفكر إمكان الوصول إلى دوائر واسعة.
ثالثاً: الانتقال إلى العمل الأكاديمي والفقهي الدولي
بعد تجربته في موريتانيا، اشتغل عبد الله بن بيّه بالتدريس الجامعي، وعمل أستاذاً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة. كما شارك في عدد كبير من المجامع والهيئات العلمية، ومن بينها مجمع الفقه الإسلامي الدولي، الذي اختاره عضواً معيناً وشارك في دوراته باحثاً ومعقباً ومناقشاً [2]. وامتدت اهتماماته إلى أصول الفقه، والفقه المالكي والمقارن، والمعاملات المالية، وقضايا الأقليات المسلمة، والمقاصد، واللغة، والحوار الديني.
كان التحول من القضاء الوطني إلى الفضاء الفقهي الدولي متزامناً مع تغير طبيعة النوازل. فقد أصبحت الأسئلة الفقهية تعبر الحدود: المصارف الإسلامية، والتضخم وتغير قيمة العملة، والأسواق المالية، والأقليات المسلمة في الغرب، والطب الحديث، والعلاقات الدولية، وقضايا المواطنة والاندماج. وهذه المسائل لا يستطيع فقيه واحد أن يحيط بجميع مقدماتها الفنية؛ لذلك ازداد الاعتماد على الاجتهاد الجماعي وعلى الاستعانة بالخبراء في الاقتصاد والطب والاجتماع والقانون.
ومن هنا ظهر في مشروعه إصرار على أن تصور النازلة يسبق الحكم عليها. فالقاعدة المشهورة «الحكم على الشيء فرع عن تصوره» تتحول عنده إلى برنامج بحثي: جمع المعلومات، والاستماع إلى أهل الخبرة، وفهم النظام القانوني والاجتماعي، ثم تحديد الوصف الشرعي المناسب، ثم تقدير المآل. وهذه الخطوات تبدو بديهية نظرياً، لكنها في الواقع تفصل بين فتوى مسؤولة وفتوى متعجلة قد تنزل نصاً صحيحاً على غير محله.
كما أتاحت له المجامع الفقهية اختبار قدرة الموروث الأصولي على التعامل مع مسائل جديدة. ففي المعاملات مثلاً، لا يكفي العثور على شبه بين عقد حديث وعقد قديم؛ لأن النظم المالية المعاصرة شبكة من القوانين والمؤسسات والضمانات والمخاطر. ولذلك كتب في مقاصد المعاملات، وسد الذرائع، والوقف، والنقود، واختلاف الأقوال في معاملات الأموال. ويظهر في هذه الأعمال ميله إلى الجمع بين دراسة الجزئيات واستحضار المقاصد العامة، ولا سيما العدل، وحفظ المال، ومنع الضرر، واستقرار التعامل.
وفي مجال الأقليات المسلمة، واجهت الفتوى أسئلة نشأت من إقامة المسلمين داخل دول ذات قوانين وثقافات مختلفة. وقد عالج كتابه «صناعة الفتوى وفقه الأقليات» هذا المجال، مؤكداً أن فقه الأقليات ليس شريعة مستقلة، وإنما اجتهاد داخل أصول الشريعة يراعي اختلاف المكان والحال والحاجة والعرف والعقود المنظمة للمواطنة. وتبيّن دراسة أكاديمية حديثة أن منهجه في هذا الباب يستعمل تحقيق المناط، والاستفادة المنضبطة من بعض الأقوال المرجوحة عند قيام الحاجة والمصلحة، وربط المقاصد بأصول الفقه، وتفعيل القواعد الفقهية [10].
رابعاً: معالم المشروع الفكري لعبد الله بن بيّه
1. تجديد من داخل التراث لا قطيعة معه
يقوم مشروع ابن بيّه على فكرة أن التجديد الفقهي لا يبدأ بهدم أصول الفقه، ولا بتجاوز التراث بحجة تغير العصر، كما لا يتحقق بتكرار أجوبة القدماء دون فهم سياقاتها. التجديد عنده هو إعادة تشغيل الأدوات الموروثة وتوسيع فاعليتها في مواجهة الواقع المتغير. ولهذا يكثر في كتبه من العودة إلى الأصوليين، ويبحث داخل الموروث عن قواعد قادرة على الاستجابة للنوازل: تحقيق المناط، والمصلحة، والعرف، والاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، ومراعاة الخلاف، والضرورات والحاجات، والنظر في المآلات.
هذا التصور يضعه ضمن اتجاه يمكن تسميته «التجديد التأصيلي». فهو لا يرى الأصالة نقيضاً للمعاصرة، بل يعتقد أن التعامل السليم مع المعاصرة يحتاج إلى رسوخ أكبر في الأصول. وفي الوقت نفسه لا يقيس قوة الفقيه بكثرة ما يحفظ فقط، وإنما بقدرته على تركيب الأدلة وفهم الواقع وتعيين المسلك الأنسب للتنزيل. ومن هنا كان عنوان كتابه «إثارات تجديدية في حقول الأصول» دالاً على مشروع لا يدعي إنشاء أصول جديدة من الصفر، بل يثير الأسئلة داخل الحقول الأصولية ويعيد ترتيب وظائفها.
وتتضح قيمة هذا الاتجاه حين نقارنه بطرفين متقابلين: قراءة جامدة تتعامل مع الفتوى القديمة كما لو أن أوصاف الواقع لم تتغير، وقراءة متحررة من الضوابط تجعل المصلحة شعاراً فضفاضاً يبرر أي نتيجة. يحاول ابن بيّه أن يسلك طريقاً وسطاً: لا حكم بلا دليل، ولا تنزيل بلا واقع، ولا مصلحة معتبرة خارج نظام الشريعة. وقد لا ينجح كل تطبيق بالدرجة نفسها، لكن البنية المنهجية تظل واضحة في إنتاجه.
