قراءة علمية هادئة في التفسير والفقه وقانوني الإمارات والمغرب
قال الله تعالى:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: 94-96].
الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليست في الوعي الإسلامي إساءةً إلى شخصية بعيدة في التاريخ، وإنما مساس برسول اصطفاه الله لحمل خاتمة رسالاته، وربط الإيمان به بطاعته ومحبته وتوقيره. ولهذا لم تكن الآية الكريمة ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ مجرد خبر عن جماعة من مشركي مكة آذوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مضوا؛ إنها وعد بالكفاية، وتثبيت لقلبه الشريف، وإعلان أن ضجيج السخرية لا يملك أن يوقف الرسالة أو يحجب نورها.
والقرآن حين يعرّفنا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يقدمه رجلاً صالحاً فحسب، بل رسول الله وخاتم النبيين، ورحمة للعالمين، وصاحب الخلق العظيم. جعل طاعته من طاعة الله، واتباعه طريقاً إلى محبته سبحانه، وأمر المؤمنين بتعزيره وتوقيره، وحذّرهم من إيذائه أو سوء الأدب معه. من هنا كان تعظيم المقام النبوي أصلاً دينياً، لا مجرد عادة اجتماعية نشأت في زمن متأخر.
لكن عظمة هذا المقام لا تبيح الفوضى باسمه. فالشريعة التي حرمت إيذاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هي نفسها التي أوجبت العدل، وصانت الدماء، وربطت إثبات الجرائم بالقضاء والبينات. ولذلك يجمع هذا المقال بين ثلاثة مستويات ينبغي ألا تختلط: دلالة الآيات في مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، والمعالجة الفقهية التاريخية للإساءة إليه، والنصوص القانونية المعاصرة في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية. والغاية ليست تأجيج الغضب، بل بناء معرفة تحمي المحبة من الاندفاع، وتحمي المجتمع من الفوضى، وتدل المسلم على النصرة التي تليق بمن قال الله فيه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ في سياق سورة الحجر
لا تكتمل دلالة الآية إذا عُزلت عن الآيات المحيطة بها. فقد جاء قبلها الأمر الصريح:
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: 94].
ثم جاء الوعد مباشرة:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: 95].
فالسياق سياق بلاغ وثبات، لا سياق انشغال بمعركة شخصية. أُمِر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر ما أوحي إليه، وأن يمضي في أداء رسالته، وألا يسمح للسخرية بأن تتحول إلى حاجز بينه وبين الناس. ثم طمأنه ربه بأن شر المستهزئين لن يُترك له وحده: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾.
معنى الصدع وعلاقته بوعد الكفاية
الصدع في أصل العربية يفيد الإظهار والإبانة والفصل. ومنه انصداع الشيء حين ينفلق ويظهر ما كان متصلاً بعضه ببعض. والمعنى في الآية: أظهر ما أُمرت به، وبلّغه في وضوح، ولا تجعل خوفك من ردود المشركين سبباً في كتمان شيء من الوحي أو التردد في تبليغه.
لهذا جاء وعد الكفاية في موضعه الدقيق. فالمبلغ قد يعرف الحق، لكنه يخشى سخرية الناس أو أذاهم؛ فجاء الخطاب يحرره من أسر هذا الخوف. لم تقل الآية إن طريق الدعوة سيخلو من المؤذين، ولم تعد بأن السخرية لن تقع، وإنما قررت أن هؤلاء لن يملكوا إسقاط الرسالة ولا إبطال أثرها.
الطبري: امض في أمر الله ولا تخف المستهزئين
فسر الإمام الطبري الآية بأن الله تعالى كفى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم الذين كانوا يستهزئون به ويسخرون منه، ولذلك أُمر أن يصدع بأمر الله وألا يخاف سوى الله. ويمكن الرجوع إلى نص تفسير الطبري للآية، حيث يظهر الارتباط الوثيق بين الجهر بالدعوة وبين ضمان الكفاية.
ونقل الطبري، كما نقل غيره من المفسرين، أخباراً عن عدد من رؤوس قريش الذين عُرفوا بشدة الأذى والاستهزاء. غير أن المنهج العلمي يقتضي التمييز بين أصل المعنى القرآني القطعي وبين التفاصيل الواردة في الأخبار التاريخية. دلالة الآية ثابتة لا تتوقف على صحة كل رواية جزئية في أسماء المستهزئين أو كيفية نهايتهم، أما تلك التفاصيل فتُدرس بحسب أسانيدها ومصادرها ولا تُجعل كلها في مرتبة واحدة.
ابن كثير: البلاغ أولاً ولا التفات إلى محاولات الصد
ربط ابن كثير بين الآية وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإبلاغ ما أنزل إليه. فالمعنى عنده: بلّغ رسالة ربك، ولا تلتفت إلى من يريدون صدك عن آيات الله، فإن الله كافيك وحافظك. ويستحضر في ذلك قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ… وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
ويعرض تفسير ابن كثير للآية هذا المعنى بوضوح: وظيفة الرسول البلاغ، ومحاولات المشركين لا ينبغي أن تستولي على قلبه أو تحرف جهده عن مهمته الكبرى.
