دراسة تاريخية ونصية في مؤلَّف مغربي عَبَر القارات
ملخص
يتناول هذا المقال كتاب «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار» للإمام المغربي محمد بن سليمان الجزولي، من خلال قراءة تجمع التعريف بالمؤلف وتحليل الكتاب والكشف عن امتداد حضوره في العالم الإسلامي. وتتمثل أطروحته الأساسية في أن شهرة المصنف لا تُفسَّر بمضمونه الدعائي وحده؛ بل بتكامل أصل الصلاة على النبي ﷺ في الوعي الإسلامي، والتنظيم العملي للقراءة، وقابلية النص للحفظ والإنشاد، وتكوين شبكات علمية وروحية وتجارية تولّت نقله، فضلاً عن جمال المخطوط الذي صار وسيطاً بصرياً للتواصل مع المعاني الدينية.
تستند الدراسة إلى وصف مخطوطات محفوظة في مؤسسات متحفية ومكتبية، وإلى أبحاث محكّمة تناولت تاريخ الجزولية وانتشار الكتاب، مع الانتباه إلى اختلاف الروايات في بعض تفاصيل السيرة وتفاوت النسخ في تقسيمها وترتيبها. وتخلص إلى أن «دلائل الخيرات» مثال بالغ الدلالة على قدرة التأليف المغربي على تأسيس نص تعبدي ذي انتشار عابر للغات والأقاليم، وأن البحث في عالميته يحتاج إلى وصل تاريخ الأفكار بتاريخ تداول المخطوط والقراءة الصوتية والفنون المصاحبة له.
الكلمات المفتاحية: دلائل الخيرات؛ محمد بن سليمان الجزولي؛ الصلاة على النبي ﷺ ؛ التصوف المغربي؛ المخطوطات؛ الشروح؛ تاريخ الكتاب؛ العالمية.
مقدمة: من كتاب للصلاة على النبي ﷺ إلى ظاهرة ثقافية
عرفت الحضارة الإسلامية أشكالاً متعددة من التأليف؛ فمنها ما يُقرأ لتحصيل الأحكام والمعارف، ومنها ما يرافق المسلم في أوقات حياته اليومية. ويجمع «دلائل الخيرات» بين هذين المجالين: إنه عمل مكتوب له مؤلف وتاريخ وصيغ وترتيب، وهو أيضاً كتاب استعمال، أي إن حضوره تحقق في القراءة الفردية والجماعية، والاستظهار، وتبادل النسخ، والشرح، والزينة الخطية. ولا تستطيع دراسة تحصره في عبارات الأدعية وحدها أن تفسر كيف دخل بيوتاً ومساجد وزوايا، ولا تستطيع دراسة تكتفي بوصف انتشاره أن تظهر سر انتظامه الداخلي وأثره الروحي. ومن ثم تُقرأ مادته مع طرائق تلقيه ووسائل انتقاله معاً.
يرتبط المصنف بالقرن التاسع الهجري، حين عاش مؤلفه في مغرب يشهد تحولات سياسية واجتماعية واتصالاً مستمراً بالمشرق عبر الرحلات والحج والتجارة. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن الكتاب خرج أولاً من محيط الجزولية والشاذلية ثم تجاوز الدائرة التنظيمية التي شهدت نشأته؛ فصار من الكتب التعبدية واسعة التداول في قطاعات كبيرة من العالم الإسلامي السني. وتوثق مؤسسات مثل متحف المتروبوليتان ومتحف الآغا خان ومكتبة الكونغرس ومشروعات المكتبة البريطانية شواهد محسوسة من هذا الانتقال، بما فيها نسخ شمال إفريقية وعثمانية وكشميرية وإفريقية جنوب الصحراء. [1][2][3][4]
تنطلق الدراسة من السؤال الآتي: كيف استطاع الجزولي أن يصوغ عملاً مغربياً محوره الصلاة على النبي ﷺ، وأن يمنحه بنية صالحة للتداول الدوري، ثم كيف تحوّل هذا النص إلى موضوع للتلقي والشرح والتصوير والخط عبر قارات مختلفة؟ وتعالج الإجابة ثلاثة مستويات: حياة المؤلف وسياق التأليف؛ والبناء النصي والمقاصد والقيمة العلمية والروحية؛ ثم طرق الانتشار والشواهد المادية على الإشعاع. وتعتمد قراءة وصفية تحليلية مدعومة بمراجع أكاديمية وفهارس مخطوطات، من دون الادعاء بأن المقال تحقيق نصي يقابل جميع النسخ الموجودة أو يحكم بصحة كل ما يُورد في فصول الفضائل.
أولاً: التعريف بالإمام محمد بن سليمان الجزولي
1. الاسم والنسبة والموقع العلمي
هو أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي بكر الجزولي السملالي، عالم ومتصوف مغربي اشتهر باسم الإمام الجزولي وبكتابه «دلائل الخيرات». تدل نسبة «الجزولي» على جزولة بجنوب المغرب، وترد «السملالي» في عدد من الفهارس والتراجم نسبة إلى سملالة. وترتبط شخصيته بالشاذلية وبالجماعة الجزولية التي حملت اسمه في القرنين التاسع والعاشر الهجريين. وتختلف صيغ الاسم في المصادر باختلاف اصطلاحاتها في النسب والتعريف، ولذلك استعملت الدراسة الصيغة الأشهر مع إثبات عناصرها المتكررة في المصادر الحديثة. [1][18]
ينبغي عند التعريف به التفريق بين ما يستند إلى شواهد تاريخية وبين تفاصيل المناقب التي توسعت فيها المصادر اللاحقة. فالمؤرخ يهتم بإثبات خطوط الحركة العلمية والتأليف والتلامذة، كما يهتم بدراسة الحكايات التعبدية بوصفها دليلاً على صورة الإمام في وجدان مريديه. والمشهور أن مولده يُقدَّر في أوائل القرن الخامس عشر، وأن وفاته وقعت سنة 1465م تقريباً. وتثبت دراسات معاصرة تاريخ 869هـ/1465م، بينما تورد فهارس مخطوطات سنة 870هـ؛ وهذا اختلاف في الضبط التاريخي لا يمس ثبوت نسب الكتاب إليه. [1][5][6]
والمنهج الأسلم هنا أن يثبت تاريخ الوفاة الذي تكررت عليه المراجع الأكاديمية، وأن تترك سنة الميلاد في نطاق التقريب ما لم تسند إلى مصدر مبكر واضح. كما ينبغي أن تقرأ أخبار الكرامات أو الدوافع الخاصة للتأليف بوصفها روايات مناقبية تكشف عن تلقي الجزولي ومكانته الروحية، لا بوصفها وثائق مستقلة على أحداث سيرته. [1][18]
2. البيئة المغربية والتكوين في فاس
كان الجنوب المغربي موطناً لدوائر علمية وروحية متعددة، وكانت فاس مركزاً يستقطب طلاب العلم من نواحٍ واسعة. وتثبت المصادر والدراسة الحديثة انتقال الجزولي من محيط جزولة إلى فاس وارتباطه بوسط شاذلي، غير أن تفاصيل سلسلة الشيوخ ومسار التلقي تختلف بين كتب التراجم والمناقب. لذلك لا تعين هذه الدراسة شيخاً بعينه في موضع لا تسنده فيه إحالة نصية محددة، وتكتفي بالصلة الشاذلية الثابتة في مسار الجزولي وحركته. [1]
تُبرز هذه الرحلة تكويناً قائماً على التفاعل بين المعرفة الدينية والممارسة الروحية. ويظهر هذا التفاعل في «دلائل الخيرات» نفسه: فالمؤلف يجمع صيغاً للصلاة على النبيﷺ، ويقدم فضائل تتصل بها، ثم يرتبها على نحو يسمح بتعلمها وتكرارها. فالعمل ليس مجرد قائمة غير منظمة من الأدعية، بل يعكس وعياً بأحوال جمهور يتفاوت في القراءة والحفظ، وبحاجة جماعة المريدين إلى مادة مشتركة تجمع أفرادها من غير تعقيد نظري أو تعليم اصطلاحي مطوّل.
3. الرحلة إلى المشرق واتساع دائرة الاتصال
تذكر مصادر السيرة رحلة الجزولي إلى المشرق وطلبه للعلم، وتربط بعض الروايات بين تلك الرحلة وبين تبلور مشروعه التعبدي بعد عودته إلى المغرب. غير أن غياب نسخة مؤرخة بخط المؤلف لا يجيز تثبيت تاريخ نهائي للتأليف أو رسم خط سير تفصيلي للرحلة من غير سند مستقل. وتكفي الشواهد المتاحة لإبراز موقع المغرب في فضاء إسلامي متصل كانت الرحلات فيه تنقل الكتب والأسانيد وأساليب التعليم، لا الأشخاص وحدهم. [1]
ويمكن هنا فهم مؤلَّف الجزولي بوصفه ثمرة لخبرة علمية وروحية تتجاوز موطنه المحلي من حيث مواد القراءة التي تعامل معها، لكنها تستقر في قالب مغربي واضح. والفرق بين هذين المستويين مهم؛ فأصل الصلاة على النبي جامع للمسلمين، أما انتقاء النصوص وترتيبها وتقسيمها وتأليفها في كتاب مستقل فعمل يخص صاحب المصنف والبيئة التي أنتجته. بهذه الصياغة يتضح وجه الإبداع في «دلائل الخيرات»: تحويل مادة دينية معروفة ومتداولة إلى منظومة قراءة ذات هوية نصية متماسكة.