2. تحقيق المناط: الجسر بين النص والواقعة
يحتل تحقيق المناط مكانة مركزية في فكر ابن بيّه. والمقصود به، في أبسط صياغة، التحقق من وجود العلة أو الوصف الذي علق الشارع الحكم عليه في واقعة جزئية. فقد يكون الحكم الشرعي معروفاً، لكن السؤال الأصعب هو: هل تنطبق أوصافه على هذه الواقعة فعلاً؟ وهل تغيرت بعض العناصر بحيث أصبحت الواقعة مندرجة تحت حكم آخر؟ وهل توجد ضرورة أو حاجة أو مفسدة متوقعة تؤثر في التنزيل؟
في بحثه «الاجتهاد بتحقيق المناط: فقه الواقع والتوقع»، يجعل ابن بيّه هذا النوع من الاجتهاد وسيلة لترتيب الأحكام على أحوال المكلفين دون تبديل للقيم أو تحايل على النصوص. ويؤكد أن قياس الضرورات والحرج يحتاج إلى معرفة دقيقة بالأحوال، وأن المقصود هو تنزيل الحكم على الواقعة لا التنازل عن الحكم [6]. كما يربط تحقيق المناط بالنظر في المآلات، لأن الفقيه لا يكتفي بوصف اللحظة الحاضرة، بل يتوقع ما قد ينشأ عن الفتوى أو القرار.
والأهمية المعاصرة لهذا المفهوم كبيرة. ففي الطب، مثلاً، يحتاج الفقيه إلى تقرير الطبيب الموثوق قبل الحديث عن الضرر أو الضرورة. وفي الاقتصاد يحتاج إلى فهم بنية العقد وتوزيع المخاطر وآثار التضخم. وفي قضايا المجتمع يحتاج إلى بيانات دقيقة بدل الانطباعات العامة. وبذلك يصبح تحقيق المناط مساحة للتعاون بين العالم الشرعي والخبير المتخصص، لا ذريعة لهيمنة أحدهما على مجال الآخر.
3. فقه الواقع والتوقع
لا يستعمل ابن بيّه «فقه الواقع» بمعنى الخضوع للواقع أو تبريره، وإنما بمعنى العلم بحقيقته قبل الحكم عليه. وفي محاضرة عن أثر الواقع المعاصر في الأحكام الشرعية، وصف الواقع بأنه داخل في عملية الاستنباط من جهة اندراجه في كليات النصوص والقواعد والمقاصد، وشرح أن المفتي يحتاج إلى فهم الواقع وفهم الحكم الواجب فيه ثم المطابقة بينهما [7].
أما إضافة «التوقع» فتعني إدخال المستقبل المحتمل في عملية الاجتهاد. والفقهاء عبروا عن هذا المعنى بالنظر في المآلات وسد الذرائع واعتبار النتائج. غير أن تعقد المجتمعات الحديثة يجعل التوقع أكثر حاجة إلى العلوم الاجتماعية والاقتصادية والإحصائية. فالقرار الذي يبدو محققاً لمصلحة عاجلة قد يفتح مفسدة أكبر، والمنع الذي يقصد الاحتياط قد يدفع الناس إلى بدائل أشد ضرراً.
ويتميز هذا التصور بأنه ينقل الفقه من رد الفعل إلى قدر من الاستباق. فبدلاً من انتظار الأزمة ثم البحث عن مخرج، يمكن بناء سياسات شرعية تراعي المخاطر قبل وقوعها. غير أن التوقع ليس يقيناً، ولذلك ينبغي ألا يتحول إلى تخمين أو مبالغة في المخاوف. وهو يحتاج إلى معايير للخبرة ودرجات الاحتمال، وإلى مراجعة الفتوى حين تتغير المعلومات. وهذه نقطة يمكن تطويرها في الدراسات المستقبلية التي تستثمر مشروع ابن بيّه.
4. المقاصد في قلب النظر الأصولي
يشكل فقه المقاصد ركناً آخر من مشروعه. فالمقاصد ليست عنده باباً وعظياً يضاف في نهاية البحث، بل عنصر يسري في عمليات التعليل والترجيح والجمع بين الأدلة. ويظهر ذلك في كتبه «مشاهد من المقاصد»، و«علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه»، و«مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات». وهو يستند بوضوح إلى تراث الغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي والشاطبي، مع محاولة توسيع حضور المقاصد في مختلف أبواب أصول الفقه.
وقد خصص الباحث رزارت بيكا دراسة محكمة لموقع المقاصد في مشروع ابن بيّه، وخلص إلى أنه يمنحها دوراً مركزياً في توسيع منظومة التعليل والاستدلال، ويعرض عشرات الوجوه التي تتداخل بها المقاصد مع مباحث الأصول. وفي الوقت نفسه سجل الباحث ملاحظة نقدية مفادها أن ابن بيّه نجح في بيان ضرورة المقاصد لأي تجديد أصولي، لكنه لم يبرهن بالقدر نفسه على الصيغة الواسعة التي تجعل المقاصد هي أصول الفقه ذاتها وقلبه [9]. وهذه الملاحظة مثال جيد على النقد العلمي الذي يعترف بقيمة المشروع ويناقش حدود الدعوى.
والتوازن في استعمال المقاصد ضروري؛ لأن المقصد إذا انفصل عن الدليل تحول إلى شعار مرن، بينما قد يؤدي إهماله إلى أحكام جزئية تناقض روح التشريع وكلياته. لهذا يحرص ابن بيّه على ربط المقاصد بالنصوص والقواعد، وعلى التمييز بين المصلحة المعتبرة والمصلحة المتوهمة، وبين الضرورة والحاجة، وبين المقصد العام والتطبيق الجزئي.