القرطبي والرازي: الكفاية تثبيت وحماية للرسالة
ذكر القرطبي أن معنى الآية: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله، فإن الله كافيك من أذاك. ويفصل تفسير القرطبي لسورة الحجر في الأخبار التي رُويت عن المستهزئين، لكنه يبقي مركز الدلالة في الوعد الإلهي بالحماية والكفاية.
أما فخر الدين الرازي فيجعل الآية من دلائل التثبيت: فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بألا يضعف أمام أذى القوم، لأن من كفاه الله لا يضره أن يعجز البشر عن نصرته في لحظة من اللحظات. ولا يعني ذلك الاستغناء عن الأسباب، بل يعني ألا تتحول الأسباب البشرية إلى مصدر اليقين الأعلى؛ فالرسالة تؤدى بما أتيح من حكمة وعمل، والاعتماد القلبي على الله.
لماذا كان التعبير ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾ بالغ القوة؟
في لفظ الكفاية معنى التولي والدفع والإغناء عما سواه. كأن الخطاب يقول: امض في مهمتك، فقد تولينا عنك شأن من أراد أن يجعل السخرية سلاحاً لإسكاتك. وهذه لفتة تربوية عظيمة؛ لأن المستهزئ يريد أن يسرق من صاحب الرسالة وقته وطمأنينته، وأن يجره من الغاية الكبرى إلى ردود متلاحقة لا تنتهي. أما القرآن فيعيد ترتيب الأولويات: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أولاً، ثم دع حساب الضجيج لوعد الله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾.
ومن هنا نفهم أن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون بأن نمنح المادة المسيئة انتشاراً أوسع، أو ننشغل بها حتى تغيب عنا سيرته وهديه. النصرة الواعية تجعل الإساءة مناسبة لتعريف الناس به، وترجمة شمائله، وتصحيح الشبهات، واللجوء إلى القانون عند تحقق موجباته، من غير تعدٍّ ولا أخذ للناس بالظنون.
مكانة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم
لا يحتاج المسلم في بيان عظيم منزلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مبالغات أو روايات لا تثبت؛ فالقرآن نفسه يقدم من الأدلة ما يغني ويهدي. ومجموع هذه الآيات يبين أن توقيره فرع عن الإيمان برسالته، وأن الإساءة إليه ليست منفصلة عن الموقف من الوحي الذي بلغه.
اصطفاه الله لخاتمة الرسالات
قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].
فهو صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، والقرآن الذي أنزل عليه خاتم الكتب، ورسالته موجهة إلى الناس كافة. وهذه المنزلة لا تعني مجرد الترتيب الزمني، بل تعني أن تصديقه داخل في أصل الإيمان، وأن سنته بيان للرسالة التي حملها.
أرسله الله رحمة ووصفه بالخلق العظيم
قال سبحانه:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وقال:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
هاتان الآيتان تختصران جانباً واسعاً من شخصيته ورسالته: رحمة تتجاوز حدود الجماعة، وخلق عظيم شهد له به رب العالمين. وحين يعرّف المسلم الناس بنبيه، فإن هذه الحقيقة القرآنية أولى من أن تحجبها ردود الغضب. فالرجل الذي يُساء إليه هو نفسه الذي عفا عند القدرة، ونهى عن الغدر، وأوصى بالرحمة، وحفظ الحقوق، وجعل مكارم الأخلاق جزءاً من الدين.
رفع الله ذكره
قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4].
ومن تأمل حركة التاريخ رأى شيئاً من تحقق هذا الوعد. يتردد اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كل يوم في الأذان والصلوات والتشهد والخطب ومجالس العلم. تعاقبت دول، وتبدلت حدود ولغات، وظل ذكره حياً في قلوب المؤمنين. ولم تمنحه وسيلة إعلام مكانته حتى تستطيع وسيلة إعلام أن تنتزعها منه؛ إنما أثبتها الوحي، وصانتها الرسالة، وحملتها أجيال لم تره لكنها آمنت به وأحبته.
قرن الله طاعته بطاعة رسوله
قال تعالى:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80].
وقال سبحانه:
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
ليست هذه طاعةً لإنسان من عند نفسه، وإنما طاعة للرسول فيما يبلغ عن ربه ويبينه بإذنه. ومن هنا كان الطعن المتعمد فيه من جهة الرسالة مختلفاً عن خصومة شخصية عابرة؛ لأنه يمس صلة المؤمن بالمصدر الذي تلقى عنه الدين.
جعل اتباعه طريقاً إلى محبة الله
قال تعالى:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31].
فالمحبة في الإسلام ليست شعاراً عاطفياً يقال ثم ينفصل عن السلوك. علامتها الاتباع: صدق في القول، وأمانة في المعاملة، ورحمة بالضعفاء، وعدل مع الموافق والمخالف. ولهذا فإن أقوى دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرى الناس أثر سنته في أخلاق من ينتسبون إليه.
جعل النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم
قال سبحانه:
﴿النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6].
تفيد هذه الأولوية أن هدايته مقدمة على نزوات النفس، وأن حكمه ورحمته ونصيحته بالمؤمنين أحق أن تُتبع من الدوافع التي تقودهم إلى الضرر. وهي تفسر عمق الصلة الوجدانية التي تجعل الإساءة إليه مؤلمة للمسلم، لكنها في الوقت نفسه ترده إلى هديه حين يغضب؛ فلا ينصره بما نهى عنه.
