مقدمة
تضعنا الوجودية في عصر القلق أمام مفارقة يصعب تجاهلها: كلما تعددت إمكانات الإنسان الحديث، بدا سؤال المعنى أكثر إلحاحاً، وكأن وفرة الطرق لم تجعل اختيار الجهة أكثر يسراً. ولم يعد هذا السؤال ضيفاً نادراً على حياة الإنسان، يستدعيه الفلاسفة حين يفرغون من شؤون العالم، أو لا يظهر إلا عند المنعطفات القاسية التي تهز اليقين وتبعثر المألوف. لقد أصبح جزءاً من الحياة العادية نفسها؛ قد يطل بعد نجاح طال انتظاره ثم يتبين أن الفرح به أقصر مما كان متخيلاً، أو في نهاية يوم امتلأ بالحركة ولم يترك في الذاكرة ما يستحق أن يُستعاد، أو أمام وفرة من الخيارات يعجز المرء عن معرفة أيها يصدر عنه فعلاً وأيها اختاره لأن الآخرين سبقوه إليه. وربما تكمن إحدى مفارقات زمننا في أننا نمتلك بدائل ومسارات أكثر من أي وقت مضى، من غير أن تمنحنا هذه الوفرة بالضرورة وضوحاً أكبر بشأن الغاية التي تستحق أن نعيش من أجلها. فليس القلق دائماً علامة على أن الحياة تفتقر إلى الوسائل؛ قد يكون، على العكس، علامة على أنها تفتقر إلى جهة.
من هذه المفارقة تستعيد الوجودية قوتها. فهي لم تعد مهمة لأن القرن العشرين أنجب أسماء كبيرة تحت رايتها، ولا لأنها صاغت خطاباً قاتماً عن الوحدة والموت والعبث، بل لأنها اقتربت من منطقة في التجربة الإنسانية لا تستطيع الوفرة المادية ولا التنظيم الاجتماعي أن يلغياها: أن يجد الإنسان نفسه موجوداً قبل أن يمتلك تعريفاً نهائياً لذاته، وأن يكون مضطراً إلى الاختيار مع أن العالم لا يمنحه في كل مرة برهاناً يطمئنه إلى أنه اختار الصواب. فالحرية، التي تبدو في الظاهر امتيازاً، تكشف هنا وجهها الآخر؛ إنها عبء أيضاً، لأن ما نختاره لا يحدد ما سنفعل فقط، بل يسهم في تحديد الشخص الذي سنصير إليه.
لهذا لم ينظر كيركغارد إلى القلق باعتباره مجرد اضطراب ينبغي التخلص منه، بل ربطه بإمكان الحرية؛ ولم تكن أزمة القيم عند نيتشه مسألة أخلاقية معزولة عن سؤال الإنسان عما يمكن أن يستند إليه بعد اهتزاز اليقينات الكبرى. وعند هايدغر يصبح الموت والزمن مدخلاً إلى مساءلة الطريقة التي يعيش بها الإنسان وجوده، بينما يدفع سارتر الحرية إلى أقصى نتائجها حين يجعل الإنسان مسؤولاً عن اختيارات لا يستطيع أن يختبئ وراء ماهية ثابتة لتبريرها. أما كامو، فيضع الإنسان وجهاً لوجه أمام عالم لا يقدم له معنى جاهزاً، من دون أن يجعل غياب هذا المعنى سبباً كافياً للاستسلام. وبين هذه الأصوات، على اختلافها، تتشكل إحدى أكثر أفكار الوجودية إثارة: ربما لا يكون القلق دائماً نقيضاً للحياة الجيدة؛ فقد يكون أحياناً الثمن الذي يدفعه الكائن الذي يعرف أنه حر، محدود، وفانٍ.
