من السلطة التقليدية إلى التفاوض والعمل والرعاية والمعرفة الرقمية
ملخص
تدرس سوسيولوجيا الأسرة التحولات التي طرأت على السلطة والأدوار داخل الأسرة الحديثة بوصفها نتيجة لتغيرات بنيوية في الاقتصاد والتعليم والقانون والديموغرافيا والثقافة والتكنولوجيا، لا بوصفها مجرد تبدل في أخلاق الأفراد أو طباعهم. وينطلق هذا المقال من التمييز بين السلطة الرسمية والنفوذ الفعلي، وبين توزيع المهام وتوزيع الموارد، ثم يناقش إسهامات ماكس فيبر وتالكوت بارسونز وروبرت بلود ودونالد وولف وستيفن لوكس وبيير بورديو وأنطوني غيدنز وأولريش بيك وإليزابيث بيك-غيرنشايم وآرلي هوشيلد، إلى جانب سوسيولوجيا النوع الاجتماعي والطفولة والممارسات الأسرية. كما يستحضر أعمال هشام شرابي وحليم بركات وفاطمة المرنيسي لفهم خصوصية التحولات العربية والمغربية. وتبين الدراسة أن الأسرة الحديثة لم تصبح فضاء بلا سلطة ولا أدوار؛ بل انتقلت، بدرجات متفاوتة، من سلطة تستند أساساً إلى المكانة الموروثة إلى سلطة موزعة بين الدخل والمعرفة والقانون والرعاية والعاطفة والقدرة على التفاوض. غير أن خطاب المساواة لا يضمن تحققها عملياً، لأن العمل المنزلي والعبء الذهني والسلطة الرمزية قد تعيد إنتاج تفاوتات قديمة داخل ترتيبات تبدو حديثة.
مدخل: لماذا تُعد الأسرة مختبراً سوسيولوجياً للتحول الاجتماعي؟
لا تكفي ملاحظة أن الأب صار أقل صرامة، أو أن المرأة خرجت إلى سوق العمل، أو أن الأبناء أصبحوا أكثر جرأة في التعبير عن آرائهم، لفهم ما حدث داخل الأسرة الحديثة. هذه مظاهر مرئية لتحول أعمق مسَّ القواعد التي تحدد من يملك حق القرار، وعلى أي أساس تُقبل سلطته، وكيف توزع أعمال الإعالة والرعاية والتنشئة، وما الذي يعد حقاً فردياً وما الذي يعد واجباً عائلياً.
فالبيت لا يعيش خارج المجتمع. عندما يتغير سوق العمل يتغير توزيع الزمن بين الزوجين، وعندما يتوسع تعليم النساء تتبدل موارد التفاوض، وعندما تعترف القوانين للطفل بحقوق خاصة تتغير حدود السلطة الوالدية، وعندما يدخل الهاتف الذكي إلى الحياة اليومية تنشأ أشكال جديدة من المعرفة والرقابة والخصوصية. لذلك لا تتعامل سوسيولوجيا الأسرة مع المنزل باعتباره عالماً مغلقاً، بل تقرؤه بوصفه نقطة التقاء بين البنية الاقتصادية والقانون والثقافة والطبقة والنوع الاجتماعي والجيل والتكنولوجيا.
وتتمثل المسألة المركزية لهذا المقال في سؤالين مترابطين: كيف تغيرت مصادر السلطة داخل الأسرة الحديثة؟ وكيف أعاد هذا التغير تشكيل الأدوار بين الزوجين وبين الآباء والأبناء؟ والإجابة السوسيولوجية لا تبحث عن نموذج واحد يصلح لجميع المجتمعات، ولا تفترض انتقالاً خطياً من «أسرة تقليدية» إلى «أسرة حديثة». إنها تقارن بين أنماط متعددة، وتفحص التفاوت بين الخطاب والممارسة، وتنتبه إلى أن الأسرة الواحدة قد تكون تفاوضية في المال، وتقليدية في الرعاية، وحديثة في تعليم الأبناء، وشديدة المحافظة في علاقتها بالعائلة الممتدة.
سوسيولوجيا الأسرة: موضوعها وأدواتها وحدودها
الأسرة ليست مرادفاً بسيطاً للبيت
من الناحية التحليلية ينبغي التمييز بين الأسرة والقرابة والأسرة المعيشية أو المنزلية. قد يضم المسكن زوجين وأطفالهما فقط، بينما تمتد شبكة القرابة المؤثرة إلى الأجداد والإخوة والأعمام والأخوال. وقد يعيش أحد الوالدين بعيداً بسبب الهجرة أو العمل، لكنه يظل حاضراً في الإعالة والقرار والتنشئة عبر التحويلات المالية والاتصال الرقمي. وقد يجتمع في المنزل أشخاص لا تربطهم علاقة بيولوجية مباشرة، لكنهم يؤدون وظائف الرعاية والتضامن التي ترتبط عادة بالأسرة.
لهذا اتجهت سوسيولوجيا الأسرة المعاصرة من سؤال «ما الأسرة؟» إلى سؤال «كيف تُنجز الحياة الأسرية؟». وقد أسهم ديفيد مورغان في ترسيخ مفهوم الممارسات الأسرية؛ أي الأفعال اليومية التي يصنع بها الناس أسرتهم باستمرار: إعداد الطعام، ورعاية الطفل، وزيارة الأقارب، وتحويل المال، وحل النزاع، والاحتفال، والاعتناء بالمريض. الأسرة في هذا المنظور ليست اسماً ثابتاً فحسب، بل علاقة تتجدد من خلال الممارسة. وتضيف جانيت فينش، في مفهوم عرض الأسرة، أن أفراد العائلة لا يكتفون بممارسة روابطهم، بل يقدمونها أيضاً للآخرين بوصفها روابط جديرة بالاعتراف؛ وقد صار هذا العرض أكثر وضوحاً في الصور والمنشورات العائلية على المنصات الرقمية.
هذا المنظور يمنع اختزال الأسرة في شكل قانوني واحد، لكنه لا يعني إلغاء المؤسسات. فالزواج والقانون والميراث وسوق العمل والمدرسة وسياسات الرعاية تحدد الإمكانات المتاحة لأفراد الأسرة، ولذلك ينبغي الجمع بين دراسة التفاعل اليومي ودراسة البنى التي تحيط به.
مفاهيم السلطة والدور والعمل الأسري
السلطة داخل الأسرة ليست مرادفاً لمن يرفع صوته أو يصدر الأمر الأخير. فقد يكون القرار الرسمي في يد شخص، بينما يمتلك شخص آخر قدرة أكبر على تحديد جدول الحياة اليومية أو التأثير العاطفي أو حجب المعلومات أو ترتيب البدائل. لذلك يفيد التمييز بين صور متعددة للسلطة:
- سلطة اقتصادية تستند إلى الدخل والملكية والقدرة على تمويل الحاجات.
- سلطة قرارية تظهر عند الاختلاف حول السكن والعمل والإنجاب والتعليم والإنفاق.
- سلطة معيارية تستمد مشروعيتها من العرف والدين والقانون ومكانة الأب أو الأم أو كبير العائلة.
- سلطة معرفية يمنحها التعليم أو الخبرة المهنية أو إتقان التكنولوجيا.
