مقدمة: سجال قديم ما زال يطرح أسئلة حديثة
يحتل موضوع إرنست رينان والإسلام مكانة خاصة في تاريخ الفكر الحديث؛ لأن الجدل الذي أثارته محاضرته «الإسلام والعلم» سنة 1883 لم يكن خلافاً عابراً حول واقعة تاريخية، بل جمع في لحظة واحدة قضايا الدين والعقل، والاستشراق، والعرق، والاستعمار، وتاريخ العلوم، ومستقبل المجتمعات الإسلامية. وقد زاد من أهمية السجال أن الطرف المقابل لم يكن مفكراً أوروبياً آخر، وإنما جمال الدين الأفغاني، أحد أبرز وجوه الإصلاح في القرن التاسع عشر، الذي دخل النقاش من داخل العالم الإسلامي ومن قلب باريس في الوقت نفسه.
لم تكن محاضرة رينان نصاً هادئاً يصف تاريخ العلوم في البلاد الإسلامية. فقد تضمنت أحكاماً قاسية على المسلمين، وربطت بين الإسلام نفسه وبين ما عدّه رينان انغلاقاً على العلم، كما حاولت إعادة تفسير الحضارة العلمية التي ازدهرت بالعربية عبر فصلها عن الإسلام والعرب وإرجاع منجزاتها إلى علماء من أصول غير عربية أو منتمين إلى أقليات دينية. وفي خلفية هذه الرؤية حضرت تصنيفات القرن التاسع عشر التي قسمت الشعوب واللغات إلى أسر و«أعراق» ذات خصائص عقلية متخيلة، وجعلت أوروبا الحديثة معياراً تقاس به سائر الحضارات.
ومع ذلك، فإن قراءة رينان لا تستقيم إذا اختزلناه في صورة باحث جاهل أو صاحب شتيمة عابرة. كان رجلاً واسع الاطلاع في فقه اللغات وتاريخ الأديان، وكتب دراسة مؤثرة عن ابن رشد والرشدية، وتابع النصوص الشرقية وشارك في بعثات أثرية. ولذلك تكمن أهمية نقده في أن أحكاماً شديدة الاختزال صدرت عن باحث يمتلك أدوات معرفية معتبرة، وهو ما يكشف كيف تستطيع المناهج العلمية نفسها أن تتداخل مع تصورات عصرها السياسية والعرقية.
أما رد جمال الدين الأفغاني فليس دفاعاً اعتذارياً بسيطاً عن الإسلام، ولا رفضاً شاملاً لكلام رينان. فقد وافق الأفغاني على جانب من تشخيصه المتعلق بالتوتر بين السلطة الدينية والبحث الحر، ثم خالفه في تحويل ذلك التوتر إلى خاصية إسلامية أو عربية ثابتة، ودافع عن الدور التاريخي للعرب وعن قدرة المجتمعات الإسلامية على استئناف طريق المعرفة. هذه التركيبة جعلت الرد واحداً من أكثر النصوص إثارة للتأويل في تاريخ الإصلاح الإسلامي الحديث.
يقدم هذا المقال قراءة موسعة للسجال اعتماداً على نص محاضرة رينان، ورسالة الأفغاني المنشورة في Journal des Débats، وتعقيب رينان اللاحق، إلى جانب دراسات حديثة في تاريخ العلم والاستشراق. والغاية ليست إعلان منتصر في مناظرة مضى عليها أكثر من قرن، بل فهم كيف بُنيت الحجج، وما الذي تثبته الوقائع التاريخية، وما الذي أصبح غير قابل للدفاع عنه في ضوء البحث الحديث.
إرنست رينان: من التعليم الديني إلى فقه اللغات وتاريخ الأديان
النشأة والتحول الفكري
وُلد جوزيف إرنست رينان في 28 فبراير 1823 في تريغييه بمنطقة بروتاني الفرنسية، وتوفي في باريس في 2 أكتوبر 1892. نشأ في بيئة كاثوليكية، واتجه في شبابه إلى التعليم الكنسي، فدرس في مؤسسات دينية بباريس ثم في معهد سان سولبيس. لكن اهتمامه المتزايد بالنقد التاريخي وباللغات القديمة قاده تدريجياً إلى الابتعاد عن مشروع الكهنوت وإلى بناء مسار علمي جديد يقوم على فقه اللغات، وتاريخ الأديان، والنقد النصي.
تعلم رينان العبرية والسريانية والكلدانية، وتلقى دروساً في العربية والفارسية والسنسكريتية على أيدي عدد من كبار أساتذة الدراسات الشرقية في باريس. وتوضح مواد المكتبة الوطنية الفرنسية أن الشرق لم يكن موضوعاً هامشياً في مشروعه؛ فقد رافقه في أعمال لغوية وأثرية وتاريخية كثيرة، وأصبح ميداناً أساسياً لاختبار أفكاره عن الدين واللغة وتطور الحضارات.
كان التحول الشخصي الذي عاشه رينان من الإيمان الكنسي إلى النزعة التاريخية النقدية عاملاً مؤثراً في نظرته إلى الأديان. فهو لم يكن ينظر إلى الوحي من داخل العقيدة، بل بوصفه ظاهرة تاريخية قابلة للتحليل. ومن هنا جاءت صداماته مع المؤسسات الدينية في فرنسا، ولا سيما بعد كتابه «حياة يسوع»، الذي أثار جدلاً كبيراً لأنه قرأ حياة المسيح قراءة تاريخية بشرية لا لاهوتية.
رينان والمؤسسات العلمية الفرنسية
رسخ رينان حضوره في الوسط العلمي الفرنسي بفضل أعماله في اللغات السامية وتاريخ الأديان والنقوش. وانتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية، وشغل كرسي اللغة العبرية في الكوليج دو فرانس، وإن شهدت مسيرته هناك توتراً بسبب اعتراضات سياسية ودينية على آرائه. وقد شارك أيضاً في بعثة أثرية إلى فينيقيا والمشرق، ما منحه احتكاكاً مباشراً بمناطق من الدولة العثمانية وبمجتمعات شرقية متعددة.
هذا الموقع العلمي مهم لفهم أثر محاضرته عن الإسلام؛ فهي لم تصدر عن كاتب هامشي، بل عن شخصية ذات سلطة معرفية في فرنسا الجمهورية، وكان لصوتها وزن في النقاش حول الدين والأمة والتقدم. لذلك تجاوز أثرها قاعة السوربون سريعاً، وانتقل إلى الصحافة الأوروبية والعثمانية والإسلامية.
أبرز مؤلفات رينان ذات الصلة
نشر رينان عدداً كبيراً من الكتب والدراسات، ومن أشهرها «ابن رشد والرشدية»، و«التاريخ العام والنظام المقارن للغات السامية»، و«حياة يسوع»، وأعماله المتعددة في «تاريخ أصول المسيحية»، و«ما هي الأمة؟»، و«ذكريات الطفولة والشباب»، و«تاريخ شعب إسرائيل»، و«مستقبل العلم». ويكشف هذا التنوع عن مفكر جمع بين التاريخ والفلسفة واللسانيات، لكنه حمل أيضاً عدداً من افتراضات عصره حول تصنيف الشعوب واللغات والحضارات.