5. القواعد الفقهية والموازنة بين المصالح والمفاسد
يعتمد منهجه كذلك على القواعد الفقهية التي تختصر خبرة واسعة في التعامل مع الوقائع، مثل «الضرر يزال»، و«المشقة تجلب التيسير»، و«العادة محكمة»، و«الضرورات تبيح المحظورات» ضمن شروطها، و«درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» عندما تتعارض المصالح والمفاسد على نحو لا يمكن جمعه. وهذه القواعد لا تعمل آلياً؛ إذ لا بد من إثبات الضرر والمشقة والعرف والضرورة، ثم تحديد مقدار الاستثناء حتى لا يتوسع بغير ضابط.
كما يستفيد من مبدأ سد الذرائع، وهو منع الوسيلة المباحة إذا غلب أن تفضي إلى مفسدة، لكنه لا يقف عند جانب المنع؛ إذ إن المصلحة قد تقتضي فتح الذرائع الموصلة إلى الخير. وهذه الرؤية المزدوجة تمنع الفقه من التحول إلى منظومة احترازية مغلقة. فالفقه مسؤول عن حماية الناس من الضرر، لكنه مسؤول أيضاً عن تمكينهم من المصالح المشروعة وتيسير حياتهم.
خامساً: صناعة الفتوى ومسؤولية المفتي
يختار ابن بيّه عبارة «صناعة الفتوى» للدلالة على أن الفتوى ليست جواباً عفوياً ولا انطباعاً دينياً عاماً. إنها عملية لها مدخلات ومراحل وضوابط: أهلية المفتي، وتصور المسألة، ومعرفة الدليل، وفهم اللغة، وجمع النصوص، ومعرفة الخلاف، وتحديد العرف، وتحقيق المناط، ومراعاة المقاصد والمآلات، ثم صياغة الجواب بما يناسب حال المستفتي ولا يفتح باب التلاعب.
وتزداد أهمية هذا التصور في زمن المنصات الرقمية، حيث تنتشر المقاطع المختصرة والأجوبة المبتورة، ويستطيع غير المتخصص أن يتصدر للفتوى أمام جمهور واسع. فالفتوى المنزوعة من سياقها قد تنتقل من بلد إلى آخر ومن حالة فردية إلى حكم عام، مع أن اختلاف القانون والعرف والقدرة والحاجة قد يغير وجه الاجتهاد. ومن هنا يمكن فهم دفاع ابن بيّه عن الفتوى المؤسسية وعن تدريب المفتين وتوحيد المرجعية في القضايا العامة.
في دولة الإمارات، ترأس مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي منذ تأسيسه، ثم صدر في 19 يونيو 2024 مرسومان اتحاديان بتشكيل مجلس الإمارات للإفتاء وتعيينه رئيساً له بدرجة وزير. ووفق وكالة أنباء الإمارات، يعد المجلس المرجع الرسمي للفتوى العامة والمستجدة والعاجلة، ويتولى الدراسات المتعلقة بالفتوى، وإبداء الرأي الشرعي في التشريعات ذات الصلة، وترخيص ممارسة الإفتاء، وتأهيل المفتين [3][4]. وقد ظل ابن بيّه رئيساً للمجلس في الأنشطة الرسمية المعلنة خلال 2025 و2026 [16].
تكشف هذه الوظائف عن تصور مؤسسي للفتوى: فالمسائل العامة التي تمس المجتمع أو الدولة لا ينبغي أن تتحول إلى منافسة بين أصوات فردية، بل تحتاج إلى مجلس يجمع العلماء والخبراء ويصدر موقفاً مسؤولاً. غير أن نجاح الفتوى المؤسسية يقاس أيضاً بمستوى الشفافية العلمية، ووضوح أدلتها، وقدرتها على التواصل مع الجمهور، واستمرار النقاش الأكاديمي حولها. فالمؤسسة تمنع الفوضى، لكنها لا تغني عن قوة البرهان ولا عن مراجعة الاجتهاد عند تغير المعطيات.
سادساً: فقه الأقليات والمواطنة المتساوية
كان فقه الأقليات من المجالات التي ظهر فيها أثر الجمع بين الأصول والواقع. فالمسلم الذي يعيش في دولة غير مسلمة يشارك في نظام قانوني واقتصادي وتعليمي مختلف، ويرتبط بعقد مواطنة يحدد الحقوق والواجبات. ومن ثم لا يكفي نقل أجوبة صيغت في سياقات تاريخية أخرى. وقد عالج ابن بيّه هذه الإشكالات مع التأكيد على حفظ هوية المسلم، واحترام العهود والقوانين، والمشاركة الإيجابية، وتقدير الحاجات العامة والخاصة.
وتشير الدراسة المنشورة في «المجلة الأسترالية للدراسات الإسلامية» سنة 2024 إلى أن إسهامه في إعادة تشكيل فقه الأقليات يقوم على مجموعة أدوات مترابطة: تحقيق المناط لفهم الواقع، والترجيح داخل الموروث، والاستفادة المنضبطة من القول الضعيف عندما تسنده الحاجة والمصلحة، وربط المقاصد بأصول الفقه، وتفعيل القواعد الفقهية [10]. وتفيد هذه الخلاصة بأن المرونة عنده ليست خروجاً عشوائياً من المذهب، بل حركة داخل خريطة الاجتهاد المعتبر.
ثم اتسع اهتمامه من «الأقليات» إلى مفهوم «المواطنة الشاملة». فمصطلح الأقلية قد يكرس، في بعض السياقات، شعوراً دائماً بالهامش، بينما تقوم المواطنة على عضوية قانونية متساوية في وطن مشترك. ويعرّف ابن بيّه المواطنة الحديثة بوصفها علاقة تعاقدية متبادلة بين جماعة بشرية تعيش على أرض واحدة، ينظمها الدستور والقانون، ولا تشترط وحدة النسب أو الدين أو الذاكرة التاريخية [14].