- سلطة عاطفية ورعائية تنبع من إدارة العلاقات وتقديم الدعم ومعرفة احتياجات أفراد الأسرة.
- سلطة رمزية تجعل ترتيباً معيناً يبدو طبيعياً أو بديهياً، فلا يتحول أصلاً إلى موضوع للنقاش.
أما الدور الأسري فهو مجموعة توقعات اجتماعية مرتبطة بموقع معين: ما المتوقع من الزوج أو الزوجة؟ ما صورة الأب الجيد والأم الجيدة؟ ما الذي يعد طاعة مقبولة من الطفل، وما الذي يعد حقاً في إبداء الرأي؟ هذه التوقعات لا تصدر من داخل البيت وحده، بل تشارك المدرسة والإعلام والمؤسسات الدينية والقانون وسوق العمل والعائلة الممتدة في إنتاجها.
والعمل الأسري أوسع من العمل المنزلي المباشر. إنه يشمل الطبخ والتنظيف والرعاية، لكنه يشمل كذلك التخطيط والتذكر والتنسيق وتهدئة النزاعات وحفظ صلات القرابة. وحين لا يُرصد هذا العمل كله، قد تبدو الأسرة متساوية لأن الزوجين يتخذان بعض القرارات معاً، بينما يتحمل أحدهما معظم الكلفة الزمنية والنفسية التي تجعل تنفيذ تلك القرارات ممكناً.
النظريات السوسيولوجية المفسرة للسلطة والأدوار داخل الأسرة
لا توجد نظرية واحدة تفسر الأسرة الحديثة تفسيراً كاملاً. بعض النظريات تركز على الاستقرار والوظائف، وبعضها على الموارد والتبادل، وبعضها على الهيمنة واللامساواة، وبعضها على المعنى والممارسات اليومية. وتزداد قوة التحليل حين توضع هذه المقاربات في حوار نقدي بدلاً من الاكتفاء بسرد أسماء أصحابها.
ماكس فيبر: من السلطة التقليدية إلى شرعية تحتاج إلى تبرير
يقدم ماكس فيبر مدخلاً أساسياً لفهم السلطة الأسرية من خلال تمييزه بين أنماط الشرعية، ولا سيما السلطة التقليدية التي تستند إلى الاعتقاد في مشروعية العادات الموروثة. داخل الأسرة الأبوية لا يطيع الأبناء أو الزوجة الأب لأنه يفوز في كل تفاوض، بل لأن موقعه نفسه محاط بشرعية سابقة على الموقف: هو الأب أو الأكبر أو صاحب الملكية، ولذلك يُفترض أن تكون له الطاعة.
يفيد هذا التصور في تفسير لماذا يمكن أن تستمر سلطة شخص حتى عندما لا يكون الأكثر تعليماً أو خبرة. فالسلطة التقليدية لا تقوم أساساً على الكفاءة، بل على الاعتراف الاجتماعي بالمكانة. غير أن توسع التعليم والقانون والعمل المأجور يجعل هذه الشرعية أقل اكتفاء بذاتها. لا تختفي مكانة الأب، لكنها تصبح مطالبة، في أسر كثيرة، بأن تقترن بالحجة والرعاية والقدرة على التواصل.
ومن المهم ألا يُفهم الانتقال بوصفه سقوطاً للسلطة. الأسرة التي فيها أطفال تحتاج إلى قرارات وحدود ومسؤوليات. الذي يتغير هو أساس القبول: من الطاعة لأن الشخص يحتل موقعاً معيناً إلى الامتثال لأن قراره مفهوم ومبرر ويحظى بقدر من الثقة.
تالكوت بارسونز: الوظيفة والتمايز بين الدور الأداتي والتعبيري
قدّم تالكوت بارسونز وروبرت بيلز في كتابهما Family, Socialization and Interaction Process نموذجاً وظيفياً مؤثراً للأسرة النووية. ميّز النموذج بين دور أداتي يرتبط بالإعالة والتعامل مع المؤسسات الخارجية، ودور تعبيري يتصل بالدعم الوجداني والرعاية والتنشئة. وربط التصور الكلاسيكي الدور الأول بالأب والثاني بالأم، ورأى في هذا التمايز آلية تسهم في استقرار النظام الأسري.
تكمن قيمة بارسونز في أنه أبرز أن الأدوار ترتبط بوظائف ضرورية: لا يمكن للأسرة أن تستغني عن الموارد أو الرعاية أو التنشئة. لكن حدود نظريته تظهر عندما يتحول توزيع تاريخي للأعمال إلى تقسيم شبه طبيعي بين الجنسين. فقد أثبتت التحولات اللاحقة أن المرأة تستطيع أداء دور الإعالة، وأن الرجل يستطيع الاضطلاع بالرعاية والتنشئة، وأن الاستقرار لا يتطلب بالضرورة ربط وظيفة ثابتة بجنس ثابت.
كما أن المنظور الوظيفي يميل إلى السؤال: كيف يحافظ التقسيم على النظام؟ بينما يقل اهتمامه بسؤال آخر: من يدفع ثمن هذا الاستقرار؟ فقد يعمل ترتيب ما بكفاءة ظاهرة، لكنه يمنح طرفاً وقتاً ودخلاً ومكانة أكبر، ويحمّل طرفاً آخر عملاً غير مرئي وتبعية اقتصادية طويلة الأمد. لذلك لا يكفي قياس تماسك الأسرة؛ بل يجب قياس العدالة داخلها.
نظرية الموارد: المال والتعليم والعمل أوراق تفاوض
أسهم روبرت بلود ودونالد وولف، في كتاب Husbands & Wives، في تطوير مقاربة تربط القوة الزوجية بالموارد التي يملكها كل طرف. ووفق نظرية الموارد ترتفع قدرة الفرد على التأثير حين يمتلك دخلاً أو تعليماً أو مكانة مهنية أو شبكة اجتماعية أو بديلاً معقولاً عن الوضع القائم.
تفسر هذه المقاربة جانباً مهماً من أثر تعليم النساء وعملهن. فالراتب لا يضيف مالاً إلى ميزانية البيت فقط؛ بل يمنح استقلالاً نسبياً، ويوسع العلاقات خارج الأسرة، ويزيد القدرة على تحمل كلفة الاختيار. وقد يغير العمل كذلك إدراك الفرد لقيمة مساهمته، فلا يعود طلبه للمشاركة في القرار مجرد مطلب أخلاقي، بل يصبح متصلاً بمورد ملموس يقدمه للأسرة.
لكن الموارد لا تعمل آلياً. قد تكسب الزوجة دخلاً مساوياً أو أعلى، ثم يستمر التوزيع التقليدي للعمل المنزلي. وقد تُفسر زيادة دخلها باعتبارها مساعدة إضافية لا أساساً لسلطة متساوية. كما قد تؤدي مخالفة التوقعات الجندرية إلى محاولات رمزية لاستعادة الترتيب التقليدي. لذلك تكشف نظرية الموارد الإمكانات التفاوضية، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير القواعد الثقافية التي تحدد متى يتحول المورد إلى نفوذ معترف به.