ولفهم موقع رينان داخل الحركة الاستشراقية الأوسع، يمكن الرجوع إلى مقال كوكب المعرفة: الاستشراق والفكر الإسلامي: بين البحث العلمي والصور النمطية عن الإسلام، إذ يوضح كيف اجتمعت في الاستشراق إسهامات علمية حقيقية مع تصورات ولّدها تفاوت القوة بين أوروبا والشرق.
قبل «الإسلام والعلم»: رينان وابن رشد وفكرة «العقل السامي»
«ابن رشد والرشدية» وبناء صورة الفلسفة الإسلامية
قبل محاضرة 1883 بثلاثة عقود تقريباً، أصدر رينان كتابه «ابن رشد والرشدية». اكتسب الكتاب أهمية كبيرة في أوروبا لأنه تتبع أثر ابن رشد في الفلسفة المدرسية والجامعات اللاتينية، وأسهم في إعادة توجيه الانتباه إلى حضور الفيلسوف الأندلسي في تاريخ الفكر الأوروبي. ومن هذه الزاوية كان رينان واحداً من الباحثين الذين أبرزوا أن انتقال الفلسفة اليونانية إلى أوروبا الوسيطة لم يكن مساراً مباشراً معزولاً عن العربية.
لكن الكتاب حمل كذلك تصورات ستعود بقوة في محاضرته اللاحقة. فقد مال رينان إلى فصل الفلسفة عن البيئة الإسلامية التي نشأت فيها، وكأن الفلاسفة لا يمثلون سوى تيار عقلاني يعمل رغم الإسلام لا داخله. كما ربط بين أنماط التفكير وبين تصنيفات لغوية وعرقية واسعة، وهو اتجاه كان شائعاً في فقه اللغة الأوروبي في القرن التاسع عشر.
يمثل ابن رشد مثالاً كاشفاً لمحدودية هذا الفصل. صحيح أن الفيلسوف الأندلسي دخل في صراعات فكرية وسياسية، وتعرض في أواخر حياته لمحنة معروفة، لكن مشروعه لم يكن نشاطاً سرياً معزولاً عن المجتمع. شغل القضاء، وكتب في الفقه والأصول والطب والفلسفة، وتحرك داخل مؤسسات دولة إسلامية وثقافة عربية أندلسية. ولهذا فإن جعله شاهداً على انفصال العقل عن الحضارة الإسلامية يختزل تركيبة تاريخية أكثر ثراءً.
من اللغة إلى «العرق»: مشكلة منهج القرن التاسع عشر
كان علماء أوروبا في القرن التاسع عشر يستخدمون مصطلحات مثل «السامي» و«الآري» في الأصل لتصنيف عائلات لغوية، ثم انتقلت هذه الألفاظ عند بعضهم إلى تصورات عن الشعوب والخصائص النفسية والعقلية. وقد شارك رينان في هذا الانتقال، فنسب إلى الشعوب التي سماها سامية ميلاً إلى التوحيد والبساطة، وفي المقابل ربط «الآريين» بالتعدد والخيال والفلسفة والتحليل.
لم تكن تلك التقسيمات مجرد أوصاف بريئة، لأنها تحولت إلى هرم ثقافي يضع بعض الشعوب في مرتبة أعلى من غيرها. وتظهر آثار ذلك في محاضرة «الإسلام والعلم»، حيث يربط رينان بين أصل العلماء العرقي المفترض وبين قدرتهم على الفلسفة، ثم يستخدم التنوع الإثني داخل الحضارة الإسلامية حجة لنزع صفة «العربية» أو «الإسلامية» عن العلم الذي ازدهر فيها.
البحث الحديث في تاريخ الأفكار تجاوز هذه التصنيفات إلى حد بعيد. فاللغة لا تمنح جماعة بشرية طبيعة عقلية ثابتة، والحضارات الكبرى لا تنتجها أعراق نقية، بل شبكات من المدن والمؤسسات والتجارة والتعليم والترجمة والهجرة. ولهذا تبدو محاولة توزيع المنجز العلمي على «أعراق» متخيلة أقل قدرة على التفسير من دراسة الشروط الفعلية التي عمل فيها العلماء.
محاضرة «الإسلام والعلم» سنة 1883: النص والسياق
متى ألقى رينان محاضرته؟
ألقى رينان محاضرته في السوربون يوم 29 مارس 1883 تحت عنوان L’Islamisme et la science، وظهرت في الصحافة ثم نُشرت في كتيب مستقل في السنة نفسها. وكان السؤال المعلن هو علاقة الإسلام بالعلم، لكن النص تجاوز تاريخ المؤسسات العلمية إلى حكم واسع على المسلمين وعلى الحضارة التي تشكلت في البلاد الإسلامية.
جاءت المحاضرة في زمن اتساع النفوذ الاستعماري الأوروبي. كانت فرنسا قد احتلت الجزائر منذ عقود، وفرضت حمايتها على تونس سنة 1881، بينما احتلت بريطانيا مصر سنة 1882. لذلك استُقبلت الأحكام عن «تأخر» المجتمعات الإسلامية في فضاء لم يكن أكاديمياً محضاً؛ فالتفوق العسكري والسياسي الأوروبي كان يبحث باستمرار عن تفسيرات ثقافية وحضارية تبرر اختلال القوة.
تؤكد دراسات حديثة في تاريخ العلم أن مناظرة رينان والأفغاني ينبغي أن تقرأ داخل هذه اللحظة العالمية، حيث ارتبط الكلام على العلم بالتقدم السياسي والاستعمار والإصلاح. لم يكن السؤال: «هل توجد تجارب علمية في التاريخ الإسلامي؟» فقط، بل أيضاً: من يملك حق تعريف التقدم؟ ومن يقرر أي حضارة مستعدة للحكم الذاتي وأيها تحتاج إلى قيادة من الخارج؟
الصورة التي رسمها رينان للمسلم المعاصر
بدأ رينان من تشخيص بالغ السلبية لأوضاع البلدان الإسلامية في عصره. لم يكتف بالإشارة إلى الفجوة التقنية والعسكرية بينها وبين أوروبا الصناعية، بل وصف عقل «المؤمن الحقيقي» بأنه محاصر ومغلق أمام العلم. بهذا تحولت ملاحظة تفاوت تاريخي في القرن التاسع عشر إلى حكم نفسي عام على الفرد المسلم.