وقد ربط هذا التصور بصحيفة المدينة، باعتبارها نموذجاً تاريخياً لتنظيم مجتمع متعدد في إطار حقوق وواجبات مشتركة. والمقصود عنده ليس نسخ وثيقة تاريخية حرفياً في دولة حديثة، بل استلهام قدرتها على تأسيس فضاء سياسي يجمع مختلف المكونات ويضمن الرجوع إلى سلطة منظمة عند النزاع. ويؤكد في عرضه للمواطنة أن الانتماء الديني لا يلغي الانتماء الوطني، وأن الاعتراف بالتعدد يمكن أن يحول الدين من عامل تنازع إلى حافز لحفظ العهد وخدمة الصالح العام [14].
سابعاً: من فقه النزاع إلى فقه السلم
1. خلفية المشروع
تزامن بروز مشروع «فقه السلم» مع تصاعد النزاعات الأهلية وخطابات التكفير والعنف في عدد من المجتمعات المسلمة. وقد رأى ابن بيّه أن التراث الفقهي توسع تاريخياً في تفصيل أحكام النزاع أكثر مما جمع مباحث السلم المتفرقة في نظرية واضحة. لذلك دعا إلى استخراج «فقه السلم» من أبواب الصلح، والأمان، والعهود، والمصالح، والمآلات، وحرمة الدماء، وإعادة بنائه بما يناسب الدولة الوطنية والعلاقات الدولية المعاصرة.
في سنة 2014 تأسس في أبوظبي «منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، الذي أصبح لاحقاً معروفاً باسم «منتدى أبوظبي للسلم»، برئاسة العلامة عبد الله ابن بيّه. وقدم المنتدى نفسه منصة تجمع العلماء والقيادات الدينية والفكرية من خلفيات متعددة للبحث في أسباب العنف وتجديد خطاب السلم [5]. وقد دعا بيانه التأسيسي إلى إحياء فقه السلم المبثوث في كتب الفقه والنوازل والفتاوى، وتطوير قواعده وضوابطه، وبناء مشروع تربوي يعلي قيم التعايش واحترام التنوع، والاستفادة من خبرات الوساطة وحل النزاعات [19].
يرتكز هذا المشروع على أولوية حفظ النفس ومنع الفتنة العامة، وعلى قاعدة النظر في المآلات. فحين تتحول المطالبة بمصلحة إلى اقتتال يذهب بأصل المجتمع، يصبح تقدير الوسائل والنتائج جزءاً من الحكم الشرعي. كما يعمل المشروع على مراجعة مفاهيم استعملتها الجماعات المتطرفة خارج سياقها، مثل الجهاد والولاء والبراء والأمر بالمعروف، وإعادتها إلى شروطها العلمية وسلطة الدولة ومقاصد الشريعة.
2. السلم والعدل في مشروع ابن بيّه: تكامل المقاصد وترتيب الأولويات
يرى العلامة عبد الله بن بيّه أن السلم ليس مجرد غياب الحرب أو توقف المواجهات المسلحة، وإنما هو حالة مجتمعية تحفظ النفوس والأموال والأعراض، وتصون المؤسسات، وتتيح للناس ممارسة حقوقهم والقيام بواجباتهم في أجواء من الأمن والثقة والاستقرار. ولذلك يحتل السلم مكانة مركزية في مشروعه؛ لأنه يمثل الإطار الذي يمكن داخله تحقيق بقية المقاصد الشرعية وبناء العمران الإنساني.
ويؤكد ابن بيّه أن أولوية السلم تزداد في أزمنة الفتن والاضطرابات، حين يصبح خطر الاقتتال والانهيار مهدداً لوجود المجتمع نفسه. ففي مثل هذه الأحوال تقتضي الحكمة الشرعية ضبط الوسائل، والنظر في المآلات، وتجنب كل تصرف قد يؤدي إلى إزهاق الأرواح أو توسيع دائرة النزاع. فالمقصد عنده لا ينفصل عن الوسيلة المؤدية إليه، ولا يكفي صلاح الغاية إذا كانت الطريق إليها تفضي إلى ضرر أكبر أو فتنة أشد. وفي هذا السياق، يمكن الاطلاع أيضاً على مقالنا حول التطرف والتكفير: كيف يهددان الفرد والمجتمع؟ لفهم الآثار التي تخلّفها خطابات الغلو والكراهية في أمن الأفراد واستقرار المجتمعات.
ولا يفصل ابن بيّه بين السلم والعدل، بل ينظر إليهما باعتبارهما مقصدين متكاملين؛ فالسلم المستدام يقوم على حفظ الحقوق وترسيخ الثقة وإقامة العدل، كما يحتاج العدل إلى بيئة آمنة ومؤسسات مستقرة ووسائل إصلاح سلمية. ومن ثم يدعو مشروعه إلى حماية الدماء وصيانة الحقوق في الوقت نفسه، وإلى معالجة المظالم بالحوار والصلح والقانون، بما يحفظ وحدة المجتمع ويفتح أبواب الإصلاح دون أن يدفع الناس إلى الفوضى والاقتتال.
ثامناً: إعلان مراكش وحقوق الأقليات الدينية
من أبرز المبادرات المرتبطة بمنتدى السلم «إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي»، الذي صدر في يناير 2016 بمشاركة علماء ومسؤولين وممثلين عن ديانات ومجتمعات متعددة. استند الإعلان إلى صحيفة المدينة وإلى الكليات الشرعية المتعلقة بكرامة الإنسان والعدل والوفاء بالعهد، ودعا إلى تطوير مفهوم مواطنة يحفظ الحقوق الدينية داخل الدول ذات الأغلبية المسلمة [12].