التبادل الاجتماعي والتفاوض: الأسرة تعاون وصراع في آن واحد
تنظر مقاربات التبادل والتفاوض إلى العلاقة الأسرية بوصفها مجالاً تتقاطع فيه المنافع والتكاليف والبدائل. يتعاون الزوجان لأنهما ينتجان معاً موارد ورعاية وانتماءً لا يستطيع كل واحد منهما الحصول عليها بالكلفة نفسها منفرداً. لكن التعاون لا يلغي اختلاف المصالح: من سيغير عمله عند الانتقال؟ من سيتوقف مؤقتاً لرعاية طفل؟ من يملك مدخرات مستقلة؟ ومن يستطيع احتمال الانفصال اقتصادياً واجتماعياً؟
يصبح موقع التفاوض أضعف حين تكون بدائل الشخص محدودة، أو حين يعتمد دخله وسكنه وشبكته الاجتماعية على استمرار العلاقة. ولهذا لا يمكن فهم «الاختيار» داخل الأسرة من دون معرفة القيود المحيطة به. قد يوافق فرد على تقسيم غير متساو لأنه يفضله فعلاً، وقد يوافق لأن البدائل أكثر كلفة، وقد يتبنى توقعات اجتماعية تجعل هذا التقسيم يبدو له عادلاً. هنا تلتقي نظرية التفاوض بتحليل السلطة الرمزية.
ستيفن لوكس: السلطة الظاهرة والكامنة وغير المرئية
يفيد تصور ستيفن لوكس في كتابه Power: A Radical View في تجاوز السؤال البسيط: من ربح الخلاف؟ فالسلطة تعمل في ثلاثة مستويات مترابطة. تظهر أولاً في القرار العلني عندما يفرض طرف خياره. وتعمل ثانياً في التحكم بجدول النقاش؛ أي في تحديد القضايا التي يمكن فتحها والقضايا التي تستبعد مسبقاً. وتبلغ مستوى أعمق عندما تتشكل الرغبات والتوقعات بحيث يقبل الأفراد ترتيباً غير متكافئ باعتباره طبيعياً أو حتمياً.
في الأسرة، قد تكون السلطة مرئية عندما يمنع الزوج زوجته من العمل. لكنها تكون كامنة عندما لا تطرح الزوجة الفكرة لأنها تتوقع الرفض أو العواقب. وقد تصبح غير مرئية عندما يتفق الجميع مسبقاً على أن مهنة الرجل «أساسية» ومهنة المرأة «قابلة للتعديل»، حتى إن كان دخلها أو طموحها قريباً من دخله وطموحه.
هذا التحليل يبين لماذا لا يكفي سؤال أفراد الأسرة: «هل تتخذون القرارات معاً؟». ينبغي فحص من جمع المعلومات، ومن وضع البدائل، ومن عدّل طموحه، وأي الخيارات لم تصل أصلاً إلى المائدة.
بورديو: كيف يتحول التاريخ إلى أمر يبدو طبيعياً؟
يحلل بيير بورديو في كتاب Masculine Domination الهيمنة الذكورية بوصفها مثالاً على العنف الرمزي؛ أي سلطة لطيفة وغير مرئية تعمل عبر التصنيفات والعادات والتوقعات اليومية، وتجعل الترتيب التاريخي يبدو كأنه صادر من الطبيعة. والأسرة، إلى جانب المدرسة والدولة والمؤسسات الدينية، من المواقع التي تنتقل فيها هذه التصنيفات وتترسخ.
يساعد مفهوم الهابيتوس على فهم استمرار الأدوار حتى بعد تغير الظروف المادية. فقد تعمل المرأة خارج البيت، لكن الطرفين يكونان قد تشربا منذ الطفولة أن الأم الجيدة هي التي تلاحظ حاجات الجميع قبل أن يطلبوها، وأن الأب الجيد يقاس أولاً بما يوفره من مال. وبذلك يعاد إنتاج التقسيم القديم عبر ميول وممارسات تبدو تلقائية، لا عبر أوامر صريحة بالضرورة.
ومع ذلك لا يعني هذا أن الهيمنة قدر مغلق. فالهابيتوس نفسه يواجه أوضاعاً جديدة: تعليم مختلف، وقوانين جديدة، واحتكاك بنماذج أسرية أخرى، وضغوط اقتصادية تتطلب دخليْن، وخبرات مهنية تمنح النساء والرجال تصورات جديدة عن الذات. من هنا ينشأ التفاوض والتوتر وإمكان التغيير.
سوسيولوجيا النوع الاجتماعي: الأدوار لا توجد فقط، بل تُنجز يومياً
قدّم كانديس ويست ودون زيمرمان في مقالهما المؤثر «ممارسة النوع الاجتماعي» تصوراً ينظر إلى الجندر لا بوصفه صفة ثابتة يحملها الفرد فقط، بل بوصفه إنجازاً تفاعلياً مستمراً. يتعلم الناس أن يقدموا أنفسهم ويتصرفوا بطريقة يمكن للآخرين محاسبتهم عليها وفق توقعات الرجولة والأنوثة.
داخل الأسرة، لا تتولى المرأة مهمة معينة دائماً لأنها أقدر عليها من البداية؛ فقد تصبح أقدر لأن المهمة أوكلت إليها مراراً، فاكتسبت خبرتها وتفاصيلها، ثم استُخدمت خبرتها دليلاً على أن المهمة «تناسبها بطبيعتها». وبالمثل قد يتجنب الرجل بعض أعمال الرعاية لأن أداءها يهدد، في بيئة معينة، صورته عن الرجولة أو صورة الآخرين عنه. وهكذا يصنع التكرار فرقاً يبدو لاحقاً أصلياً.
لكن الممارسة اليومية تستطيع أيضاً فك الارتباط بين الدور والجنس. عندما يشارك الأب بانتظام في الرعاية منذ الولادة، لا يكون قد ساعد الأم في وظيفة تخصها وحدها، بل يكون قد أعاد تعريف الأبوة نفسها. وعندما تنخرط الزوجة في القرار المالي لا تكون قد دخلت مجالاً ذكورياً ثابتاً، بل تكون قد وسعت المعنى الاجتماعي للشراكة الزوجية.
غيدنز وبيك: العلاقة التفاوضية والفردنة
ربط أنطوني غيدنز في The Transformation of Intimacy العلاقات الحديثة بمفهوم العلاقة الخالصة؛ أي العلاقة التي تستمر لأنها تمنح أطرافها ثقة وتواصلاً ورضاً متبادلاً، لا لأنها مفروضة بالكامل من الخارج. ورأى أن دخول الحوار والاعتراف والمساواة إلى المجال الشخصي يفتح إمكاناً لدمقرطة الحياة الخاصة.
لكن لين جاميسون حذرت في نقدها للعلاقة الخالصة من مساواة خطاب الحميمية بواقع المساواة. فقد يتحدث الزوجان لغة الشراكة، بينما تستمر فروق الدخل والعمل المنزلي والمسار المهني. إن الإفصاح العاطفي مهم، لكنه لا يعوض تلقائياً اختلال الموارد.
أما أولريش بيك وإليزابيث بيك-غيرنشايم فقد جعلا الفردنة مفهوماً مركزياً في فهم الأسرة. والمقصود ليس انتشار الأنانية، بل تحول السيرة الفردية إلى مشروع يتعين على الشخص بناؤه: اختيار التعليم والعمل وتوقيت الزواج وشريك الحياة ومكان السكن. ويبين كتابهما Individualization أن هذه الحرية ليست انفلاتاً من المجتمع؛ فهي مرتبطة أيضاً بمؤسسات التعليم والسوق والدولة التي تطالب الفرد بإدارة حياته وتحمل مخاطرها.