هذه النقلة هي موضع الخلل الأساسي. فالتراجع الاقتصادي أو العلمي يمكن قياسه في مؤسسات بعينها، وفي نظم تعليم وتمويل وإنتاج وتقنية. أما الانتقال من ذلك إلى القول إن عقل ملايين البشر يتغير جوهرياً بسبب انتمائهم الديني، فهو تعميم لا يقدمه التاريخ ولا تسمح به العلوم الاجتماعية الحديثة.
كما أن رينان لم يمنح وزناً كافياً للتحولات السياسية التي سبقت القرن التاسع عشر: انهيار طرق تجارية وصعود أخرى، الحروب، تحولات الدولة، تفاوت التصنيع، توسع الرأسمالية الأوروبية، السيطرة الاستعمارية، ثم إعادة تشكيل مؤسسات التعليم والإدارة. هذه العوامل لا تعفي المجتمعات الإسلامية من مسؤولياتها الداخلية، لكنها تمنع اختزال تاريخ طويل في علة واحدة اسمها الدين.
هل أنكر رينان وجود «العلم العربي»؟
اعترف رينان بأن القرون الوسطى شهدت حضارة علمية لامعة في أراضي المسلمين، لكنه أعاد تعريفها بقوله إن ما يسمى «العلم العربي» عربي باللغة فقط. وركز على أن عدداً كبيراً من المترجمين والعلماء كانوا فرساً أو سرياناً أو مسيحيين أو يهوداً أو من أصول أخرى.
في أصل الملاحظة جزء صحيح: الحضارة العلمية التي كتبت بالعربية كانت متعددة الأعراق والأديان. شارك فيها مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئة، وعمل فيها عرب وفرس وسريان وأمازيغ وأندلسيون وآسيويون وسواهم. غير أن النتيجة التي استخلصها رينان لا تلزم من المقدمة. فالتعدد لا ينفي وجود فضاء حضاري مشترك، مثلما لا يبطل تعدد أصول العلماء في أوروبا الحديث عن «العلم الأوروبي».
كانت العربية لقرون لغة علم عابرة للأقاليم، وكانت المدن الواقعة في دول إسلامية الكبرى توفر أسواق الكتب، والرعاية، والمدارس، والمراصد، والمستشفيات، ودوائر الترجمة والمناظرة. لذلك يستخدم مؤرخو العلم اليوم تعبيرات مثل «العلوم العربية» للدلالة على لغة الإنتاج، أو «العلوم في المجتمعات الإسلامية» للدلالة على السياق الحضاري، مع الوعي بالتنوع الديني والإثني للمشاركين.
فرضية الانطفاء بعد القرن الثاني عشر
ذهب رينان إلى أن الفلسفة والعلم ازدهرا فترة لأن السلطة الدينية لم تستطع منعهما، ثم انتصرت «الرجعية اللاهوتية» قرابة القرن الثالث عشر، فانطفأت الفلسفة في البلاد الإسلامية. ولعبت هذه الصورة دوراً طويلاً في الكتابات الشعبية عن «العصر الذهبي» الذي انتهى فجأة.
لكن تاريخ العلوم الذي أعيد بناؤه من المخطوطات والمؤسسات خلال القرن العشرين والحادي والعشرين يجعل هذا الخط الزمني غير قابل للاحتفاظ به بصورته الصارمة. فقد واصل علماء الفلك والرياضيات والطب والمنطق نشاطهم بعد سنة 1200 بزمن طويل. وفي مراغة بالقرن الثالث عشر نشأت مدرسة فلكية كبيرة مرتبطة بمرصد واسع، وطور نصير الدين الطوسي ومؤيد الدين العرضي وقطب الدين الشيرازي نماذج فلكية نقدت جوانب من النظام البطلمي. ثم امتد نشاط فلكي متقدم إلى سمرقند في القرن الخامس عشر، وإسطنبول في القرن السادس عشر، ومراكز أخرى.
وتبين أبحاث جورج صليبا عن مدرسة مراغة أن إعادة صياغة النماذج الكوكبية في العربية لم تكن ظاهرة قصيرة، بل امتدت من القرن الحادي عشر إلى السادس عشر في مساحة واسعة من الأندلس إلى آسيا الوسطى. هذه الاستمرارية لا تعني أن النشاط العلمي ظل بالقوة نفسها في كل مكان، لكنها تسقط فكرة «الموت الكامل» الذي حدده رينان بعد تاريخ واحد.
ماذا يقول تاريخ العلوم فعلاً عن الحضارة الإسلامية؟
حركة الترجمة لم تكن مجرد نقل
شهدت بغداد في العصر العباسي حركة ترجمة واسعة من اليونانية والسريانية والفارسية وغيرها إلى العربية. أسهم المترجمون المسيحيون السريان بدور مركزي، كما شارك علماء من خلفيات متعددة. وكانت هذه الحركة جزءاً من بيئة حضرية متعددة اللغات والأديان، تدعمها حاجات الدولة والطب والفلك والحساب والجدل الفكري.
غير أن اختزال هذه المرحلة في «حفظ كتب اليونان» يكرر بدوره تبسيطاً قديماً. فالترجمة خلقت لغة علمية عربية جديدة، وفرضت مشكلات في المصطلح والمنهج، ثم تلتها أعمال نقد وشرح واختبار وإضافة. لم يكن الخوارزمي ناسخاً لكتاب يوناني في الجبر، ولم يكن ابن الهيثم مجرد ناقل للبصريات القديمة، ولم تكن أعمال الرازي وابن سينا والبيروني والطوسي وابن النفيس هوامش على نصوص سابقة.
يصف تاريخ كامبريدج للعلوم تبني الفلسفة الطبيعية والرياضيات والطب الهلنستي في الثقافة الإسلامية بأنه من الحركات الفكرية الكبرى في تاريخ المعرفة. والأهم أن هذا التبني وقع في مجتمع جديد، لا في متحف يحفظ آثار حضارة ميتة. ففي هذا المجتمع تحولت النصوص إلى مناهج تدريس ومناقشة، وظهرت مسائل علمية لم تكن مطروحة بالصورة نفسها عند السابقين.
علماء من أصول متعددة داخل فضاء حضاري واحد
كان الكندي عربياً، والفارابي من آسيا الوسطى، والرازي وابن سينا والبيروني من المجال الإيراني، وابن الهيثم من البصرة، وابن رشد أندلسياً، وابن النفيس من دمشق، والطوسي من خراسان. هذا التنوع ليس حجة ضد الحضارة الإسلامية، بل وصف لطبيعتها الإمبراطورية والثقافية. الحضارة الواسعة تنجح حين تجعل اختلاف الأصول قابلاً للتواصل داخل لغة ومؤسسات وشبكات مشتركة.
كما أن غير المسلمين شاركوا بفعالية في الطب والترجمة والفلك والإدارة، وهذا يعكس قدرة المدن الكبرى في مراحل مختلفة على استيعاب خبرات متعددة. فإذا استخدمنا هذه المشاركة لنفي صفة الحضارة الإسلامية عن العلم، فسنضطر بالطريقة نفسها إلى نفي صفات حضارية عن معظم تجارب التاريخ، لأن الحضارات لا تتطابق مع دين واحد أو إثنية واحدة تطابقاً تاماً.
