إرنست رينان و الإسلام
مقدمة:
لقد شكلت الحضارة العربية الإسلامية، مجالا خصبا للبحث والدراسة، فبرزت أسماء كثيرة اهتمت بدراسة ثقافة وتراث العرب والمسلمين، ، ولعل أهم من عني بالتنقيب في هذا التراث ودراسته هم فئة من الدراسيين الغربيين عرفوا بالمستشرفين، الذين كتبوا في شتى القضايا الإسلامية ابتداءً من القرآن الكريم وتفسيره والكتابة حول السنة النبوية والتاريخ الإسلامي إلى الكتابة في اللغة العربية وآدابها وشتى القضايا في الإسلام وحياة المسلمين اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، فكانت نتاجات أعمالهم مختلفة حسب منهجية كل باحث ومرجعيته، ويعد المستشرق الفرنسي الفيسلوف ارنست رينان أحد أعمدة الاستشراق في فرنسا وأوربا، نظرا لحجم الأعمال والإصدرات التي خلفها والتي كان محور اهتمامه فيها هي التراث الإسلامي، وقد عرف عن رينان تميزه بمواقفه حول الإسلام والعلم والفلسفة الإسلامية، وسنحاول في هذه الورقة تسليط قليل من الضوء على بعض من آراء هذا الفيلسوف عن الإسلام، منطلقين من السؤال الآتي: كيف قرأ رينان موضوع الإسلام؟ ؟ وكيف فسر تخلف المسلمين في عصره؟
أولا: كورنولوجيا فلسفة ارنست رينان
1- حياة ارنست رينان
إرنست رينان Ernest Renan مؤرخ وفيلسوف ومستشرق فرنسي، ولد يوم 28 فبراير1823 في تريغييه Tréguier، وهي بلدة في مقاطعة بروتانية Bretagne الواقعة في الجزء الشمالي الغربي من فرنسا، لأسرة عانت الفقر وضيق العيش، ولد ببنية نحيفة هزيلة حتى أنه خيف عليه من الهلاك، كان والده فرانسوا فيليبرت رينان، بحارا، تزوج في 31 ديسمبر 1807 من ابنة بحار يدعى مادلين جوزيف فيجر، كانت السيدة رينان بسيطة مجتهدة ومتدينة جدا، أثمرت علاقتهما الزوجية ثلاثة أطفال وهم، آلان كيلر الذي سيصبح بحارا مثل والده، وهنرييت ماري، المولودة في 22 يوليو 1811، والتي كانت حياتها متشابكة بشكل وثيق مع حياة الطفل الثالث الذي لم يكن سوى فيلسوفنا ، ارنست جوزيف الذي ولد بعد 12 سنة من ولادة أخته، عندما لم تعد الأسرة تتوقع مولودا جديدا، بعد خمس سنوات من ولادة ارنست، سئم الأب من النضال ضد سوء الحظ فألقى بنفسه في البحر من أعلى السفينة، ترك موت الأب السيدة رينان مع طفل صغير بين ذراعيها، فريسة للدائنين، كانت أخته الكبرى رائعة في جهدها وتفانيها، كانت تعمل بكل قوة لتعيل نفسها وأخاها الصغير، وأظهرت نفسها حقا على أنها المرأة القوية التي تستحق كل الثناء.