وتظهر الخصوصية المغربية في هذا الموضع لا بوصفها انغلاقاً على المحلي، بل بوصفها قدرة على صياغة مادة مشتركة في بناء قابل للتلقي خارج موطنه. فالعنوان العربي، والتنظيم الدوري، وصلته بمجالس التعليم والذكر، جعلت الكتاب مفهوماً في فضاءات متعددة من غير أن يحجب اسم مؤلفه ونسبته المغربية. [1]
4. الجزولي في زمن التحولات السياسية والاجتماعية
عاش الجزولي في سياق أواخر الدولة المرينية، وفي مرحلة اشتد فيها الضغط البرتغالي على السواحل المغربية وتبدلت فيها موازين القوة في الغرب الإسلامي. وتضع الدراسة الحديثة نشاطه ضمن هذا المناخ الديني والسياسي، من غير تحويل ذلك إلى تفسير أحادي لتأليف الكتاب أو إلى إثبات مشاركة عسكرية شخصية لا تسندها الوثائق المتاحة في هذه الدراسة. [1]
فالاجتماع حول نص معلوم ووقت معلوم يوفر إيقاعاً مشتركاً ويعزز التواصل بين أفراد الجماعة. وحين تنتقل تلك القراءة إلى فضاءات أوسع تتضاعف وظائفها: تصبح مجالاً للتعلم والتعارف والإنشاد واستمرار الصلات. ومن هنا يمكن دراسة الجزولية ضمن تاريخ المؤسسات الروحية المغربية التي أدت أدواراً تربوية واجتماعية، مع إفراد التأليف التعبدي بقيمته الذاتية حتى لا يُختزل في الأحداث التي أحاطت بمؤلفه.
5. الوفاة والتلامذة وانتقال الأثر
تتفق المراجع الأكاديمية الحديثة على أن وفاة الجزولي كانت سنة 870هـ/1465م، مع بقاء تفاصيل بعض الأخبار حول آخر أيامه وانتقال رفاته في دائرة الروايات المتأخرة. ويرتبط ضريحه في مراكش لاحقاً بذاكرة «رجال مراكش السبعة»، وهي ذاكرة مدينية تشكلت بعد عصره ولا تصلح وحدها دليلاً على كل تفاصيل سيرته. ومن أبرز المراحل التي تكشف استقلال حياة الكتاب عن حياة صاحبه نشاط التلميذ عبد العزيز التباع؛ إذ تشير دراسة الباحثة رشيدة شيح (Rachida Chih) إلى تنظيم مجالس قراءة جماعية لـ«دلائل الخيرات» في مدرسة العطارين بفاس أواخر القرن الخامس عشر. وقد وفرت تلك المجالس آلية مبكرة لتنظيم التلقي وإدخال الكتاب في فضاء عام يسمعه من يقرأ ومن لا يحسن القراءة بالقدر نفسه. [1]
كانت وفاة المؤلف بداية مرحلة جديدة من تاريخ المصنف، إذ اتسعت دائرة ناقليه وشرّاحه وصانعي نسخه. وعندما نقرأ فهرس مخطوط كُتب بعد قرنين أو أربعة قرون من الوفاة لا نكون أمام مجرد استمرار لذكر المؤلف، بل أمام شهادة بأن العمل صار قادراً على الحياة داخل مجتمعات وأزمنة متجددة. وهذه القدرة التاريخية هي المدخل الأوضح لدراسة الإشعاع والعالمية، لأنها تثبت حضوراً متصلاً يمكن تتبعه في أشياء ملموسة: نسخة مؤرخة، أو شرح، أو وقف، أو تقليد قراءة.
وتكشف صلة الجزولي اللاحقة بمراكش عن طبقة أخرى من التلقي: فهي صلة بذاكرة المدينة وطقوس الزيارة فيها، لا دليلاً على أن جميع عناصر تلك الذاكرة تعود إلى القرن التاسع الهجري. بهذا التمييز تحفظ الدراسة مكانته العميقة في الوجدان المغربي وتبقي التسلسل الزمني واضحاً.
ثانياً: هوية كتاب دلائل الخيرات وسياق تأليفه
1. العنوان الكامل ودلالته
عنوان الكتاب المثبت في فهارس المخطوطات هو «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار». وتؤكد دار المخطوطات بالشارقة نسبة العنوان إلى الجزولي، وتورد في وصف افتتاح إحدى النسخ تصريح المؤلف بالغرض من الكتاب وتسميته بهذا الاسم. يكشف الشطر الأول عن صورة بلاغية تجمع الدلالة إلى الخير بالإشراق والأنوار، بينما يحدد الشطر الثاني موضوع الكتاب على وجه الدقة: ذكر الصلاة على النبي المختار ﷺ. [6]
في ضوء هذا العنوان يُفهم «الخير» بوصفه أفقاً روحياً وأخلاقياً يوجّه القارئ إليه الذكر، و«الأنوار» بوصفها استعارة دينية تشير إلى الهداية والصفاء. لا يحتاج تحليل العنوان إلى تحميله نظاماً فلسفياً لم يصرح به المؤلف؛ إنما تكفي ملاحظة التناسب بين الصور المشرقة في مقدمته وبين الوظيفة الدعائية التي يصرح بها ختامه. كما أن الجمع بين العنوان الطويل والاسم المختصر «دلائل الخيرات» أتاح للكتاب أن يحافظ على صيغته الرسمية في الفهارس، وعلى اسم سهل الحفظ في التداول اليومي.
2. الغرض المعلن في مقدمة المؤلف
من أوثق مفاتيح قراءة الكتاب ما تثبته مقدمة إحدى النسخ الموصوفة في بطاقة دار المخطوطات بالشارقة من إعلان الغرض: ذكر الصلاة على النبي ﷺ وفضائلها مع حذف الأسانيد تيسيراً للحفظ. وهذه العبارة، المنقولة هنا بالمعنى لا بوصفها تحقيقاً لعبارة جميع النسخ، تعرّف المقصود والوسيلة والجمهور في آن واحد: الموضوع هو الصلاة على النبي وفضائلها، والطريقة هي الاختصار بحذف سلاسل الرواية، والغاية العملية تيسير الحفظ. [6]
وحذف الأسانيد هنا قرار تأليفي متعلق بوظيفة الكتاب التعبدية؛ فلا يصح أن تُعامَل الجملة باعتبارها حكماً بصحة كل خبر ورد في النسخ المتداولة، ولا باعتبارها قرينة على أن المصنف قصد إنشاء كتاب حديث وفق شروط المصنفين في الصحيح. إنه يجمع المادة ليستعملها القارئ في الذكر، أما الباحث في الحديث فيفحص كل رواية على حدة عند الحاجة إلى الاحتجاج بثبوتها. وهذا التمييز يخدم الكتاب علمياً، لأنه يضعه في جنسه الصحيح ويقرأ مقاصده بحسب ما أعلن مؤلفه.
وعليه، تُقرأ الصيغ الدعائية في «دلائل الخيرات» باعتبارها دعاءً وصلاةً على النبي ﷺ ما لم ينص المؤلف أو مصدر آخر على رفعها. أما أخبار الفضائل التي تسند ثواباً مخصوصاً إلى عدد أو صيغة بعينها فلا يثبت حكمها بمجرد وجودها في الكتاب، بل بتخريج مستقل ينظر في السند والمتن.
3. الأصل القرآني والنبوي لموضوع المصنف
تستند الصلاة على النبي ﷺ إلى أمر قرآني واضح في قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا» [الأحزاب: 56]. وثبت في صحيح مسلم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشراً». يشكل هذان النصان أساساً متيناً لفهم موقع الصلاة على النبي في العبادة الإسلامية، ويفسران وجود كتب مستقلة تجمع صيغها وتشرح فضائلها. [7][8]
مع ذلك، تقوم الدراسة المنضبطة على التمييز بين ثلاثة مستويات: أصل الفعل التعبدي الثابت؛ وصيغة الدعاء التي ينشئها مسلم أو ينقلها عن غيره؛ والخبر الذي ينسب ثواباً خاصاً أو نتيجة مخصوصة إلى صيغة أو عدد بعينه. ثبوت الأصل لا يؤدي آلياً إلى إثبات كل نسبة حديثية ترد ضمن مادة الفضائل، كما أن الدعاء المشروع في معناه لا يحتاج بالضرورة إلى أن يُروى بلفظه عن النبي ﷺ. هذه الحدود تتيح قراءة أدبية وروحية دقيقة للكتاب من غير خلط بين قيمة النص بوصفه تأليفاً تعبدياً وبين الأحكام المتصلة بمراتب الأخبار والأسانيد.
4. الكتاب بين الجمع والتأليف
قد يبدو «دلائل الخيرات» عند النظرة الأولى مجموعة من الصلوات المتتابعة، غير أن بناءه يظهر جهداً في الجمع والتأليف. والفرق بينهما أن الجمع يضم مواد متفرقة، أما التأليف فيمنحها نظاماً يحدد المدخل والوسط والنهاية ويقيم علاقات بينها. فقد قدّم الجزولي للمتن بما يهيئ القارئ، وأدرج مادة تعريفية وفضائلية، ثم وضع صيغ الصلاة ضمن أقسام مرتبطة بالأيام. ويشير البحث الأكاديمي إلى أن النص المطبوع في بعض صوره يضم مئات الصيغ، وأن ترتيبه قد يختلف بين نسخة وأخرى. [1]
يتضح ابتكار المؤلف في تحويل التكرار إلى ممارسة منظمة. إن القارئ الذي يواجه مادة لا أول لها ولا نهاية قد يعجز عن الاستمرار، أما التقسيم فيمنحه حصة يمكن إتمامها والعودة إليها. وهكذا يلتقي الشكل بالوظيفة: ترتيب الكتاب ليس قراراً شكلياً منفصلاً عن الغاية التعبدية، بل أداة لتيسير القراءة وإعادة القراءة ونشوء عادة روحية قابلة للاستمرار.