أمر الله بتعزيره وتوقيره
قال تعالى:
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9].
والتوقير تعظيم مصحوب بالأدب، والتعزير هنا النصرة والتأييد. لذلك لم تكن حرمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم عرفاً متغيراً، بل أصلاً قرآنياً. ومن صور هذا التوقير: الصلاة والسلام عليه، والتحري في نقل حديثه، وتعلم سنته، والدفاع عنه بالصدق، وعدم نسبة ما لم يقله إليه ولو كان القصد حسناً.
نهى الله عن رفع الصوت فوق صوته
قال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: 2].
إذا كان مجرد رفع الصوت في حضرته صلى الله عليه وسلم قد جاء فيه هذا التحذير، فإن السخرية المقصودة والسب والإهانة أبعد عن الأدب وأشد خطراً. والآية تعلم المؤمن أن علاقته بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست معرفة ذهنية باردة، بل صحبة أدب وتوقير، حتى بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، من خلال احترام سنته وحديثه ومسجده الشريف.
محبة النبي صلى الله عليه وسلم من حقيقة الإيمان
قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين» متفق عليه.
والحديث ثابت في صحيح البخاري وصحيح مسلم، ويمكن مراجعة تخريجه وشرحه. والمقصود نفي كمال الإيمان الواجب عمن لم تتحقق عنده هذه المحبة على الوجه الذي يثمر تصديقاً واتباعاً وتوقيراً، لا مجرد انفعال وقتي.
وفي الحديث الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم إنه أحب إليه من كل شيء إلا نفسه، فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن كمال المحبة يقتضي تقديمه حتى على النفس. فلما قال عمر: «فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «الآن يا عمر» رواه البخاري. وهذه المحبة ليست إلغاءً للعقل؛ إنها وعي بأن الرسول صلى الله عليه وسلم يدل الإنسان على ما ينجي نفسه، بينما قد تقوده شهواتها العاجلة إلى ما يضرها.
وللتوسع في معاني المحبة والتوقير والاجتماع على السيرة والصلاة والسلام عليه، يمكن الرجوع إلى مقال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف: أدلة الجواز والرد العلمي على منكريه المنشور في «كوكب المعرفة».
إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم في ميزان القرآن
لم يترك القرآن هذه القضية للمشاعر وحدها، بل تحدث عنها بنصوص واضحة. قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: 57].
وقال سبحانه:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61].
وفي شأن من اتخذ الله وآياته ورسوله موضعاً للاستهزاء قال تعالى:
﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66].
تدل هذه النصوص على أن الاستهزاء المتعمد بالرسول صلى الله عليه وسلم ليس في التصور القرآني خلافاً فكرياً عادياً. فالرسول مبلغ عن الله، وإهانته من حيث رسالته تطعن في أصل التلقي عنه وتخرق واجب التوقير الذي أقامه القرآن الكريم.
لماذا تُعد الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم شديدة الخطورة؟
ترجع الخطورة إلى طبيعة النبوة نفسها. فسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس رمزاً قومياً صنعته جماعة لنفسها، بل رسول يتلقى عنه المسلمون الوحي والهداية. والطعن المتعمد فيه من جهة رسالته يمس وجدان أمة ودينها ومصدر تشريعها في آن واحد.
كما أن للإهانة العلنية أثراً اجتماعياً يتجاوز صاحبها؛ فهي قد تستعمل لاستثارة الكراهية، وإشعال الخصومات، وإفساد السلم بين مكونات المجتمع. لهذا لا تنظر بعض التشريعات الحديثة إلى حماية المقدسات باعتبارها شأناً شعورياً فردياً فقط، بل تربطها كذلك بحماية النظام العام والتعايش ومنع التحريض.
ومع ذلك، لا ينبغي تضخيم كل عبارة ملتبسة حتى تصبح إساءة. فالمعيار الأخلاقي والقضائي يحتاج إلى التثبت من النص والسياق والقصد وطريقة النشر. وقد تكون العبارة منقولة على سبيل النقد، أو وقع فيها خطأ غير مقصود، أو نُسبت إلى شخص بالتزوير. الإنصاف لا يقل أهمية عن الغيرة، والعدل هو السياج الذي يمنع المحبة من أن تُستغل في ظلم الناس.
الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الفقه الإسلامي
تناول الفقهاء سب النبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به في أبواب الردة والقضاء والحدود والتعزير والسير، كما أُفردت له مصنفات؛ من أشهرها كتاب القاضي عياض «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» وتدل كثافة هذا البحث على مركزية المقام النبوي في البناء الإسلامي، لكنها لا تعني أن جميع التفاصيل كانت محل قول واحد في كل صورة وحال.