دخل ارنست الكنسية وبها أتم دراسته الأولى ليحصل وهو في سن خمسة عشر سنة على منحة ليلتحق بالمدرسة الثانوية للقديس نيكولاس دو شاردونيت ،.وفي عام 1842 ، ذهب رينان إلى مدرسة إيسي لدراسة الفلسفة ،فقرأ لكبار الفلاسفة و المفكرين الألمان ، وخاصة هيجل وهايدجر ، ما أثر في كثير من أفكاره وقناعاته ، خلال عامي 1843 و 1844 ، أظهرت دراسة تاريخ اللغة السامية ، التي كرس نفسه لها أن الكتاب المقدس لا يمكن أن يكون كتابًا ملهمًا ، في 1845 تخلى نهائياً عن مشروعه لتكريس نفسه للكهنوت، ليتجه نحو دراسة الفلسفة ونقد الأفكار الدينية وهو ما سيتوجه سنة 1852 بأطروحته للدكتوراه حول “ابن رشد والرشدية” حيث أظهر فيها مخاطر العقيدة التي أوقفت تطور الفكر العلمي والفلسفي عند المسلمين. سار ارنست على نفس الطريق فيما تعاقب من اصداراته، وهو ما سيعرضه لنقد وهجوم لاذع وخاصة من الكنيسة وذلك بعد اصداره كتاب “حياة المسيح”، توفي ارنست رينان بعد معاناة مع المرض يوم 2 اكتوبر 1892، وكان مما قاله قبيل وفاته ،لقد أنهيت مهمتي ، أموت سعيدًا، لا يوجد شيء طبيعي أكثر من الموت. دعونا نقبل قانون الكون[1].
2 أعمال ارنست رينان و كتابته
خلف ارنست رينان تراثنا فكريا وعلميا غنيا تراوحت إصدارته مابين تاريخ اللغة والفكر الديني والفلسفة، بالإضافة الى محاضراته ومن أهمها وأشهرها محاضرته “الإسلام والعلم” والتي ألقاها في السوربون في 29 مارس 1883، والتي ضمنها خلاصة آراءه عن الإسلام والمسلمين,
من أهم ما كتب ارنست رينان نجد:
ابن رشد والرشدية(1852) الذي فتح به أفقا جديدة في حقل الدراسات الفلسفية الإسلامية، وصار مرجع جميع الباحثين في فلسفة ابن رشد,
حياة المسيح(1863) الذي كتبه رينان وهو في لبنان تحدث فيه عن المسيح بوصفه “إنسان منقطع النظير” وتلا هذا الكتاب ستة مجلدات أخرى عن أصول المسيحية
بعثة فينيقيا (1865-1874)
المسيح الدجال (1873)
كاليبان (1878)
تاريخ شعب إسرائيل – 5 مجلدات – (1887-1893)
ماء الشباب (1880)
ذكريات الطفولة والشباب (1884)
كاهن نيمي (1885)
فحص الضمير الفلسفي (1889)
الإصلاح الفكري والأخلاقي (1871)
ما هي الأمة؟ (محاضرة ألقاها في 11 مارس 1882 في السوربون)
مستقبل العلوم (1890)[2]
ثانيا: ارنست رينان والإسلام
1- ارنست رينان واللغة العربية
يقول عبد الرحمان بدوي في كتابه موسوعة المستشرقين صفحة 311، أتقن رينان اللغة العبرية، أما العربية فلم يتقنها، ويعزوا هو السبب في ذلك إلى كون أستاذه في اللغات السامية في معهد سان سلييس ، لم يكن ضليعا في العربية، يقول رينان:” كلما أتصف به باعتباري عالما ، فإنما أدين به للسيد لوهير Lehir ويبدوا أحيانا أن كل مالم أتعلمه منه، فإني لم أعلمه جيدا أبدا, فهو مثلا لم يكن ضليعا في العربية، ولهذا السبب بقيت أنا دائما مستعربا ضعيف المستوى”[3]
ويعقب عبد الرحمان بدوي قائلا: ولقلة معرفته بالعربية لم ينشر رينان أي نص عربي، وحتى النصوص العربية التي ألحقها برسالة الدكتوراه وعنوانها “ابن رشد والرشدية”(سنة 1852) هي نصوص كان قد حقق مونك Munk ثلاثة منها وهي النصوص المأخوذة عن ابن الآبار، والأنصاري والذهبي، لكن حالة بصره (العمى) حالت دون مراجعتها، وقد طبعها رينان ملحقا لكتابه هذا، واستعان في طبعه لنص الأنصاري بالمستشرقين، دي سلان، ودوزي، ودارنبور .. لكن قلة بضاعته في اللغة العربية لم تقلل من اهتمامه بالثقافة العربية والموضوعات الإسلامية، بل حرص على متابعة ما يصدر من كتب ودراسات في هذا الميدان، وراح يكتب عن هذه الكتب في مقالات إضافية”[4]