وتظهر دلالة الاسم الكامل «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار» في جمعه بين فعل الدلالة وفعل الذكر: فالعنوان لا يقدّم مجموعة أخبار في السيرة، بل يعلن منذ البداية أن موضوعه ممارسة دعائية منظمة. وهذا الشاهد العنواني ثابت في فهارس المخطوطات والطبعات، ولا يتوقف على تعيين قراءة جزئية مختلف فيها. [6][10]
ثالثاً: قراءة تحليلية في بنية المتن
1. الافتتاح وأسماء الله الحسنى
تبدأ نسخ موصوفة في الدراسات والفهارس بأسماء الله الحسنى، قبل الانتقال إلى مواد أخرى متصلة بالصلاة على النبي ﷺ. ويؤدي هذا الترتيب وظيفة دلالية؛ إذ يبدأ القارئ بذكر الله، ثم يدخل في الصلاة على رسوله، فيتحدد اتجاه الدعاء منذ أول العمل. والالتفات إلى هذا البناء ضروري لفهم علاقة الأسماء بالمادة التي تليها، من غير افتراض أن كل المخطوطات تنقل الافتتاح وترتيبه بصورة مطابقة تماماً. [1][9]
يمكن النظر إلى الافتتاح بوصفه عتبة روحية ونصية. فهو يهيئ الذاكرة بأسماء مألوفة في الحياة التعبدية، ويجعل القراءة امتداداً لسياق الذكر لا نشاطاً لغوياً معزولاً. وفي مجال الأداء الجماعي يسهل الافتتاح المعروف انتقال المشاركين من أحوال الحديث اليومي إلى مجلس القراءة. وتوضح هذه الوظيفة كيف يضيف ترتيب أجزاء الكتاب معنى يتجاوز مجموع الجمل: فالنص لا يطالب القارئ فقط بأن ينطق بصلوات متنوعة، بل يدخله تدريجياً في حالة من الانتباه والانتظام.
2. فضائل الصلاة على النبي: المادة ووظيفتها
تتضمن بدايات كثير من النسخ فصلاً في فضل الصلاة على النبي ﷺ. وتذكر رشيدة شيح أن بعض صيغ الكتاب تعرض عدداً كبيراً من الأخبار في هذا الباب بعد حذف الأسانيد، بما يوافق مقصد التيسير الذي أعلن عنه المؤلف. ومن المهم عند قراءة هذا الفصل الفصل بين النصوص الصحيحة المشهورة، مثل الحديث الوارد في صحيح مسلم، وبين الأخبار الأخرى التي يتطلب الحكم عليها تخريجاً وتحقيقاً مستقلاً. [1][8]
تعكس مادة الفضائل في «دلائل الخيرات» اهتمام المؤلف ببيان ما يحفز القارئ على المواظبة. وتؤدي هذه المادة وظيفة تعليمية، إذ تربط العبادة بمعاني المحبة والتعظيم واستحضار السيرة؛ كما تؤدي وظيفة عملية بتقوية الدافع إلى جعل الصلاة على النبي عادة. ويستطيع الباحث دراسة أثر هذه الوظيفة في انتشار الكتاب من غير أن يحكم بصحة جميع الوعود المنسوبة إلى الأخبار، ومن غير أن يحوّل الإيمان الديني للأجيال التي تداولته إلى موضوع للتبسيط أو السخرية. ولعل الجمع بين الاحترام الروحي والدقة الحديثية هو السبيل الأنسب إلى قراءة علمية أمينة لهذا المصنف.
3. أسماء النبي وصفاته: من التعداد إلى استحضار السيرة
تشتمل نسخ واسعة التداول على باب لأسماء النبي ﷺ وألقابه، وتورد دراسة شيح قائمة من 201 اسم أو وصف في الصيغة التي تناولتها. وتشير سجلات المكتبة البريطانية الخاصة بمخطوطات جِنّي في مالي إلى هذا العدد أيضاً. لكن أسماء النبي في الكتب التعبدية تجمع أحياناً بين الأعلام الثابتة والصفات والألقاب التعبدية والتفسيرية؛ لذلك فالأدق وصف هذه القائمة بأنها مجموعة أسماء وأوصاف واردة في النسخ، لا إثبات أن كل عنصر فيها اسم توقيفي مستقل أو حديث صحيح. [1][9]
تظهر الوظيفة الأدبية لهذا الباب في بناء صورة متعددة الأبعاد للنبي: الرسالة والرحمة والهداية والأخلاق والمقام. ويستدعي تتابع الأسماء شبكة من المعاني يمكن للمصلي أن يعيد استحضارها عند قراءة الصيغ اللاحقة. على المستوى النصي يكون هذا الباب معجماً دلالياً مصغراً يمد المتن كله بمفردات التعظيم والثناء. وعلى المستوى التربوي يربط مجرد التلفظ بالصلاة على النبي بالتذكر والتأمل، فيتجاوز الأمر تكرار اسم مجرد إلى استحضار ما يتصل به من صفات وسيرة وأعمال.
4. وصف الروضة الشريفة وحضور المكان
تضم تقاليد مخطوطة متعددة وصفاً للروضة الشريفة أو الحجرة النبوية بالمدينة، وتلحق به بعض النسخ رسماً تخطيطياً يبين موضع قبر النبي ﷺ وقبري أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وتذكر دراسة شيح أن الرسم نُسب إلى نسخة أملاها الجزولي على أحد تلامذته، بينما توضح الشواهد الباقية أن أشكال التصوير تغيرت بتغير الأزمنة والبيئات الفنية. لذا ينبغي الفصل بين وجود الموضوع في التقليد النصي وبين الجزم بأن كل رسم وصل إلينا يرجع بخطوطه وزخارفه إلى المؤلف نفسه. [1][2]
يحمل إدراج وصف المكان معنى دقيقاً: فالكتاب المغربي يفتح للقارئ البعيد عن الحجاز نافذة لغوية وبصرية على المدينة. وليس الرسم في هذه الحالة خريطة هندسية يُلزم الباحث بمطابقة تفاصيلها للعمارة في كل عصر؛ إنه تمثيل تعبدي تستجيب صورته لمقصد الاستحضار والتذكر. ومن هنا تنشأ صلة بين النص والفن: المصلّي يقرأ أو يسمع أسماء النبي ثم يرى في بعض النسخ صورة تخطيطية للمكان الذي يرتبط بسيرته، فتتكامل اللغة والخيال المكاني والصورة في تجربة تلقي واحدة.
5. الأحزاب والتقسيم الزمني: سبعة أم ثمانية؟
يُعد تقسيم متن الصلوات إلى أحزاب من أهم خصائص «دلائل الخيرات». غير أن عدد الوحدات لا يستقر في جميع الشواهد: تصف دراسة شيح ونسخة عثمانية مؤرخة سنة 1793 ترتيباً في ثمانية أقسام، بينما توثق نسخة كشميرية مؤرخة سنة 1818 ترتيباً سباعياً، وتسجل فهارس مخطوطات مالي صورة سباعية أيضاً. ويقتضي التحقيق عدم تحويل إحدى هذه الهيئات إلى أصل قطعي قبل مقابلة نسخ مؤرخة ومتقابلة؛ فاختلاف التقسيم شاهد على تاريخ التلقي والاستعمال بقدر ما هو اختلاف في ترتيب النص. [1][3][4][9]
تعود الأهمية إلى المبدأ الذي يجمع الصيغتين: توزيع القراءة على وحدات زمنية محددة، بحيث يغدو إتمام الكتاب والعودة إليه ممارسة قابلة للتكرار. ومن خلال هذه البنية يصبح الزمن الأسبوعي إطاراً منظماً للدعاء، ويغدو الحزب مقياساً عملياً يستطيع الفرد والجماعة الاحتكام إليه. أما اختلاف عدد الأحزاب فيلفت نظر المحقق إلى أهمية تحديد النسخة المستخدمة عند الاقتباس والمقارنة، وإلى أن الجماعات التي تناقلت الكتاب لم تكن مجرد نسخ متطابقة من عادة واحدة، بل أنتجت ترتيبات محلية تحافظ على المقصد العام وتغير بعض آليات أدائه.
6. من صيغ الصلاة إلى الدعاء الشامل
يتخذ المتن الصلاة على النبي ﷺ محوره الثابت، لكنه ينوّع العبارات بحسب سياقات الثناء والطلب والاستغفار واستحضار الآل والصحب وطلب التوفيق. ويبرز من خلال قراءة موضوعية للصيغ أن الصلاة هنا جزء من خطاب دعائي يتوجه إلى الله تعالى، وأن تنويع التراكيب يمنح المتلقي فرصة للانتقال من معنى إلى آخر داخل محور واحد. لهذا تتجاور في الصياغة مفردات النور والرحمة والبركة والهداية والتوفيق والرضا، وتشكّل صلات معنوية بين التعظيم والتزكية والأمل.
ويكشف هذا التنويع عن مهارة تأليفية: المحافظة على وحدة الموضوع مع تجنب الرتابة المطلقة. فلو تكررت صيغة واحدة دون تغير لما ظهر مجال واسع للتحليل البلاغي، ولو تناثرت موضوعات الدعاء بلا رابط لفقد الكتاب هويته. أما اجتماع نواة مشتركة مع صيغ مختلفة فيولد إيقاعاً متصلاً، ويتيح للقراء أن يحافظوا على وجهتهم التعبدية مع تجدد الصور اللفظية. ويظل تحديد الألفاظ والعدد الدقيق للصيغ مرتبطاً بالنسخة المعتمدة؛ لذلك تحجم هذه الدراسة عن إسناد نص طويل إلى المؤلف دون إثبات موضعه في شاهد محقق.
