تفتح الجريمة من منظور سوسيولوجي باباً لسؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: لماذا يرتكب بعض الناس الجرائم؟ لكن ما إن نحاول الإجابة حتى نجد أنفسنا أمام واحدة من أعقد قضايا سوسيولوجيا الجريمة. فلو كان الفقر وحده يصنع المجرمين، لكان كل الفقراء مجرمين، وهذا غير صحيح. ولو كانت الأسرة المضطربة سبباً كافياً، لخرج كل من عاش طفولة صعبة إلى الجريمة، وهو ما تكذبه حياة ملايين البشر. ولو كان ضعف العقوبة وحده هو المسؤول، لكان تشديد العقوبات كافياً للقضاء على الانحراف، بينما تبين الخبرة الاجتماعية والدراسات العلمية أن الظاهرة أشد تعقيداً.
لا تنفي السوسيولوجيا مسؤولية الإنسان عن أفعاله، ولا تحول الجاني إلى ضحية بلا إرادة، لكنها ترفض اختزال الجريمة في عبارة من قبيل «شخص سيئ اتخذ قراراً سيئاً». فهي تسأل عما يوجد خلف الفعل نفسه: كيف تشكلت فرص الفرد؟ وما نوع الأسرة والحي والمدرسة وجماعة الأقران التي عاش بينها؟ وما علاقته بالمؤسسات الاجتماعية؟ وهل يتعلم الناس السلوك الإجرامي ومبرراته؟ ومن يضع القواعد ويطبقها؟ وماذا يحدث للإنسان عندما تُختزل هويته كلها في وصف «المنحرف» أو «المجرم»؟
بهذا المعنى، لا تسأل السوسيولوجيا فقط: ماذا فعل الشخص؟ بل تسأل كذلك: في أي سياق اجتماعي وقع الفعل، وما الظروف التي رفعت احتماله أو قاومته؟
وتؤكد المراجعات العلمية اتساع الظاهرة وتعقدها. فقد صنفت مراجعة منهجية لـ61 دراسة كثيرة الاستشهاد و488 ملخصاً بحثياً موضوعات انحراف المراهقين في محاور تشمل الأسرة، والتنشئة الاجتماعية، والأقران، والمدرسة، والتعرض للإيذاء، والعوامل الاجتماعية والديموغرافية والفردية. كما وجدت حضوراً متكرراً لنظريات الضغط والتعلم الاجتماعي والضبط الاجتماعي والضبط الذاتي في الدراسات المعاصرة (Cioban et al., 2021). هذه الخلاصة لا تثبت نظرية واحدة، لكنها توضح منذ البداية أن تفسير الجريمة يحتاج إلى أكثر من مستوى وأكثر من عدسة.
الجريمة من منظور سوسيولوجي: من الفعل الفردي إلى السياق الاجتماعي
الجريمة ليست مجرد مسألة فردية
من السهل أن ننظر إلى السرقة أو الاعتداء أو الاحتيال فنرى شخصاً اتخذ قراراً ممنوعاً. لكن النظرة السوسيولوجية تضيف مستوى آخر إلى التحليل: لماذا تتكرر أنواع معينة من الجرائم في بيئات محددة؟ ولماذا ترتفع معدلات بعض أشكال الانحراف في أحياء أو جماعات أو مراحل عمرية دون غيرها؟ ولماذا تتغير أنماط الجريمة عندما يتغير المجتمع؟
إذا كانت الجريمة مجرد صفة شخصية، فمن الصعب تفسير تمركزها المكاني أو تغيرها التاريخي أو انتقال بعض أنماطها عبر الجماعات. أما عندما ننظر إليها بوصفها سلوكاً يحدث داخل شبكة من العلاقات والقيم والفرص والضوابط، تبدأ الصورة في الاتضاح.
ولا يعني ذلك أن الفرد نتيجة ميكانيكية لبيئته. فالأشخاص الذين يعيشون في الحي نفسه لا يتصرفون بالطريقة نفسها، والأشقاء الذين ينشؤون في الأسرة نفسها قد يسلكون مسارات متباينة. لذلك ترفض المقاربات السوسيولوجية الدقيقة الاختيار المصطنع بين «الفرد» و«المجتمع»، وتنظر بدلاً من ذلك إلى التفاعل بين الفاعلية الفردية والشروط الاجتماعية.
الجريمة ليست مرادفاً لكل انحراف
يحتاج المقال إلى تمييز مفهومي مهم: الجريمة فعل يجرّمه القانون في زمان ومكان محددين، أما الانحراف فهو أوسع، ويشير إلى مخالفة قاعدة أو توقع اجتماعي. قد يكون سلوك ما مستهجناً اجتماعياً من غير أن يكون جريمة، وقد يكون فعل آخر مجرّماً قانوناً من غير أن يثير الدرجة نفسها من الاستنكار في جميع الجماعات.
هذا الفرق ضروري لأن كثيراً من النظريات، ولا سيما نظرية الوصم، تدرس الانحراف ورد الفعل الاجتماعي إلى جانب الجريمة بمعناها القانوني. كما أن القانون نفسه يتغير تاريخياً؛ فما يُجرّم في مجتمع قد يُنظم بطريقة مختلفة في مجتمع آخر. غير أن تغير التعريف القانوني لا يجعل الضرر وهماً، ولا يلغي وجود أفعال مثل القتل والاعتداء والاحتيال التي تمس مصالح أساسية يحميها كل نظام اجتماعي تقريباً.
عامل الخطر ليس سبباً حتمياً
حين تقول دراسة إن ضعف الروابط الأسرية يرتبط بارتفاع احتمال الجنوح، فإنها لا تقول إن كل طفل يعاني ضعفاً أسرياً سيصبح جانحاً. وحين ترتبط بعض الأحياء بمعدلات جريمة أعلى، لا يعني ذلك أن سكانها يحملون صفة إجرامية. وحين يظهر ارتباط بين الأقران المنحرفين والجريمة، لا يعني ذلك أن كل من خالط شخصاً منحرفاً سيقلده.