تزيد الفردنة حرية الاختيار، لكنها تزيد عمل التفاوض. حين كانت الأدوار جاهزة كان الفرد أقل حرية، لكنه يعرف ما المتوقع منه. أما عندما يصبح لكل زوج مسار تعليمي ومهني مستقل، فيجب تنسيق سيرتين زمنيتين: من ينتقل مع الآخر؟ متى يأتي الطفل؟ كيف توزع النفقات؟ كم يحق للعائلة الممتدة أن تتدخل؟ وهكذا لا تلغي الحداثة القيود؛ بل تحول كثيراً منها إلى قرارات يومية مرهقة.
القوى الاجتماعية التي غيرت الأسرة الحديثة
التصنيع والتحضر وفصل البيت عن مكان الإنتاج
في الاقتصاد الزراعي والحرفي كانت الأسرة وحدة قرابة وإنتاج في الوقت نفسه. يعمل أفرادها في الأرض أو الحرفة، ويتداخل المنزل مع موقع الإنتاج، وتنتقل الملكية والمهنة داخل شبكة العائلة. أدى التصنيع والعمل المأجور والتحضر إلى فصل نسبي بين البيت ومكان العمل، فصار الدخل النقدي القادم من الخارج مورداً مركزياً للسلطة.
هذا الفصل دعم تاريخياً نموذج «الرجل المعيل والمرأة ربة البيت» في شرائح معينة، لكنه لم يكن وصفاً لكل الطبقات؛ فالنساء الفقيرات عملن دائماً في الزراعة والخدمة والصناعة غير المنظمة، حتى عندما غاب الاعتراف بعملهن. ومع توسع قطاع الخدمات والتعليم والعمل المهني، دخلت أعداد أكبر من النساء إلى الوظائف الرسمية، فأصبح النموذج القائم على معيل واحد أقل قدرة على وصف الواقع.
كما غيّر التحضر علاقة الأسرة بالعائلة الممتدة. لم تختف القرابة، لكنها لم تعد دائماً تعيش في المسكن نفسه. وقد تعوض المسافة المكانية بالزيارات والتحويلات والاتصال الرقمي. لذلك لا يصح تفسير الأسرة النووية باعتبارها قطيعة كاملة مع العائلة الممتدة؛ فكثير من القرارات والسند المادي والرعاية ما يزال عابراً للمساكن والمدن والدول.
التعليم والعمل وتغير موارد التفاوض
رفع التعليم سن الدخول إلى الزواج في مجتمعات كثيرة، ووسع تطلعات الأفراد، ومنح النساء والرجال لغة جديدة للحقوق والاختيار. كما جعل التوافق بين المسارين المهنيين مسألة أساسية في الزواج. لم يعد السؤال من سيعيل الأسرة فقط، بل كيف تُدار وظيفتان وربما مدينتان وساعات عمل غير متطابقة.
تظهر أهمية العمل النسائي في بيانات الباروميتر العربي 2023-2024، التي ربطت وجود قريبة عاملة بمواقف أكثر ميلاً إلى المساواة في عدد من بلدان المنطقة. لكن الارتباط لا يثبت وحده أن العمل يسبب التحول؛ فقد تكون الأسر الأكثر مساواة أصلاً أكثر قبولاً لعمل النساء. القيمة العلمية للنتيجة أنها تكشف تفاعلاً بين الخبرة الاقتصادية والمواقف، لا قانوناً آلياً.
القانون والدولة وسياسات الرعاية
تدخل الدولة إلى الأسرة عبر قوانين الزواج والطلاق والحضانة والنفقة والميراث والتعليم الإلزامي وحماية الطفل والعنف الأسري، وكذلك عبر إجازات الأمومة والأبوة والحضانات وسياسات العمل. هذه المؤسسات لا تدير الحياة اليومية مباشرة، لكنها تعيد توزيع الموارد والبدائل.
فعندما تتوافر حضانة جيدة وإجازة والدية مرنة، تقل الكلفة المهنية للرعاية ويمكن توزيعها بصورة أعدل. وعندما تُحمّل الرعاية للأسرة وحدها في ظل ساعات عمل طويلة، يصبح التفاوض داخل البيت محكوماً بندرة الوقت والخدمات. لذلك لا ينبغي تفسير كل تفاوت أسري على أنه اختيار خاص؛ فقد يكون نتيجة لبنية مؤسسية تجعل خياراً معيناً أسهل بكثير من غيره.
التحول الديموغرافي وطول العمر
أدى انخفاض الخصوبة وارتفاع متوسط العمر وتراجع الوفيات في مراحل سابقة إلى تغيير تركيب الأسرة. الأسر الأصغر تستطيع استثمار وقت وموارد أكبر في كل طفل، فيتعزز نموذج «الطفل المحوري» الذي تدور حوله قرارات التعليم والصحة والترفيه. وفي المقابل يزيد طول العمر سنوات العلاقة بين الأجيال، وقد تمتد مسؤولية الرعاية إلى الوالدين المسنين بالتزامن مع رعاية الأطفال، فتظهر ضغوط ما يسمى أحياناً «جيل الساندويتش».
هذه التحولات تعيد تعريف الأدوار. فالأجداد قد يقدمون رعاية يومية تسمح للوالدين بالعمل، وفي المقابل يحتاجون لاحقاً إلى رعاية صحية واجتماعية. وهكذا لا تسير الموارد في اتجاه واحد من الأكبر إلى الأصغر، بل تتبادل عبر دورة الحياة.
السلطة الزوجية في الأسرة الحديثة: من يقرر، ومن يحدد ما يُناقش؟
القرار المشترك ليس مؤشراً كافياً للمساواة
تقيس دراسات كثيرة السلطة الزوجية بسؤال: من يتخذ القرار في المال أو السكن أو تعليم الأبناء؟ لكن هذا القياس قد يلتقط اللحظة الأخيرة فقط. القرار عملية تتضمن التعرف إلى الحاجة، وجمع المعلومات، ومقارنة البدائل، وتقدير العواقب، ثم تحمل مسؤولية التنفيذ.
تظهر هذه المشكلة بوضوح في دراسة جاكلين وونغ وأليسون دامنغر «أسطورة التبادلية»، المنشورة في Gender & Society سنة 2024. اعتمدت الدراسة على 112 مقابلة مع أفراد ينتمون إلى 44 زوجاً من ذوي التعليم العالي، ووجدت أن التزام الأزواج الصادق بفكرة الفريق لا يمنع نتائج غير متكافئة. فقد تبدو بعض القرارات مشتركة، بينما يكون أحد الطرفين أكثر ميلاً إلى تعديل مساره المهني أو حمل العمل المعرفي السابق للقرار.
لا تسمح عينة نوعية محدودة بتعميم نسب على جميع الأسر، لكنها تكشف آلية لا تظهر في الاستبيانات المغلقة: يمكن للمساواة المعلنة أن تتعايش مع سلطة غير مرئية. وهذه قيمة البحث النوعي؛ فهو لا يقيس مدى انتشار الظاهرة فقط، بل يوضح كيف ينتجها الأفراد ويفسرونها.