7. الختام وعلاقة الجزء بالكل
تظهر في نسخ وفهارس متعددة مادة ختامية من الدعاء، وقد تلحق بها صيغ أو زيادات تختلف باختلاف التداول. وتبين بطاقات مخطوطات مالي وصفاً لدعاء في آخر القراءة، كما يورد فهرس نص متاح إلكترونياً مواد خاتمة ودعاءً يقرأ عقب الكتاب. ومن الضروري تنبيه القارئ إلى أن كل عنصر موجود في طبعة متأخرة ليس بالضرورة جزءاً متفقاً عليه من أقدم هيئة للمصنف؛ فقد تتوسع هوامش النسخ بصلوات وتعليقات وتوجيهات مرتبطة بالاستعمال. [9][10]
مع ذلك فإن وجود الختام في «دلائل الخيرات» يؤدي وظيفة واضحة ضمن نسق القراءة: إغلاق الدورة التعبدية بعد الدخول والذكر والتقسيم اليومي. ويمنح ذلك العمل بنية يمكن وصفها ببداية وتمهيد ومواد رئيسية ونهاية. هذه البنية تساعد على تحول الكتاب إلى وحدة عملية، بحيث يشعر القارئ بإتمام ورد ذي حدود معروفة ثم يستعد للعودة إليه. وتكشف هنا العلاقة بين أدب الدعاء وإدارة الزمن اليومي، وهي علاقة لا يستغني عنها من يريد تفسير رواج الكتاب بين جماعات متفاوتة في مستويات التعلم.
ويستلزم هذا التحليل التمييز بين المتن والملحقات: فقد تقترن بعض الطبعات المتأخرة بأدعية قبل القراءة وبعدها أو بتعليمات في الأداء، ولا تنسب هذه المواد إلى الجزولي إلا إذا شهدت لها نسخة محددة أو تحقيق يعتمد المقابلة. [5][10]
رابعاً: القيمة الروحية والفكرية والبلاغية للمتن — في «دلائل الخيرات»
1. الصلاة على النبي بين المحبة والاقتداء
يستمد «دلائل الخيرات» طاقته المعنوية من مركزية محبة النبي ﷺ في التدين الإسلامي. لكن المحبة التي يقدمها من خلال الصلوات لا تُختزل في الانفعال العاطفي؛ إذ تتصل صيغ متعددة بالرغبة في اتباع السنة وتحسين الأدب وطلب الهداية. وفي تحليل رشيدة شيح لمواد الكتاب إشارات واضحة إلى تلاقي التعليم بالممارسة، واستحضار أوصاف النبي بمقصد التأسي. وهذه خاصية تجعل المتن صالحاً لقراءة تربوية تبحث عما يقوله اللفظ وما يرجو أن يحدثه في القارئ أو السامع. [1]
والصلة بين المحبة والاقتداء ذات دلالة: فذكر النبي بصورة متكررة يوفر للمريد مناسبة لتجديد علاقته بالقيم المرتبطة بسيرته، غير أن حصول الأثر الأخلاقي ليس نتيجة آلية يمكن استنتاجها من عدد مرات القراءة. الأدق القول إن النص يضع أمام القارئ أفقاً تربوياً ويقترح عادة تساعد على استحضاره، بينما تتوقف ثمرة القراءة على الفهم والقصد والسلوك. بهذا المعنى يمكن الاحتفاء بقيمة الكتاب التعبدية من دون فصل الذكر عن مقتضيات الصدق والرحمة والعدل وحسن المعاملة.
2. من المعرفة الوصفية إلى التربية بالمداومة
يشير بناء الكتاب إلى نمط من التربية يقوم على المداومة لا على الدرس الواحد المكتمل. في المؤلَّف المعلومات التعريفية الواردة في الأسماء والأوصاف والفضائل، وفيه كذلك توزيع زمني يجعل المعرفة موضوعاً لاسترجاع متكرر. يختلف هذا التكوين عن كتب السيرة التي تتابع الأحداث ترتيباً زمنياً، وعن كتب الفقه التي تعرض المسائل مقرونة بالأحكام والأدلة؛ فهو يعيد إنتاج المعنى عبر أداء متتابع، ويعطي للوقت والذاكرة دوراً في التعلم.
ويمكن دراسة هذا التكوين بمنظور تاريخ القراءة: القارئ لا يسعى في كل مرة إلى معلومة جديدة، بل إلى تجديد حضور معلومة أو معنى محفوظ. ولهذا تمثل القراءة الجماعية إحدى وسائل نقل كتاب «دلائل الخيرات» إلى جمهور قد يستمع ولا يملك نسخة، أو يقرأ العربية بمستوى يختلف عن قراءة العلماء لها. وتشرح شيح كيف كان هذا الجنس الأدبي معداً للتلاوة والإنشاد في المساجد والزوايا والبيوت والمناسبات، وكيف أسهم الطابع الصوتي في تيسير التذكر. [1]
3. بلاغة التكرار وتنوع البنية
لا يصح تناول تكرار الصلاة على النبي في المتن كما لو كان تكراراً إنشائياً بلا وظيفة؛ فالتكرار هنا جزء من طبيعة الذكر نفسه، ويتصل بالغاية التي وضع لها الكتاب. ومع ذلك يستطيع التحليل البلاغي أن يسأل عن مواضع التفاوت بين الصيغ، وطرائق الانتقال بين الدعاء والثناء، وتجاور الأسماء والصفات، وتنوع الجمل بين الإيجاز والإطناب. فبعض الصيغ تقترب من العبارة السهلة المحفوظة، وبعضها يتوسع في الترادف والتوازي والتشبيهات الروحية.
في هذه الصياغة يصير التكرار وسيلة لإنتاج إيقاع، لا مجرد استعادة للمعنى الحرفي. ويساعد توازي التراكيب على مشاركة الجماعة في النطق والإنشاد، كما يدعم الحفظ لدى القارئ الفرد. ومن المهم أن يظل الحكم النقدي محدداً؛ فالدراسة لا تدعي أن جميع صلوات الكتاب من إنشاء الجزولي اللفظي، ولا أن كل نسخة تتفق في أساليبها، وإنما تنسب إليه فعل الجمع والتشكيل الذي ثبت في عنوانه ومقدمته، وتدرس السمات المشتركة في النص المتداول.
4. العلاقة بين النص المقروء والصوت المسموع
أظهر ماريْن فان بوتن، في دراسة لغوية منشورة سنة 2021، أن ثلاث نسخ مضبوطة من القرن الثامن عشر تعود إلى مالي والمغرب وتركيا تحمل سمات مختلفة في طريقة التشكيل والإرشاد إلى النطق. وقد استندت تقاليد قراءة «الدلائل» إلى خصائص محلية متصلة بطرائق القراءة القرآنية، مع احتفاظها باستقلال نسبي عنها. تكشف هذه النتيجة أن الكتاب انتقل عبر القراءة الصوتية بقدر ما انتقل عبر الورق والحبر، وأن النطق الذي يتلقاه المستمع في بلد قد يختلف جزئياً عن نظيره في بلد آخر. [11]
تضع هذه الدراسة اللغوية أمامنا سؤالاً مهماً عن معنى «وحدة النص». يمكن أن تتحد مادة الدعاء في غرضها العام وفي معظم مفرداتها، بينما تختلف علامات الضبط ومخارج الأداء والإيقاع. والنسخة المخطوطة ليست في هذا المنظور شاهداً على الكلمات وحدها؛ إنها قد تحتفظ أيضاً بأثر من آثار الصوت الذي كان يريد ناسخها أن يُؤدّى. وهذا ما يفسر ضرورة إشراك علم المخطوطات واللسانيات وتاريخ الموسيقى الدينية عند دراسة الكتاب دراسة موسعة.
5. الرمز الديني وحدود القراءة التاريخية
تستعمل نصوص التصوف عبارات مثل النور والمقام والقرب والسر والمحبة للدلالة على تجارب ومعانٍ تربوية وعقدية. وتربط شيح هذا المجال بمباحث أوسع في تصور المكانة النبوية والولاية داخل عدد من المدارس الصوفية. والواجب عند شرح هذه المفردات عرض معانيها في سياقها وتحديد مصدرها، بدلاً من نسبة تصور واحد إلى جميع المسلمين أو اعتبار كل استعمال مجازي تقريراً عقائدياً متفقاً عليه. [1]
فالنص التعبدي متعدد الطبقات: قد يتلقاه القارئ على أنه دعاء ورجاء وثناء، وقد يدرسه الباحث في ضوء مصطلحات صوفية مخصوصة، وقد يركز المؤرخ على أثره في تشكيل علاقات الجماعة ومكانة الشيخ. وهذه القراءات ليست متطابقة، لكنها قابلة للتكامل إذا ضُبطت حدودها. ومن شأن هذه الدقة أن تبرز ثراء العمل من غير أن تحوّل اختلاف التأويلات إلى اتهام للمؤلف أو إلى أحكام إجمالية على أجيال من قرائه.
خامساً: القيمة العلمية لكتاب تعبدي: «دلائل الخيرات»
1. شاهد على تاريخ التأليف في الصلاة على النبي
لم يبدأ التأليف في فضائل الصلاة على النبي في عصر الجزولي؛ فقد عرف المسلمون قبل القرن التاسع الهجري صيغاً وأشعاراً وكتباً تتناول هذا الباب، وتذكر شيح أن القرنين السادس والسابع الهجريين شهدا تبلور أنماط من الكتابة التعبدية المتعلقة بالنبي، ثم عرف القرن التاسع توسعاً مهماً في إنتاجها. وتظهر خصوصية الجزولي إذن في موقع كتابه داخل سلسلة أعمال سابقة ومعاصرة، وفي نجاحه في تقديم هيئة قابلة للاستخدام المتكرر. [1]
ومن هنا تتحدد قيمة «دلائل الخيرات» للباحث في تاريخ المصنفات: يساعد على معرفة ما اختاره مؤلف مغربي من مادة دينية واسعة، وكيف رتبه، وما حجم الشرح الذي احتاج إليه اللاحقون، وأي عناصره استقرت وأيها تغيرت. ولا تكون قيمة الكتاب العلمية مرهونة بوضعه في جنس كتب الحديث المحققة؛ فلكل صنف من التصنيف أسئلته، ومن الخطأ أن يُختزل تاريخ المعرفة الإسلامية في نموذج واحد من المؤلفات.