عامل الخطر يزيد احتمال نتيجة معينة داخل شروط محددة، لكنه لا ينتجها حتماً. وقد يتغير أثره بحسب توقيته ومدته وتفاعله مع عوامل أخرى، كما تستطيع عوامل الحماية أن تخفضه. وهذا التمييز ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه الحاجز الذي يمنع البحث العلمي من التحول إلى وصم اجتماعي أو تنبؤ قدري بمستقبل الناس.
النظريات البنيوية والمكانية في سوسيولوجيا الجريمة
دوركايم: لماذا توجد الجريمة في كل المجتمعات؟
كان إميل دوركايم من أوائل من قلبوا السؤال رأساً على عقب. فبدلاً من التساؤل عن كيفية إنشاء مجتمع يخلو تماماً من الجريمة، رأى أن وجود قدر من مخالفة القواعد ملازم للحياة الاجتماعية، لأن أفراد المجتمع لا يتطابقون بالكامل في قيمهم وميولهم وتصرفاتهم.
لم يكن يقصد أن الجريمة مرغوبة أخلاقياً، ولا أن كل معدل منها «صحي». كانت فكرته سوسيولوجية: الجريمة «طبيعية» بمعنى وجودها في المجتمعات المختلفة، لا بمعنى صلاحها أو وجوب التساهل معها. كما رأى أن رد الفعل على المخالفة يعيد أحياناً تأكيد الحدود الأخلاقية للجماعة، وأن بعض الانحرافات قد تسبق تحولاً في القيم والقوانين. لكن المعدلات المفرطة أو الانهيار الواسع للضوابط يمكن أن يكونا علامة اضطراب لا وظيفة نافعة (Durkheim, 1895/1982).
وقد أعاد ديفيد وايزبورد وسيرينا فافارين وغالي بيري ومارتن أندرسن سنة 2026 قراءة أطروحة دوركايم في ضوء تمركز الجريمة في عدد محدود من الأماكن داخل المدن. لم يقدم الباحثون برهاناً بسيطاً على صحة الفكرة الأصلية، بل اقترحوا نقل النقاش من ثبات «معدل الجريمة» إلى انتظام تركيزها المكاني داخل نطاقات متقاربة عبر مدن وفترات مختلفة (Weisburd et al., 2026). وهذه إعادة تفسير معاصرة لأطروحة دوركايم، لا دعوة إلى قبول الجريمة أو التقليل من ضحاياها.
تكمن قيمة هذا التصور في أنه ينقل التفكير من سؤال «كيف نستأصل الشر نهائياً؟» إلى سؤال أدق: ما الذي يجعل معدلات الجريمة وأنواعها وتوزيعها ترتفع أو تنخفض، ولماذا؟
ميرتون: حين تعدنا الثقافة بالنجاح ولا تمنح الجميع الطريق إليه
طوّر روبرت ك. ميرتون مفهوم «الأنومي» الذي وضع دوركايم أسسه، وربطه ببنية الفرص. لاحظ أن المجتمعات لا تقدم لأفرادها أهدافاً فقط، بل تحدد كذلك وسائل مشروعة لتحقيقها. فقد يتعلم الفرد أن النجاح المادي والارتقاء الاجتماعي والتعليم الجيد والاحترام أهداف ينبغي السعي إليها، لكن وسائل بلوغها لا تتوزع دائماً بالقدر نفسه.
هنا تظهر نظرية الأنومي أو الضغط البنيوي: عندما تبالغ الثقافة في تمجيد أهداف معينة، في الوقت الذي تُغلق فيه السبل المشروعة أو تضيق أمام فئات من الناس، ينشأ توتر بين الأهداف والوسائل. وقد وصف ميرتون عدة أنماط للتكيف، أشهرها «الابتكار»، حيث يحتفظ الفرد بالهدف الثقافي لكنه يلجأ إلى وسائل غير مشروعة لتحقيقه. وإلى جانبه تحدث عن الامتثال والطقوسية والانسحاب والتمرد (Merton, 1938).
لا تعني النظرية أن الفقير «يصبح مجرماً لأنه فقير». هذه صياغة مبسطة وخاطئة. فمعظم من يواجهون انسداد الفرص لا يرتكبون الجرائم، وقد يثابرون أو يعيدون ترتيب أهدافهم أو يبحثون عن مسارات مشروعة أخرى. كما أن نظرية ميرتون أنسب لتفسير بعض جرائم الكسب والملكية من تفسيرها كل أشكال العنف أو الجرائم التي لا ترتبط بهدف النجاح المادي.
وطوّر روبرت أغنيو الفكرة في نظرية الضغط العام. فلم يعد الضغط مقتصراً على الفجوة بين النجاح والفرص، بل شمل الفشل في بلوغ أهداف ذات قيمة، وفقد أشياء أو علاقات إيجابية، والتعرض لمثيرات سلبية مثل الإهانة والإيذاء والصراع. ومع ذلك لا يقود الضغط إلى الجريمة تلقائياً؛ فالاستجابة تتأثر بالمشاعر وموارد التكيف والدعم والضبط والفرص المتاحة (Agnew, 1992).
وتظهر البحوث الحديثة أن الضغط لا يعمل في فراغ. فقد وجدت دراسة متعددة المستويات، استعملت بيانات مشروع تنمية الإنسان في أحياء شيكاغو، أن الحرمان المركز في الحي ظل مرتبطاً بالعنف المجتمعي بعد ضبط مؤشرات للرقابة الاجتماعية غير الرسمية، كما عدّل العلاقة بين بعض الضغوط الفردية والسلوك العنيف (Antunes & Manasse, 2022). والنتيجة هنا ارتباط مشروط داخل نموذج بحثي، لا حكم بأن الحرمان ينتج العنف حتماً.