تكمن أهمية الإعلان في أنه نقل النقاش من منطق حماية «طائفة تابعة» إلى منطق المواطنة المتساوية، وحاول تقديم تأصيل إسلامي معاصر لحقوق الأقليات. كما دعا المؤسسات العلمية والتربوية والدينية إلى مراجعة الخطابات التي تغذي الإقصاء، وحث السياسيين على بناء علاقة دستورية قائمة على الحقوق والواجبات.
لكن قيمة الوثائق لا تقاس بصياغتها وحدها. فقد رأت الباحثة سوزان هايوارد أن الإعلان يمثل سابقة فكرية وقانونية مهمة، غير أن تأثيره يحتاج إلى جهود منسقة لتحويل مبادئه إلى قوانين وسياسات ومناهج تعليمية وممارسات اجتماعية؛ وإلا بقي مبادرة نخبوية مثالية محدودة الأثر [13]. وهذه الملاحظة لا تخص إعلان مراكش وحده، بل تكشف التحدي الأكبر أمام مبادرات الحوار: الانتقال من لغة المؤتمرات إلى مؤشرات قابلة للقياس في حياة الناس.
تاسعاً: حلف الفضول الجديد والحوار بين الأديان
واصل عبد الله بن بيّه العمل على توسيع دائرة القيم المشتركة من خلال «ميثاق حلف الفضول الجديد»، الذي أُعلن في أبوظبي سنة 2019 بعد مسار تشاوري شارك فيه ممثلون عن ديانات متعددة. استلهم الميثاق حلف الفضول المكي الذي شهده النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وأثنى على مضمونه القائم على نصرة المظلوم. والفكرة الأساسية هي أن التعاون على العدل والرحمة وحماية الضعفاء ممكن بين أتباع أديان مختلفة دون أن يتخلى أي طرف عن عقيدته. ويتضح هذا التوجه بصورة أكبر عند النظر إلى التجربة الإماراتية في ترسيخ ثقافة التعايش والحوار؛ ويمكن في هذا السياق الاطلاع على مقالنا حول دولة الإمارات بلد التعايش.
بهذا المعنى لا يقوم الحوار الديني عند ابن بيّه على تذويب الفروق العقدية، بل على إدارة الاختلاف وتوسيع المشترك الأخلاقي. فالناس قد يختلفون في العقائد والشرائع، لكنهم يستطيعون التعاون في حفظ الكرامة، وإغاثة المحتاج، ومواجهة خطاب الكراهية، وحماية دور العبادة، ومنع توظيف الدين في العنف. وقد أسهم هذا المسار في حصوله سنة 2023 على جائزة الكرامة الإنسانية من اللجنة اليهودية الأمريكية تقديراً لجهوده في الحوار والحرية الدينية [15].
عاشراً: فقه الطوارئ والنوازل العامة
أعادت الأزمات الصحية والكوارث الحديثة طرح أسئلة عن إغلاق المساجد، وصلاة الجماعة، والدفن، والتداوي، ومسؤولية الدولة، والعلاقة بين الفتوى والمعرفة الطبية. وقد استُخدم مفهوم «فقه الطوارئ» في كتابات ابن بيّه لتأطير الأحكام في الظروف الاستثنائية. ولا يعني هذا الفقه تعطيل الأحكام، بل تفعيل الأبواب التي وضعتها الشريعة للضرورة والحاجة ورفع الحرج وحفظ النفس.
حللت دراسة محكمة منشورة سنة 2022 تصور ابن بيّه لفقه الطوارئ، وخلصت إلى أنه يستند إلى نظريات أصول الفقه والقواعد الشرعية، وإلى المداولات الجماعية التي تجمع النظر في الدليل بالمعطيات الواقعية [11]. وتظهر أهمية هذا الاتجاه في مقاومة استجابتين متطرفتين: تجاهل الخبرة العلمية باسم الثبات على الحكم المعتاد، أو تعليق المرجعية الشرعية كلياً باسم الضرورة. المنهج الوسط يثبت المقصد والحكم الأصلي، ثم يقدر الاستثناء بقدره، ويراجعه بانتهاء سببه.
ويصلح فقه الطوارئ مثالاً تطبيقياً على منظومته كلها: تصور الواقع بواسطة الخبراء، وتحديد الضرورة أو الحاجة، واستحضار حفظ النفس، ووزن المصالح والمفاسد، والنظر في المآلات، وإصدار فتوى جماعية واضحة. كما يكشف أن المرونة الشرعية ليست ترفاً فكرياً، بل قد تكون ضرورة لحماية الأرواح وحفظ الثقة في الدين ومؤسساته.
حادي عشر: أهم مؤلفات عبد الله بن بيّه ودلالاتها
يمتاز إنتاج ابن بيّه بتنوعه بين الكتب الأصولية، والدراسات التطبيقية، والبحوث في المعاملات، والكتابات الفكرية حول الأمن والسلم وحقوق الإنسان. وتعرض مكتبته الرسمية عدداً كبيراً من مؤلفاته بصيغ قابلة للقراءة أو التنزيل [8]. ويمكن إبراز أهمها على النحو الآتي:
«صناعة الفتوى وفقه الأقليات»
يبحث الكتاب في شروط الفتوى ومسالكها، ثم يطبق ذلك على أوضاع المسلمين في المجتمعات غير المسلمة. وتكمن قيمته في وصل المسائل الجزئية بنظرية أوسع عن تغير الفتوى، والعرف، والحاجة، والمصلحة، ومراعاة الخلاف. وهو من الكتب التي أسهمت في جعل فقه الأقليات موضوعاً مستقلاً للبحث والنقاش الأكاديمي [10].