وتتحدد قيمته العلمية أيضاً في إمكان دراسة التفاعل بين نص ثابت المقصد ونسخ متغيرة الهيئة. فالباحث يستطيع مقارنة الترتيب، والضبط، والهوامش، وبيانات التملك والوقف، ليصف كيف تلقت جماعات مختلفة الكتاب. ولا يترتب على ذلك الحكم على كل صيغة فيه بالصحة الحديثية؛ فوظيفة النقد الحديثي ووظيفة تاريخ الكتاب متكاملتان لا متنافرتان.
2. مصدر لدراسة التصوف المغربي ومؤسساته
يسهم «دلائل الخيرات» في فهم تحول بعض المبادئ الروحية إلى نظام ممارسة متاح لجماعات واسعة. وتوفر دراسة شيح شواهد على خروجه من محيط الجزولية إلى المساجد والمجالس العامة، وعلى دور التباع في القراءة الجماعية بفاس. أما وصف مركزيته في التربية الجزولية فيفهم هنا بوصفه نتيجة لهذه الشواهد التاريخية، لا إحالة إلى دراسة لم يثبت التحقق من بياناتها الببليوغرافية في هذه المراجعة. [1]
يمكّن هذا المعطى المؤرخ من ملاحظة كيف تنتقل فكرة التربية من أقوال الشيوخ إلى بنية مكتوبة يُمكن حملها ونسخها وتوارثها. فالنص هنا أداة لاستمرار العمل بعد وفاة صاحبه، ويصبح نوعاً من الرابطة بين جماعات لا يجمعها مكان واحد. كما تسمح المقارنة بين حضور الكتاب داخل الزوايا وخارجها باستكشاف العلاقة بين التصوف المؤسسي والتدين اليومي، من غير افتراض أن كل قارئ للكتاب عضو في طريقة صوفية.
3. مادة غنية للتحقيق والفهرسة والتوثيق
تقتضي كثرة النسخ منهجاً علمياً يتجاوز اتخاذ طبعة شائعة أصلاً ثابتاً لا اختلاف فيه. وتبدأ خطوات التحقيق بوصف النسخ وتواريخها ومواطن نسخها، ثم جمع فروع الرواية، ومقارنة العناوين والافتتاحيات والتقسيمات والصيغ الخاتمة. كما ينبغي تمييز متن الجزولي من الهوامش والزيادات والشروح، وفحص الفروق التي أحدثها النسّاخ أو الناشرون، وربط كل قراءة بمصدر محدد يمكن الرجوع إليه.
ولا تتيح الفهارس التي تحققت منها هذه المراجعة تعيين «أقدم نسخة باقية» تعييناً نهائياً. أما النسخة المؤرخة سنة 1035هـ/1625-1626م في متحف المتروبوليتان فهي شاهد موثق مهم، لكنها ليست دعوى في الأقدمية المطلقة. وتمنع هذه الملاحظة أن تتحول تواريخ المقتنيات المشهورة إلى أحكام تتجاوز ما تسمح به الفهارس. [2]
ويوفر اختلاف سبعة أحزاب وثمانية مثالاً مباشراً على ضرورة ذلك. فالفارق ليس مجرد عدد في فهرس، وإنما قرينة على ترتيبات قراءة متباينة. كذلك فإن وجود رسوم للروضة أو الحرمين في مخطوط لا يكفي للجزم بوجودها في جميع النسخ، لأن تاريخ الصورة في الكتاب له مساره الخاص. والبحث الفيلولوجي المسؤول يستخرج من هذا التعدد مادة للتحليل بدلاً من اعتباره خللاً ينبغي إخفاؤه أو مسحه.
4. المخطوط سجل اجتماعي لا وعاء محايد
قد تتضمن النسخة تاريخ نسخ أو اسم ناسخ أو واقف أو مالك أو نص دعاء خاص، وقد يبين تجليدها وحجمها أنها صُنعت للاستعمال المحمول أو القراءة في مكان ثابت. تصف مكتبة الكونغرس نسخة شمال إفريقية من النصف الثاني للقرن الثامن عشر تجمع «دلائل الخيرات» مع عشرة نصوص أخرى، منها أحزاب شاذلية وقصيدة البردة، مكتوبة بخط مغربي صغير في مجلد ذي رسوم وتذهيب. يثبت هذا الوصف أن الكتاب دخل مجموعات نصية أوسع وارتبط بصيغ أخرى من التعبد. [12]
يعني ذلك أن فهرس المخطوطات ليس مجرد قائمة مواقع تحفظ النص، بل خريطة احتمالية لعلاقات القراء ومقاصدهم. قد يختار مالك جمع «الدلائل» مع دعاء معين لأنهما يتكاملان في ورد واحد، وقد يطلب آخر نسخة منفردة يسهل حملها. ومن خلال الأسماء والتواريخ والتجليد ومواضع الاستعمال يستطيع الباحث الاقتراب من التجربة الاجتماعية للكتاب. وهذه إحدى أهم القيم العلمية التي تفسر الاهتمام الأكاديمي المعاصر به.
سادساً: الإشعاع المغربي الأول وانتقال الكتاب خارج المغرب — «دلائل الخيرات» نموذجاً
1. فاس ومجالس التلقي
توضح الدراسة التاريخية أن كتاب «دلائل الخيرات» انتقل في بداياته داخل دوائر شاذلية بفاس، ثم عُرفت له مجالس قراءة جماعية نظمها عبد العزيز التباع في مدرسة العطارين أواخر القرن الخامس عشر. وتفيد هذه الشهادة بأن التلقي كان مؤسسياً وصوتياً منذ مرحلة مبكرة، وأن حلقات القراءة وفرت له جمهوراً أوسع من الأفراد الذين امتلكوا نسخاً خاصة. [1]
كانت فاس في هذا السياق وسيطاً بين المجال المحلي وشبكات العلماء والطلاب القادمين من مناطق متباعدة. فمن يتعلم النص في مجلس ثم ينتقل إلى بلد آخر يحمل معه طريقة القراءة ومرجعاً مكتوباً أو محفوظاً. ومن هنا نشأت إمكانية مضاعفة انتشار الكتاب: فالنسخة الواحدة قد تُقرأ على جماعة كبيرة، والفرد الذي تلقاه يستطيع أن يعلمه في موضع جديد. لا نحتاج إلى تخيل خطة عالمية مسبقة لدى المؤلف لشرح هذه النتيجة؛ يكفي أن ننظر إلى البنية الاجتماعية التي أحاطت بالدرس والذكر.
2. الانتشار في المغرب الكبير
تشير شيح إلى سرعة انتقال «دلائل الخيرات» في المغرب الكبير خلال النصف الثاني من القرن الخامس عشر. وتحفظ نسخة مؤرخة سنة 1035هـ/1625–1626م في متحف المتروبوليتان، ويُرجح أن منشأها الجزائر أو تونس، شاهداً فنياً متقناً على استقرار الكتاب في هذا المجال بعد نحو قرن ونصف من عصر المؤلف. وقد نسخها محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الرياحي لفائدة أحمد بن درهم المالكي، بخط مغربي ملون وتذهيب ورسوم لمكة والمدينة. [1][2]
يؤكد هذا الشاهد أن الانتقال الجغرافي لم يكن منفصلاً عن الإبداع المحلي. فالناسخ في المغرب الكبير لم يكتف بنقل السطور، بل قدّم عملاً فنياً يتضمن اختيار الخطوط والألوان والتقسيمات والزخارف. وتتيح هذه النسخة فهماً بصرياً لرسوخ الكتاب: فقد أصبح نصاً يستحق لدى بعض أصحابه عناية فنية ومادية كبيرة، وفي الوقت نفسه تداولته فئات أخرى في نسخ أكثر بساطة. إن اتساع أنماط الإنتاج قرينة مهمة على تنوع البيئات الاجتماعية التي استقبلته.
3. الرحلة والحج والتجارة: انتقال الناس والكتب
من العوامل التي تشرح اتساع الحضور حركة العلماء والحجاج والتجار بين المغرب والمشرق. تربط شيح نشاط المغاربة في القاهرة منذ القرن السابع عشر بحركة الحج والتبادل التجاري، وتشير إلى أن الكتب كانت تنتقل مع الناس في هذه المسارات. غير أن تحديد الطريق الدقيق لكل مخطوط يتطلب دراسة تملكه وتواريخه، ولا يجوز افتراض أن نسخة بعينها سافرت في قافلة محددة من غير وثيقة. [1]
قيمة هذا التفسير أنه يُظهر العالمية بوصفها ثمرة شبكة بشرية ومادية. فالحاج قد يحمل نسخة معه أو يعود بها، والتاجر قد يبيع الورق والمصنفات، والطالب قد يستنسخ الكتاب في حاضرة علمية. وتتفاعل هذه الحركات مع الرغبة التعبدية المحلية، فيكتسب النص وجوداً جديداً. ومع تراكم عمليات النقل يبدأ الكتاب في تكوين تاريخ مستقل في كل منطقة، تتغير فيه طريقة النسخ والتصوير أحياناً مع بقاء عنوانه ومركزه الدعائي.