الأدق هو القول إن العلم الذي ازدهر بالعربية داخل الدول والمجتمعات الإسلامية كان إنتاجاً متعدد المشاركين، استفاد من تراث اليونان والهند وفارس وبلاد الرافدين، ثم أعاد صياغته وطوره ونقله إلى فضاءات أخرى. هذه الصيغة تحفظ التعدد من غير أن تمحو السياق.
العلم والدين: تعاون وصراع وتداخل
لم تكن العلاقة بين العلماء والمؤسسات الدينية خطاً واحداً. وجد علماء جمعوا بين علوم الشريعة والرياضيات أو الطب، ووجد فلاسفة اصطدموا بفقهاء أو ساسة، ووجدت قضايا تصادمت فيها مدارس كلامية وفلسفية. كما اختلفت المواقف من علم النجوم والمنطق والفلسفة والطبيعيات بحسب العصور والتيارات.
ويكشف تاريخ الفلك مثالاً مهماً على التداخل. فالحاجة إلى تحديد أوقات الصلاة واتجاه القبلة وبدايات الشهور لم «تخلق» علم الفلك من الصفر، لكنها وفرت استعمالات عملية للرياضيات والرصد. وقد لاحظ مؤرخو الفلك أن الارتباط بين الحسابات الفلكية والحاجات الدينية ظهر أيضاً في المجتمعات المسيحية، ما يدفع إلى دراسة العلاقة بين المعرفة والدين في سياقها بدلاً من افتراض خصومة أبدية.
الصراع وقع بالفعل في حالات تاريخية، لكنه لم يكن قانوناً مطلقاً. ومن هنا يصعب قبول أطروحة رينان التي تجعل العلم ضيفاً على أرض إسلامية معادية له بطبيعتها. ويصعب في المقابل تبني صورة رومانسية تجعل التاريخ الإسلامي خالياً من التضييق والنزاعات. الحقيقة التاريخية أغنى من النموذجين.
جمال الدين الأفغاني يدخل السجال
من هو جمال الدين الأفغاني؟
كان جمال الدين الأفغاني من أكثر شخصيات القرن التاسع عشر الإسلامي حركة وإثارة للجدل. تنقل بين الهند وأفغانستان وإسطنبول ومصر وباريس ولندن وإيران وغيرها، واشتغل بالصحافة والسياسة والتعليم، ودعا إلى مقاومة السيطرة الاستعمارية وإلى إصلاح التعليم واستعادة القدرة السياسية والعلمية للمجتمعات الإسلامية. وقد اختلف الباحثون في تفاصيل أصله ومساره، كما تعددت صورته بين المصلح الديني والناشط السياسي والفيلسوف الراديكالي.
وصل الأفغاني إلى باريس في مرحلة كان فيها يحاول مخاطبة جمهور أوروبي إلى جانب جمهوره الشرقي. وهناك التقى رينان قبل محاضرته، وهو لقاء سيذكره رينان لاحقاً بإعجاب واضح. وبعد أن قرأ الأفغاني ترجمة للمحاضرة، بعث برسالة إلى مدير Journal des Débats نُشرت في 18 مايو 1883.
الرد لم يبدأ بالهجوم
يفاجئ نص الأفغاني القارئ الذي يتوقع رداً غاضباً. فقد خاطب رينان باحترام كبير، وأثنى على قدرته الفلسفية، بل قال إن في محاضرته ملاحظات مهمة. ثم شرع في مناقشة القضية من داخل سؤال العلاقة بين الدين والفلسفة.
هذه البداية ليست تفصيلاً بل مفتاح للنص كله. كان الأفغاني يريد أن يدخل فضاء النقاش الأوروبي بصفته نداً فكرياً لا ممثلاً غاضباً عن جماعة جُرحت مشاعرها. لذلك قبل جزءاً من لغة عصره عن «التقدم» و«الحضارة» والبحث العقلي، ثم حاول تغيير اتجاه الحجة.
موقف الأفغاني من الدين والعلم أكثر تعقيداً مما يشاع
يُختصر الرد أحياناً في عبارة أن الأفغاني «أثبت توافق الإسلام والعلم»، لكن النص أكثر تعقيداً. فهو يرى أن الأديان في مراحل تاريخية تستطيع فرض سلطة على العقل وتحد من البحث الفلسفي، ولا يستثني الإسلام من هذا الاحتمال. وفي مواضع من رسالته يقدم صياغة حادة للصراع بين العقيدة والفحص الحر.
غير أنه يرفض أن يكون ذلك دليلاً على عجز أبدي خاص بالإسلام. يقارن بالتاريخ المسيحي، ويرى أن المجتمعات الأوروبية نفسها مرت بصراعات طويلة بين المؤسسات الدينية والفكر الحر ثم تغيرت. فإذا كان التحول ممكناً في المسيحية الأوروبية، فلا يوجد مبرر فلسفي للحكم على المسلمين بأنهم محكومون بالجمود إلى الأبد.
هذه الحجة تحوّل القضية من «ماهية الإسلام» إلى «تاريخ علاقة السلطة الدينية بالعقل». وهي لا تطابق خطاباً تقليدياً يريد إثبات الانسجام الكامل في كل عصر، لكنها أيضاً لا تمنح رينان حق تثبيت المسلمين داخل صورة دائمة من العجز.
دفاعه عن العرب والعلم
كان اعتراض الأفغاني أوضح عندما وصل إلى العرب. فقد رفض الحكم بأنهم يفتقرون بطبيعتهم إلى الميل نحو العلوم والفلسفة، واستشهد بحجم الحركة العلمية التي قامت في ظل العربية. وأقر بأن العرب والمسلمين تلقوا علوماً من اليونان والفرس وغيرهم، لكنه أكد أنهم لم يكتفوا بالنقل، بل نظموا ووسعوا وشرحوا وأضافوا.
هذا الرد يضرب قلب المنهج العرقي عند رينان. فإذا كانت الشعوب تتعلم وتتبادل المعارف وتطورها، فإن الأصل الإثني لا يصلح لقياس القدرة العقلية. والتاريخ نفسه يبين انتقال مراكز العلم من أمة إلى أخرى ومن لغة إلى أخرى، بما يجعل الحديث عن «طبيعة» ثابتة للعرب أو الساميين ضعيفاً أمام الوقائع.
لماذا ظل رد الأفغاني مثيراً للجدل؟
لأن الأفغاني لم يدافع عن الدين بالطريقة التي توقعها قراء مسلمون لاحقون. بعض الباحثين رأى في رسالته خطاباً صيغ خصيصاً لجمهور فرنسي عقلاني، وبعضهم شدد على المسافة بين هذا النص ونصوص أخرى للأفغاني دافعت بقوة عن وظيفة الدين الاجتماعية والسياسية. كما أن الرسالة ظهرت بالفرنسية في وقت كان الأفغاني ما يزال يتعلم اللغة، وهو ما فتح نقاشاً حول مقدار الوساطة اللغوية في صياغتها.