مدرسة شيكاغو: أحياناً يكون السؤال «أين؟» بقدر أهمية «من؟»
شكّلت مدرسة شيكاغو تحولاً مهماً لأنها جعلت المدينة نفسها مجالاً للتحليل. درس كليفورد شو وهنري ماكاي توزيع جنوح الأحداث في الأحياء الحضرية، ولاحظا أن معدلات الجنوح ظلت مرتفعة في مناطق معينة حتى عندما تغير تركيب سكانها مع مرور الزمن (Shaw & McKay, 1942).
كانت هذه الملاحظة بالغة الأهمية: إذا تغير السكان وبقي التركز المكاني، فلا يكفي تفسير الجريمة بصفات الأفراد. ومن هنا تطورت نظرية التفكك الاجتماعي التي ربطت الجنوح بظروف مثل الحرمان الاقتصادي وعدم الاستقرار السكني وضعف التنظيم المحلي وتراجع قدرة المجتمع على الإشراف غير الرسمي وبناء التعاون.
ولا ينبغي فهم النظرية باعتبارها إدانة للأحياء منخفضة الدخل. فالفقر لا يساوي الجريمة، والحي الفقير ليس بالضرورة حياً خطراً. كما أن بعض صيغ النظرية المبكرة حملت افتراضات تحتاج إلى نقد، خاصة حين خلطت التنوع السكاني بضعف التنظيم. السؤال الأدق هو: هل تستطيع الجماعة المحلية تحويل علاقاتها ومواردها إلى ثقة وتعاون وقدرة على التدخل من أجل الصالح العام؟
من التفكك الاجتماعي إلى الفعالية الجماعية
طوّر روبرت سامبسون وزميلاه مفهوم الفعالية الجماعية، أي اجتماع الثقة والتماسك بين الجيران مع الاستعداد للتدخل دفاعاً عن الخير المشترك. وفي دراستهم متعددة المستويات لـ8782 شخصاً في 343 حياً في شيكاغو، ارتبطت الفعالية الجماعية بانخفاض العنف بعد مراعاة عدد من الخصائص الفردية والبنيوية (Sampson et al., 1997).
وهكذا لم يعد الحديث عن الرقابة الاجتماعية مرادفاً للشرطة وحدها. حين يعرف الجيران بعضهم بعضاً، ويتابع الكبار ما يحدث حول المدرسة، وتوجد مؤسسات محلية موثوقة، تنشأ قدرة أكبر على الاكتشاف المبكر للمشكلات والتدخل فيها. ولا تمنع هذه الروابط الجريمة آلياً، لكنها قد تغير البيئة التي تنمو فيها.
وتضيف مراجعة منهجية وتحليل تلوي لـ16 دراسة أن إسهام الشرطة في الفعالية الجماعية لا يتوقف على كثافة الحضور؛ فقد كان إدراك الشرطة بوصفها جهة جديرة بالثقة وداعمة هو البعد الذي ارتبط بصورة دالة بالفعالية الجماعية، مع بقاء الأدلة السببية محدودة بسبب غلبة الدراسات الرصدية (Yesberg et al., 2024).
نظريات التعلم والضبط: العلاقات التي تفتح الطريق أو تغلقه
سذرلاند: الجريمة يمكن أن تُتعلَّم
قدّم إدوين سذرلاند واحدة من أكثر الأفكار تأثيراً في سوسيولوجيا الجريمة: السلوك الإجرامي ليس بالضرورة انفجاراً غريزياً، بل يمكن أن يكون سلوكاً متعلماً داخل التفاعل مع الآخرين.
في نظرية «المخالطة الفارقة»، افترض أن الإنسان يتعلم تقنيات الفعل ودوافعه وتبريراته واتجاهاته. ويزداد احتمال المخالفة، في صياغته الكلاسيكية، حين ترجح لدى الفرد التعريفات المؤيدة لانتهاك القانون على التعريفات الرافضة له، مع اختلاف أثر العلاقات بحسب التكرار والمدة والأسبقية والقوة العاطفية (Sutherland, 1947).
فالإنسان لا يحتاج إلى تعلم «طريقة» ارتكاب المخالفة فقط؛ قد يتعلم أيضاً لغة تبريرها: «الجميع يفعل ذلك»، أو «لن يتضرر أحد»، أو «أنا أستعيد حقي». وعندما تتكرر هذه التعريفات داخل جماعة مهمة للفرد، قد يتغير معنى الفعل في ذهنه.
من هنا نفهم لماذا تظهر جماعة الأقران باستمرار في دراسات جنوح الشباب. ليس الصديق ناقلاً للجريمة كما يُنقل المرض؛ فالأصدقاء قد ينتقون بعضهم بسبب تشابه سابق، وقد يؤثر بعضهم في بعض في الوقت نفسه. لكن الجماعات تصنع معايير ومكافآت ورموز مكانة، وقد تجعل المخالفة مقبولة أو مرفوضة.
من المخالطة الفارقة إلى التعلم الاجتماعي
وسّع رونالد أكيرز هذا التصور في نظرية التعلم الاجتماعي، فأضاف إلى المخالطة أثر التعزيز والعقاب والتقليد. يصبح السؤال: هل يكافأ السلوك مادياً أو رمزياً؟ هل يمنح مرتكبه مكانة داخل الجماعة؟ هل يرى الفرد نماذج يحتذي بها؟ وهل تكون كلفة المخالفة داخل الجماعة أقل من فائدتها المتوقعة (Akers, 1998)؟
وتزداد أهمية هذه الفكرة في البيئات الرقمية. فالفرد لم يعد يتعلم داخل الحي والمدرسة والعمل فقط؛ يمكنه الدخول إلى جماعات إلكترونية تشجع التنمر أو الاحتيال أو الاختراق أو غيرها من أنماط الانحراف الرقمي. وقد وجدت مراجعة Cioban وزملائه تداخلاً بين كثير من محاور الخطر في الانحراف التقليدي والرقمي، مع بقاء أثر كل عامل مختلفاً بحسب نوع السلوك وتصميم الدراسة.