موضع الاتفاق ومساحة التفصيل
اتفق علماء المسلمين على عظيم حرمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن تعمد سبه أو الاستهزاء به من أعظم المحرمات. وقرروا أن صدور ذلك من مسلم عالماً مختاراً يناقض ما يقتضيه الإيمان من التصديق والتعظيم. ثم جاءت تفاصيل واسعة تتصل بنوع العبارة، وثبوت نسبتها، والقصد، والجهل، والتأويل، والإكراه، وحال القائل، والتوبة وآثارها، واختصاص القضاء، وهي تفاصيل تختلف فيها أنظار الفقهاء والمذاهب.
ولذلك لا يصح اختزال قرون من النظر الفقهي في عبارة متداولة أو منشور قصير. باب القضاء غير باب الموعظة؛ لأن الحكم القضائي لا يكتفي بوصف عام للفعل، بل يبحث واقعة محددة وأدلتها وشروط المسؤولية وموانعها.
الحكم على القول غير الحكم على قائله
يفرق الفقهاء بين وصف قول أو فعل في ذاته وبين تنزيل الحكم على شخص بعينه. قد تكون العبارة في دلالتها الظاهرة سباً أو استهزاءً، لكن نسبة العبارة إلى صاحبها، وفهم مراده، وثبوت اختياره وعقله، وانتفاء التحريف والإكراه والاشتباه، أمور لا تُعرف بالشعور ولا بالتخمين.
وتزداد أهمية هذا التفريق في زمن المنصات الرقمية. فمن الممكن تزوير حساب، أو اقتطاع تسجيل من سياقه، أو تركيب صورة، أو توليد صوت وفيديو مقنعين بتقنيات الذكاء الاصطناعي. وقد يبدأ الاتهام من مادة مزيفة، ثم يندفع الناس إلى التشهير بشخص بريء. والتثبت هنا ليس بروداً في المحبة؛ بل طاعة لله الذي قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، وحماية لجناب النبي صلى الله عليه وسلم من أن يُجعل اسمه ستاراً للظلم.
العقوبات من اختصاص القضاء والسلطة العامة
العقوبات في الفقه الإسلامي ليست باباً مفتوحاً للأفراد. إثبات الجرائم وإصدار الأحكام وتنفيذها من شؤون القضاء والسلطة المختصة. وليس لفرد أو جماعة أن تنصب نفسها جهة تحقيق ومحكمة وتنفيذ، لأن ذلك يفتح باب الفوضى والعدوان والانتقام، ويهدر الضمانات التي وضعت لحماية الناس من الاتهام الكاذب والخطأ.
ومن هنا فإن الغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبيح الاعتداء على الأبرياء، ولا أخذ إنسان بذنب غيره، ولا استهداف شخص بسبب جنسيته أو دينه، ولا استعمال العنف خارج القانون. النصرة التي تناقض عدله ورحمته ليست نصرة له، وإن رفعت اسمه شعاراً.
التوبة والرجوع إلى الحق
بحث الفقهاء كذلك أثر توبة من صدر منه القول، وميزوا بين الحكم الديني في ما بين العبد وربه وبين الآثار القضائية في الدنيا، واختلفوا في بعض التفاصيل. والمهم تربوياً أن باب الرجوع إلى الله لا يغلق، وأن المقصد من البيان الشرعي ليس صناعة اليأس، بل حماية المقدس ورد الإنسان عن خطئه وإقامة العدل. أما الفصل في واقعة بعينها فيبقى للقضاء وأهل الاختصاص، لا لجمهور المنصات.
بين حرية التعبير والإهانة المتعمدة
تثير حوادث الإساءة إلى المقدسات سؤالاً عن حرية التعبير. والمناقشة الجادة لا تضعنا أمام خيارين زائفين: إما منع التفكير، وإما إباحة كل إهانة. فحرية التعبير حق مهم، لكنها لا تعمل في فراغ أخلاقي أو قانوني؛ والتشريعات نفسها تضع قيوداً على التشهير والتهديد والتحريض على العنف وانتهاك الخصوصية وخطاب الكراهية، وإن اختلفت الدول في حدود هذه القيود وصياغتها.
والتمييز العملي يبدأ من طبيعة الخطاب وغايته وسياقه. فالباحث يقدم دعوى ودليلاً قابلاً للمناقشة، بينما يكتفي الساب بالتحقير. والناقد يقبل الرد، أما المستهزئ فقد يقصد الاستفزاز المجرد. وقد يصعب التمييز أحياناً، ولذلك توجد المحاكم والمعايير القانونية، ولا يُترك الأمر لانطباعات الجمهور المتقلبة.
ومن منظور التعايش، لا يُطلب من غير المسلم أن يعتنق عقيدة المسلمين حتى يحترم نبيهم، كما لا يُطلب من المسلم أن يعتنق عقائد الآخرين حتى يحترم كرامتهم ومقدساتهم. الاحترام المتبادل لا يلغي الاختلاف، بل يجعله قابلاً للعيش من غير إذلال أو تحريض.
حماية الأنبياء والرسل في قانون دولة الإمارات العربية المتحدة
تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة صياغة تشريعية صريحة في هذه القضية من خلال المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2023 في شأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف. والنص الرسمي متاح في بوابة تشريعات الإمارات العربية المتحدة.