سابعاً: حضور دلائل الخيرات في الأقاليم الإسلامية
1. مصر وبلاد الشام
توضح دراسة شيح أن «دلائل الخيرات» وجد في مصر والشام بيئات قائمة أصلاً على مجالس الصلاة على النبي ﷺ، فانتقل إليها ضمن حركة أوسع من الكتب والطقوس التعبدية. وتشير إلى ظهور نسخ منه في مكتبات خاصة وإلى وثائق أوقاف اشترطت قراءته في بعض المساجد، كما تنقل عن أعمال نللي حنّا وجوده بكثرة في إنتاج النساخ بالقاهرة خلال القرن الثامن عشر. وهذه الشهادات موضعية ومؤرخة، ولا ينبغي تعميمها على كل أقاليم العالم الإسلامي أو جميع الفترات. [1]
تعكس هذه المعطيات تدرج الانتشار من محيط روحي إلى سوق الكتاب وإلى المؤسسات الدينية. فعندما يصبح المؤلف موضوعاً للوقف تتقرر له وظيفة دورية مستقرة، وعندما ينتشر في المكتبات المنزلية يتجاوز القراء المرتبطين بجماعة أو مؤسسة. كما أن نسخه في القاهرة وفي المدن الشامية وفّر قنوات جديدة للانتقال مع الحجاج والطلاب، الأمر الذي يساعد على فهم تضافر القراءة المؤسسية والتداول التجاري في تاريخه.
2. المجال العثماني: اللغة العربية والذائقة الفنية التركية
يمثل المجال العثماني واحداً من أوضح مجالات إشعاع «دلائل الخيرات». فقد ظهرت شروح باللغة التركية، وتداولت مخطوطات مزخرفة تنظم أقسام القراءة وتعرض رسوم الحرمين الشريفين. ويصف متحف الآغا خان نسخة عثمانية مؤرخة سنة 1207هـ/1793م، نُسخت في إسطنبول على الأرجح، بخط نسخي عربي وصفحات ملونة وتقسيم من ثمانية أحزاب، وتحمل اسم الناسخ إبراهيم الحافظ واسم صاحبها المرتبط بأسكدار. [3]
يبين هذا المثال قدرة الكتاب على عبور الحاجز اللغوي من دون أن تفقد العربية مكانتها في صلواته. فقد احتفظ المتن العربي بحضوره داخل بيئة عثمانية، بينما أضيفت إليه عبارات إرشادية محلية وعناصر فنية تركية، وصار الشرح جسراً للفهم. ولا تمثل هذه العناصر مجرد زينة زائدة؛ فقد استخدمت الشرائط والعناوين والدوائر المذهبة لمساعدة القارئ على تحديد مواضع الأحزاب ونهايات العبارات. وبذلك اتحدت قابلية الاستعمال مع الجمال الفني في النسخة الواحدة.
3. إفريقية الغربية والساحل
يحفظ مشروع المكتبة البريطانية للمخطوطات المهددة شواهد من جِنّي بمالي تتضمن «دلائل الخيرات» في ترتيب من سبعة أبواب وافتتاح بأسماء الله وأسماء النبي، كما تسجل المؤسسة نسخة من سنغامبيا نسخها صاحبها الحاج كيمو درامي سنة 1959، بما يدل على امتداد تقليد النسخ اليدوي إلى القرن العشرين. وتعرض مجموعة المتروبوليتان نسخة من إقليم بورنو، يرجح تاريخها إلى النصف الأول من القرن العشرين، فيها خط برناوي وزخارف هندسية ورسوم تجريدية للمقدسات. [9][13][14]
تتعدد دلالات هذا الحضور: فكتاب «دلائل الخيرات» انتقل إلى مجتمعات بعيدة عن موطنه المغربي، وحافظ على العربية بوصفها لغة الدعاء المكتوب، وتكيف مع أساليب خطية ومادية إفريقية خاصة. كما يؤكد وجود مخطوطات من مالي وبورنو وسنغامبيا أن إفريقيا جنوب الصحراء ليست هامشاً في تاريخ المصنف، بل مجالاً منتجاً للنسخ والقراءة والتصوير. وتمنح هذه الشواهد أساساً محسوساً لدراسة أثر الكتاب بعيداً عن أي سرد اختزالي يحصر وصوله في عاصمة واحدة أو مسار واحد.
4. شبه القارة الهندية وكشمير
تقدم نسخة محفوظة في متحف الآغا خان، مؤرخة في محرم 1233هـ/نوفمبر 1818م ومنسوبة على الأرجح إلى كشمير، دليلاً واضحاً على انتقال الكتاب إلى شبه القارة الهندية. وتتميز بغلاف مطلي وزخارف نباتية وصفحات افتتاح مزينة، وتضم سبعة أحزاب على خلاف النسخة العثمانية ذات الأحزاب الثمانية. ويسجل المتحف أن النسبة القديمة للنسخة إلى المجال العثماني أعيد النظر فيها على أساس سمات صناعتها الكشميرية؛ وهي شهادة تبين قيمة الفحص الفني في تصحيح جغرافيا المخطوط. [4]
تكمن أهمية هذا النموذج في أن العالمية لا تعني وجود نسخ متشابهة من الشرق إلى الغرب. فالتقليد الكشميري منح الكتاب لغة بصرية محلية في صناعة الغلاف والزخرفة، وحافظ في الوقت نفسه على موضوع الصلاة على النبي وبنية القراءة الموزعة على الأيام. إن التفاوت بين نسخة كشميرية وأخرى عثمانية لا يضعف وحدة العمل؛ بل يكشف اتساع قدرته على الاندماج في البيئات الثقافية المختلفة.
5. جنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى والصين
تدل مواد المشروع البحثي المرتبط بمتحف المتروبوليتان على اتساع سؤال البحث في مسار «دلائل الخيرات» من غرب إفريقيا إلى أقاليم آسيوية متعددة. غير أن عنوان المشروع أو وصفه لا يكفيان وحدهما لإثبات انتشار واسع في كل بلد يرد فيه. وفي حدود الفهارس والدراسات التي أمكن التحقق منها هنا، تثبت نسخة كشميرية محددة، وتثبت شواهد عثمانية وإفريقية، بينما تحتاج دعوى التلقي الجماعي الواسع في جنوب شرق آسيا أو الصين إلى إحالات مستقلة إلى مخطوطات مؤرخة أو سجلات قراءة محلية. لذلك لا تعرض الدراسة وجود الكتاب في الصين بوصفه نتيجة مثبتة. [4][9][13][14]
منهجياً، تثبت هذه المعطيات اتساع النطاق الجغرافي للكتاب، لكنها لا تمنحنا إحصاءً شاملاً لعدد قرائه في كل بلد أو نسبة حضوره بين المسلمين المعاصرين. لذلك تتحدث الدراسة عن إشعاع عالمي موثّق بالمخطوطات والدراسات ومواقع التلقي، لا عن انتشار شامل متساوٍ في كل مجتمع. ويظل هذا الامتداد لافتاً، لأنه يبين قدرة كتاب ألفه عالم مغربي في القرن الخامس عشر على الاستمرار داخل مجتمعات غير عربية عبر نص عربي وشرح محلي وممارسة صوتية متنوعة.
ثامناً: أثر الكتاب في الفنون والخط وصناعة المخطوط — في «دلائل الخيرات»
1. الخط المغربي وانتشار الطرز المحلية
كان «دلائل الخيرات» مجالاً ملائماً لتطور الفنون الكتابية، لأن قارئه يحتاج إلى نص واضح وإشارات تمكنه من الوقوف عند الأقسام، بينما قد يرغب مالكه في نسخة جميلة يعبر بها عن عنايته بالمؤلَّف. وتكشف النسخة المحفوظة في المتروبوليتان والمؤرخة سنة 1625–1626م خطاً مغربياً كبيراً وكلمات ملونة وتذهيباً وإطارات هندسية، في حين تعرض النسخ العثمانية خط النسخ وإرشادات مزخرفة وتقسيماً مختلفاً للألوان. [2][3]
ولا ينبغي وصف أحد الأسلوبين بأنه مجرد نقل عن الآخر؛ فالمشترك هو موضوع الكتاب ووظيفته، أما الصناعة فتتفاعل مع تقاليد كل منطقة وخاماتها. ويصبح تتبع لون الحبر ونوعية الورق وتكوين الغلاف ومكان العنوان جزءاً من قراءة التاريخ الثقافي للنص. وقد خُصصت دراسة تقنية لمخطوطة المتروبوليتان فحصت الورق والألياف والأصباغ وأسباب التلف، مما يبين أن الكتاب يصلح كذلك للبحث في علوم الحفظ والترميم وتاريخ المواد. [16]
2. صور مكة والمدينة: البعد المكاني والجمالي
تظهر رسوم مكة والمدينة والحجرة النبوية في عدد من نسخ «دلائل الخيرات»، وقد تتخذ صوراً تخطيطية مقتضبة أو لوحات غنية بالتفاصيل والألوان. يوضح المتروبوليتان أن النسخة الشمال إفريقية التي يحفظها تضم صوراً لهذه المواضع، ويصف متحف الآغا خان نسخة عثمانية تتوسطها رسوم الحرمين الشريفين. وتنبّه دراسة يان يَست فيتكام إلى أن بعض الإضافات المصورة المضاءة في مخطوطات مغربية فاخرة تسبق المتن مادياً ولا تكون جزءاً من نص الكتاب نفسه؛ وهذا تمييز ضروري بين المتن وما ألحق به في تاريخ نسخه. [2][3][5]
تصل هذه الصور بين الذاكرة الدينية والمكان المرسوم. فللمسلم البعيد عن مكة والمدينة صلة وجدانية بالموضعين، وتتيح الصفحة المزينة استحضاراً بصرياً يصاحب النص المسموع أو المقروء. وتتيح الرسوم للباحث أيضاً تتبع تغير تصورات المدن المقدسة في فن المخطوطات، لكن ينبغي الانتباه إلى أن الصورة التعبدية لا تمثل دائماً وثيقة عمرانية دقيقة عن شكل المدينة وقت نسخها؛ فقد تخضع للرمز والاختزال والاصطلاح الفني.