لكن المفارقة تصبح أشد حدة في زمننا. لماذا يزداد سؤال المعنى إلحاحاً في عصر يمتلك فيه الإنسان من الخيارات والوسائل ما لم تمتلكه أجيال كثيرة قبله؟ هل أصبح القلق نتيجة فراغ ينبغي ملؤه بأي شيء، أم أنه يكشف عن شيء أعمق: عن الهوة التي قد تفصل بين أن نعيش حياة مزدحمة وأن نشعر بأن هذه الحياة تخصنا حقاً؟ وهل يستطيع الإنسان أن يجد معنى سابقاً عليه ومكتمل البناء، أم أن عليه أن يشارك في إنشائه من خلال الطريقة التي يختار بها أن يكون في العالم؟
يدافع هذا المقال عن فرضية مفادها أن الوجودية لا تمنح الإنسان علاجاً يزيل قلقه بقدر ما تغير معنى هذا القلق نفسه. فالقلق يصبح مدمراً حين يتحول إلى دوران مغلق حول الذات أو إلى هروب دائم من الاختيار، لكنه يستطيع أن يصبح لحظة انكشاف حين يجعل الإنسان يرى ما كان يخفيه عنه الاعتياد: أن حياته محدودة، وأن بعض اختياراته لا يمكن لأحد أن يقوم بها نيابة عنه، وأن امتلاك المعنى يبدأ حين يتوقف عن عيش حياة مملاة عليه كما لو كانت قدره الوحيد. ومن ثم لا يبدو المعنى كنزاً مدفوناً في العالم ينتظر أن نعثر عليه، ولا اختراعاً شخصياً يستطيع صاحبه أن يمنحه لأي شيء كيفما شاء؛ إنه يتشكل في تلك المسافة المتوترة بين ما يُعطى لنا من عالم وشروط وحدود، وبين ما نختار أن نصنعه مما أُعطي لنا.
الوجودية: فلسفة تبدأ حين تتوقف الأجوبة الجاهزة
لم تولد الوجودية من اتفاق بين مجموعة من الفلاسفة على مذهب واحد، بل من قلق مشترك تجاه الطريقة التي اعتادت بها الفلسفة أن تتحدث عن الإنسان كما لو أن حقيقته يمكن أن تُحسم قبل أن يعيش. اختلف كيركغارد ونيتشه وهايدغر وسارتر في الدين والأخلاق والميتافيزيقا وفي معنى الحرية نفسها، وبعضهم لم يقبل أصلاً أن يوضع تحت اسم «الوجودية». ومع ذلك يجمع بينهم رفض تحويل الإنسان إلى تعريف مكتمل سلفاً. فالإنسان، في هذا الأفق، لا يتلقى ذاته جاهزة ثم يمضي إلى تنفيذها؛ إنه يجد نفسه داخل عالم لم يختر بدايته، محاطاً بشروط وحدود وعلاقات سابقة عليه، ثم يكتشف أن عليه، مع ذلك، أن يتخذ موقفاً منها وأن يصير شيئاً من خلال ما يفعل.وفي هذا السياق، تعرض Stanford Encyclopedia of Philosophy الوجودية بوصفها تقليداً فلسفياً متنوعاً تلتقي اتجاهاته حول أسئلة الحرية والاختيار والأصالة والقلق والمسؤولية والمعنى، أكثر مما تلتقي حول مذهب نظري واحد مغلق.
لهذا يتغير السؤال الفلسفي نفسه. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال: «ما الإنسان؟» يظهر سؤال أكثر إزعاجاً: «ماذا يفعل الإنسان بما هو عليه، وبما وقع فيه، وبما يستطيع أن يصير إليه؟». السؤال الأول يسمح بالتراجع إلى مسافة آمنة والبحث عن تعريف عام؛ أما الثاني فيردّ السائل إلى حياته. فما قيمة أن نعرف معنى الحرية إذا كنا نقضي أعمارنا في تجنب القرارات التي تكشفها؟ وما معنى المسؤولية إذا بقيت فكرة جميلة لا تظهر عندما يصبح للاختيار ثمن؟ هنا تفقد المفاهيم برودها النظري، لأن الوجودية لا تسأل الإنسان عما يعرفه عن الحياة فقط، بل عن الكيفية التي يحضر بها داخل حياته هو.
ومن هنا يأتي اعتراضها العميق على الأجوبة الجاهزة. ليست المشكلة في القيم الموروثة أو التقاليد أو الانتماء إلى جماعة؛ فالإنسان لا يبدأ من فراغ، ولا يصنع لغته وعالمه بيديه وحده. المشكلة تبدأ حين تتحول الأشياء التي ورثناها إلى أجوبة تمنع السؤال بدلاً من أن تساعدنا على مواجهته. يستطيع المرء أن يردد قيماً نبيلة ويعيش وفق قواعد شديدة الاتساق، ومع ذلك يظل بعيداً عن نفسه إذا لم يختبر يوماً لماذا يؤمن بما يؤمن به، ولماذا يختار ما يختاره.
لهذا لا تعني الأصالة أن يهدم الإنسان كل ما سبقه كي يثبت استقلاله، ولا أن يتخذ الاختلاف غاية في ذاته. قد يكون أكثر الناس تمرداً في المظهر أكثرهم خضوعاً لنظرة الآخرين. الأصالة، في معناها الوجودي، تبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على امتلاك علاقته بما ورثه: أن يقبل ما يراه جديراً بالقبول، ويرفض ما لا يستطيع أن يتبناه، وأن يعرف في الحالتين أن الاختيار يترك أثراً في الشخص الذي يصير إليه. وبذلك لا تبدأ الوجودية عندما يختفي المعنى من العالم، بل عندما يكف الإنسان عن التعامل معه كما لو كان أمراً مضموناً يمكن أن يعيش نيابة عنه.