لكن هذه الأسئلة لا تبرر تجاهل النص المنشور أو تحويله إلى نقيضه. الوثيقة التي وصلت إلى الجمهور الفرنسي تحمل بوضوح رؤية تعتبر الصراع بين الدين والفلسفة ظاهرة إنسانية متكررة، وتتمسك في الوقت نفسه بإمكان تحرر المجتمعات الإسلامية من الجمود وعودتها إلى العلم. وقد أعاد باحثون مثل نيكي كيدي نشر النص ضمن دراسات الأفغاني وأبرزوا هذه الازدواجية بدلاً من تسويتها في صورة واحدة.
رد رينان على الأفغاني: إعجاب يكشف حدود التصور
رينان كان يعرف الأفغاني قبل المحاضرة
في تعقيبه المنشور في اليوم التالي لرسالة الأفغاني، كشف رينان أن لقاءه بالأفغاني كان من العوامل التي شجعته على اختيار موضوع محاضرته. ووصفه بإعجاب شديد من حيث الحرية الفكرية والشخصية. لكن صيغة الإعجاب نفسها حملت مشكلة واضحة: رينان اعتبر تحرر الأفغاني الفكري دليلاً على أنه متحرر من «تحيزات الإسلام»، أي أن المسلم في نظره يصبح جديراً بالإعجاب كلما اقترب من النموذج العقلاني الذي رسمه رينان خارج الإسلام. وللاطلاع على النص الأصلي: تعقيب رينان على الأفغاني.
بهذا تحولت شخصية الأفغاني إلى استثناء يؤكد القاعدة بدلاً من أن يهزها. فبدلاً من القول إن وجود مفكر مسلم نقدي يكشف قصور التعميم، أعاد رينان تعريفه بوصفه شخصاً تجاوز الإسلام. هذه طريقة دائرية في الاستدلال: كل مسلم منغلق يثبت الأطروحة، وكل مسلم منفتح يُخرج من النموذج قبل أن يصبح دليلاً مضاداً.
من العرق إلى الصراع بين الدين والعقل
استفاد رينان من نقاط التقاطع مع الأفغاني كي يؤكد أن جوهر القضية، في رأيه، هو خصومة الدين الموحى به مع البحث الحر. واستشهد بتاريخ المسيحية أيضاً، بما في ذلك قضية غاليليو، ليقول إن نقده ليس موجهاً إلى الإسلام وحده.
يخفف هذا التوضيح بعض الجانب الحصري في المحاضرة، لكنه لا يمحو العبارات التي خص بها المسلمين والعرب ولا التصنيفات العرقية التي بني عليها جزء من حجته. كما أن تعميم الصراع بين «الدين» و«العلم» بوصفه قانوناً عالمياً أصبح بدوره محل مراجعة واسعة في تاريخ العلوم؛ لأن المؤسسات الدينية لعبت في مراحل مختلفة أدواراً متباينة في التعليم والرعاية والرقابة، ولم تكن العلاقة واحدة في كل عصر.
الردود الإسلامية والعثمانية لم تتوقف عند الأفغاني
نامق كمال و«دفاعية رينان»
كان رد الأفغاني أشهر الردود لأنه نُشر في الصحيفة الفرنسية نفسها، لكنه لم يكن الوحيد. فقد كتب المفكر العثماني نامق كمال عملاً عُرف باسم «Renan Müdafaanamesi» رداً على محاضرة رينان. بدأ كتابته بعد أشهر من المحاضرة وأتمه في سنة 1883، لكنه لم ينشر في حياته، وظهر بعد وفاته في مطلع القرن العشرين.
اتخذ نامق كمال موقفاً أكثر صداماً من الأفغاني، ودافع مباشرة عن الإسلام في مواجهة دعوى أنه يعادي التقدم، وانتقد معرفة رينان بالإسلام وطريقة استعماله للتاريخ. وتظهر الدراسات الحديثة أن الردود العثمانية على المحاضرة كانت متعددة، وشارك فيها صحفيون ومثقفون ناقشوا العلم والدين بلغة الإصلاح والتحديث، لا بلغة الرفض البسيط للعلوم الأوروبية.
جدل عالمي حول «العلم والدين»
تكشف هذه الردود أن مقولة «الإسلام والعلم» لم تكن سؤالاً محلياً فرنسياً. فقد تحولت إلى جزء من نقاش عالمي حول شروط الحداثة، وكيف يمكن للمجتمعات غير الأوروبية أن تتبنى العلوم الحديثة من غير أن تفقد هويتها أو تقبل الحكم الاستعماري عليها.
ومن هذه الزاوية، لم يكن الخلاف على الماضي وحده. الدفاع عن الخوارزمي وابن سينا وابن الهيثم كان يحمل معنى سياسياً: إذا كان للمجتمعات الإسلامية تاريخ عميق في إنتاج المعرفة، فإن تخلفها الراهن ليس قدراً جوهرياً، ويمكن تغييره بالإصلاح والتعليم واستعادة القدرة المؤسسية. أما إذا قُبل تفسير رينان بصورته الحتمية، يصبح التقدم مشروطاً بالتخلي عن بنية ثقافية كاملة.
أين أخطأ رينان تاريخياً ومنهجياً؟
الخطأ الأول: تحويل التفاوت التاريخي إلى جوهر ديني
كان الفرق بين القوة العلمية والصناعية لأوروبا في القرن التاسع عشر وبين معظم البلاد الإسلامية حقيقياً ومشهوداً. الخطأ وقع في تفسير هذا الفرق بعامل ثابت واحد. فالمجتمعات لا تصعد وتهبط بسبب نص واحد أو عقيدة واحدة، بل نتيجة تراكم مؤسسات وقدرات مالية وسياسية وتعليمية وتقنية.
حين تُقرأ القرون السابقة نجد أن البلدان الإسلامية نفسها لم تكن في مستوى واحد: بغداد في القرن التاسع ليست القاهرة في القرن الخامس عشر، وقرطبة ليست بخارى، وإسطنبول العثمانية ليست دلهي المغولية. بل داخل المدينة الواحدة تتغير أحوال العلم من جيل إلى آخر. هذا التنوع التاريخي يهدم فكرة أن الدين يعمل كزر ثابت ينتج النتيجة نفسها عبر الزمن.
الخطأ الثاني: استعمال الأصل الإثني معياراً للعلم
حجة أن العلماء «لم يكونوا عرباً» لا تمس قيمة الحضارة التي عملوا داخلها. فالفيلسوف أو الطبيب لا يصبح خارج المجال الإسلامي لأنه فارسي الأصل، مثلما لا يصبح عالم فرنسي من أصل أجنبي خارج تاريخ فرنسا العلمي. والمجتمعات الإمبراطورية بطبيعتها تجمع جماعات كثيرة، وقوتها العلمية كثيراً ما تقوم على هذه القدرة على الاستيعاب.