كيف عرّف القانون ازدراء الأديان وطرق التعبير؟
يعرف القانون «ازدراء الأديان» بأنه كل فعل من شأنه الإساءة إلى الذات الإلهية أو الأديان أو الأنبياء أو الرسل أو الكتب السماوية أو دور العبادة، وفق أحكام المرسوم بقانون. ويقصد بالأديان في هذا النص الأديان السماوية: الإسلام والمسيحية واليهودية.
كما يتبنى مفهوماً واسعاً لطرق التعبير والوسائل. فتدخل في طرق التعبير: الأقوال والكتابة والرسم والإشارة والتصوير والغناء والتمثيل والإيماء. وتشمل الوسائل شبكة المعلومات وشبكات الاتصالات والمواقع الإلكترونية ووسائل تقنية المعلومات، إلى جانب الوسائل المقروءة والمسموعة والمرئية.
وتفيد هذه الصياغة أن الحماية لا تقتصر على خطاب شفهي في مجلس أو مقال مطبوع، بل قد تشمل رسماً أو مقطعاً أو منشوراً أو مادة رقمية متى تحققت عناصر الجريمة وفق تقدير جهات التحقيق والقضاء.
القانون الإماراتي يذكر الأنبياء والرسل صراحة
تعدد المادة الرابعة صور جريمة ازدراء الأديان، وينص البند الرابع منها على التطاول على أحد الأنبياء أو الرسل أو زوجاتهم أو آلهم أو صحابتهم، أو السخرية منهم أو المساس بهم أو الإساءة إليهم.
وهذه إحالة مهمة في الدقة القانونية: الفعل المتعلق بالأنبياء والرسل وارد في البند (4) من المادة (4). وبذلك تدخل الإساءة إلى سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم في النص مباشرة، لا بطريق الاستنتاج من عبارة عامة وحدها.
كما تقرر المادة الثالثة أنه لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير لارتكاب قول أو عمل من شأنه التحريض على ازدراء الأديان أو المساس بها على خلاف أحكام القانون. وهذا لا يعني أن كل نقاش ديني يتحول إلى جريمة؛ بل إن التكييف يتوقف على تحقق الأفعال والعناصر التي حددها النص.
ما العقوبة المقررة في القانون الإماراتي؟
وفق البند الثاني من المادة الخامسة، يعاقب من يرتكب أحد الفعلين الواردين في البندين (1) و(4) من المادة الرابعة، بإحدى طرق التعبير أو الصور الأخرى أو باستخدام أي من الوسائل، بالحبس مدة لا تقل عن سنتين، وبغرامة لا تقل عن 500 ألف درهم ولا تزيد على مليوني درهم.
وبما أن التطاول على الأنبياء والرسل أو السخرية منهم أو الإساءة إليهم وارد في البند (4)، فإن هذه هي العقوبة التي يحيل إليها النص في هذه الصورة. أما الأفعال الواردة في البنود (2) و(3) و(5) من المادة الرابعة، فتقرر لها الفقرة الأولى من المادة الخامسة الحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة من 250 ألفاً إلى مليون درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين.
ماذا عن الإساءة عبر الإنترنت؟
لا يحصر المرسوم بقانون الجريمة في الوسائل التقليدية. فالمواقع الإلكترونية وشبكات الاتصال ووسائل تقنية المعلومات داخلة في تعريف الوسائل، ولذلك يمكن أن يقع الفعل عبر منشور أو صورة أو تسجيل أو مقطع، بحسب مضمونه وسياقه وتحقق العناصر القانونية.
ويترتب على ذلك أمران متكاملان: الأول أن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارج القانون؛ والثاني أن البلاغ والتوثيق يجب أن يتجها إلى المنصات والجهات المختصة، لا إلى حملات التشهير أو التهديد. وكل واقعة لها ظروفها، والتكييف النهائي من اختصاص النيابة العامة والمحكمة.
حماية الأنبياء في إطار التعايش الإماراتي
لا يخص القانون الإماراتي نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم بالحماية وحده، بل يتحدث عن الأنبياء والرسل والأديان السماوية على نحو عام. وهذه الصياغة تنسجم مع بناء مجتمع متعدد الديانات والثقافات: التعايش لا يطلب محو الفروق العقدية، لكنه يرفض تحويلها إلى ازدراء وتحريض.
فلسفة النص هنا أن احترام المقدسات يمكن أن يكون جزءاً من حماية السلم المجتمعي، وأن الحرية لا تفقد قيمتها حين تقترن بالمسؤولية. بل إن الحوار يصبح أصدق حين يعرف كل طرف أن اختلافه لا يمنحه حق إذلال الآخر أو الاستهزاء بأعمق ما يؤمن به.
حماية الدين الإسلامي في القانون المغربي
يأتي الإطار المغربي بصياغة قانونية مختلفة. فالفصل 267-5 من مجموعة القانون الجنائي يجرم «الإساءة إلى الدين الإسلامي»، إلى جانب أفعال أخرى ينص عليها الفصل. ويمكن مراجعة النص ضمن مجموعة القانون الجنائي المغربي المنشورة في WIPO Lex.
العقوبة الأصلية في الفصل 267-5
يقرر الفصل الحبس من ستة أشهر إلى سنتين، وغرامة من 20 ألفاً إلى 200 ألف درهم مغربي، أو إحدى هاتين العقوبتين، لمن أساء إلى الدين الإسلامي، وفق الصياغة القانونية الواردة فيه.