كيركغارد: القلق بوصفه دوار الحرية
عند سورين كيركغارد، لا يبدأ القلق من شيء يهدد الإنسان، بل من شيء يستطيع الإنسان أن يفعله. وهذه المفارقة هي التي تمنحه معناه الفلسفي. فالخوف يتجه عادة إلى موضوع يمكن تعيينه: خطر نراه، أو خسارة نتوقعها، أو حادث نخشى وقوعه. أما القلق فيظهر حين يقف الإنسان أمام الإمكان نفسه، حين يدرك أن الطريق لم يُرسم كله بعد، وأن في استطاعته أن يسلك أكثر من اتجاه. لذلك لم يكن القلق عند كيركغارد مجرد انفعال مزعج يطرأ على النفس، وإنما خبرة تكشف الحرية في صورتها الأقل طمأنينة. فالحرية لا تفتح الباب فحسب؛ إنها تضع الإنسان أيضاً أمام هاوية الممكن، ولهذا سماها كيركغارد، في واحدة من أكثر صوره تعبيراً، «دوار الحرية» (Kierkegaard, 1844/1980).
من هنا يمكن فهم جانب من قلق الإنسان الحديث من غير اختزاله في عبارة شائعة من قبيل «لدينا خيارات كثيرة». ليست وفرة الخيارات مرهقة لأنها تتطلب المقارنة بينها فقط، بل لأنها تجعل الإنسان شريكاً، بدرجات متفاوتة، في رسم المسار الذي ستتخذه حياته. فالاختيار بين دراسة وأخرى، أو مهنة وأخرى، أو البقاء والرحيل، لا يظل دائماً سؤالاً عن الأفضل من الناحية العملية؛ في لحظة ما يتحول إلى سؤال أكثر حساسية: أي حياة أقبل أن تصبح حياتي؟ ومع كل إمكان يتحقق، تنغلق إمكانات أخرى كان يمكن أن تكون. ولهذا تحمل الحرية داخلها شيئاً من الفقد: لا نستطيع أن نحيا كل الحيوات التي كان بوسعنا تخيلها.
وهنا تكمن قسوة الحرية بقدر ما تكمن قيمتها. فالإنسان يرغب عادة في أن يكون سيد اختياره، لكنه يرغب في الوقت نفسه في ضمان يطمئنه إلى أن اختياره كان صحيحاً. وكيركغارد يضعه أمام حقيقة أقل راحة: لا تأتي القرارات الوجودية الكبرى دائماً ومعها برهان مسبق على سلامتها. نختار، ثم نصبح مسؤولين عن علاقة ما اخترناه بالشخص الذي نصير إليه. ولهذا لا يكون القلق نقيضاً للحرية؛ إنه أحد الآثار التي تتركها في كائن يعرف أن إمكاناته أكثر من حياته، وأن عليه مع ذلك أن يحول بعضها فقط إلى واقع.
لكن كيركغارد لا يحول القلق إلى فضيلة في ذاته. فالقلق قادر على أن يوقظ الإنسان، كما يستطيع أن يشلّه. وقد ينتقل مأزق الذات من القلق أمام الإمكان إلى شكل أعمق من الانقسام يسميه، في «المرض حتى الموت»، اليأس. واليأس هنا ليس مجرد حزن شديد أو فقدان للرغبة في الحياة، بل خلل في علاقة الذات بذاتها. قد يعجز الإنسان عن احتمال أن يكون الذات التي هو عليها، فيرغب في التخلص منها؛ وقد يحاول، في الاتجاه المقابل، أن يكون ذاته اعتماداً على نفسه وحدها، كأنها تستطيع أن تؤسس وجودها من ذاتها ومن دون الاعتراف بما تقوم عليه. وفي الأفق الديني الخاص بكيركغارد تبلغ الذات تمامها حين تكف عن توهم الاكتفاء بنفسها وتستقيم علاقتها بالقوة التي أقامتها (Kierkegaard, 1849/1980).