كما أن تعبير «العرب» نفسه كان في مصادر العصور الوسطى يتخذ معاني لغوية وثقافية وسياسية متعددة، ولم يكن مطابقاً لمفهوم العرق البيولوجي الذي شاع في أوروبا الحديثة. لذلك حمل إسقاط التصنيفات العرقية الحديثة على القرون الوسطى قدراً كبيراً من المفارقة التاريخية.
الخطأ الثالث: تصور أن العلم انتهى بعد 1200
أصبح هذا الجانب من أطروحة رينان من أسهل الجوانب تفنيداً بالمادة التاريخية المكتشفة والمدروسة. مرصد مراغة ومدرسته في القرن الثالث عشر، وأعمال قطب الدين الشيرازي، واستمرار تقاليد الفلك الرياضي، ومرصد سمرقند في القرن الخامس عشر، والمراصد العثمانية والمغولية اللاحقة، كلها تظهر أن تاريخ العلوم في المجتمعات الإسلامية لم يتوقف عند عتبة واحدة.
لا يعني ذلك أن المسار كان تصاعدياً. ظهرت أزمات وتراجعات وانتقلت مراكز النشاط وتغيرت طبيعة الرعاية والموضوعات، لكن هذه هي سمة تاريخ العلم في كل الحضارات. استعمال كلمة «انحطاط» لوصف سبعة قرون كاملة يحجب الحركة التي تكشفها المخطوطات والمراصد والمدارس.
الخطأ الرابع: إهمال المؤسسات والاقتصاد والسياسة
ركز رينان على الأفكار والعقائد أكثر من تركيزه على المؤسسات التي تنتج العلم. لكن العلم الحديث يعتمد على تمويل طويل المدى، وجامعات ومختبرات وطباعة ومجلات وجمعيات وشبكات تبادل، ثم على دول واقتصادات تستطيع استدامة هذه المنظومة. وكانت أوروبا في عصر رينان قد قطعت شوطاً هائلاً في بناء مؤسسات جديدة ارتبطت بالثورة الصناعية وبالدولة الحديثة وبالتوسع الاستعماري.
حين تقارن المجتمعات من دون هذه العناصر يبدو الفرق وكأنه فرق في «العقل». أما حين تدخل المؤسسات في الصورة، يظهر أن القدرة العلمية قابلة للبناء والتراجع، وأنها ليست خاصية وراثية لشعب أو دين.
الخطأ الخامس: قراءة الاستعمار خارج معادلة «التقدم»
في سنة 1883 لم تكن أوروبا مجرد جار متقدم تقنياً؛ كانت قوة تحتل أراضي وتعيد تشكيل اقتصادات وتتحكم في طرق تجارة وموارد. لم يكن الاستعمار السبب الوحيد في أزمات البلدان الإسلامية، وبعض مظاهر الضعف سبق السيطرة الأوروبية المباشرة، لكن تجاهله يخل بالتفسير بقدر ما يخل تجاهل مشكلات الحكم والتعليم الداخلية.
من هنا يصبح خطاب «التفوق الحضاري» جزءاً من موضوع الدراسة نفسه، لا أداة محايدة. فقد استطاع أن يحول القوة السياسية الراهنة إلى دليل على تفوق ثقافي دائم، ثم يستخدم هذا التفوق لتبرير مزيد من السيطرة.
وما الذي أصاب فيه رينان سؤالاً لا جواباً؟
يمكن رفض تعميمات رينان من غير تجاهل الأسئلة الجدية التي أثارها. فقد لفت إلى أن ازدهار العلم يحتاج إلى مساحة للفحص والنقد، وأن السلطة حين تحول رأياً واحداً إلى حقيقة لا تقبل النقاش تستطيع أن تخنق البحث. هذا المبدأ لا يخص الإسلام، ولا يخص الدين وحده؛ فالسلطات السياسية والأيديولوجية الحديثة تستطيع القيام بالدور نفسه.
السؤال المفيد اليوم ليس: «هل الإسلام مع العلم أو ضده؟» بصيغته الكلية، بل: ما المؤسسات التي تسمح للباحث بالسؤال والتجريب؟ كيف تدار الجامعات؟ ما مكانة النقد؟ كيف تمول المختبرات؟ كيف تُعلَّم الرياضيات والعلوم؟ ما صلة البحث بالصناعة والمجتمع؟ وكيف تمنع السلطة الدينية أو السياسية أو الاقتصادية نفسها من احتكار الحقيقة؟
بهذه الصيغة ننتقل من الحكم على هوية جماعة إلى دراسة شروط قابلة للتغيير. وهذا التحول أقرب إلى روح البحث التاريخي والعلمي من فكرة أن حضارة ما تحمل في جوهرها مصيراً ثابتاً.
رينان والاستشراق: معرفة حقيقية داخل بنية غير متكافئة
يمثل رينان مثالاً جيداً على صعوبة الحكم على الاستشراق بحكم واحد. فقد خدم دراسات الفلسفة وتاريخ الأديان، ولفت الانتباه إلى ابن رشد وإلى نصوص شرقية، وأسهم في فقه اللغة والنقوش. وفي الوقت نفسه، استخدم معرفة الشرق داخل نموذج هَرَمي يقارن الشعوب بأوروبا ويمنح التصنيفات العرقية قيمة تفسيرية واسعة.
لذلك لا يكفي وصف عمله بأنه «علمي» لإسقاط النقد، كما لا يكفي وجود التحيز لإلغاء كل ما جمعه من مادة. القراءة الجيدة تفصل بين التحقيقات والوثائق والاستنتاجات؛ فقد تكون الوثيقة صحيحة والمنهج الجزئي نافعاً بينما تكون النتيجة العامة محكومة بافتراضات لم تعد مقبولة.
هذا النوع من القراءة هو ما يجعل دراسة رينان مفيدة اليوم. فهو يذكرنا بأن الباحث لا يعمل خارج التاريخ، وأن اللغة العلمية تستطيع أن تحمل مفاهيم سياسية وثقافية من عصرها. وكلما كانت سلطة الباحث أكبر، أصبحت مراجعة افتراضاته أكثر ضرورة.
إرنست رينان والإسلام في ضوء تاريخ العلم الحديث
أحد أهم الفروق بين زمن رينان وزمننا هو اتساع المادة التي يشتغل عليها مؤرخو العلوم. في القرن التاسع عشر كانت آلاف المخطوطات العربية والفارسية والتركية مجهولة أو غير محققة، وكانت صورة العلوم بعد ابن رشد والطوسي ناقصة في الدراسات الأوروبية. أما اليوم فهناك حقول كاملة تدرس الفلك والرياضيات والطب والبصريات والميكانيكا والمنطق في المجتمعات الإسلامية عبر قرون متعددة.