3. الكتاب المحمول والنسخة الفاخرة
تذكر الدراسات وجود مخطوطات كبيرة تبقى في مسجد أو منزل، وأخرى صغيرة يمكن حملها، كما تصف نسخاً غنية التذهيب ونسخاً اقتصادية أبسط. وفي نموذج الآغا خان العثماني كُتب المتن في مجلد جيبي على ورق رقيق لتخفيف الوزن، بينما تظهر نسخ أخرى في هيئة أكبر مع مساحات مخصصة للزينة. هذه الفروق المادية ليست تفاصيل ثانوية؛ إذ ترتبط بمكان القراءة وطبقة المالك والوظيفة المتوقعة من النسخة. [1][3]
فالمجلد المحمول يناسب التنقل ويجعل المصنف رفيقاً شخصياً، أما النسخة الموقوفة أو كبيرة الحجم فتلائم القراءة المنتظمة في مكان معلوم. ومن هنا يساعد تاريخ المادة على تفسير تنوع جمهور الكتاب. وقد يحمل الغلاف أو التملك رسالة اجتماعية إضافية، لكن لا ينبغي الحكم على مستوى ثروة مالك مجهول بمجرد تذهيب نسخة واحدة، ما لم تتوافر قرائن أخرى من وثائق الأوقاف أو سجلات الوراثة والتملك.
تاسعاً: الشروح والطباعة واستمرار النص عبر الأجيال
1. «مطالع المسرات» للمهدي الفاسي
من أبرز شروح الكتاب «مطالع المسرات بجلاء دلائل الخيرات» لمحمد المهدي الفاسي، المتوفى سنة 1109هـ/1698م وفق فهارس مؤسسات عدة. ويوجد لهذا الشرح سجل رقمي ضمن مجموعات عربية تتيحها مكتبات جامعة برنستون وجامعة نيويورك، كما تصفه فهارس مكتبية بوصفه شرحاً يصحب المتن. وتبرز دراسة شيح أثره في توسيع قراءة الكتاب، فيما خصص غاي بوراك بحثاً للعلاقة بين شرح الفاسي وقرائه العثمانيين. [1][17][18]
وتؤكد دراسة غاي بوراك أن الشرح لم يكن مجرد حاشية على المتن؛ فقد سجل الفاسي مقابلة نسخ متعددة، وصار شرحه وسيلة لتكوين قراءة موثوقة لدى قراء عثمانيين بعد قرنين تقريباً من عصر الجزولي. كما تسجل الفهارس شرحاً آخر هو «منتج البركات على دلائل الخيرات» لمحمد بن إسماعيل الريحاني الرومي، في نسخة مؤرخة سنة 1767م؛ وهو شاهد على استمرار حركة الشرح في المجال العثماني. [18]
تكشف ظاهرة الشروح عن انتقال النص من الاكتفاء بالتلاوة إلى المطالعة التفسيرية؛ فالشارح يشرح المفردات ويوضح المعاني ويفك الإشارات ويميز ما يرى أنه يحتاج إلى بيان. وتكشف أيضاً عن استمرار مساهمة العلماء المغاربة في حياة الكتاب، إذ لم ينته العمل الفكري عند تأليف الجزولي، بل امتد إلى شرحه وتفسيره وإتاحته لجمهور جديد. وقد تصل الشروح إلى قراء لا يمتلكون تكويناً عربياً كافياً، فتغدو جسوراً بين النص الأصلي ولغات بيئات التلقي.
2. شرح النص علامة على تفاعله مع القراء
تُقاس قيمة الشروح بوظيفتها في تاريخ النص بقدر ما تُقاس بمادتها العلمية. فعندما يحتاج نص تعبدي إلى تفسير لدى قراء جدد فهذا يدل على انتقاله بين أوساط تختلف في لغتها ومخزونها المعرفي. والشرح لا يعيد إنتاج الأصل بحروفه، بل يبني حواراً معه: يفسر ما يبدو واضحاً لجيل وغامضاً لجيل آخر، ويربط صيغه بمباحث اللغة والحديث والتصوف، وقد يعرض تأويلات مختلفة للعبارة الواحدة.
إن هذا التراكم يولّد دائرة علمية حول المصنف؛ يصبح من الممكن أن نؤرخ لمرحلة التأليف، ثم مرحلة تثبيت النسخ، ثم مرحلة الشرح والطباعة وإعادة الترتيب. وحين نقارن شرحاً مغربياً بقراءة عثمانية له نفهم كيف ينتقل أثر المؤلف من لغة إلى لغة، ومن مؤسسة إلى أخرى، من دون أن تنقطع الصلة بالمتن الذي انطلقت منه سلسلة التفسير.
3. من المخطوط إلى المطبعة
شهد القرن التاسع عشر استمرار حضور «دلائل الخيرات» مع انتشار الطباعة الحجرية والمطابع العربية. وتذكر دراسة شيح صدور طبعة حجرية للكتاب سنة 1840م، وظهور طبعة لشرح المهدي الفاسي سنة 1865م. وينبغي التعامل مع هذين التاريخين بوصفهما مثالين موثقين على مرحلة الطباعة، لا بوصفهما حصراً نهائياً لكل الطبعات الأولى الممكنة في المراكز المختلفة. [1]
غيرت الطباعة طبيعة الوصول إلى النص: أصبح إنتاج عدد أكبر من النسخ ممكناً بوسائل مختلفة عن النسخ اليدوي، وتيسّر تثبيت شكل طباعي في طبعة بعينها. لكنها لم تمح التقاليد الخطية ولا الاختلافات الإقليمية؛ فقد استمر نسخ الكتاب باليد في مناطق عدة حتى القرن العشرين. وهذه الازدواجية بين المخطوط والمطبوع تجعل تاريخ «الدلائل» شاهداً على تعايش وسائط المعرفة، لا على انتقال فجائي من عصر منقطع إلى آخر.
عاشراً: لماذا اكتسب دلائل الخيرات هذا الإشعاع؟
لا يكفي إرجاع الرواج إلى عامل منفرد، لأن شواهد المخطوطات والدراسات تكشف منظومة مترابطة. أول عناصرها موضوع الكتاب: الصلاة على النبي ﷺ عبادة معروفة ومشتركة عند المسلمين، ولذلك امتلك النص نواة معاني قابلة للفهم خارج بلده. وثانيها صياغته العملية؛ فالتقسيم اليومي والتكرار والتيسير جعلت منه كتاب قراءة مواظبة، لا مصنفاً يحتاج إلى مجلس دراسي متخصص في كل استعمال. وثالثها خاصية الأداء الصوتي، إذ يستطيع المستمع أن يتلقى الكتاب دون أن تكون لديه نسخة، وأن يتعلمه بالترديد والمجالسة. [1][5][11]
ويتمثل العنصر الرابع في الشبكات البشرية: العلماء والطرق والطلاب والحجاج والتجار. والعنصر الخامس في المؤسسات، مثل المساجد والزوايا والأوقاف ومجالس القراءة؛ فهي تجعل التلقي فعلاً مستقراً يتكرر بعد تغير الأفراد. والعنصر السادس في صناعة الكتاب نفسها، لأن جمال النسخة وحجمها ووضوح علامات أحزابها تُيسّر استعمالها وتجعل اقتناءها مرغوباً. والعنصر السابع في قابلية التكيف المحلي؛ فمن الممكن أن يستمر المتن العربي داخل مخطوط كشميري أو عثماني أو إفريقي ذي هيئة فنية مختلفة. وتفسر هذه العناصر مجتمعة انتقال الكتاب من أصله المغربي إلى مجال عابر للقارات.
تُظهر العالمية هنا وجهاً معرفياً وثقافياً واضحاً: ليست محواً لخصوصية المنشأ، بل انتقالاً لعمل من بيئة بعينها إلى بيئات تتلقاه وتضيف إليه. فقد ظل اسم الجزولي دالاً على أصله المغربي، بينما حملت المخطوطات اللاحقة علامات بلاد النسخ والقراءة. وهكذا أنتج الكتاب شبكة من الصلات بين المغرب وبقية العالم الإسلامي: صلة الدعاء بالنقل، والنص بالصوت، والأصل بالتفسير، واللغة العربية بالفنون المحلية.
حادي عشر: ضوابط منهجية في قراءة قيمة «دلائل الخيرات» وإشعاعه
تكشف كثرة نسخ «دلائل الخيرات» وتنوع البيئات التي وصل إليها عن مكانة استثنائية حظي بها الكتاب في الثقافة التعبدية الإسلامية. غير أن تقدير هذا الانتشار ينبغي أن يستند إلى الشواهد التاريخية والمخطوطية الموثقة، مثل النسخ المحفوظة في المكتبات والمتاحف والمجموعات الخاصة، وفهارس المخطوطات، والدراسات المتخصصة في تاريخ الكتاب والتصوف الإسلامي. ومن ثم فإن وصف «دلائل الخيرات» بأنه من أكثر كتب الصلاة على النبي ﷺ تداولاً ونسخاً يستند إلى كثافة الشواهد المعروفة واتساع رقعتها الجغرافية، مع الإقرار بأن تاريخ المخطوط الإسلامي لا يتيح إحصاءً شاملاً لكل النسخ التي أُنتجت منذ القرن التاسع الهجري.
ويكتسب الامتداد الجغرافي للكتاب دلالة خاصة؛ إذ تشهد نسخ محفوظة ومؤرخة على وصوله إلى مناطق بعيدة عن موطنه المغربي، من غرب إفريقيا إلى المشرق والعالم العثماني وشبه القارة الهندية ووسط آسيا والصين. ولا تكمن أهمية هذه الشواهد في مجرد اتساع الخريطة، بل في قدرتها على إظهار تعدد المسالك التي انتقل عبرها الكتاب، ومنها رحلات العلماء والحجاج والمتصوفة والتجار، وشبكات النسخ والتدريس والزوايا والمراكز العلمية.