هذه الفكرة تمنح سؤال المعنى بعداً يتجاوز البحث عن «هدف» جديد. فقد يمتلك الإنسان عملاً ناجحاً، وعلاقات مستقرة، ومكانة تحظى بالتقدير، ومع ذلك يكتشف أن البناء كله قام فوق إجابة لم يخترها بنفسه عن السؤال: ما الحياة الجديرة بأن تُعاش؟ عندئذ لا يكون النقص في عدد الإنجازات، بل في العلاقة التي تربط صاحبها بها. ربما قضى سنوات يصعد سلماً بكفاءة، ثم اكتشف متأخراً أن السؤال لم يكن عن سرعة الصعود، بل عن الجدار الذي وضع السلم عليه.
ولهذا لا يدعونا كيركغارد إلى مطاردة القلق ولا إلى تحويل المعاناة إلى علامة على العمق. ما يهم هو ألا نفترض أن كل قلق عدو يجب إسكاته فوراً. ثمة قلق ينبه الإنسان إلى خطر حقيقي ويحتاج إلى معالجة، وثمة قلق آخر يفتح سؤالاً حاولت العادة أن تغلقه: هل أعيش ما أراه أنا جديراً بالحياة، أم أكرر مساراً بدا طبيعياً فقط لأن كثيرين ساروا فيه قبلي؟
في هذه اللحظة يصبح القلق كاشفاً. لا يمنح جواباً، ولا يختار نيابة عن صاحبه، لكنه يسحب عن بعض الأشياء قدرتها على الظهور كأنها بديهية. وما كان يبدو طريقاً وحيداً يظهر فجأة بوصفه طريقاً من بين طرق. بذلك لا يكون «دوار الحرية» مرضاً في الحرية، بل اللحظة التي يشعر فيها الإنسان، ربما للمرة الأولى، بأن لحياته أبواباً يمكن أن يدخلها، وأن عدم الاختيار لن يبقيه خارجها إلى الأبد.
نيتشه: عندما تفقد القيم القديمة قدرتها على الإقناع
إذا كان القلق عند كيركغارد ينكشف في اللحظة التي يكتشف فيها الفرد اتساع إمكانه وثقل اختياره، فإن نيتشه يدفع أزمة المعنى إلى مستوى آخر: ماذا يحدث للإنسان حين لا يفقد جواباً شخصياً فحسب، بل تبدأ المنظومة التي كانت تمنح الأجوبة نفسها في فقدان قدرتها على الإقناع؟
من هنا ينبغي فهم عبارته الشهيرة عن «موت الإله». فهي لا تؤدي عند نيتشه وظيفة إعلان بسيط للإلحاد، كما لو أن القضية انتهت بإثبات وجود الله أو نفيه، بل تشير إلى حدث ثقافي أعمق: أن الإطار الديني والميتافيزيقي الذي استمدت منه أوروبا زمناً طويلاً تصورها للحقيقة والخير والغاية لم يعد يمتلك السلطة نفسها على العقول، في حين أن النتائج الكاملة لهذا التحول لم تُستوعب بعد. ففي «العلم المرح» لا يلقي المجنون خبر «موت الإله» على مؤمنين مذهولين، بل على أناس سبق لكثير منهم أن توقفوا عن الإيمان؛ والمفارقة أن هؤلاء لم يدركوا بعد حجم ما يترتب على انهيار الأساس الذي ظلت قيم كثيرة تستند إليه (Nietzsche, 1882/1974).
المشكلة، إذن، ليست أن قيمة قديمة تختفي فتأتي قيمة جديدة لتحل محلها بسهولة. الأخطر أن يفقد الإنسان ثقته بالمقياس نفسه الذي كان يسمح له بأن يقول إن شيئاً ما يستحق أن يُطلب أو يُضحى من أجله. هنا تلوح العدمية: لا باعتبارها موقفاً فكرياً يعلنه صاحبه قائلاً إن «لا شيء له معنى» فحسب، بل بوصفها الحالة التي تستمر فيها الأهداف أمامنا بينما تتآكل قدرتها على الإجابة عن السؤال: لماذا تستحق هذه الأهداف أن تنظم حياتنا؟
وهذا هو الوجه النيتشوي الذي يمكن أن نجده في عصرنا من دون أن يصبح الإنسان قارئاً لنيتشه أو معلناً للعدمية. فقد يمضي المرء سنوات في تحقيق أهداف واضحة، ويكتسب ما اعتاد محيطه أن يسميه نجاحاً، ثم يفاجأ بأن وضوح الطريق لم يمنحه جواباً عن قيمة الوصول. فالنجاح يمكن أن يتحول إلى رقم، والمكانة إلى مقدار من الظهور، والمعرفة إلى شهادة، والتجربة إلى صورة، والزمن إلى حصيلة إنجازات. لا تكمن المشكلة في هذه المؤشرات نفسها؛ نحن نحتاج إلى مقاييس في مجالات كثيرة من الحياة. تبدأ الأزمة حين تنقلب الوسيلة إلى معيار نهائي، وحين يصبح السؤال «كم حققت؟» بديلاً عن السؤال الأشد صعوبة: ما الذي يجعل ما أحققه جديراً بأن أدفع فيه جزءاً من حياتي؟
عند هذه النقطة لا يقترح نيتشه عودة مطمئنة إلى عالم القيم القديمة، وكأن الأزمة يمكن محوها بمجرد استعادة ما فقد سلطته التاريخية. ولا يدعونا، في الاتجاه المقابل، إلى الاحتفاء بالفراغ. مشروعه أكثر خطورة وأشد صعوبة: إعادة تقويم القيم. أي أن تصبح القيم نفسها موضع سؤال؛ أن نسأل من أين جاءت، وأي صورة للإنسان صنعتها، وما نوع الحياة الذي تقويه أو تضعفه، ولماذا صارت أشياء معينة تستحق المديح وأخرى تستحق الاحتقار.