والمقال هنا يركز على الشق المتعلق بالدين الإسلامي، مع التنبيه إلى أن الفصل نفسه يتناول كذلك أفعالاً أخرى متصلة بالنظام الملكي والوحدة الترابية للمملكة. وليس من الدقة اقتطاع العبارة الدينية على نحو يوهم بأنها كامل موضوع الفصل.
تشديد العقوبة عندما تتحقق العلنية
ترتفع العقوبة إلى الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وغرامة من 50 ألفاً إلى 500 ألف درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، إذا ارتكبت الأفعال بوسائل تحقق شرط العلنية المحدد في النص.
وتشمل وسائل العلنية الخطب والصياح والتهديدات في الأماكن والتجمعات العمومية، والملصقات المعروضة على أنظار العموم، وكل وسيلة تحقق العلنية، بما فيها الوسائل الإلكترونية والورقية والسمعية البصرية. ولذلك يكتسب الفصل أهمية مباشرة في زمن المنصات الاجتماعية؛ إذ قد تتحول عبارة منشورة في حساب عام إلى مادة واسعة الانتشار خلال وقت قصير.
هل يذكر النص المغربي الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم حرفياً؟
هنا يلزم التحفظ العلمي. فالصياغة الإماراتية تسمي الأنبياء والرسل صراحة، بينما الفصل 267-5 المغربي يستعمل عبارة أعم هي «الإساءة إلى الدين الإسلامي». لذلك لا ينبغي أن ننسب إلى النص المغربي عبارة لم يوردها حرفياً.
والأدق أن يقال: يجرم القانون المغربي الإساءة إلى الدين الإسلامي، أما تقرير ما إذا كانت واقعة تتعلق بالإساءة إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم تندرج قانوناً تحت هذا الوصف، فيرجع إلى النيابة العامة والمحاكم في ضوء مضمون الواقعة وسياقها وأدلتها. هذا الفرق بين قراءة النص وتطبيقه يحفظ للمقال دقته، ويمنع تحويل الاستنتاج إلى حكم قضائي مسبق.
الإمارات والمغرب: اختلاف في الصياغة واتفاق على أصل الحماية
يبين النظر المقارن أن الدولتين تسلكان طريقين تشريعيين مختلفين:
| المحور | دولة الإمارات العربية المتحدة | المملكة المغربية |
| صياغة التجريم | تفصيل صور ازدراء الأديان، مع ذكر الأنبياء والرسل صراحة | استعمال عبارة عامة هي «الإساءة إلى الدين الإسلامي» |
| الوسائل الرقمية | داخلة صراحة في تعريف الوسائل | داخلة ضمن وسائل تحقق شرط العلنية |
| العقوبة ذات الصلة | حبس لا يقل عن سنتين وغرامة من 500 ألف إلى مليوني درهم | أصلاً: حبس من 6 أشهر إلى سنتين وغرامة من 20 إلى 200 ألف درهم. وعند العلنية: من سنتين إلى 5 سنوات وغرامة من 50 إلى 500 ألف درهم، مع جواز إحدى العقوبتين |
| جهة التكييف والتطبيق | النيابة العامة والمحاكم المختصة | النيابة العامة والمحاكم المختصة |
والجامع بين النموذجين أن حرية التعبير ليست في النظام القانوني حصانة مطلقة من المسؤولية عندما يتحول الخطاب، وفق شروط النص، إلى إساءة مجرّمة. أما الفارق الجوهري فهو أن القانون الإماراتي يحدد الأنبياء والرسل اسماً وفئة، بينما يحتاج تطبيق النص المغربي على واقعة بعينها إلى بحث دخولها في مفهوم الإساءة إلى الدين الإسلامي.
الإنترنت غيّر حجم الإساءة ولم يغيّر حقيقتها
كان الكلام المسيء في زمن سابق يبقى غالباً داخل مجلس محدود أو مطبوعة ضيقة الانتشار. أما اليوم فيستطيع شخص بهاتف أن ينشر مادة تعبر القارات خلال ساعات. وهي مادة قابلة للنسخ والترجمة والاقتطاع وإعادة التدوير، وقد تبقى متاحة حتى بعد حذف المصدر الأول.
لكن الاتساع الرقمي أوجد مفارقة مؤلمة: قد ينشر المسيء مادته أمام مئات، ثم يعيد الرافضون تداولها أمام ملايين بحجة الاستنكار. فيتحول الغاضبون، من حيث لا يشعرون، إلى شبكة توزيع مجانية للمحتوى الذي يريدون مقاومته.
والحكمة هنا تقتضي التفريق بين التوثيق الضروري والإشاعة غير الضرورية. يمكن حفظ الرابط أو لقطة الشاشة وتاريخ النشر لإرسالها إلى المنصة أو الجهات القانونية، من غير وضع المادة المسيئة في كل حساب ومجموعة. كما يمكن الرد على الفكرة من غير إعادة عرض الرسم أو العبارة المهينة.