ولا تعمل التنشئة الرقمية خارج الأسرة. ولهذا يمكن قراءة الموضوع إلى جانب مقال الأسرة الرقمية: أثر الهواتف في العلاقات داخل البيت، الذي يوضح كيف تعيد التقنية توزيع الحضور والرقابة والتفاعل داخل الحياة اليومية.
هيرشي يقلب السؤال: لماذا لا ينحرف معظم الناس؟
قدّم ترافيس هيرشي سؤالاً مختلفاً: بدلاً من أن نسأل دائماً «لماذا يرتكب الناس الجريمة؟»، ينبغي أن نسأل أيضاً: لماذا يمتنع معظمهم عنها حتى عندما تتاح لهم الفرصة؟
كانت إجابته مرتبطة بـالرابطة الاجتماعية. يرتبط الإنسان بأشخاص ومؤسسات وأهداف يخشى أن يخسرها: أسرة يهتم برأيها، ودراسة أو عمل لا يريد أن يضيعهما، وسمعة وعلاقات، وإيمان بشرعية القواعد. وقسّم هيرشي الرابطة إلى أربعة أبعاد: التعلق بالآخرين، والالتزام بالمشروعات المشروعة، والانخراط في الأنشطة، والإيمان بالقواعد (Hirschi, 1969).
كلما قويت بعض هذه الروابط ارتفعت الكلفة الاجتماعية والنفسية للانحراف، لكن العلاقة احتمالية وليست قانوناً ثابتاً. فليست كل رابطة واقية، وقد تكون الروابط داخل جماعة منحرفة نفسها قناة للتعلم الإجرامي. كما تختلف قوة الأدلة بين عناصر الرابطة.
وبعد أكثر من نصف قرن من صدور Causes of Delinquency لا تزال النظرية حاضرة. وتخلص مراجعة في Annual Review of Criminology إلى أن الارتباط السلبي بين التعلق بالوالدين والجنوح أصبح من النتائج التي ينبغي لنظريات الجريمة تفسيرها، مع بقاء نظرية هيرشي محل نقد وتطوير (Costello & Laub, 2020).
الأسرة عامل مهم وليست تفسيراً جاهزاً
يقال أحياناً إن «الجريمة تبدأ من الأسرة». هذه العبارة جذابة، لكنها أكبر من الأدلة إذا أُخذت على إطلاقها. فهناك أشخاص نشؤوا في أسر مضطربة ولم يرتكبوا جريمة قط، كما يوجد مرتكبو جرائم نشؤوا في ظروف أسرية مستقرة ظاهرياً. لذلك لا يجوز تحويل الأسرة إلى متهم جاهز.
لكن عدم كفاية الأسرة كتفسير منفرد لا يعني ضعف أهميتها. فقد وجدت مراجعة منهجية للتحليلات التلوية أن المتغيرات المرتبطة بالأسرة والوالدين كانت من أقوى المتنبئات النمائية المرتبطة بالجريمة العامة، بينما ارتبط استمرار الجريمة بعوامل متعددة شملت الأقران المنحرفين، ومشكلات المدرسة والعمل والأسرة، وتعاطي المواد، وبعض مشكلات الصحة النفسية (Basto-Pereira & Farrington, 2022). ويسمي الباحثان هذه النتيجة طبيعة متعددة الأنظمة للسلوك الإجرامي المستمر، لا سببية أسرية منفردة.
فالأسرة مؤسسة للتنشئة والضبط والدعم، لكنها تعمل داخل سياق اقتصادي وتعليمي وثقافي أوسع. ويمكن فهم هذه الوظائف بصورة أعمق عند ربط الموضوع بمقال سوسيولوجيا الأسرة الحديثة: تحولات السلطة والأدوار، حيث تظهر الأسرة باعتبارها مؤسسة تتغير علاقاتها الداخلية مع تغير الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا والقيم.
بيكر ونظرية الوصم: حين يتحول الفعل إلى هوية
من يعرّف الشخص بوصفه منحرفاً؟
مع نظرية الوصم تغير السؤال مرة أخرى. لم يعد السؤال فقط: لماذا يخالف شخص القاعدة؟ بل أصبح كذلك: من يضع القاعدة؟ ومن يكتشف المخالفة؟ ومن يملك سلطة تعريف الشخص بوصفه منحرفاً؟ وماذا يحدث بعد ذلك؟
ارتبط هذا الاتجاه خصوصاً بهوارد بيكر وكتابه Outsiders (Becker, 1963). لا يقول بيكر إن الفعل لا خصائص له أو إن الضرر مجرد رأي؛ بل يوجه الانتباه إلى أن القواعد اجتماعية، وأن تطبيقها وردود الفعل تجاه مخالفيها قد يختلفان باختلاف السياق والمكانة والقدرة على الدفاع عن النفس.
هناك فرق بالغ بين أن نقول: «ارتكب هذا الشاب مخالفة»، وأن نقول: «هذا الشاب مجرم». الجملة الأولى تصف فعلاً، أما الثانية فتحول الفعل إلى تعريف شامل للشخص. فإذا أُغلقت أمامه الدراسة والعمل والعلاقات لأن الماضي صار هويته الكاملة، فقد تضيق سبل العودة إلى الحياة العادية.
ومع ذلك لا تفسر نظرية الوصم وحدها بداية كل سلوك إجرامي؛ قوتها الأكبر في تفسير رد الفعل الاجتماعي، والانتقائية في تطبيق القواعد، وكيف يمكن أن يؤثر الوصم في المسار اللاحق. وهذا الحد مهم حتى لا تتحول النظرية إلى ادعاء أن المجتمع خلق كل مخالفة من العدم.