«تنبيه المراجع على تأصيل فقه الواقع»
يعالج الكتاب العلاقة بين الحكم والواقع، وينبه إلى خطورة تنزيل النصوص على غير مناطاتها. وعبارة «المراجع» تشير إلى أهل العلم والمرجعية، بما يوحي بأن المشكلة ليست دائماً في غياب الحكم، بل في طريقة تشخيص الواقع وتحديد محل الحكم. ويعد هذا الكتاب مفتاحاً لفهم مواقفه من النوازل العامة والسياسة الشرعية.
«مشاهد من المقاصد» و«علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه»
يمثل الكتابان قلب مشروعه المقاصدي. ففيهما يعرض حضور المقاصد في أبواب الأصول ومسالك التعليل والاستدلال، ويحاول تجاوز التعامل مع المقاصد بوصفها قائمة نهائية من الضروريات إلى اعتبارها منطقاً موجهاً لعمل الفقيه. وقد كان هذا التصور موضوع دراسات أكاديمية أشادت بقيمته وناقشت اتساع بعض دعاواه [9].
«مقاصد المعاملات ومراصد الواقعات»
ينقل هذا الكتاب المقاصد إلى مجال المعاملات المالية، حيث تتشابك حرية التعاقد مع العدالة ومنع الغرر والربا والضرر وحفظ استقرار السوق. والعنوان نفسه يجمع بين «المقاصد» و«الواقعات»، أي بين الكليات والوقائع المتغيرة، وهو الجمع الذي يميز مشروعه.
«سد الذرائع وتطبيقاته في مجال المعاملات»
يعرض أصلاً مشهوراً في المذهب المالكي ويختبر تطبيقاته الاقتصادية. وتبرز أهمية الموضوع لأن الإفراط في سد الذرائع قد يعطل مصالح الناس، بينما يؤدي إهماله إلى فتح أبواب التحايل والضرر. ولذلك يحتاج استعماله إلى تقدير احتمال المفسدة وقوتها، والنظر في البدائل والنتائج.
«أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات»
يكشف هذا العمل عن رسوخ لغوي وأصولي، ويركز على دلالات الألفاظ وأسباب اختلاف الفقهاء. وهو يذكر القارئ بأن الاختلاف الفقهي ليس دائماً تناقضاً أو ضعفاً، بل قد ينشأ من اختلاف معتبر في فهم الدلالة، أو ثبوت الدليل، أو تحقيق المناط، أو ترتيب الأدلة.
«إثارات تجديدية في حقول الأصول»
يقدم الكتاب تأملات في إمكان تجديد أصول الفقه من داخله. ويقاوم فكرتين: أن الأصول علم مكتمل لا يحتاج إلى مراجعة الوظائف، وأن التجديد لا يكون إلا بإلغاء البناء القديم. وبدلاً من ذلك يقترح فحص الأدوات وتوسيع حضور المقاصد والواقع والمآلات.
«حوار عن بعد حول حقوق الإنسان في الإسلام»
يناقش العلاقة بين المرجعية الإسلامية ومنظومة حقوق الإنسان. وتظهر أهميته في محاولة تجاوز خطاب الرفض المطلق وخطاب التبني غير النقدي، والبحث عن مساحات الاتفاق والفروق المفهومية وسبل التأصيل. وقد نال الكتاب جائزة شنقيط في الدراسات الإسلامية وفق سيرته المنشورة [1][2].
«خطاب الأمن في الإسلام وثقافة التسامح والوئام» و«الإرهاب: التشخيص والحلول»
يمثل هذان العملان مرحلة مبكرة من اهتمامه بالأمن الفكري والاجتماعي. وهما يقدمان خلفية لمشروع منتدى السلم، إذ ينتقلان من إدانة العنف إلى تحليل المفاهيم والمسارات التي تسمح بنشوئه، ويؤكدان أن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفي دون إصلاح في التربية والفتوى والخطاب الديني.
بحوث المعاملات والنقود والوقف
إلى جانب الكتب الفكرية، كتب ابن بيّه في مسائل دقيقة مثل تغير قيمة العملة، وأحكام النقود الورقية، والمشاركة في الشركات، والوقف، واختلاف الأقوال في معاملات الأموال. وهذه الأعمال مهمة لتكوين صورة متوازنة عنه؛ فهو لم يبدأ بوصفه مفكر سلام أو شخصية حوارية، بل فقيهاً متخصصاً في الأصول والمعاملات، ثم توسع مشروعه نحو القضايا العامة.
ثاني عشر: الخصائص العلمية والأسلوبية في خطابه
الموسوعية مع مركز أصولي واضح
يستحضر ابن بيّه نصوصاً واسعة من الفقه والأصول واللغة والشعر والتاريخ، لكن مركز اشتغاله يظل أصول الفقه. فهو ينظر إلى المسائل من خلال أسئلة الدلالة والعلة والمقصد والمناط والمآل. وهذا ما يمنح خطابه تماسكاً رغم تنوع موضوعاته؛ فالمعاملات والأقليات والسلم والطوارئ تبدو فروعاً لمنهج واحد في فهم النص وتنزيله.
لغة تجمع التقرير الأدبي والمصطلح الفني
تتسم كتابته بكثرة المحسنات اللفظية والتوازنات اللغوية والعبارات الموجزة، إلى جانب المصطلحات الأصولية الدقيقة. وهذه اللغة تمنح خطابه جاذبية لدى المتخصصين، لكنها قد تجعل بعض نصوصه كثيفة على القارئ العام. ومن مهام الباحثين والطلاب اليوم إعادة شرح مفاهيمه بلغة تعليمية، مع الحفاظ على الدقة وعدم تحويلها إلى شعارات مبتسرة.
استدعاء التراث بوصفه خزان أدوات
لا يستحضر التراث عنده للتبرك بالأسماء، بل للبحث عن أدوات حل. فهو يستدعي الشاطبي في المقاصد والمآلات، والقرافي في الفروق وسد الذرائع، والغزالي في التعليل والمصلحة، وابن القيم في فقه الواقع، ثم يعيد تركيب هذه العناصر لمواجهة أسئلة جديدة. ويعطي هذا الأسلوب مثلاً على إمكان التجديد دون فقدان الذاكرة العلمية.