لكن «خلق القيم» عند نيتشه من أكثر أفكاره تعرضاً لسوء الفهم. فهو لا يعني أن كل ما يختاره الفرد يصبح جيداً لمجرد أنه اختاره، ولا أن الإنسان يستطيع أن يمنح القيمة لنزواته ثم يطالب العالم بالاعتراف بها. فنيتشه نفسه يمارس باستمرار تمييزاً وتفاضلاً بين أنماط من القيم والحياة، ويمدح القوة والتجاوز والإبداع والقدرة على تحويل الذات، وينتقد صوراً من العيش يراها نابعة من الإنهاك أو الضغينة أو إنكار الحياة. ولهذا فخلق القيمة ليس تصريحاً مفتوحاً للاعتباط، وإنما امتحان لما يستطيع الإنسان أن يؤكده ويتحمل تبعاته ويجعل منه شكلاً للحياة.
لهذا يصبح السؤال الذي يوجهه نيتشه إلى الإنسان الحديث أقل راحة من السؤال عن النجاح والفشل: هل نريد حقاً ما نسعى إليه، أم أننا تعلمنا أن نرغب فيه لأن الرغبة فيه تمنحنا الاعتراف؟ وقد يكتشف الإنسان هنا أن أخطر صور فقدان المعنى ليست أن يعيش بلا أهداف، بل أن تمتلئ حياته بأهداف كثيرة لا يستطيع أن يذكر متى ولماذا أصبحت أهدافه هو.
فقد يكون الفراغ واضحاً فينبه صاحبه إلى أزمته، أما الامتلاء المستعار فيستطيع أن يخفي الأزمة لسنوات. وهنا يلتقي نيتشه، على اختلاف مشروعه عن الوجوديين الذين جاؤوا بعده، مع سؤال سيعود عند هايدغر وسارتر بأشكال أخرى: كيف يمكن للإنسان أن يميز بين حياة يتبناها فعلاً وحياة يتقن فقط أداء القيم التي وجد الآخرين يصفقون لها؟
هايدغر: القلق حين يفقد العالم بداهته اليومية
مع مارتن هايدغر يتغير سؤال القلق مرة أخرى. فهو لا ينظر إليه، في «الوجود والزمان»، بوصفه انفعالاً نفسياً يقع داخل الإنسان ثم يزول، بل بوصفه مزاجاً أساسياً يستطيع أن يكشف شيئاً كان مختفياً في وضوح الحياة اليومية نفسها. فالإنسان لا يستيقظ كل صباح متسائلاً عن معنى وجوده؛ إنه يجد نفسه منهمكاً في عالم مألوف: أشياء يستعملها، ومواعيد يلتزم بها، وأشخاص يتعامل معهم، ومهام يعرف كيف يؤديها. لكل شيء موضعه داخل شبكة من الدلالات العملية، ولذلك يبدو العالم مفهوماً من غير أن نضطر إلى تفسيره في كل لحظة.
لكن القلق يستطيع أن يحدث شقاً في هذه الألفة. الأشياء لا تختفي، والعمل لا يتوقف، والطرقات تظل في أماكنها، ومع ذلك يفقد المألوف شيئاً من قدرته على حمل الإنسان كما كان يفعل من قبل. ما كان مهماً منذ ساعات قد يبدو فجأة عاجزاً عن تفسير سبب أهميته؛ وما كان يملأ اليوم لا يعود كافياً لإعطاء اليوم جهة. إن العالم، بتعبير أقرب إلى تجربة هايدغر، لا يصبح وهماً، وإنما يفقد بداهته. تتراجع للحظة شبكة المعاني التي كنا نتحرك داخلها بلا سؤال، فيجد الإنسان نفسه أمام وجوده من غير الغطاء المطمئن الذي توفره العادة. ولهذا يختلف القلق عن الخوف: الخوف يخاف من شيء، أما القلق فلا يستطيع دائماً أن يشير إلى شيء بعينه، لأن الذي اضطرب هو علاقة الإنسان بعالمه بوصفه كلاً (Heidegger, 1927/1962).