ماذا تقول الاختبارات الحديثة للوصم؟
في دراسة طولية بعينة وطنية من المراهقين في كوريا الجنوبية، نُشرت إلكترونياً سنة 2023 وظهرت في عدد المجلة سنة 2024، ارتبط السلوك المنحرف الأولي بالوصم غير الرسمي لاحقاً، ثم ارتبط الوصم بتكوين هوية ذاتية منحرفة، وارتبطت هذه الهوية بسلوك منحرف تالٍ. يدعم هذا التسلسل آلية محددة من النظرية، لكنه يظل اختباراً في مجتمع وفئة عمرية معينين، لا قانوناً عاماً لكل الحالات (Lee, 2024).
وفي دراسة طولية استعملت عينة ممثلة وطنياً من توائم بريطانيين، قارن الباحثون بين التوائم للحد من مصادر التباس أسرية وجينية مشتركة. وأظهرت النتائج أن الاتصال الرسمي بنظام العدالة، بصوره التي قاستها الدراسة، ارتبط بزيادة الجنوح اللاحق ولم يقدم أثراً ردعياً واضحاً في العينة المدروسة (Motz et al., 2020).
لا تعني هذه النتيجة أن «العقوبة تصنع الجريمة» دائماً، ولا أنها حجة لترك الجرائم بلا مساءلة. كما أن تصميم التوائم، على قوته، لا يزيل كل مصادر الالتباس. وتؤكد مراجعة نطاقية حديثة لـ95 دراسة كمية عن الاتصال بالشرطة والسلوك الإجرامي أن الأدبيات تستعمل مسارات نظرية متعددة، منها الوصم والضغط والردع والعدالة الإجرائية، وأن تفاوت القياس وقلة التصاميم القوية سببٌ للحذر من إعلان تفوق سببي نهائي لإحداها (op de Weegh et al., 2025).
السؤال السوسيولوجي الدقيق إذن ليس: هل نعاقب أم لا؟ بل: أي نوع من المساءلة يحقق العدالة ويحمي المجتمع، من دون أن يوسّع الوصم أو يقطع روابط التعليم والعمل أو يدفع الحدث إلى شبكات أشد انحرافاً؟
نظريات الصراع: الجريمة والقانون والسلطة
من يملك سلطة تعريف الجريمة؟
تذهب نظريات الصراع إلى مستوى آخر من التحليل. فهي لا تكتفي بدراسة أسباب خرق القوانين، بل تسأل عن صناعة القوانين وتطبيقها وتوزيع القدرة على التأثير فيها. وقد ركز منظّرون مثل أوستن ترك وريتشارد كوينّي وويليام شامبليس على أن التجريم يحدث داخل مجتمع تتفاوت فيه الموارد والمصالح والقدرة على تحويل القيم إلى قواعد ملزمة.
لا تقول هذه النظريات في صيغتها الجادة إن كل قانون مؤامرة أو إن الضرر غير موجود. إنها تسأل: من يستطيع جعل تعريفه للمشكلة تعريفاً قانونياً عاماً؟ ومن يملك الموارد اللازمة للضغط والتقاضي والدفاع؟ وأي المصالح تحظى بالحماية الأسرع؟
نظر أوستن ترك إلى الجريمة بوصفها نتيجة محتملة للصراع بين جماعات السلطة ومن تُفرض عليهم القواعد، معتبراً أن التجريم الفعلي لا ينتج من اختلاف القيم وحده، بل من تحول الصراع إلى مواجهة وإنفاذ (Turk, 1969). أما ريتشارد كوينّي فميّز بين السلوك نفسه و«الواقع الرسمي للجريمة» الذي تصنعه تعريفات القانون وعمليات التطبيق والتداول الاجتماعي (Quinney, 1970).
ثلاثة مستويات يكشفها منظور الصراع
يقوّي منظور الصراع تحليل الجريمة حين يميز بين ثلاثة مستويات مترابطة:
- التجريم: لماذا تدخل أفعال معينة إلى القانون الجنائي، بينما تُترك أفعال ضارة أخرى للقانون المدني أو الإداري أو للتنظيم المهني؟
- الإنفاذ: هل تتساوى الجماعات في احتمال المراقبة والتوقيف والاتهام والقدرة على الدفاع، أم تؤثر المكانة والموارد في المسار؟
- ظهور الضرر: ما الأضرار التي تحظى بالاهتمام الإعلامي والسياسي، وما الأضرار التي تبقى أقل ظهوراً لأنها موزعة على ضحايا كثيرين أو تحدث داخل مؤسسات قوية؟
قدّم شامبليس مثالاً تاريخياً مشهوراً بتحليله قوانين التشرد في إنجلترا، مبيناً كيف تغيرت هذه القوانين ووظائفها مع تحولات سوق العمل ومصالح الفئات القوية. لا يثبت المثال أن كل قانون طبقي، لكنه يوضح أن تاريخ القانون لا يُفهم دائماً من النص الأخلاقي المعلن وحده (Chambliss, 1964).
جرائم ذوي المكانة تكسر اختزال الجريمة في الفقر
وسّع سذرلاند مجال البحث حين صاغ مفهوم جرائم ذوي الياقات البيضاء، ليوضح أن المخالفات لا تقتصر على الفئات الفقيرة، وأن الموقع المهني والثقة والقدرة التنظيمية قد تفتح فرصاً لأنماط من الاحتيال والفساد والإضرار لا تشبه جرائم الشارع (Sutherland, 1940).