2- رينان، الإسلام والعلم
في 29 مارس 1883 ألقى ارنست رينان بجامعة السوربون محاضرة بعنوان” الإسلام والعلم” نشرت في اليوم الموالي في جريدة” Journal des Dèbats” وقد أثارت هذه المحاضرة ردودا كثيرة كان من أبرزها رد جمال الدين الأفغاني بمقال نشر في عدد 18 ماي سنة 1883 في الجريدة نفسها. وفي اليوم التالي أجاب رينان عن هذا الرد في نفس الجريدة بتاريخ 19 ماي. وكان رينان قد تعرف قبل ذلك بشهرين تقريباً إلى جمال الدين الأفغاني، وسنقف باختصار على أهم الأفكار اتي طرحها رينان في هذه المحاضرة والتي شكلت جوهر رؤيته إلى الإسلام,
وللإشارة فإن محاضرة رينان هذه نشرت مترجمة في عدة كتب، وسأكتفي في هذه الورقات بذكر مرجع واحد أورد هذه المحاضرة مع الردود عليها وهو كتاب: الإسلام والعلم (مناظرة رينان والأفغاني) ترجمة ودراسة مجدي عبد الحافظ[5] وسأورد هنا أهم ما ورد في هذه المحاضرة، يقول ارنست رينان:
(إن أي إنسان يعرف حدا أدنى من شؤون عصرنا ليرى بوضوح مدى التدني الحالي للبلدان الإسلامية فمن انحطاط الدول التي يحكمها الإسلام إلى الانعدام الفكري الذي يميز الأجناس التي تعتمد في ثقافتها وتربيتها على هذه الديانة وحدها. إن كل الذين زاروا الشرق أو أفريقيا، قد صدمتهم هذه الاتكالية التي تستبد بعقل أي معتنق لهذه الديانة وهذا النوع من الحلقة الحديدية التي تحيط برأسه فتغلقه تماما أمام العلم وتحول دون انفتاحه على أية فكرة جديدة… إن الطفل المسلم قد يكون في البدء مالكا لبعض الاستعدادات العقلية ولكنه ما إن يلقن بعض المبادئ الإسلامية ويبلغ سن العاشرة أو الثانية عشر حتى يصبح فجأة متعصبا مملوءا بنخوة عقيمة في كونه أصبح مالكا لما يزعم أنه الحقيقة المطلقة، وكأنه سعيد بحصوله على ما يجعل منه في نظرنا شخصا في الدرجة السفلى.
إن هذا الكبر الجنوني هو العقدة الجوهرية للمسلم. فالبساطة المظهرية لمعتقده توحي إليه بنوع من الكراهية لا مبرر لها لكل الديانات الأخرى، واقتناعا من المسلم بأن الله هو واهب المال والسلطة لمن يشاء دون اعتبار للمعرفة أو للقدرات فإن المسلم لديه بغض عميق لكل ما هو ثقافة أي لكل ما يشكل العقل الأوربي)
ويتساءل: (وهل وجد حقا علم إسلامي أو على الأقل علم تبناه ويسمح به الإسلام؟).
ثم يقول: (فالعربي البدوي هو أكثر الناس اهتماما بالأدب ولكنه أقلهم تصوفا وأنقصهم ميلا إلى التفكير والتأمل).
ويقول:(إنما يميز أساسا المسلم هو كراهيته للعلم وقناعته بأن البحث العلمي غير مجد لكونه مطية للزندقة وخاصة علم الطبيعة لأنه ينافس الله في علمه… وفي ما يخصني بالذات فقناعتي أن العلم جيد وأنه وحده القادر على منحنا أسلحة ضد الشر وأن هذا العلم في النهاية لا يخدم سوى التقدم وأعني بالتقدم التقدم الحقيقي الذي لا يمكن فصله عن احترام الإنسان واحترام الحرية)
2 رد جمال الدين الأفغاني على محاضرة ارنست رينان
يقول الدكتور عبد الرحمان بدوي: لقد كان رد جمال الدين الأفغاني على رينان شديد الترفق إلى درجة أنه ساير رينان في كثير من الملاحظات التي أبداها عن اضطهاد الإسلام للعلماء. وجمال الدين الأفغاني، في تعليقه على رينان المنشور في جريدة Journal des Dèbats بتاريخ يوم الجمعة 18 مايو سنة 1883 يعترف بصحة دعوى رينان ها هنا، وفي الوقت نفسه يذكّره بأن هذا الموقف من العلم ليس موقف الإسلام وحده، بل موقف المسيحية أيضاً[6].