المال مورد وقاعدة محاسبة ورمز للجدارة
يتوقف أثر الدخل على طريقة تنظيم المال. قد تكون الحسابات مشتركة فعلاً، وقد يحتفظ كل طرف بدخله، وقد يضع الطرفان نسبة محددة للنفقات، وقد يدير شخص الميزانية فيما يحتاج الآخر إلى طلب المال. كل ترتيب يخلق مزيجاً مختلفاً من الاستقلال والتضامن والرقابة.
ولا يعمل المال بوصفه رقماً فقط؛ فهو يحمل معاني أخلاقية. قد يُنظر إلى دخل الرجل على أنه «الدخل الأساسي» حتى عندما يكون قريباً من دخل المرأة، بينما يوصف دخلها بأنه إضافي. وقد يستخدم من يدفع أكثر هذه المساهمة لتبرير إعفائه من العمل المنزلي، فيتحول المال إلى مقياس وحيد للقيمة، مع أن الرعاية تنتج منفعة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
العائلة الممتدة طرف حاضر في التفاوض
في كثير من الأسر لا يقتصر صنع القرار على الزوجين. يسهم الوالدان والأشقاء والأقارب في تمويل السكن أو رعاية الأطفال أو إيجاد العمل، وقد يكتسبون مقابل ذلك نفوذاً في الاختيارات. لا يمكن وصف هذا النفوذ بأنه سلبي دائماً؛ فشبكة القرابة مصدر قوي للتضامن في الأزمات. لكن المساندة قد تتحول إلى رقابة إذا لم تكن الحدود واضحة.
وتتغير قوة العائلة الممتدة بحسب السكن والطبقة والهجرة والاعتماد المالي. الزوجان اللذان يعتمدان على الأجداد في الحضانة يملكان هامشاً تفاوضياً مختلفاً عن زوجين يستطيعان شراء خدمات الرعاية. وهذا مثال على تداخل الموارد الاقتصادية بالسلطة القرابية.
توزيع الأدوار والعمل غير المرئي
«النوبة الثانية»: حين لا ينتهي العمل بانتهاء الدوام
صاغت آرلي هوشيلد في كتابها الشهير The Second Shift مفهوم النوبة الثانية لوصف العمل المنزلي والرعائي الذي يبدأ بعد انتهاء العمل المأجور، ولا سيما لدى الأمهات العاملات. وتعرض جامعة كاليفورنيا في بيركلي الكتاب بوصفه عملاً أحدث نقاشاً واسعاً حول الأسر ذات المسارين المهنيين والفجوة في مجموع العمل المأجور وغير المأجور.
قيمة المفهوم أنه نقل العمل المنزلي من خانة «المساعدة» أو «الطبع» إلى خانة العمل القابل للرصد. فالطبخ والتنظيف والرعاية ليست فراغاً بين الأنشطة الاقتصادية، بل وقت وجهد يسمحان لبقية أفراد الأسرة بالذهاب إلى المدرسة والعمل واستعادة طاقتهم.
وتؤكد البيانات العالمية استمرار التفاوت. تفيد هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأن النساء يؤدين في المتوسط ساعات من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر تفوق ما يؤديه الرجال بنحو مرتين ونصف. وتقدر منظمة العمل الدولية أن 708 ملايين امرأة كن خارج قوة العمل سنة 2023 بسبب مسؤوليات الرعاية غير مدفوعة الأجر، مقابل نحو 40 مليون رجل. هذه الأرقام لا تعني أن الرجال لا يرعون، بل تكشف عدم التكافؤ العالمي في من يتحمل الكلفة الأساسية للرعاية.
المغرب: الدخل تغير أسرع من توزيع الزمن
تقدم معطيات المغرب مثالاً واضحاً على ضرورة ضبط السياق الزمني. ففي الموجة الثالثة من بحث أجرته المندوبية السامية للتخطيط على عينة من 12 ألف أسرة بين 11 أكتوبر 2021 و10 فبراير 2022، خصصت النساء في المتوسط 4 ساعات و17 دقيقة يومياً للأعمال المنزلية داخل البيت وخارجه، مقابل 38 دقيقة للرجال. كما ذكر التقرير أن الأعمال المنزلية كانت تقع أساساً على الزوجة وفق إجابات 75% من الرجال و79% من النساء. ويمكن الرجوع إلى التقرير الرسمي للمندوبية السامية للتخطيط للاطلاع على المنهج وبقية النتائج.
هذه البيانات لا تختزل جميع الأسر المغربية، ولا ينبغي نقلها إلى كل سنة أو فئة دون قيد. لكنها تكشف مفارقة بنيوية: يمكن أن يتغير توزيع الدخل أسرع من توزيع الزمن. فالمرأة العاملة قد تساهم اقتصادياً، ثم تعود إلى نصيب غير متناسب من العمل المنزلي. عندئذ تتحسن بعض مواردها، لكن وقتها المتاح للترقي المهني والراحة والتكوين يظل أقل.
العبء الذهني: من يتذكر ما ينبغي فعله؟
وسّعت أليسون دامنغر مفهوم العمل الأسري في دراستها «البعد المعرفي للعمل المنزلي». فالعمل لا يبدأ عند تنفيذ المهمة؛ بل يسبقه توقع الحاجة، وتحديد الخيارات، واتخاذ القرار، ومراقبة النتيجة. شراء لوازم المدرسة فعل مرئي، لكن معرفة ما ينقص، وتذكر الموعد، ومقارنة الأسعار، والتنسيق مع جدول الطفل أعمال معرفية قد تبقى بلا اسم.
هذا العبء الذهني لا حدود زمنية واضحة له. قد يفكر الشخص في موعد الطبيب أثناء عمله، أو يتابع رسالة المدرسة في وقت الراحة، أو يحمل في ذاكرته شبكة من الالتزامات الصغيرة. ومن يتحمل هذه الإدارة يصبح «مدير المشروع» غير المعلن للأسرة، حتى لو ساعد الآخر في تنفيذ بعض المهام عند الطلب.
وتبين دراسة أخرى لدامنغر عن العمليات المنزوعة الجندر والنتائج المجندرة كيف يستطيع الأزواج المتبنون لقيم المساواة تفسير ممارسات غير متساوية بصياغات محايدة، مثل الكفاءة أو التفضيل الشخصي. ولا تكون هذه التفسيرات كاذبة بالضرورة؛ لكن الكفاءة نفسها قد تكون نتيجة سنوات من توزيع غير متساوٍ للممارسة.
العمل العاطفي وصيانة العلاقات
تحتاج الأسرة إلى من يهدئ النزاع، ويتذكر المناسبات، ويحافظ على صلة الأقارب، ويلاحظ توتر الطفل، ويختار الوقت الملائم للنقاش. هذا عمل عاطفي ينتج الاستقرار والثقة، لكنه أقل ظهوراً من دفع الفواتير أو شراء الحاجيات.
حين يتركز العمل العاطفي في شخص واحد، يمتلك هذا الشخص معرفة دقيقة بالعلاقات وقدرة على التأثير فيها، لكنه يتحمل كذلك استنزافاً مستمراً. وهنا تظهر ازدواجية الرعاية: إنها مصدر نفوذ وقرب، وفي الوقت نفسه كلفة زمنية ونفسية قد تقيد صاحبها.