وهنا يلتقي عمله مع سؤال الصراع، حتى إن لم يكن مطابقاً له: هل تقيس الإحصاءات الرسمية كل الأضرار بالقدر نفسه؟ وهل المخالفة التي تقع في الشارع أكثر ظهوراً من المخالفة المعقدة داخل شركة أو مؤسسة؟ وهل تستطيع الأطراف المتفاوتة في الموارد تحمل كلفة الدفاع والخبرة القانونية بالطريقة نفسها؟
تكمن قوة نظريات الصراع في جعل القانون والعدالة موضوعين للتحليل السوسيولوجي، لا نقطتين محايدتين خارج المجتمع. أما حدودها فتظهر عندما تُختزل كل قاعدة في مصلحة طبقة واحدة أو يُهمل الضرر الحقيقي الذي يلحق بالضحايا. فحماية الحياة والطفولة والملكية والسلامة العامة تعبر عن مصالح اجتماعية واسعة، وإن ظل تطبيقها خاضعاً للفحص والمساءلة.
لماذا لا يكفي عامل واحد لتفسير الجريمة؟
الفقر والجريمة: علاقة مشروطة لا معادلة مباشرة
من أكثر الأخطاء شيوعاً الربط المباشر بين الفقر والإجرام. يمكن للفقر أن يترافق مع ضغوط وحرمان وتهميش ومحدودية في الفرص، وقد يتركز مع ضعف الخدمات أو عدم الاستقرار في بعض الأماكن. لكن ذلك لا يسمح بالقول إن الفقر يسبب الجريمة حتماً.
أغلبية الفقراء لا يرتكبون الجرائم، والجرائم لا تقع في الطبقات الفقيرة وحدها. فالاحتيال المالي والفساد والجرائم المهنية والرقمية يمكن أن يرتكبها أشخاص يتمتعون بموارد وتعليم ومكانة مرتفعة. كما أن بعض العلاقات الإحصائية بين الفقر والجريمة تتغير بحسب نوع الجريمة ووحدة القياس والحي والزمن وطريقة تسجيل الوقائع.
الأدق أن نقول إن الحرمان وعدم المساواة وانسداد الفرص قد تدخل ضمن منظومة ترفع بعض المخاطر في سياقات معينة، وأن أثرها يتوسطه التعليم والأسرة والأقران والحي والضبط الاجتماعي والفرص والاختيارات الفردية. بهذا المعنى تدرس الجريمة من منظور سوسيولوجي الفقر بوصفه شرطاً محتملاً داخل شبكة، لا هوية أخلاقية للفقراء.
الاضطرابات النفسية ليست تفسيراً عاماً للجريمة
من الخطأ المقابل تفسير الجريمة بعبارة «المرض النفسي». فالاضطرابات النفسية فئات مختلفة، والجرائم نتائج مختلفة، ولا توجد علاقة واحدة تجمعها كلها. معظم المصابين باضطرابات نفسية لا يرتكبون عنفاً، وقد يكونون هم أنفسهم أكثر تعرضاً للإيذاء والتهميش.
وتبين مراجعة علمية منظمة أن بعض التشخيصات ارتبطت بارتفاع نسبي في خطر العنف مقارنة بغير المصابين، لكن المعدلات المطلقة ظلت منخفضة في كثير من الفئات، وأن التاريخ الإجرامي السابق واضطراب تعاطي المواد المصاحب كانا من أقوى المتنبئات في تشخيصات متعددة (Whiting et al., 2021). لذلك لا يجوز تحويل التشخيص إلى نبوءة، ولا مساواة طلب العلاج بالخطر.
كما أن الصحة النفسية لا تعمل خارج المجتمع؛ فالعلاج المتاح، والدعم الأسري، والسكن، والوصم، والتعرض للعنف، وتعاطي المواد، والفرص، كلها قد تغير المسار. والحديث المسؤول يميز بين الحاجة إلى تقييم فردي مهني في حالات محددة وبين الصور النمطية التي تلصق الجريمة بفئة كاملة.
لماذا ينحرف شخص ولا ينحرف آخر عاش الظروف نفسها؟
لنتخيل شابين يعيشان في حي واحد، ويدرسان في مدرسة واحدة، وتنتمي أسرتاهما إلى مستوى اقتصادي متقارب. قد ينخرط أحدهما في الجريمة بينما يبتعد الآخر عنها. هل يعني ذلك سقوط التفسير السوسيولوجي؟
لا، لأن التفسير السوسيولوجي لا يقول إن الظروف تنتج السلوك كما تنتج الآلة قطعاً متطابقة. إنه يتعامل مع الاحتمالات والمسارات والتفاعلات. قد تكون لدى الشاب الثاني رابطة أقوى بأحد والديه، أو علاقة داعمة بمدرس، أو انتماء إلى ناد رياضي، أو فرصة تعليمية حقيقية، أو جماعة أقران أقل قبولاً للمخالفة. وقد تمر به لحظة إيجابية تغير اتجاهه.
وفي المقابل قد تجتمع لدى الآخر ضغوط متعددة: صراع أسري، وفشل مدرسي، وجماعة أقران تشجع المخالفة، وتعاطي مواد، وتعرض سابق للعنف، وفرص محدودة، ثم اتصال رسمي يزيد الوصم ويقطع بعض الروابط. عندها لا يكون أي عامل بمفرده هو «سبب الجريمة»، بل يتكون مسار تراكمي من عوامل خطر وحماية ونقاط تحول وقرارات.
المسار الإجرامي: كيف يبدأ الإنسان وكيف يتوقف؟
الجريمة ليست هوية ثابتة
من أهم التحولات في الدراسات الحديثة الانتقال من تصور «المجرم» نوعاً ثابتاً من البشر إلى دراسة المسار الإجرامي. قد يرتكب الإنسان مخالفة في مرحلة ثم يتوقف، وقد يظهر الانحراف في المراهقة ثم ينحسر مع تغير العلاقات والعمل والمسؤوليات، وقد يستمر لدى آخرين سنوات طويلة.