يورد مجدي عبد الحافظ في كتابه الإسلام والعلم[7] ، رد الأفغاني كاملا ومما جاء فيه: يستهل جمال الدين الأفغاني حواره مع أرنست رينان بالإشادة بقيمته الفلسفية وتقديره لشهرته التي فاقت الحدود… فيقول: (إن خطاب رينان قد اشتمل على نقطتين أساسيتين أولاهما أنه بذل جهده في إثبات أن الإسلام في جوهره الأساسي معاد لكل تطور علمي, وثانيا أن الشعب العربي بطبيعته لا يحب العلوم الميتافيزيقية ولا الفلسفية… فإذا سلمنا جدلا بأن الدين الإسلامي قد مثل عقبة في طريق التقدم العلمي، هل يمكن التأكيد بأن هذه العقبة لا يمكنها أن تزول يوما ما؟ وأين يختلف الإسلام هنا عن باقي الديانات الأخرى؟ إن كل الديانات تملك نوعا من عدم التسامح ولكن لكل ديانة طريقتها في التعبير عن ذلك.
فإذا سلمنا مع المحاضر بحقيقة كون الإسلام قد عمل على خنق أنفاس العلم وأوقف كل تقدم وإذا قبلنا بكون الإسلام قد عرقل الحركة العقلية والفلسفية وصد العقول عن طريق البحث في الحقيقة العلمية فإن نفس المحاولة إذا لم أخطئ قد قامت بها الديانة المسيحية, وأن قادة الكنيسة الكاثوليكية حسب علمي لم يتخلوا عن أسلحتهم في محاربة ما يعتبرونه “مصدرا للصراع والخطأ” وقناعتنا أن أتباع أي دين إنما يتبعون في ذلك الخط الذي رسمه لهم علماء الدين ومفسروه، ذلك أن هؤلاء الأتباع لديهم اليقين الكامل بأن دينهم يحتوي على كل معاني الأخلاق، وكل معاني العلوم ولذلك فهم مصممون على أن لا يقوموا ببذل أي جهد لتجاوز هذا الدين، وما جدوى القيام بمثل هذه المحاولة؟ وما يفيد البحث عن حقيقة أخرى مادام المؤمن بهذا الدين يعتقد جازما بأن الحقيقة موجودة في معتقده؟ وهل سيكون أسعد من ذلك لو قدر له أن يفقد إيمانه في يوم من الأيام؟).
ويقول: (جاء العرب الذين كانوا آنذاك جهلة ومتخلفين جاءوا لينقذوا التراث الذي تخلت عنه الأمم المتحضرة فأعادوا إضاءة مصابيح العلوم المنطفئة وطوروها ومنحوها إشعاعا لم تعرفه من قبل. ألا يمثل هذا علامة من علامات حب العرب الطبيعي للعلم؟. صحيح أن العرب قد أخذوا عن اليونان فلسفتهم كما أخذوا عن الفرس كل معالم شهرتهم في القديم ولكن هذه العلوم التي أخذوها عن طريق الفتوحات قد عملوا على تطويرها وشرحها وتنميتها وتكملتها والتنسيق بينها بإعطائها ذوقا رائعا وتحديدا ومصداقية نادرين لكن هذا كله في الوقت الذي كان فيه الفرنسيون والألمان والإنجليز أقل بعدا من مركزي إشعاع روما وبيزنطة بالنسبة للعرب الذين كانت عاصمتهم بغداد… نحن نعترف بأن البلدان التي وصلت إلى قمة الإشعاع العلمي كالعراق والأندلس قد عادت فسقطت من جديد في حظيرة الجهل والتعصب الديني ولكن لا بد لنا من أن نستخلص رغم ذلك من هذا المشهد المؤلم أن التقدم العلمي والفلسفي في العصر الوسيط إنما يعود الفضل فيه إلى الشعب العربي الذي كان نفوذه هو السائد آنذاك.