الميل إلى الجمع والتوفيق
يميل خطابه إلى البحث عن مناطق الالتقاء: بين النص والمصلحة، وبين الهوية والمواطنة، وبين الثبات والتغير، وبين أتباع الديانات في العمل الأخلاقي المشترك. وهذه الروح التوفيقية قوة في أزمنة الاستقطاب، لكنها تحتاج دائماً إلى بيان الحدود حتى لا يُفهم التوفيق على أنه تسوية بين الحق والباطل أو تجاهل لاختلافات حقيقية.
ثالث عشر: أثره في الفكر الإسلامي المعاصر
يمكن رصد أثر عبد الله بن بيّه في دوائر عدة. أولها الدائرة العلمية المتخصصة، حيث أصبحت مفاهيمه حول تحقيق المناط وفقه الواقع والمقاصد وفقه الأقليات موضوعاً لبحوث جامعية ومقالات محكمة بلغات مختلفة [9][10][11]. وثانيها الدائرة المؤسسية، من خلال مشاركته في مجامع الفقه، ورئاسته لمجلس الإمارات للإفتاء، وتأسيس منتدى أبوظبي للسلم. وثالثها الدائرة الدولية، عبر مبادرات المواطنة والحوار بين الأديان وإعلان مراكش وحلف الفضول الجديد.
كما يظهر أثره في تكوين شبكة من العلماء والباحثين الذين يتبنون توجهاً تقليدياً منفتحاً على أسئلة العالم الحديث. وقد أتاحت ترجمات بعض أعماله ومحاضراته وصول أفكاره إلى جمهور غربي، خاصة في موضوعات الأقليات والتعايش والحرية الدينية. واحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات مع مؤسسات إسلامية واسعة؛ ففي مارس 2025 قدمته رابطة العالم الإسلامي بصفته رئيس مجلس الإمارات للإفتاء وعضواً في مجلسها الأعلى وعضواً في المجمع الفقهي الإسلامي [16].
غير أن التأثير الدولي لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى تلقي عربي أعمق لكتبه الأصلية. فكثير من النقاش العام يركز على عناوين السلم والحوار، بينما تتطلب القيمة العلمية الحقيقية قراءة أعماله في الدلالات والمقاصد والمعاملات وتحقيق المناط.
رابع عشر: ماذا يتعلم الباحثون والطلاب من سيرته؟
أول درس هو أن التخصص لا يعني الانغلاق. فقد بدأ ابن بيّه من الفقه والأصول واللغة، لكنه اضطر إلى فهم القانون والاقتصاد والسياسة والاجتماع. والباحث في الشريعة اليوم يحتاج إلى رسوخ في مجاله وإلى قدرة على الحوار مع بقية التخصصات.
الدرس الثاني أن الفتوى مسؤولية معرفية وأخلاقية. فلا يكفي العثور على دليل؛ بل يجب جمع الأدلة، وفهم الخلاف، وتصور الواقعة، وسؤال الخبراء، والنظر في العواقب، وصياغة الجواب بما يمنع الالتباس. وهذه الخطوات تحمي الدين والناس معاً.
الدرس الثالث أن التراث لا يعيش بالتكرار، وإنما بحسن الاستعمال. فقد وجد عبد الله بن بيّه في مفاهيم قديمة، مثل تحقيق المناط والمآلات والعرف والصلح، إمكانات للإجابة عن قضايا حديثة. وهذا يفتح أمام الباحثين طريقاً بين القطيعة والجمود.
الدرس الرابع أن المبادرة المؤسسية توسع أثر العلم. فالكتاب مهم، لكن المجلس العلمي والبرنامج التدريبي والوثيقة الدولية قد تنقل الفكرة إلى مجال أوسع. وفي المقابل تحتاج المؤسسة إلى نقد ومراجعة وشفافية حتى لا يتحول حضورها إلى بديل عن البرهان.
الدرس الخامس أن الاختلاف لا يعفي من الإنصاف. فسيرة العالم المعاصر تتقاطع مع السياسة والمؤسسات، ومن الطبيعي أن تختلف التقييمات. غير أن الأمانة العلمية تقتضي ألا تُمحى عقود من البحث بسبب موقف واحد، وألا تتحول المكانة العلمية إلى حصانة من السؤال.
خاتمة
تكشف سيرة العلامة عبد الله بن بيّه عن مسار علمي وفكري متميز، جمع بين التكوين المحظري الأصيل، والخبرة القضائية والإدارية، والتدريس الجامعي، والمشاركة في المجامع الفقهية، وقيادة مؤسسات تُعنى بالفتوى والسلم والحوار. وقد منح هذا التنوع تجربته قدرة واضحة على الجمع بين رسوخ المعرفة الشرعية وفهم التحولات التي يشهدها العالم المعاصر.
وتتمثل القيمة الأساسية لمشروعه في سعيه إلى تجديد الصلة بين الحكم الشرعي والواقع الذي يُنزَّل عليه. لذلك احتلت مفاهيم تحقيق المناط، وفقه الواقع والتوقع، ومقاصد الشريعة، والنظر في المآلات، وصناعة الفتوى مكانة مركزية في مؤلفاته ومحاضراته ومبادراته. فالفتوى عنده ليست جواباً منفصلاً عن الحياة، وإنما عمل علمي مركب يحتاج إلى فهم النص، وتشخيص الواقعة، والاستعانة بأهل الخبرة، وتقدير النتائج المتوقعة.