الأبوة والأمومة: من أدوار ثابتة إلى كفاءات قابلة للتعلم
الأب الحديث بين الإعالة والحضور العاطفي
لم يختف دور الأب المعيل، وخصوصاً في البيئات التي ما تزال تقيس النجاح الذكوري بالقدرة على الإنفاق. لكن صورة «الأب الجيد» اتسعت لتشمل الحضور العاطفي، والمشاركة في الرعاية، ومتابعة الدراسة، والاستماع، ومعرفة العالم الرقمي للأبناء.
هذا التوسع قد يحرر الأب من نموذج السلطة البعيدة، لكنه يضيف توقعات جديدة إلى رجل يعمل ساعات طويلة. لذلك ينبغي ربط المشاركة الأسرية أيضاً بسياسات العمل. من الصعب مطالبة الأب بحضور يومي عميق إذا كانت المؤسسة تعاقبه ضمنياً على إجازة الأبوة أو تعتبر الرعاية شأناً نسائياً.
وتتغير طبيعة السلطة مع القرب. السلطة التي تعتمد على الخوف قادرة على إنتاج امتثال سريع، لكنها لا تضمن أن يطلب الابن النصيحة عند الأزمة. أما السلطة المبنية على الثقة فتحتاج وقتاً واتساقاً وقدرة على شرح الحدود. ليست المسألة تساهلاً مقابل حزم، بل انتقالاً من حزم اعتباطي إلى حزم معلل ومتناسب مع العمر.
الأمومة المكثفة ومفارقة الاختيار
في المقابل، لم يؤد دخول النساء إلى العمل دائماً إلى خفض التوقعات المرتبطة بالأمومة. بل ظهر في طبقات وبيئات معينة نموذج الأمومة المكثفة الذي يطالب الأم باستثمار واسع في تعليم الطفل وصحته وأنشطته ومشاعره، ومتابعة الخبراء والمدرسة والمنصات، مع الحفاظ على المسار المهني.
هذا النموذج يجعل «الاختيار» عبئاً إضافياً؛ فكل وجبة ونشاط ومدرسة وطريقة تربية تصبح قراراً ينبغي تحسينه. وتزداد الفروق الطبقية لأن القدرة على تنفيذ هذا النموذج تحتاج وقتاً ومالاً وخدمات. لذلك لا ينبغي محاسبة الأسر أخلاقياً من دون النظر إلى مواردها الفعلية.
الطفل فاعل اجتماعي لا مجرد متلق للتنشئة
أسهمت سوسيولوجيا الطفولة، كما يظهر في كتاب أليسون جيمس وآلان بروت Constructing and Reconstructing Childhood، في نقل الطفل من موقع «البالغ الناقص» إلى موقع الفاعل الاجتماعي الذي يفسر عالمه ويؤثر في العلاقات. لا يعني ذلك مساواته بالوالدين في الخبرة والمسؤولية، بل يعني أن صوته جزء من الواقع الأسري ويجب أن يدخل التحليل.
فالطفل يتفاوض حول الوقت والخصوصية والملابس والأنشطة، وقد يستخدم تحالفات مع أحد الوالدين أو الأجداد، ويعيد تفسير القواعد، وينقل أفكار المدرسة والأصدقاء والمنصات إلى البيت. إنه يتلقى التنشئة، لكنه يشارك كذلك في تعديلها.
ويقتضي هذا المنظور التمييز بين سماع الطفل وتحميله القرار. من حق الطفل أن يفهم ويعبر في المسائل التي تمسه، لكن الوالدين يظلان مسؤولين عن الحماية وعن تقدير المخاطر التي لا يستطيع استيعابها وحده. الأسرة التفاوضية ليست جمعية تتساوى فيها الأصوات بصرف النظر عن العمر؛ إنها نظام يربط المشاركة بدرجة النضج ويجعل السلطة قابلة للتفسير والمساءلة.
التكنولوجيا وإعادة توزيع المعرفة والرقابة بين الأجيال
التنشئة العكسية وسلطة الخبرة الرقمية
أضافت التكنولوجيا مورداً جديداً للسلطة: القدرة على تشغيل الأجهزة وفهم المنصات والوصول إلى المعلومات. كان الأكبر سناً يحتكر، في الغالب، جانباً كبيراً من الخبرة، لكن الابن قد يصبح اليوم معلماً لوالديه في تطبيق أو خدمة رقمية. تسمى هذه الحركة أحياناً التنشئة العكسية؛ أي انتقال معرفة أو سلوك من الجيل الأصغر إلى الأكبر.
لا تلغي الخبرة التقنية السلطة الوالدية، لكنها تكشف أن العمر لم يعد مؤشراً كافياً للمعرفة في كل المجالات. وقد تنشأ مفارقة: الوالد مسؤول عن حماية الطفل في بيئة رقمية يعرف الطفل أدواتها أكثر منه. والحل ليس استسلام الوالد ولا ادعاء معرفة لا يملكها، بل تعلم مشترك يجمع خبرة الطفل بالأداة وخبرة الراشد في تقدير المخاطر والحدود.
ويبين تقرير اليونيسف Childhood in a Digital World أن البيئة الرقمية تتيح التعلم واللعب والتواصل، لكنها تحمل أيضاً مخاطر الخصوصية والاستغلال والمحتوى الضار؛ ولذلك يلزم الجمع بين تمكين الطفل وحمايته. وهذه الفكرة تتقاطع مع مقال كوكب المعرفة عن الأسرة الرقمية وأثر الهواتف في العلاقات داخل البيت، الذي يحلل كيف يعيد الهاتف تنظيم الانتباه والحوار والرقابة.
الرقابة الرقمية: حماية أم امتداد دائم للسلطة؟
تتيح التطبيقات للوالدين معرفة الموقع ووقت الشاشة والمحتوى، لكنها قد تحول الرعاية إلى مراقبة متواصلة. ويختلف المعنى بحسب العمر والشفافية والتناسب: متابعة طفل صغير ليست مثل تفتيش مراهق من دون علمه، وقاعدة متفق عليها ليست مثل تجسس دائم.
تحتاج الأسرة الحديثة إلى التفاوض حول حدود الخصوصية: ما الذي يحق للوالدين معرفته؟ متى يجب التدخل؟ ما البيانات التي تجمعها المنصات؟ وهل يلتزم الكبار بالقواعد نفسها التي يفرضونها؟ فالقدوة الرقمية مصدر سلطة أخلاقية؛ ومن الصعب إقناع الطفل بعدم استعمال الهاتف أثناء الطعام إذا كان الوالدان يفعلان ذلك باستمرار.
كما أن التكنولوجيا لا تنتج الأثر نفسه في كل أسرة. تختلف القدرة على الوساطة الرقمية باختلاف التعليم والدخل والمهارات والوقت. لذلك ينبغي ألا تتحول نصائح التربية الرقمية إلى لوم للأسر الأقل موارد. ويمكن للقارئ التوسع في الجانب المتصل بالاختلاف الجيلي عبر مقال الفجوة بين الأجيال من منظور علم النفس الاجتماعي، وفي أثر الاتصال الشبكي في العلاقات عبر مقال العزلة الاجتماعية في عصر التواصل الرقمي.