إن الإنصاف يقتضيني أن أشيد هنا بخصائص العلماء الفرس وبالدور الذي لعبوه في العالم العربي ولكنني أسمح لنفسي أيضا بأن أقول بأن الحرانيين قد كانوا عربا وأن العرب عندما فتحوا “الأندلس”([2]) لم يفقدوا جنسيتهم فقد كانوا عربا حتى قبل الإسلام بقرون عديدة وكانت اللغة العربية هي لغتهم الأصلية وكونهم احتفظوا بديانتهم القديمة الصابية لم يكن ذلك يجعل منهم غرباء عن القومية العربية فالقساوسة السوريون هم في أغلبهم عرب غساسنة اعتنقوا المسيحية).
– ثم يختم جمال الدين ردَّه فيؤكد أن إشكالية الدين والفلسفة ستظل قائمة.
ويقول: (هذه الإشكالية ستظل قائمة وأنه كلما أتيح للدين أي دين أن ينتصر في أي مكان فإن ذلك سيؤدي إلى انحصار نفوذ الفلسفة والعكس صحيح فكلما انتصرت الفلسفة وما يصاحبها من عقل حر فسيتقلص دور الدين معها)
3- تعقيب رينان على رد الأفغاني
بمجرد أن نشر رد جمال الدين الأفغاني في الجريدة الفرنسية ، سارع ارنست رينان الى كتابة رد على ما أورده الأفغاني فيما يشبه المناظرة، وقد حاول رينان في رده هذا أن يبين أن موقفه من الإسلام هو نفسه موقفه من المسيحية، يقول رينان في مقتطف من رده ، «وثم جانب بَدَوْتُ، فيه للشيخ (جمال الدين) أنني لم أكن عادلاً، وهو أنني لم أفصّل القول بما فيه الكفاية عن هذه الفكرة، وهي أن كل دين موحى به منقاد إلى إبداء العداء للعلم الوضعي، وأن المسيحية في هذا الشأن صنعت صُنْعَ الإسلام. وهذا أمر لا شك فيه. إن جالليو لم تعامله الكاثوليكية معاملة أفضل من المعاملة التي عامل الإسلام بها ابن رشد. إن جالليو عثر على الحقيقة وهو يقيم في بلد كاثوليكي، على رغم أنف الكاثوليكية، مثلما أن ابن رشد تفلسف على نحو نبيل في بلاد الإسلام، على رغم أنف الإسلام، فإن كنت لم أقم بمزيد من الإلحاح في توكيد هذه النقطة، فلذلك أن آرائي في هذا الصدد معروفة بدرجة كافية بحيث لم أحتج إلى العودة إليها أمام جمهور مطّلع على أعمالي. ولقد قلت مراراً كافية تغني عن تكرار ذلك في كل مناسبة، إن العقل الإنساني يجب أن يتخلص من كل عقيدة قائمة على الخوارق، إن شاء أن يتوفر على عمله الجوهري، إن أراد هو تشييد العلم الوضعي. ولا يستوجب هذا هدماً عنيفاً، ولا قطيعة مفاجئة. ولا يقتضي الأمر من المسيحي أن يتخلى عن مسيحيته، كما لا يقتضي من المسلم أن يتخلى عن إسلامه. وإنما المطلوب من المستنيرين من المسيحيين ومن المسلمين هو أن يصلوا إلى هذه الحالة من الاستواء المتسامح التي فيها تصبح العقائد الدينية غير مؤذية. وهذا أمر قد تم في نصف البلاد المسيحية تقريباً؛ فلنؤمّل أن يحدث الشيء نفسه بالنسبة إلى الإسلام”[8].