هذه التجربة لا تكشف أن العالم عديم المعنى، بل تكشف أن المعنى الذي بدا مستقراً لم يكن مستقلاً تماماً عن الطريقة التي يسكن بها الإنسان عالمه. وهنا تظهر إحدى أفكار هايدغر المركزية: نحن لسنا ذواتاً مغلقة تقف أمام عالم خارجي ثم تبدأ في تفسيره، بل نحن منذ البداية وجودٌ-في-العالم؛ منخرطون في علاقات ومشروعات وإمكانات تجعل الأشياء تعنينا على نحو معين. ولذلك، حين تهتز هذه العلاقات في القلق، لا يشعر الإنسان بأنه فقد شيئاً محدداً فحسب، بل قد يشعر بأنه لم يعد «في بيته» داخل المألوف نفسه.
ومن هذا الموضع يصبح مفهوم das Man أكثر وضوحاً. يمكن ترجمته تقريباً بـ«الناس» أو «المرء»: ذلك الصوت غير الشخصي الذي نسمعه حين نقول إن «المرء يفعل هكذا»، وإن «الناس يرون هذا مناسباً»، وإن هذه هي الحياة التي «ينبغي» للإنسان أن يريدها في عمر معين أو مكانة معينة. وليس وجود هذا المستوى المشترك خطأ في ذاته. فالإنسان لا يخترع لغته، ولا يبدأ ثقافته من الصفر، ولا يستطيع أن يعيش خارج كل المعايير التي يشترك فيها مع غيره. المشكلة تبدأ حين يصبح ما يفعله «المرء» بديلاً كاملاً عن السؤال عما أتبناه أنا، فتتحول الإمكانات التي يعرضها العالم المشترك إلى طرق أسلكها لأن السير فيها مألوف لا لأنني امتلكت علاقتي بها.
وهنا تكمن إحدى وظائف القلق عند هايدغر. فهو لا يهمس للإنسان بسرّ يقول له ما يجب أن يختاره، ولا يكشف ذاتاً نقية كانت مختبئة تحت المجتمع. إنه يفعل شيئاً أقل راحة: ينزع عن بعض الإمكانات صفة الضرورة. ما كنت أفعله لأن «هكذا تُعاش الحياة» قد يظهر فجأة باعتباره إمكاناً واحداً من إمكانات أخرى. وما ظننته تعريفاً نهائياً لذاتي قد يتبين أنه دور استقررت فيه طويلاً حتى نسيت أنه لا يستنفد ما أستطيع أن أكونه. بهذا المعنى يستطيع القلق أن يفرد الإنسان أمام وجوده، لا ليعزله عن الآخرين، بل ليمنعه من الاختباء كلياً داخل الصيغة المجهولة: «هكذا يفعل الجميع».
من هنا ترتبط تجربة القلق بمسألة الأصالة. ولا تعني الأصالة عند هايدغر أن يصبح الإنسان غريب الأطوار، أو أن يعارض الجماعة لمجرد المعارضة، أو أن يكتشف في أعماقه شخصية «حقيقية» لم تتأثر بأحد. إنها أقرب إلى أن يمتلك وجوده باعتباره وجوداً عليه أن يتكفل به داخل الشروط التي وُجد فيها. فالإنسان لا يختار نقطة البداية، لكنه لا يستطيع أيضاً أن يسلم للآخرين بصورة كاملة مهمة أن يقرروا ما الذي ستكون عليه علاقته بإمكاناته. الأصالة ليست خروجاً من العالم المشترك، بل تغيراً في الكيفية التي يوجد بها الإنسان داخله.
وتصل هذه الفكرة إلى أكثر صورها حدة في مفهوم «الوجود نحو الموت». فالموت عند هايدغر ليس مجرد حادث بيولوجي سيقع في نهاية العمر، ولا موضوعاً يدعو إلى الانشغال الجنائزي. أهميته الفلسفية أنه الإمكان الذي لا يستطيع أحد أن يتحمله نيابة عني، والحد الذي يجعل أفق إمكاناتي محدوداً. أستطيع أن أوكل أعمالاً كثيرة إلى غيري، وأن أتراجع عن قرارات، وأن أؤجل مشاريع، لكنني لا أستطيع أن أنقل موتي إلى شخص آخر. ولهذا فإن مواجهة الفناء تفرد الإنسان أمام وجوده بطريقة لا تستطيع الحياة اليومية أن تلغيها.