وقد تغيرت نتيجة ذلك الأسئلة نفسها. لم يعد المؤرخ الجاد يبحث عن «عرق اخترع العلم»، بل عن انتقال النصوص، وشبكات المعلمين والتلاميذ، والتمويل، والأدوات، والمراصد، والمستشفيات، واللغات، وعلاقات العلماء بالبلاط والأسواق والمؤسسات الدينية. هذا المنهج يجعل العلم عملاً اجتماعياً وتاريخياً معقداً، لا انعكاساً لطبيعة عرقية.
كما تراجعت صورة «الصراع الأبدي بين العلم والدين» التي كانت شائعة في بعض كتابات القرن التاسع عشر. لا يعني ذلك إنكار الصدامات؛ فقد وقعت محاكمات وتحريمات وصراعات في أديان ومجتمعات متعددة. لكن المؤرخين يدرسون اليوم أيضاً الرعاية الدينية للعلم، وتعليم العلوم في المؤسسات المرتبطة بالدين، والتداخل بين الأسئلة اللاهوتية والطبيعية. والنتيجة أن العلاقة لا تختصر في كلمة «صراع» ولا في كلمة «انسجام».
ماذا نتعلم من رد الأفغاني اليوم؟
قوة رسالة الأفغاني أنها رفضت إغلاق المستقبل. فهو لم يدّع أن واقع المسلمين العلمي في عصره مرضٍ، ولم يكتف باستدعاء أمجاد الماضي، لكنه رفض أن تتحول الأزمة الراهنة إلى حكم أبدي. وبذلك وضع الإصلاح داخل الزمن: ما تراجع تاريخياً يمكن أن يتغير تاريخياً.
كما أن دفاعه عن العرب لم يعتمد على القول إنهم خلقوا العلوم من لا شيء. اعترف بالتعلم من الأمم السابقة ثم جعل القدرة على التلقي والتطوير نفسها علامة قوة. وهذا أقرب إلى تاريخ المعرفة؛ فكل ثورة علمية تبني على لغات ومفاهيم وأجهزة وبيانات وصلتها من قبل.
لكن رسالته تحمل أيضاً حدود عصرها. تقسيم البشر إلى «خاصة» تفهم الفلسفة و«جمهور» يحتاج إلى الدين يعكس تصوراً نخبوياً، كما أن صياغة الصراع الدائم بين الدين والفلسفة تظل أوسع من الوقائع. لذلك لا ينبغي تحويل الأفغاني نفسه إلى مرجع نهائي، بل قراءته كشريك تاريخي في فتح سؤال الإصلاح.
كيف نقرأ السجال بعيداً عن التمجيد والخصومة؟
الطريقة الأكثر فائدة هي فصل عدة أسئلة اختلطت سنة 1883. أولاً: هل عرفت المجتمعات الإسلامية إنتاجاً علمياً أصيلاً؟ الجواب التاريخي نعم، مع مشاركة جماعات متعددة وبدرجات متفاوتة عبر العصور. ثانياً: هل وقع تضييق ديني أو سياسي على مفكرين وعلماء؟ نعم، في حالات عديدة، كما وقع الدعم والرعاية في حالات أخرى. ثالثاً: هل يفسر الإسلام وحده تفاوت القوة العلمية في القرن التاسع عشر؟ لا، فهذا تفسير أحادي لا يستوعب الاقتصاد والسياسة والاستعمار والمؤسسات. رابعاً: هل يكفي الماضي العلمي لضمان حاضر علمي؟ بالتأكيد لا؛ فالمجد التاريخي لا يعوض جامعة ضعيفة أو بحثاً بلا تمويل.
هذا التفكيك يمنع استعمال التاريخ كسلاح هوية فقط. لا يحتاج المسلم المعاصر إلى إثبات أن كل عالم في بغداد أو قرطبة كان عربياً أو متديناً بالصورة نفسها كي يعتز بالحضارة التي أنتجته. كما لا يحق لنا تجاهل لحظات التوتر والانغلاق خوفاً من أن يستعملها خصم فكري. قوة التاريخ في قدرته على تحمل التعقيد.
أسئلة شائعة حول إرنست رينان والإسلام
ماذا قال إرنست رينان عن الإسلام والعلم؟
ذهب رينان في محاضرته سنة 1883 إلى أن الإسلام، حين يشتد نفوذه، يحد من حرية البحث الفلسفي والعلمي، واعتبر أن الحضارة العلمية التي ازدهرت بالعربية لم تكن نتاجاً للعرب أو الإسلام في جوهرها. كما أطلق أحكاماً عامة على عقل المسلم وعلى الشعوب التي صنفها ضمن «العرق السامي». هذه الأحكام تعرضت لنقد تاريخي واسع لأنها خلطت بين الدين وتاريخ المجتمعات، وبين اللغة والعرق، وأغفلت استمرار النشاط العلمي بعد التاريخ الذي جعله رينان بداية للانطفاء.
كيف رد جمال الدين الأفغاني على رينان؟
رفض الأفغاني الحتمية العرقية، ودافع عن إسهام العرب في العلوم، وأكد أن تراجع المجتمعات الإسلامية ليس قدراً ثابتاً. لكنه وافق رينان جزئياً على أن السلطة الدينية قد تدخل في صراع مع الفلسفة والبحث الحر، ورأى أن هذه الظاهرة ليست خاصة بالإسلام بل عرفتها أديان أخرى. لذلك كان رده مركباً، لا دفاعاً تقليدياً بسيطاً ولا موافقة كاملة.
هل كان رينان يعرف العربية؟
درس رينان العربية ضمن تكوينه في اللغات الشرقية، وحضر دروس عدد من كبار المستشرقين، لكنه لم يكن في العربية بالمستوى نفسه الذي بلغه في العبرية، وقد تحدث في كتاباته عن حدود تمكنه منها. لذلك من الأدق القول إنه امتلك معرفة دراسية بالعربية واستفاد من الباحثين والنصوص، لا أنه كان جاهلاً بها تماماً ولا أنه كان من كبار محققي النصوص العربية المستقلين.
هل انتهى العلم في العالم الإسلامي بعد ابن رشد؟
لا. استمر نشاط مهم في الفلك والرياضيات والطب والمنطق وغيرها بعد القرن الثاني عشر. تكفي مدرسة مراغة في القرن الثالث عشر وسمرقند في القرن الخامس عشر مثالين واضحين. وقد أظهرت أبحاث حديثة أن تطوير النماذج الفلكية العربية استمر قروناً بعد المرحلة التي عدها رينان نهاية للحركة العلمية.
هل كان العلماء في الحضارة الإسلامية كلهم مسلمين أو عرباً؟
لا. كانت البيئة العلمية متعددة الأعراق والأديان واللغات، وشارك فيها مسلمون ومسيحيون ويهود وصابئة وغيرهم، كما تنوعت أصول العلماء بين العرب والفرس والسريان والأمازيغ وشعوب آسيا الوسطى والأندلس وغيرها. هذا التنوع جزء من قوة الحضارة ولا ينفي وجود فضاء ثقافي وعلمي مشترك كانت العربية إحدى أهم لغاته.