الأسرة العربية والمغربية: حداثة تفاوضية لا نسخة مستوردة
هشام شرابي: الأبوية الجديدة واستمرار القديم داخل الحديث
قدّم هشام شرابي في كتاب Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society مفهوم الأبوية المستحدثة أو الأبوية الجديدة لشرح اجتماع مؤسسات وأشكال حديثة مع علاقات سلطة أبوية لم تُفكك بالكامل. وتكمن فائدة المفهوم في تحذيره من مساواة التحديث التقني بالتحديث الاجتماعي: قد تنتشر الجامعة والوظيفة والهاتف والسيارة، بينما تستمر الطاعة الشخصية والتراتبية في الأسرة والمؤسسة.
لكن استعمال المفهوم يحتاج حذراً. العالم العربي ليس كتلة واحدة، والأسرة الخليجية ليست الأسرة المغربية أو المصرية، والمدينة ليست القرية، والطبقات تختلف في مواردها ومساراتها. كما أن وصف الأبوية لا ينبغي أن يحجب ما داخل الأسر من تفاوض ومقاومة وتضامن، ولا أن يحول الثقافة العربية إلى تفسير ثابت لكل ظاهرة.
حليم بركات: الأسرة بين التضامن والتراتبية
حلل حليم بركات في كتاب The Arab World: Society, Culture, and State المجتمع العربي من خلال بنياته وعلاقاته وتوتراته، ومن بينها الأسرة والقرابة. وتفيد مقاربته في فهم الوجهين المتلازمين للعائلة الممتدة: فهي شبكة للأمان والانتماء وتبادل الخدمات، لكنها تستطيع كذلك فرض توقعات قوية على الزواج والعمل والسكن والسمعة.
لا ينبغي اختيار أحد الوجهين وإلغاء الآخر. في مجتمعات تضعف فيها خدمات الرعاية أو الحماية الاجتماعية، قد تكون العائلة المورد الأساسي عند البطالة أو المرض أو الشيخوخة. لكن قوة هذا المورد تعني أيضاً أن الاستقلال الفردي لا يساوي الانفصال الكامل؛ بل يتشكل غالباً من خلال تفاوض طويل مع شبكة من الالتزامات.
فاطمة المرنيسي: السلطة الجندرية ليست نصاً دينياً بسيطاً
قدمت عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في Beyond the Veil قراءة للعلاقة بين الأيديولوجيا الجنسية والتنظيم الاجتماعي والسلطة في المجتمع المغربي والمسلم. ومهما كانت النقاشات التي أثارتها بعض أطروحاتها، تبقى قيمتها السوسيولوجية في رفض تفسير وضع النساء بإحالة مباشرة وبسيطة إلى الدين، وفي تحليل دور التأويل والمؤسسات والنخب والعرف في إنتاج علاقات القوة.
وهذا التمييز ضروري في دراسة الأسرة العربية. فالقيم الدينية قد تكون مصدراً للرحمة والتكافل والمسؤولية، بينما تكون بعض الممارسات المتداولة نتاج أعراف أو مصالح تاريخية تُقدّم بوصفها دينية. مهمة علم الاجتماع ليست إصدار حكم ديني، بل تحليل كيف تُستخدم المرجعيات، ومن يملك حق تفسيرها، وما الأثر الذي تتركه في توزيع السلطة.
ماذا تقول المعطيات الحديثة؟
تكشف بيانات الباروميتر العربي أن التحول غير خطي. ففي المغرب وافق 61% من المستجيبين في موجة 2023-2024 على أن تكون للرجل الكلمة النهائية في قرارات الأسرة؛ بلغت النسبة 70% لدى الرجال و53% لدى النساء، بعد أن كانت لدى النساء 37% سنة 2022. لا تعني هذه الأرقام أن كل موافق يمارس سلطة أحادية، لأن الاستبيان يقيس موقفاً عاماً لا تفاصيل الحياة اليومية، لكنها تدل على قوة المعيار الرمزي وعلى إمكان عودة مواقف تقليدية بعد فترات من التراجع.
وتنسجم هذه النتيجة مع فكرة أن التحديث لا يسير في اتجاه واحد. فقد يرتفع التعليم والاستعمال الرقمي، ثم تؤدي الأزمات الاقتصادية أو القلق الاجتماعي أو ردود الفعل الثقافية إلى تعزيز تصورات تقليدية عن الأدوار. الأسرة ليست سلماً يصعد من الماضي إلى الحاضر، بل مجالاً تتصارع داخله قيم متعددة.
لا توجد أسرة حديثة واحدة: الطبقة والمجال والهجرة تصنع الفروق
الطبقة الاجتماعية
تمتلك الأسر الميسورة قدرة أكبر على شراء خدمات التنظيف والحضانة والدروس والرعاية الصحية، وبذلك قد تخفف بعض النزاع حول الوقت من خلال نقل العمل إلى عاملات وعمال مأجورين. غير أن هذا الحل لا يلغي اللامساواة؛ بل قد ينقلها إلى نساء أقل دخلاً أو مهاجرات يعملن في شروط هشة.
أما الأسر محدودة الدخل فتتفاوض تحت ضغط أقوى: ساعات عمل غير مرنة، وسكن أصغر، ونقل طويل، وخدمات أقل. وقد يصبح التضامن القرابي ضرورياً لا اختيارياً. لذلك لا يمكن مقارنة تقسيم العمل بين زوجين من الطبقة الوسطى المهنية وزوجين يعملان في وظائف هشة من دون إدخال الزمن والخدمات والاستقرار الوظيفي في التحليل.
المجال الحضري والقروي
لا يعني الريف تقليدية خالصة ولا المدينة حداثة مكتملة. قد تؤدي الهجرة القروية وتعليم الفتيات والعمل الزراعي والأسواق المحلية إلى ترتيبات متنوعة. وفي بعض البيئات تكون مساهمة المرأة الاقتصادية كبيرة لكنها غير مسجلة لأنها تقع في عمل عائلي غير مأجور. وإذا قيس المورد بالدخل النقدي فقط، تختفي مساهمتها ويُساء تقدير قوتها الفعلية.
كما أن قرب العائلة الممتدة في القرية قد يزيد الدعم والرقابة معاً، بينما يمنح السكن الحضري قدراً من الخصوصية لكنه يرفع كلفة الرعاية. لهذا يجب فهم المجال بوصفه تركيباً من فرص وقيود، لا رتبة على مقياس واحد للحداثة.
الهجرة والأسرة العابرة للحدود
توزع الهجرة أفراد الأسرة بين بلدان ومدن، لكنها لا تنهي وظائفها. قد يمارس الأب أو الأم الإعالة عن بعد، ويتولى الجدّان الرعاية اليومية، ويشارك المهاجر في القرارات عبر الهاتف. هنا تنفصل السلطة الاقتصادية عن الحضور الجسدي: من يرسل المال قد يملك نفوذاً كبيراً، بينما يملك من يرعى الأطفال يومياً معرفة ونفوذاً من نوع آخر.
كما قد تعيد الهجرة ترتيب الأدوار بين الزوجين بحسب قوانين العمل والإقامة والخدمات في بلد الاستقبال. وقد ينشأ صراع بين قيم اكتسبها الأبناء في المدرسة وقيم يحاول الوالدان حفظها. ليست النتيجة ذوبان الهوية ولا ثباتها، بل تفاوضاً عابراً للحدود والأجيال.