وتفرض تقنيات التزييف العميق مزيداً من الحذر. فالصوت قد لا يكون صوت صاحبه، والفيديو قد يكون مركباً، والحساب قد يكون منتحلاً. لذلك تبدأ النصرة بالتثبت، لا بالاتهام؛ فالكذب على إنسان بريء لا يصبح حقاً لأن موضوع الغضب شريف.
كيف ننصر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وقوع الإساءة؟
الغضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم مفهوم في قلب المؤمن، لكن قيمة الغضب تحددها الثمرة التي ينتجها. قد يقود الغضب إلى معرفة وسكينة وعمل، وقد يقود إلى ظلم يسيء إلى القضية التي أراد صاحبها نصرتها. ولهذا تحتاج النصرة إلى بوصلة من هديه صلى الله عليه وسلم.
نعرفه قبل أن ندافع عنه
من المؤلم أن يشتد غضب إنسان دفاعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم بينما لا يعرف من سيرته إلا القليل. من النصرة أن نقرأ سيرته من مصادر موثوقة، ونعلم أبناءنا رحمته وعدله وشجاعته ووفاءه وتواضعه، ونقدم هذه السيرة بلغات العصر.
إن صورة مشوهة لا تُهزم بالصراخ وحده، بل تقابل بصورة صحيحة موثقة. والعالم يحتاج أن يعرف النبي الذي عفا يوم فتح مكة، ونهى عن الغدر، وأوصى بالنساء، ورحم الصغير، وراعى حق الجار، وقام حين مرت به جنازة يهودي، فلما قيل له إنها جنازة يهودي قال: «أليست نفساً؟» متفق عليه. عرض هذه المواقف بأمانة يفتح أبواباً لا تفتحها الخصومة الغاضبة.
لا نمنح الإساءة انتشاراً جديداً
ليس ضرورياً إعادة نشر الصورة أو العبارة حتى نثبت أننا نرفضها. يكفي أحياناً وصف الواقعة من غير إعادة إنتاجها، أو الرد على الدعوى الكامنة وراءها. وإذا كان التوثيق لازماً، فيُحفظ بالقدر الذي تحتاجه المنصة أو الجهة المختصة.
ويفيد هذا السلوك في أمرين: يحمي مشاعر الناس من التعرض المتكرر للمادة، ويحرم صاحب الإساءة من المكافأة التي يبحث عنها أحياناً، وهي الانتشار والضجة.
نلجأ إلى القانون ولا نستوفي الحقوق باليد
إذا كان الفعل يشكل جريمة وفق قانون البلد، فالمسار الصحيح هو الإبلاغ عبر القنوات الرسمية. ويشمل ذلك توثيق الرابط والحساب والتاريخ، وتجنب العبث بالمادة، وترك التحقيق للجهات المختصة.
وجود الدولة والقضاء يعني أن الأفراد لا يستوفون العقوبات بأنفسهم. وهذا ليس موقفاً بارداً، بل حماية للمجتمع من الاتهام الخاطئ والانتقام المتبادل، والتزام بمبدأ شرعي أصيل: إقامة القضاء لأهله، وصيانة الناس من الفوضى.
نرد بالحجة ونترجم السيرة العطرة إلى لغات العالم
بعض الإساءات يقوم على جهل، وبعضها على تحريف متعمد، وبعضها على رغبة في الاستفزاز. ولا يصلح جواب واحد لكل الحالات. الجهل يحتاج إلى تعريف، والشبهة تحتاج إلى بحث، والتحريف يحتاج إلى تفكيك موثق، والاستفزاز قد يكون تجاهله أبلغ من الدخول في لعبته.
ومن أنفع المشروعات إعداد مواد موجزة ودراسات وأفلام تعليمية وترجمات تعرف بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم من مصادر صحيحة، وتجيب عن الأسئلة الصعبة بلغة مفهومة. فالتعريف ليس رد فعل مؤقتاً، بل عمل ممتد يبني معرفة ويقلل مساحة الصورة النمطية.
نتحرى الصدق في الدفاع عنه
لا يجوز أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم بحديث مكذوب أو قصة لا تثبت. وقد حذر صلى الله عليه وسلم من الكذب عليه. لذلك من التوقير التحقق من الأحاديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف، وعدم نشر حكايات مؤثرة لمجرد أنها توافق العاطفة.
الصدق في النقل جزء من الدفاع عنه؛ لأن الكلمة غير الصحيحة قد تُكتشف فتتحول إلى مدخل للطعن في خطاب المدافع كله.
نحول المحبة إلى اتباع
بعد أن تهدأ لحظة الغضب يبقى الامتحان الأعمق: هل نصلي كما علمنا؟ هل نصدق في معاملاتنا؟ هل نؤدي الأمانة؟ هل نرحم الضعيف ونحسن إلى الجار ونعدل مع من نختلف معه؟ هل نتعلم سنته ونعلمها أبناءنا؟
الدفاع الحقيقي عن المقام النبوي لا ينتهي بإدانة المسيء؛ إنه يبدأ من تحويل المحبة إلى خلق. وأفضل مجتمع يقدم نبيه للعالم هو المجتمع الذي يرى الناس في سلوكه شيئاً من صدق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورحمته وعدله.