ولا يعني «الوجود نحو الموت» أن يقضي الإنسان أيامه مفكراً في لحظة موته أو متوقعاً موعدها. هايدغر يرفض هذا الفهم نفسه. المقصود أن يعيش الإنسان إمكاناته وهو مدرك أنها إمكانات كائن محدود؛ أن يعرف أن اختيار طريق يعني، بالضرورة، التخلي عن طرق أخرى، وأن الزمن الذي ينفقه في مشروع ما ليس مورداً غير قابل للنفاد. وهنا يصبح الموت مرتبطاً بالحرية على نحو غير متوقع: ليس لأنه يخبرنا ماذا ينبغي أن نختار، بل لأنه يحرمنا من الوهم الذي يسمح لنا بأن نتعامل مع كل اختيار كما لو كان قابلاً للتأجيل إلى الأبد.
بهذا المعنى لا يمنحنا القلق عند هايدغر جواباً عن معنى الحياة. إنه يفعل شيئاً يسبق الجواب: يعطل، ولو للحظة، الآلة الصامتة التي تجعل الحياة تبدو مقررة سلفاً. وما ينكشف بعد توقفها ليس حقيقة سرية تنتظر أن نعثر عليها، بل سؤال أكثر ثقلاً: إذا كانت هذه حياتي محدودة الزمن، فأي الإمكانات أقبل أن أنفق فيها هذا الزمن؟
سارتر: الحرية التي لا تمنحنا عذراً كاملاً
مع جان بول سارتر تبلغ الحرية درجة أشد قسوة. فإذا كان هايدغر قد أعاد الإنسان إلى إمكاناته المحدودة وإلى وجود لا يستطيع أحد أن يحياه نيابة عنه، فإن سارتر يدفع الفكرة خطوة أخرى: ليس الإنسان مسؤولاً فقط عن اختيار طريق من بين طرق، بل يشارك، من خلال اختياراته، في صياغة الشخص الذي يصير إليه. ولهذا تبدو عبارته الشهيرة عن أن الإنسان «محكوم عليه بالحرية» أقرب إلى وصف مأزق منها إلى الاحتفاء بامتياز. نحن لم نختر أن نوجد، لكننا، ما دمنا موجودين، لا نستطيع أن نعفي أنفسنا تماماً من اتخاذ موقف تجاه ما يحدث لنا وما نفعله به.
من هنا تأتي الصيغة التي ارتبطت أكثر من غيرها بالوجودية السارترية: «الوجود يسبق الماهية». ففي أفقه الإلحادي لا توجد ماهية إنسانية مكتملة سلفاً تحدد للفرد ما ينبغي أن يكونه قبل أن يبدأ حياته. يظهر الإنسان أولاً في العالم، ثم تتحدد ملامحه من خلال مشروعاته وعلاقاته وقراراته وما يفعله بما أتيح له. وليس المقصود أن الفرد يستطيع أن يخترع نفسه من لا شيء، بل أن تعريفاً سابقاً لا يستطيع أن يغلق بصورة نهائية السؤال عما يمكن أن يصير إليه (Sartre, 1946/2007).
وهنا ينبغي الاحتراس من أكثر القراءات تبسيطاً لسارتر. فالحرية ليست قدرة سحرية تزيل الواقع بمجرد الإرادة. الإنسان يوجد دائماً داخل ما يسميه سارتر الوقائعية: جسد لم يختر بدايته، وماضٍ وقع بالفعل، ولغة وبيئة وشروط اجتماعية وتاريخ من القرارات السابقة، إضافة إلى أفعال الآخرين التي قد تفتح إمكاناته أو تضيقها. هذه كلها وقائع لا يستطيع أن يمحوها بإعلان حريته. لكنه، في الوقت نفسه، لا يطابقها تطابق الشيء مع خصائصه؛ فهو يستطيع أن يتخذ منها موقفاً، وأن يمنحها معنى داخل مشروعه، وأن يتجه من خلالها نحو إمكان لم يتحقق بعد. لهذا يعيش الإنسان، عند سارتر، في توتر لا ينتهي بين ما أصبح واقعاً فيه وما لم يزل يستطيع أن يتجاوزه نحوه (Sartre, 1943/1992).