كما امتد اهتمام عبد الله بن بيّه من قضايا الفقه الفردي إلى القضايا الكبرى المرتبطة بأمن المجتمعات ومستقبل العلاقات الإنسانية. ومن هنا برز حضوره في مجالات فقه السلم، والمواطنة، وحقوق الأقليات، والحوار بين الأديان، إلى جانب إسهامه في تأسيس مبادرات ومؤسسات تسعى إلى تحويل القيم الشرعية والإنسانية إلى مشاريع عملية تعزز التعايش وتحفظ كرامة الإنسان.
وعليه، فإن مكانة العلامة عبد الله بن بيّه في الفكر الإسلامي المعاصر لا تقوم على ما تولاه من مناصب فحسب، وإنما تستند إلى مشروع علمي حاول من خلاله الجمع بين أصالة التأصيل ودقة التنزيل، وبين حفظ الثوابت واستيعاب المتغيرات. وتقدم سيرته نموذجاً للعالم الذي لا يكتفي بحفظ المعرفة ونقلها، بل يعمل على توظيفها في فهم الواقع، وترشيد الفتوى، وبناء السلم، وخدمة الإنسان والمجتمع.
المصادر والمراجع
[1] الموقع الرسمي للعلامة عبد الله بن بيّه، «ترجمة العلامة عبد الله بن بيّه»، https://binbayyah.net/arabic/archives/1417
[2] مجمع الفقه الإسلامي الدولي، «معالي الشيخ عبد الله بن بيّه»، 25 يونيو 2021، https://iifa-aifi.org/ar/53776.html
[3] مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي، «كلمة رئيس المجلس: معالي الشيخ عبد الله بن بيّه»، https://fatwauae.gov.ae/ar/president/HE-Sheikh-Abdullah-Bin-Bayyah
[4] وكالة أنباء الإمارات، «رئيس الدولة يصدر مرسومين اتحاديين بتشكيل مجلس الإمارات للإفتاء وتعيين عبد الله بن بيّه رئيساً»، 19 يونيو 2024، https://www.wam.ae/en/article/13z2vxg-uae-president-issues-federal-decrees-forming-uae
[5] المنتدى الاقتصادي العالمي، «H.E. Abdallah bin Bayyah»، ويتضمن تعريفاً بتأسيس منتدى أبوظبي للسلم سنة 2014، https://www.weforum.org/people/abdallah-bayyah/
[6] عبد الله بن بيّه، «الاجتهاد بتحقيق المناط: فقه الواقع والتوقع»، الموقع الرسمي، 9 يوليو 2011، https://binbayyah.net/arabic/archives/1148
[7] عبد الله بن بيّه، «الواقع المعاصر وأثره في الأحكام الشرعية»، الموقع الرسمي، 9 يونيو 2022، https://binbayyah.net/arabic/archives/5095
[8] الموقع الرسمي للعلامة عبد الله بن بيّه، «كتب العلامة عبد الله بن بيّه»، https://binbayyah.net/arabic/books
[9] Rezart Beka, “Maqāṣid and the Renewal of Islamic Legal Theory in ʿAbdullah Bin Bayyah’s Discourse,” American Journal of Islam and Society, 38 (3–4), 2021, pp. 103–145, https://doi.org/10.35632/ajis.v38i3-4.2987
[10] Haidar Masyhur Fadhil, “Reshaping Minority Fiqh: The Ideas of ʿAbd Allah Ibn Bayyah,” Australian Journal of Islamic Studies, 9 (2), 2024, pp. 37–65, https://doi.org/10.55831/ajis.v9i2.629
[11] Muhammad Safwan Harun et al., “The Fiqh al-Ṭawāriʾ Thoughts of ʿAbd Allah Bin Bayyah,” Afkar: Journal of Aqidah and Islamic Thought, 2022، https://ejournal.um.edu.my/index.php/afkar/article/view/40408
[12] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، «إعلان مراكش حول حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي»، 25–27 يناير 2016، https://habous.gov.ma/fr/annonce-et-activit%C3%A9s-minist%C3%A8re/3115-%E2%80%9Cthe-marrakech-declaration-on-the-rights-of-religious-minorities-in-the-muslim-world%E2%80%9D.html
[13] Susan Hayward, “Understanding and Extending the Marrakesh Declaration in Policy and Practice,” United States Institute of Peace, 2016، https://www.usip.org/sites/default/files/SR392-Understanding-and-Extending-the-Marrakesh-Declaration-in-Policy-and-Practice.pdf
[14] Abdallah bin Bayyah, “Inclusive Citizenship: A Topic for Research,” 13 November 2018، https://binbayyah.net/english/inclusive-citizenship-a-topic-for-research/
[15] American Jewish Committee, “Human Dignity Award Given to Shaykh Abdallah Bin Bayyah,” 20 September 2023، https://www.ajc.org/AllianceofVirtue
[16] رابطة العالم الإسلامي، تعريف بمشاركة الشيخ عبد الله بن بيّه بصفته رئيس مجلس الإمارات للإفتاء وعضواً في المجلس الأعلى للرابطة والمجمع الفقهي الإسلامي، 7 مارس 2025، https://themwl.org/en/his-excellency-sheikh-abdallah-bin-mahfudh-ibn-bayyah-chairman-uae-council-fatwa-member-supreme
[17] Sadek Hamid Farrar, “Shariah-Based Sufism in the Modern Era,” Malaysian Journal of Syariah and Law, 2022، https://mjsl.usim.edu.my/index.php/jurnalmjsl/article/view/404
[18] Usaama al-Azami, “ʿAbdullāh bin Bayyah and the Arab Revolutions: Counter-Revolutionary Neo-Traditionalism’s Ideological Struggle against Islamism,” The Muslim World, 109 (3), 2019, pp. 343–361.
[19] «البيان الختامي لمنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة»، 20 مارس 2014، https://binbayyah.net/arabic/archives/1483