لماذا ما زال سجال رينان والأفغاني مهماً؟
لأنه يكشف كيف يمكن تحويل تفاوت تاريخي إلى حكم على هوية أمة، وكيف تتداخل أسئلة العلم مع القوة والاستعمار واللغة والعرق. كما يذكّر بأن تجديد القدرة العلمية لا يتحقق بالاحتجاج بالماضي ولا بجلد الذات، بل ببناء مؤسسات للبحث والتعليم تسمح بالنقد والتجريب وتراكم المعرفة.
من مناظرة 1883 إلى سؤالنا المعاصر
بعد أكثر من قرن وأربعين عاماً، لم يعد من المقبول علمياً تفسير تاريخ شعوب بأكملها بصفات عرقية من نوع «العقل السامي» و«العقل الآري»، ولم يعد ممكناً القول إن العلوم في المجتمعات الإسلامية ماتت فجأة بعد القرن الثاني عشر. اتساع البحث في المخطوطات وتاريخ المؤسسات والمراصد والطب والرياضيات غيّر الصورة بصورة عميقة.
لكن السؤال الذي جعل محاضرة رينان مؤثرة لم يختف: لماذا تزدهر المعرفة في مجتمع وتتراجع في آخر؟ الجواب الذي يقدمه التاريخ الحديث أقل بساطة وأكثر فائدة. العلم يحتاج إلى تعليم قوي، وحرية سؤال، وتمويل، ومؤسسات مستقرة، واتصال بالعالم، وقدرة على نقد الموروث والحاضر معاً. وقد توجد هذه الشروط في مجتمع متدين أو غير متدين، وقد تنهار تحت سلطة سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية مهما كان شعارها.
بهذا المعنى، فإن أفضل رد على التعميم الذي حملته محاضرة «الإسلام والعلم» ليس الاكتفاء بإحصاء أسماء علماء الماضي، مع أهمية معرفتهم، بل بناء حاضر يستطيع إنتاج معرفة جديدة. تاريخ ابن الهيثم والبيروني والطوسي وابن رشد دليل على إمكان الإبداع داخل الحضارة الإسلامية، لكنه ليس بديلاً عن المختبر والجامعة والكتاب العلمي في الحاضر.
وتبقى مناظرة إرنست رينان والإسلام وثيقة شديدة الأهمية لأنها تعرض أمامنا لحظة تقاطع فيها البحث العلمي مع تصور هرمي للعالم، ورد عليها مفكر مسلم من داخل أزمة عصره من غير أن يقبل بإغلاق المستقبل. قراءة النصوص الثلاثة معاً – محاضرة رينان، ورسالة الأفغاني، وتعقيب رينان – تكشف أن التاريخ الفكري لا يتقدم بالصور البسيطة، بل بالمراجعة المستمرة للأفكار حين تواجه الوقائع.
للتوسع في كوكب المعرفة
يمكن قراءة الاستشراق والفكر الإسلامي: بين البحث العلمي والصور النمطية عن الإسلام لفهم الإطار الأوسع الذي نشأت فيه أطروحات رينان، والرجوع إلى كيف بدأ السؤال الفلسفي؟ من الدهشة والأسطورة إلى البحث عن الحقيقة لتتبع مكانة العقل والسؤال في تاريخ الفكر، كما يفيد مقال المصادر العلمية الموثوقة: دليل شامل للطلبة والباحثين في فهم معايير التوثيق والتمييز بين الادعاء والدليل.
المصادر والمراجع
1. Ernest Renan, L’Islamisme et la science, conférence prononcée à la Sorbonne le 29 mars 1883, Paris, Calmann-Lévy, 1883. النص الرقمي: https://fr.wikisource.org/wiki/L%E2%80%99Islamisme_et_la_science
2. Djemâl ad-Dîn al-Afghâni, «Lettre sur l’islamisme et la science d’Ernest Renan», Journal des Débats, 18 mai 1883. النص الرقمي: https://fr.wikisource.org/wiki/Lettre_sur_l%E2%80%99islamisme_et_la_science_d%E2%80%99Ernest_Renan
3. Ernest Renan, «Appendice à la précédente conférence», in Discours et conférences, Paris, Calmann-Lévy, 1887؛ وهو نص جوابه المنشور في Journal des Débats يوم 19 مايو 1883. النص الرقمي: https://obtic.huma-num.fr/obvie/critique/compdoc.jsp?fromdoc=5723&fromscore=15.768538&id=renan_discours-et-conferences_011&refid=barbey-aurevilly_historiens_004
4. Nikki R. Keddie, An Islamic Response to Imperialism: Political and Religious Writings of Sayyid Jamal ad-Din “al-Afghani”, University of California Press. النسخة المتاحة عبر JSTOR: https://www.jstor.org/stable/jj.8501147
5. F. Jamil Ragep, “Islamic Culture and the Natural Sciences,” in The Cambridge History of Science, vol. 2, Cambridge University Press, 2013, pp. 27–61. DOI: https://doi.org/10.1017/CHO9780511974007.003
6. George Saliba, “The Astronomical Tradition of Maragha: A Historical Survey and Prospects for Future Research,” Arabic Sciences and Philosophy, 1(1), 1991, pp. 67–99. DOI: https://doi.org/10.1017/S0957423900001429
7. Stephen P. Blake, Astronomy and Astrology in the Islamic World, Edinburgh University Press, 2016, 184 pp. عرض الكتاب: https://www.cambridge.org/core/books/astronomy-and-astrology-in-the-islamic-world/E4750A76501370B343C600AE35B50E6C
8. Jane H. Murphy and Sahar Bazzaz, “Re-examining globalization and the history of science: Ottoman and Middle Eastern experiences,” The British Journal for the History of Science, 55(4), 2022, pp. 411–422. DOI: https://doi.org/10.1017/S0007087422000334
9. M. Alper Yalçınkaya, “Globalizing ‘science and religion’: examples from the late Ottoman Empire,” The British Journal for the History of Science, 55(4), 2022, pp. 445–458. DOI: https://doi.org/10.1017/S0007087422000292
10. Yusuf Kabakcı, “Renan Konferansı ve Nâmık Kemal’in Müdâfaanâme’sinin Oryantalist İddialar Bağlamında Değerlendirilmesi,” BEÜ İlahiyat Fakültesi Dergisi, 8(2), 2021, pp. 579–604. DOI: https://doi.org/10.33460/beuifd.1006447
11. Bibliothèque nationale de France, “Joseph Ernest Renan (1823–1892),” Bibliothèques d’Orient: https://heritage.bnf.fr/bibliothequesorient/renan


مقال قيم يستحق القراءة مشكور على النشر