هذا يعني أن سؤال «كيف يدخل الإنسان الجريمة؟» ليس كافياً. ينبغي أن نضيف: كيف يخرج منها؟ ويوجهنا هذا السؤال إلى نقاط التحول، مثل العمل المستقر والعلاقات الداعمة والانفصال عن شبكات قديمة وإعادة بناء الهوية.
من هنا تظهر مشكلة الوصم مجدداً. فإذا أراد المجتمع خفض العود إلى الجريمة، فلا يكفي أن يعاقب الفعل؛ عليه أن يترك باب العودة ممكناً بعد تنفيذ العقوبة. فالإنسان الذي لا يجد بعد خروجه سوى عبارة «ستظل مجرماً» يواجه عقوبة اجتماعية قد تمتد بعد انتهاء العقوبة القانونية.
ماذا تعلمنا النظريات المختلفة؟
لا توجد نظرية واحدة استطاعت بمفردها تفسير الجريمة بجميع أشكالها:
- يوضح دوركايم علاقة الجريمة بالقواعد والحدود الأخلاقية للمجتمع.
- تكشف نظريات ميرتون وأغنيو أثر التوتر بين الأهداف والفرص وتجارب الفقد والإيذاء.
- توجه مدرسة شيكاغو والفعالية الجماعية الانتباه إلى المكان والتنظيم المحلي.
- يفسر سذرلاند والتعلم الاجتماعي كيف تُتعلم التقنيات والتبريرات والمكافآت.
- يبين هيرشي أثر الروابط التي تصل الفرد بالمؤسسات والأهداف المشروعة.
- تشرح نظرية الوصم كيف يؤثر رد فعل المجتمع والهوية المفروضة في المسار اللاحق.
- تحلل نظريات الصراع علاقة التجريم والإنفاذ بالقوة والموارد والمصالح.
لا ينبغي اختيار عدسة واحدة ثم إجبار جميع الجرائم على الدخول فيها. فالجريمة الإلكترونية ليست كالاعتداء العنيف، وجريمة الشركة ليست كجنوح المراهق، والجريمة العرضية ليست كالمسار المستمر. الأفضل هو التكامل الحذر بين النظريات بحسب الفعل والمستوى والسياق، من دون جمعها كما لو كانت تقول الشيء نفسه.
من تفسير الجريمة إلى الوقاية منها
إذا كان تفسير الجريمة متعدد المستويات، فإن الوقاية منها ينبغي أن تكون كذلك. لا تكفي الشرطة أو الأسرة أو المدرسة أو تحسين الدخل أو زيادة العقوبة منفردة.
تحتاج الوقاية إلى دعم الطفولة والأسرة، وتقوية الانتماء المدرسي ومنع التسرب، ومعالجة اضطرابات تعاطي المواد، وتوفير فرص واقعية، وتحسين الأحياء، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التنظيم، ومواجهة العنف المبكر، والتدخل المتناسب قبل أن يتحول السلوك العرضي إلى مسار مستمر.
كما تحتاج إلى شرطة ومؤسسات عدالة تحمي الناس وتعمل بصورة موثوقة وعادلة، وإلى تمييز بين المساءلة الضرورية وممارسات قد توسع الوصم بلا فائدة واضحة. ولا تعني الوقاية الاجتماعية التساهل مع الجريمة؛ إنها تعني تقليل عدد الضحايا عبر معالجة الشروط التي تسبق الفعل، بالتوازي مع إنفاذ القانون.
تفسير الجريمة لا يعني تبريرها
يمكن الآن العودة إلى السؤال الذي بدأنا به: لماذا ينحرف بعض أفراد المجتمع؟ لا توجد إجابة واحدة. ينحرف بعض الناس في ظروف ضغط لا يواجهها آخرون، ويتعلم بعضهم تعريفات تبرر المخالفة داخل جماعاتهم، وتضعف لدى بعضهم الروابط بالمؤسسات والأشخاص، وينشأ آخرون في أحياء تراجعت فيها القدرة الجماعية على التعاون. وقد تزيد تجربة الوصم والتهميش لدى البعض صعوبة العودة بعد الخطأ.
لكن أياً من هذه الظروف لا يلغي الاختيار الإنساني ولا يحول الجريمة إلى قدر اجتماعي. وهذه هي النقطة التي تفصل التحليل السوسيولوجي العلمي عن التبرير.
الفهم ليس إعفاءً من المسؤولية.
نحن نبحث عن تفسير الجريمة حتى نعرف كيف نقلل منها، لا حتى نمحو مسؤولية من ارتكبها أو نتجاهل حق الضحية. وفي الاتجاه المقابل، لا تعفينا المسؤولية الفردية من دراسة الظروف التي تجعل بعض الأفعال أكثر احتمالاً. فالقول إن الشخص «اختار» يحدد مسؤوليته، لكنه لا يفسر وحده لماذا تتكاثر أنواع معينة من الاختيارات في أماكن أو جماعات أو مراحل حياتية دون غيرها.
تجمع السوسيولوجيا الناضجة المستويين: الإنسان فاعل يختار ويتحمل نتائج اختياره، لكنه يختار داخل عالم اجتماعي لم يصنع جميع شروطه بنفسه.
حين يصبح السؤال الصحيح بداية الحل
ربما كان الخطأ الأكبر في مناقشة الجريمة هو البحث عن جواب قصير لمشكلة طويلة. ليست الجريمة بنت الفقر وحده، ولا الأسرة وحدها، ولا الحي وحده، ولا الأصدقاء وحدهم، ولا الاضطراب النفسي وحده، ولا ضعف العقوبة وحده، ولا شخصية الفرد وحدها.