هل أصبحت الأسرة الحديثة أكثر مساواة؟ مؤشرات للفحص السوسيولوجي
لا يمكن الإجابة بنعم أو لا من خلال شعار عام. المساواة متعددة الأبعاد، وقد تتقدم في مجال وتتأخر في آخر. لذلك يفيد فحص خمسة مؤشرات مترابطة:
- توزيع القرار: هل يشارك الطرفان في القرارات الكبرى والصغيرة؟ وهل يستطيع كل واحد طرح موضوعات غير مريحة دون خوف؟
- توزيع الزمن: من يتحمل ساعات العمل المأجور والمنزلي والرعائي والذهني؟ وهل يملك الطرفان وقتاً للراحة والتكوين؟
- توزيع الموارد: هل يملك كل طرف وصولاً فعلياً إلى المال والمعلومات والشبكات، أم يحتاج إلى إذن دائم؟
- توزيع الكلفة والفرص: من يغير عمله أو يؤجل دراسته أو يخفض ساعات الدوام عندما تأتي مسؤولية جديدة؟
- الاعتراف والقابلية للمراجعة: هل تُقدَّر الأعمال غير المدفوعة؟ وهل يستطيع أفراد الأسرة تعديل التقسيم عندما تتغير الظروف؟
قد يتفق زوجان، برضا حقيقي، على تخصص أحدهما في الرعاية والآخر في الإعالة. لا يجعل اختلاف الدور الترتيب ظالماً في ذاته. يبدأ الاختلال عندما يكون الاختيار مفروضاً، أو حين لا يملك المتخصص في الرعاية حماية اقتصادية وصوتاً في القرار، أو عندما تُنسب القيمة كلها إلى الدخل ويُعامل العمل المنزلي كأنه لا شيء.
وبالمثل، لا تعني مشاركة الطفل إلغاء سلطة الوالدين. المعيار هو أن تكون السلطة متناسبة مع العمر، موجهة إلى المصلحة والحماية، قابلة للشرح، وغير مهينة. المساواة الأسرية ليست تطابقاً بين المواقع، بل مساواة في الكرامة مع توزيع مسؤوليات يراعي القدرة والحاجة.
من الأسرة كمؤسسة ثابتة إلى الأسرة كعمل اجتماعي مستمر
تكشف النظريات والبيانات أن الأسرة الحديثة لم تفقد وظائفها الأساسية: الرعاية والتنشئة والانتماء والتضامن بين الأجيال. لكنها لم تعد تؤديها بالطريقة نفسها أو تحت شرعية واحدة. فقد تراجع، في بيئات كثيرة، احتكار المكانة الموروثة للسلطة، وصعدت موارد التعليم والدخل والمعرفة والقانون والقدرة على الرعاية. وفي الوقت نفسه بقيت العادات والرموز والتوقعات الجندرية قادرة على إعادة إنتاج تفاوتات لا تظهر في القرار العلني.
لهذا لا يصح اختزال التحول في «سقوط سلطة الأب» أو «صعود سلطة المرأة» أو «تمرد الأبناء». الأدق أن السلطة الأسرية أصبحت متعددة المواقع. قد يمتلك الأب المورد المالي، والأم إدارة الحياة اليومية، والجدّة سلطة رمزية، والابن خبرة رقمية، والقانون حدوداً لا يستطيع الجميع تجاوزها. ويجري التفاوض بين هذه الموارد داخل بنية لا يتساوى فيها الأشخاص دائماً.
وتقدم سوسيولوجيا الأسرة هنا درساً أوسع: لا تتحقق المساواة بمجرد تغير الخطاب، ولا يحفظ التضامن بمجرد التمسك بالشكل القديم. تحتاج الأسرة إلى الاعتراف الصريح بالعمل المرئي والخفي، وإلى قواعد قابلة للمراجعة، وإلى حماية من التبعية، وإلى سلطة مسؤولة لا تخلط الحزم بالإذلال ولا الاستقلال بقطع الروابط.
إن السؤال الحاسم لم يعد: من يجب أن يطيع من؟ بل: كيف توزع الأسرة القرار والوقت والموارد والرعاية بطريقة تحفظ المسؤولية من دون احتكار، وتحفظ الاختلاف من دون تحويله إلى تبعية؟ وبقدر ما تنجح الأسرة في الإجابة العملية عن هذا السؤال، تصبح مدرسة يومية للإنصاف والثقة والتعاون، لا مجرد مكان يجمع أفراداً تربطهم صلة القرابة.
المصادر والمراجع
- Beck, Ulrich & Elisabeth Beck-Gernsheim. Individualization: Institutionalized Individualism and Its Social and Political Consequences. SAGE, 2002.
- Blood, Robert O. & Donald M. Wolfe. Husbands & Wives: The Dynamics of Married Living. Free Press, 1960.
- Bourdieu, Pierre. Masculine Domination. Stanford University Press, 2002.
- Daminger, Allison. “The Cognitive Dimension of Household Labor.” American Sociological Review, 84(4), 2019, 609-633.
- Daminger, Allison. “De-gendered Processes, Gendered Outcomes.” American Sociological Review, 85(5), 2020, 806-829.
- Finch, Janet. “Displaying Families.” Sociology, 41(1), 2007, 65-81.
- Giddens, Anthony. The Transformation of Intimacy. Stanford University Press, 1992.
- Hochschild, Arlie Russell & Anne Machung. The Second Shift. Viking/Penguin, 1989 وما تلاها من طبعات منقحة.
- James, Allison & Alan Prout (eds.). Constructing and Reconstructing Childhood. Routledge, 1990/2015.
- Jamieson, Lynn. “Intimacy Transformed? A Critical Look at the Pure Relationship.” Sociology, 33(3), 1999, 477-494.
- Lukes, Steven. Power: A Radical View. Macmillan/Palgrave، الطبعات المنقحة.
- Morgan, David H. J. Family Connections: An Introduction to Family Studies. Polity, 1996؛ وانظر أيضاً مقاله “Locating Family Practices”، 2011.
- Parsons, Talcott & Robert F. Bales. Family, Socialization and Interaction Process. Free Press, 1955.
- Weber, Max. Economy and Society. University of California Press، الترجمة الإنجليزية المرجعية، 1978.
- West, Candace & Don H. Zimmerman. “Doing Gender.” Gender & Society, 1(2), 1987, 125-151.
- Wong, Jaclyn S. & Allison Daminger. “The Myth of Mutuality.” Gender & Society, 38(2), 2024, 157-186.
- Barakat, Halim. The Arab World: Society, Culture, and State. University of California Press, 1993.
- Mernissi, Fatema. Beyond the Veil: Male-Female Dynamics in Modern Muslim Society. الطبعة الأولى 1975، وطبعات منقحة لاحقة.
- Sharabi, Hisham. Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society. Oxford University Press, 1988.
- Arab Barometer. Gender Attitudes and Trends in MENA: The Effects of Working Women 2023-2024.
- Haut-Commissariat au Plan. Rapports sociaux intrafamiliaux، نتائج الموجة الثالثة من بحث آثار الجائحة على الأسر بالمغرب، 2022.
- International Labour Organization. Unpaid care work prevents 708 million women from participating in the labour market، 2024.
- UN Women. What is unpaid care work and how does it power the economy?.
- UNICEF Innocenti. Childhood in a Digital World، 2025.