التعظيم الذي يليق بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن تعظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مجرد شعور عابر، بل عبادة قلبية وأدب إيماني أمر الله بهما، وجعلهما من مقتضيات الإيمان برسالته. وقد أنزله الله المنزلة الرفيعة التي تليق به: عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، وخاتم أنبيائه، وسيد ولد آدم؛ فاجتمع له شرف العبودية وكمال الرسالة ورفعة الذكر.
ومن كمال هديه صلى الله عليه وسلم أنه أرشد أمته إلى أن يكون تعظيمها له قائماً على المحبة الصادقة والاتباع، بعيداً عن أن تنسب إليه شيئاً من خصائص الألوهية. فقال صلى الله عليه وسلم:
«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» رواه البخاري.
وليس في هذا الحديث نهي عن مدحه صلى الله عليه وسلم، أو ذكر فضائله وشمائله، أو إظهار الفرح بمحبته؛ وإنما النهي عن مجاوزة مقام النبوة والرسالة إلى ما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. أما الصلاة عليه، وتوقيره، ونشر سيرته، وقراءة شمائله، والثناء عليه بما ثبت من أوصافه ومناقبه، وتعليم الأجيال محبته، فكل ذلك من أجلِّ صور التعظيم المشروع.
وكلما ازدادت معرفة المؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم، ازداد حباً له واتباعاً لهديه؛ لأن المحبة الصادقة لا تكتفي بحرارة المشاعر، بل تظهر في الاقتداء بأخلاقه، والتمسك بسنته، ونصرة رسالته بالحكمة والعدل. وهكذا يكتمل التعظيم الذي يليق بمقام النبوة: محبة تملأ القلب، وأدب يصون اللسان، واتباع تشهد له الأعمال.
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾: طمأنينة تهدي الغضب
لعل أجمل ما في الآية أن مركزها ليس المستهزئين، بل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ﴾. المستهزئون عابرون، والرسالة باقية. وقد عرف التاريخ أشخاصاً كثيرين هاجموه، ثم انطفأ ذكرهم أو بقي تابعاً لما أنكروه، بينما ظل اسمه يتردد في الأرض.
لا تعني الآية أن المسلمين يعطلون الأسباب أو يسكتون عن الحقوق. للفقه بيانه، وللدولة قانونها، وللمجتمع حقه في حماية سلمه، وللباحث واجبه في رد الشبهة. لكنها تمنع الغضب من أن يتحول إلى خوف على مقام حفظه الله؛ فالمسيء لا ينقص من قدر النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، وإنما يكشف عن اختياره الأخلاقي هو.
حين نزل الوعد كان المسلمون قلة، وكان المستهزئون من أصحاب القوة والجاه في مكة. وبموازين البشر المجردة بدا أولئك أقدر على خنق الدعوة. لكن القرآن لم يعد بأنهم لن يظهروا، بل قرر أنهم لن ينتصروا على الرسالة. وهذا ما شهده التاريخ: مضى المستهزئون، وبقي القرآن الذي سخروا منه يتلى، وبقي الأذان، وبقيت السنة، وبقي اسم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مقروناً بالشهادة والصلاة والسلام.
ومن ثم لا ينبغي أن تكون الإساءة مناسبة للفوضى، بل فرصة لإعادة اكتشاف السيرة، وتعليم الشمائل، وتصحيح الصورة، واستعمال القانون، وتجديد العهد بالاتباع. فإذا كان المسيء يملك منشوراً عابراً، فإن الأمة تملك حياة كاملة لرجل قال الله فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وإذا ظن أن ضجيج لحظة يستطيع أن ينال من مقام خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فقد أجابه القرآن منذ قرون بكلمات لا تحتاج إلى صخب:
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم: سورة الحجر 94-96؛ الأحزاب 6 و40 و57؛ الحجرات 2؛ التوبة 61 و65-66؛ الفتح 9؛ الشرح 4؛ الأنبياء 107؛ القلم 4؛ النساء 80؛ آل عمران 31؛ النحل 125؛ الحشر 7؛ المائدة 67.
- الطبري، محمد بن جرير، «جامع البيان عن تأويل آي القرآن»، تفسير سورة الحجر، الآية 95. النص الإلكتروني.
- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، «تفسير القرآن العظيم»، تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. النص الإلكتروني.
- القرطبي، محمد بن أحمد، «الجامع لأحكام القرآن»، تفسير سورة الحجر، الآية 95. النص الإلكتروني.
- الرازي، فخر الدين، «مفاتيح الغيب»، تفسير سورة الحجر.
- القاضي عياض، «الشفا بتعريف حقوق المصطفى»، الأبواب المتعلقة بتعظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقه.
- صحيح البخاري: كتاب الإيمان؛ كتاب الأيمان والنذور؛ كتاب أحاديث الأنبياء؛ ومواضع الأحاديث المشار إليها في المتن.
- صحيح مسلم: كتاب الإيمان؛ كتاب الجنائز؛ ومواضع الأحاديث المشار إليها في المتن.
- الموسوعة الحديثية: حديث «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه».
- المرسوم بقانون اتحادي رقم (34) لسنة 2023 في شأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، ولا سيما المواد 1 و3 و4 و5.
- مجموعة القانون الجنائي المغربي، الفصل 267-5.