إنها ظاهرة تقع عند تقاطع الفرد والأسرة والجماعة والمؤسسة والمكان والفرصة والسلطة والقانون. ولهذا فإن المجتمع الذي يريد خفض الجريمة لا يبدأ فقط ببناء سجون أقوى، بل ببناء روابط وفرص ومؤسسات أكثر قدرة على الوقاية: مدرسة تستطيع الاحتفاظ بأبنائها، وأسرة تجد الدعم عندما تواجه أزمة، وحي يملك القدرة على حماية فضائه العام، وعدالة تحاسب من ارتكب الجريمة من دون أن تجعل العودة المستقيمة مستحيلة.
وعند هذه النقطة يتغير السؤال. بدلاً من أن نسأل فقط: «لماذا أصبح هذا الشخص مجرماً؟» يمكن أن نسأل: ما المسار الاجتماعي الذي أوصله إلى الجريمة، وما الذي كان يمكن أن يغيّر ذلك المسار؟
هذا ما تمنحه الجريمة من منظور سوسيولوجي: فهماً لا يبرر، ومساءلة لا تعميها الصور النمطية، ووقاية تبدأ من الدليل بدل الاكتفاء بالأحكام السريعة.
المصادر والمراجع المنقحة
- Durkheim, É. (1895/1982). The Rules of Sociological Method and Selected Texts on Sociology and Its Method (S. Lukes, Ed.; W. D. Halls, Trans.). Free Press. بيانات الكتاب.
- Merton, R. K. (1938). Social Structure and Anomie. American Sociological Review, 3(5), 672–682. DOI: 10.2307/2084686.
- Shaw, C. R., & McKay, H. D. (1942). Juvenile Delinquency and Urban Areas: A Study of Rates of Delinquents in Relation to Differential Characteristics of Local Communities in American Cities. University of Chicago Press. بيانات الكتاب.
- Sutherland, E. H. (1940). White-Collar Criminality. American Sociological Review, 5(1), 1–12. DOI: 10.2307/2083937.
- Sutherland, E. H. (1947). Principles of Criminology (4th ed.). J. B. Lippincott. بيانات الكتاب.
- Becker, H. S. (1963). Outsiders: Studies in the Sociology of Deviance. Free Press of Glencoe. بيانات الكتاب.
- Chambliss, W. J. (1964). A Sociological Analysis of the Law of Vagrancy. Social Problems, 12(1), 67–77. DOI: 10.2307/798699.
- Hirschi, T. (1969). Causes of Delinquency. University of California Press. بيانات الكتاب.
- Turk, A. T. (1969). Criminality and Legal Order. Rand McNally. بيانات الكتاب.
- Quinney, R. (1970). The Social Reality of Crime. Little, Brown. سجل الكتاب.
- Agnew, R. (1992). Foundation for a General Strain Theory of Crime and Delinquency. Criminology, 30(1), 47–88. DOI: 10.1111/j.1745-9125.1992.tb01093.x.
- Sampson, R. J., Raudenbush, S. W., & Earls, F. (1997). Neighborhoods and Violent Crime: A Multilevel Study of Collective Efficacy. Science, 277(5328), 918–924. DOI: 10.1126/science.277.5328.918.
- Akers, R. L. (1998). Social Learning and Social Structure: A General Theory of Crime and Deviance. Northeastern University Press. السجل الببليوغرافي.
- Costello, B. J., & Laub, J. H. (2020). Social Control Theory: The Legacy of Travis Hirschi’s Causes of Delinquency. Annual Review of Criminology, 3, 21–41. DOI: 10.1146/annurev-criminol-011419-041527.
- Cioban, S., Lazăr, A. R., Bacter, C., & Hatos, A. (2021). Adolescent Deviance and Cyber-Deviance: A Systematic Literature Review. Frontiers in Psychology, 12, 748006. DOI: 10.3389/fpsyg.2021.748006.
- Whiting, D., Lichtenstein, P., & Fazel, S. (2021). Violence and Mental Disorders: A Structured Review of Associations by Individual Diagnoses, Risk Factors, and Risk Assessment. The Lancet Psychiatry, 8(2), 150–161. DOI: 10.1016/S2215-0366(20)30262-5.
- Antunes, M. J. L., & Manasse, M. (2022). Social Disorganization and Strain: Macro and Micro Implications for Youth Violence. Journal of Research in Crime and Delinquency, 59(1), 82–127. DOI: 10.1177/00224278211004667.
- Basto-Pereira, M., & Farrington, D. P. (2022). Developmental Predictors of Offending and Persistence in Crime: A Systematic Review of Meta-Analyses. Aggression and Violent Behavior, 65, 101761. DOI: 10.1016/j.avb.2022.101761.
- Motz, R. T., Barnes, J. C., Caspi, A., Arseneault, L., Cullen, F. T., Houts, R. M., Wertz, J., & Moffitt, T. E. (2020). Does Contact with the Justice System Deter or Promote Future Delinquency? Results from a Longitudinal Study of British Adolescent Twins. Criminology, 58(2), 307–335. DOI: 10.1111/1745-9125.12236.
- Lee, W. (2024). Revisiting Labeling Theory: Empirical Test of Informal Labeling Process. Journal of Crime and Justice, 47(2), 188–200. DOI: 10.1080/0735648X.2023.2264263.
- Yesberg, J. A., Costi, F., Chan, A., & Bradford, B. (2024). A Systematic Review and Meta-Analysis of the Relationship between Policing and Collective Efficacy. Journal of Experimental Criminology, 20(4), 1147–1173. DOI: 10.1007/s11292-023-09580-y.
- op de Weegh, A., Nivette, A., Nägel, C., & Ruiter, S. (2025). Mapping the Theoretical Pathways from Police Contact to Criminal Behavior: A Scoping Review. Psychology, Crime & Law. Advance online publication. DOI: 10.1080/1068316X.2025.2474535.
- Weisburd, D., Favarin, S., Perry, G., & Andresen, M. A. (2026). Crime as a “Normal” Phenomenon: Revisiting Durkheim in the Context of Crime Concentrations. Sociology Compass, 20(5), e70205. DOI: 10.1111/soc4.70205.