كما ينبغي التمييز بين تاريخ تأليف النص وتاريخ تلقيه. فـ«دلائل الخيرات» لم يبق نصاً ثابتاً خارج التاريخ، وإنما صاحبته عبر القرون تقاليد في النسخ والشرح والقراءة والتزويق والطباعة. ولهذا فإن بعض العناصر الموجودة في مخطوطات أو طبعات متأخرة، من رسوم أو دعوات أو ترتيبات أو علامات ضبط، ينبغي دراستها في سياق النسخة التي وردت فيها، وعدم نسبتها إلى الأصل إلا إذا أمكن إثبات ذلك من خلال المقارنة بين الشواهد المبكرة.
وتنطبق القاعدة نفسها على الأخبار والروايات المرتبطة بمناقب الإمام الجزولي أو فضائل بعض الصيغ الواردة في الكتاب؛ فالدراسة العلمية تقتضي التحقق من مصادرها وأسانيدها، والتمييز بين ما ثبت بدليل مستقل وما اشتهر في كتب المناقب أو التلقي الصوفي. وهذا التمييز لا ينتقص من القيمة الروحية للكتاب، بل يساعد على فهمها في إطارها التاريخي والعلمي الدقيق.
ومن الجوانب التي تستدعي الحذر كذلك بعض تفاصيل سيرة الإمام الجزولي، ولا سيما ما اختلفت فيه المصادر من تواريخ أو وقائع. والأولى في مثل هذه المواضع اعتماد التاريخ الراجح، مع الإشارة باقتضاب إلى وجود اختلاف عندما تكون لذلك قيمة علمية، بدلاً من القطع بما لا تسمح به الوثائق المتاحة.
ومن شأن هذه الضوابط أن تمنح دراسة «دلائل الخيرات» أساساً أكثر رسوخاً، لأنها تجمع بين الاعتراف بمكانته الواسعة وبين التوثيق التاريخي الدقيق لمسارات انتشاره وتلقيه. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مشروعات علمية مستقبلية تُعنى بفهرسة نسخه المغربية المؤرخة، ومقارنتها بالنسخ العثمانية والإفريقية والآسيوية، ودراسة شروحه وطبعاته المبكرة، وتتبع اختلاف تقسيماته وأحزابه وطرائق ضبطه.
كما يمكن أن يسهم إنشاء قاعدة بيانات علمية متخصصة في جمع معلومات المخطوطات، مثل تاريخ النسخة ومكان حفظها وخطها وعدد أوراقها وتقسيمها وزخارفها وقيود التملك والوقف والتداول، في إعادة بناء شبكة انتقال «دلائل الخيرات» عبر القرون. وعندئذ يصبح الإشعاع العالمي لهذا المؤلف المغربي قابلاً للدراسة من خلال شواهد مادية وتاريخية دقيقة تكشف، في الوقت نفسه، عن اتساع حضوره وعمق أثره في الثقافة الإسلامية.
خاتمة: إسهام مغربي في الثقافة الإسلامية العالمية
تكشف هذه القراءة أن «دلائل الخيرات» للإمام محمد بن سليمان الجزولي عمل ذو أهمية مركبة. فهو من جهة كتاب للصلاة على النبي ﷺ، ينظم مادة دعائية حول أصل تعبدي ثابت، ويمنح القارئ وسيلة للمداومة والتذكر. وهو من جهة ثانية مؤلَّف مغربي محدد الاسم والمقصد والسياق، تشكل في فضاء علمي وروحي جمع الرحلة والتكوين والاتصال بالشاذلية. وهو من جهة ثالثة ظاهرة نصية ومادية تخطت موطنها؛ فحملته مجالس القراءة والطرق والحج والتجارة، وفسرته الشروح، وصاغته أقلام النساخ في أشكال فنية متعددة.
إن القيمة البارزة للكتاب تظهر في جمعه بين الوحدة والتنوع: وحدة محور الصلاة على النبي، وتنوع الصيغ والأحزاب وأشكال المخطوط وطرائق الأداء. وتؤكد شواهده المادية في شمال إفريقيا والمجال العثماني ومالي وبورنو وكشمير أن الإشعاع العابر للأقاليم حقيقة تاريخية تتجلى في انتقال النص وتملكه وتفسيره، لا مجرد وصف إنشائي. وتبقى خريطة هذا الانتشار متدرجة بحسب الزمان والمكان؛ فالمخطوط في بلد معين دليل على تداول موضعي أو على مسار اقتناء، ولا يقوم وحده مقام إحصاء اجتماعي للقراءة. [2][3][4][9][13][14]
وفي المحصلة يقدم الجزولي مثالاً معبراً عن قدرة التأليف المغربي على الإسهام في تكوين ثقافة إسلامية مشتركة من دون أن يفقد بصمته الأصلية. لقد خرج «دلائل الخيرات» من المغرب حاملاً اسماً وموضوعاً وبناءً، ثم استقبله المسلمون في أقاليم بعيدة، فأضافوا إلى تاريخه أصواتهم وشروحهم وخطوطهم وألوانهم. وحين يجتمع هذا الامتداد الموثق مع التحليل الداخلي للمتن، تتضح قيمة الكتاب في تاريخ الفكر الديني والقراءة والفنون والروابط الثقافية عبر القرون.
المصادر والمراجع العلمية
[1] Chih, Rachida. “Prophetic Piety, Mysticism, and Authority in Premodern Arabic Devotional Literature: al-Jazuli’s Dala’il al-Khayrat (15th Century).” International Journal of Middle East Studies, 54(3), 2022, pp. 462–483. DOI: https://doi.org/10.1017/S0020743822000496
[2] The Metropolitan Museum of Art. “Dala’il al-Khayrat Prayer Book,” accession 2017.301, dated 1035 AH/1625–26 CE. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/752280
[3] Aga Khan Museum. “Dala’il al-Khayrat Prayerbook,” AKM382, Ottoman manuscript, dated 1207 AH/1793 CE. https://agakhanmuseum.org
[4] Aga Khan Museum. “Dala’il al-Khayrat Prayer Book,” AKM278, Kashmir manuscript, dated Muḥarram 1233 AH/November 1818 CE. https://agakhanmuseum.org
[5] Witkam, Jan Just. “Medina and Mecca Revisited: The Manuscripts of the Dalāʾil al-Khayrāt by al-Jazūlī and Their Ornamental Addition.” Journal of Islamic Manuscripts, 12 (2021), pp. 396–432. DOI: https://doi.org/10.1163/1878464X-01203008
[6] دار المخطوطات بالشارقة. بطاقة: «كتاب دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار»، رقم الحفظ 1160/مجموع. https://www.sharjahmanuscripts.ae
[7] القرآن الكريم، سورة الأحزاب، الآية 56. https://quran.com/33/56
[8] مسلم بن الحجاج. صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، حديث 408، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. https://sunnah.com/muslim:408
[9] British Library, Endangered Archives Programme. “Dalā’il al-khayrāt,” EAP879/57/1, catalogue record for Djenné, Mali. https://eap.bl.uk
[10] Jazūlī, Muḥammad ibn Sulaymān. Dalā’il al-khayrāt wa-shawāriq al-anwār fī dhikr al-ṣalāh ʿalā al-Nabī al-mukhtār. طبعات حجرية ومطبوعة موصوفة في الفهارس، ومنها طبعة إسطنبول 1323هـ/1905م. https://catalog.hathitrust.org/Record/102714960
[11] van Putten, Marijn. “The Regional Recitations of al-Jazūlī’s Dalāʾil al-Ḫayrāt as Reflected in Its Manuscript Tradition.” Journal of Islamic Manuscripts, 12(3–4), 2021, pp. 372–395. DOI: https://doi.org/10.1163/1878464X-01203001
[12] Library of Congress. “Kitāb Dalāʼil al-khayrāt,” Arabic manuscript SM 85, dated between 1750 and 1800. https://hdl.loc.gov/loc.amed/amedscd.2008486687
[13] British Library, Endangered Archives Programme. “Dalā’il al-khayrāt,” EAP1042/23/4, Senegambia, copied 1959. https://eap.bl.uk
[14] The Metropolitan Museum of Art. “Dala’il al-Khayrat Prayer Book,” accession 2024.417a,b, attributed to Borno, northern Nigeria, ca. 1900–1950. https://www.metmuseum.org/art/collection/search/913102
[15] Harvard University, Islamic Studies. “The Qandūsī Dalā’il al-Khayrāt: a panel and facsimile,” notice of the 2024 Moroccan facsimile of the Rabat National Library manuscript J634. https://islamicstudies.harvard.edu/dalail
[16] HathiTrust Digital Library. Catalogue records for Ottoman printed editions of Dalā’il al-khayrāt, including Istanbul 1323هـ/1905م and 1327هـ/1909م. https://catalog.hathitrust.org/Record/009031628
[17] al-Fāsī, Muḥammad al-Mahdī. Maṭāliʿ al-masarrāt bi-jalāʾ Dalāʾil al-khayrāt. Digital record, Princeton University Library. https://digital-collections.princeton.edu/i/mat%CC%A3a%CC%84li%CA%BB-almasarra%CC%84t-bijala%CC%84%CA%BC-dala/item/9603e59d-177b-4b04-a0f8-07793fbc43a0
[18] Burak, Guy. “Collating The Signs of Benevolent Deeds: Muḥammad Mahdī al-Fāsī’s Commentary on Muḥammad al-Jazūlī’s Dalā’il al-Khayrāt and Its Ottoman Readers.” Philological Encounters, 4 (2019), pp. 135–157. DOI: https://doi.org/10.1163/24519197-12340066