خلاصة
يتضح مما سبق ذكره أن ارنست رينان وإن كان في جوانب من آراءه شديد اللهجة ضد الإسلام والتراث الإسلامي، إلا أن الإنصاف يقتضي القول أن جزءا مما قاله صحيح، وخاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار السياق التاريخي الذي عاش فيه رينان وهو سياق عرف نكسة تاريخية وحضارية أصابت العرب والمسلمين في بلدان كثيرة، فعم التخلف والجهل واختفى العلم والفكر والفلسفة، بل وحتى اذا رجعنا الى العصور المزدهرة للحضارة الاسلامية فليس بخاف ما تعرض له كثير من العلماء والفلاسفة ورجالات التصوف الكبار من المضايقة والتنكيل والقتل، لأسباب دينية وسياسية، إلا أن ما يمكن أن يؤخذ على رينان هو أنه لا يفرق بين الدين والتدين، بين الوحي وتطبيقات الناس له بحسب ظروفهم ومصالحهم، فالدين عنده هو كل شكل من أشكال التدين في تاريخ المسلمين، حتى ولو كان انحرافا عقديا وسلوكيا، وبناء على ذلك ينسب تخلف المسلمين وخفة وزنهم في العالم خلال القرن التاسع عشر إلى علة ملازمة لتاريخهم ولا يتصور أنها تفارقهم مذ أن تمكنت منهم وهي علة “الدين الإسلامي”، ثم إن رينان رغم انه استفاد من المناهج النقدية المعاصرة، غير أنها لم تزح من ذهنه ايديولوجية التفوق الأوربي والازدراء بالآخرين، ولم تمنعه من أن يتعامل بتعميم وانتقائية كلما تعلق الأمر بقضية من قضايا الإسلام والمسلمين والعرب، فهو لا يخفي اتهامه للدين في نسبة كل نقص وقع في تاريخ المسلمين وحاضرهم له، وعموما فإن ارنست رينان يبقى واحدا من أكبر المستشرقين الذي اهتموا بدراسة الاسلام و أثمروا دراسات وأعمالا مهمة، ومن المهم الاشارة الى أن ارنست رينان يجب ان يُدرس بإنصاف وربط انتاجاته بسياقاتها التاريخية.
المصادر والمراجع:
-مجدي عبد الحاافظ، الإسلام والعلم (مناظرة رينان والغزالي) اصدارات المجلس الأعلى للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة القاهرة عدد 829 الطبعة الأولى
-بن صحراوي ميومنة، الفلسفة الإسلامية نظرة اسششراقية، ارنست رينان نموذجا، بحث لنيل شهادة الماجستر، جامعة ابن خلدون الجزائر السنة الجامعية 2021/2022
– عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين بيروت لبنان، الطبعة الثالثة يوليو 1993
– H.desportes et F.bournand. Ernest renan : Sa vie et son œuvre.paris libraire saint-joseph . tolra libraire editeur 1893
[1] انظرH.desportes et F.bournand. Ernest Renan : Sa vie et son œuvre. Paris libraire saint-joseph . tolra libraire editeur 1893 ; Pages 1 à 27
[2] بن صحراوي ميمونة، الفلسفة الإسلامية نظرة اسششراقية، ارنست رينان نموذجا، بحث لنيل شهادة الماجستير، جامعة ابن خلدون الجزائر السنة الجامعية 2021/2022 ص 31و32
[3] عبد الرحمان بدوي، موسوعة المستشرقين، دار العلم للملايين بيروت لبنان، الطبعة الثالثة يوليو 1993 ص311
[4] المصدر نفسه ص 311-312
[5] مجدي عبد الحاافظ، الإسلام والعلم (مناظرة رينان والغزالي) اصدارات المجلس الأعلى للثقافة ضمن المشروع القومي للترجمة القاهرة عدد 829 الطبعة الأولى 2005 ص 33الى 49
[6] عبد الرحمان بدوي مرجع سابق ص 316
[7] مدي عبد الحافظ مرجع سابق ص 54 الى 62
[8] المصدر نفسه ص65-66