ومن هذا التوتر يولد مفهوم «سوء النية». وغالباً ما يُفهم على أنه مجرد كذب الإنسان على نفسه، لكن بنيته عند سارتر أدق من ذلك. سوء النية يبدأ حين يحاول الفرد التخلص من الغموض الذي يضعه بين الوقائعية والحرية، فيختزل نفسه إلى واحد منهما. قد يتصرف كما لو كان شيئاً تحدده أوصافه نهائياً: «أنا هكذا»، «طبعي لا يتغير»، «ظروفي حسمت كل شيء». هنا يهرب من حريته باختزال نفسه في الوقائع. لكنه يستطيع أن يقع في الاتجاه المضاد أيضاً، فيتصرف كما لو أن الحرية تعني أن ماضيه وجسده والتزاماته وعواقب أفعاله لا وزن لها، وكأن مجرد الرغبة في بداية جديدة يمحو ما سبقها. في الحالة الأولى ينكر تجاوزه، وفي الثانية ينكر وقائعيته؛ وفي الحالتين يحاول أن يجعل الوجود أبسط مما هو عليه.
ولهذا كانت صورة النادل التي اشتهرت في «الوجود والعدم» أكثر من سخرية من شخص اندمج في مهنته. المشكلة ليست أن يكون الإنسان نادلاً أو طبيباً أو مدرساً أو مديراً؛ بل أن يتعامل مع الدور كما لو أنه استنفد وجوده كله، فيصبح ما يؤديه تعريفاً مغلقاً لما هو عليه. الدور حقيقي، والمسؤوليات التي يفرضها حقيقية، لكنه لا يستطيع أن يحول الإنسان إلى شيء مكتمل كما تتحول الطاولة إلى طاولة. فالوعي، في التصور السارتري، يظل قادراً على اتخاذ مسافة مما أصبح عليه، ولهذا لا يستطيع الإنسان أن يستريح تماماً داخل أي تعريف نهائي.
وفي الحياة المعاصرة لا يحتاج سوء النية إلى أشكال درامية. قد يظهر في شخص يختبئ داخل منصبه حتى يصبح فقدانه تهديداً لهويته كلها، أو في آخر يبني لنفسه صورة رقمية ثم يقضي وقته في حماية انسجامها، أو في شخص يفسر حياته باستمرار من خلال الأسرة أو السوق أو العمر أو الماضي. وليس الخطأ أن هذه القوى غير موجودة؛ بعضها يستطيع بالفعل أن يفرض حدوداً قاسية. سوء النية يبدأ حين تتحول الحدود الواقعية إلى تفسير كامل للذات، أو حين تتحول الحرية، في الطرف المقابل، إلى خطاب ينكر ثقل تلك الحدود. السؤال السارتري الأصعب ليس: هل أنا حر أم مقيد؟ بل: ماذا بقي من حريتي داخل القيود التي لا أستطيع إنكارها؟
هذا السؤال يجعل المسؤولية أقل راحة مما تبدو عليه في الشعارات. فالإنسان لا يتحمل مسؤولية كل ما يقع عليه؛ ثمة أذى وظروف وأحداث لا يكون صانعها. لكنه يصبح مسؤولاً، في حدود إمكانه، عن الطريقة التي يدخل بها ما وقع له في المشروع الذي سيواصل به حياته. وهنا تختلف المسؤولية عن اللوم. ليس الهدف أن نقول للإنسان إن كل مصيره نتيجة اختياراته، بل ألا نسمح للمصير نفسه بأن يتحول إلى ذريعة تلغي مسبقاً كل إمكان للفعل.
غير أن التركيز السارتري على الحرية يفتح سؤالاً لا يمكن إبقاؤه داخل الفرد: ماذا يحدث حين يتقاطع مشروعي مع حرية شخص آخر؟ هل يكفي أن أتحمل مسؤولية اختياري كي يصبح اختياري جديراً أخلاقياً؟ هنا تمنح سيمون دي بوفوار الوجودية امتداداً حاسماً. ففي «أخلاق الغموض» لا تظهر الحرية كملكية خاصة يستطيع الفرد أن يحققها في عزلة؛ إن مشروعاتنا تجري في عالم يسكنه آخرون، وأفعالنا تساهم في بناء الشروط التي يستطيعون داخلها ممارسة حريتهم أو يُحرمون منها (Beauvoir, 1947/1976).
ولهذا لا يكفي أن يقول الإنسان: «هذا ما اخترته». فالاختيار الواعي لا يصبح أخلاقياً لمجرد أنه صادق مع صاحبه. تستطيع الإرادة أن تكون واضحة ومسؤولة عن نفسها، ومع ذلك تجعل الآخرين مجرد وسائل لمشروعها. عند دي بوفوار تصبح الحرية أكثر نضجاً حين تعرف أنها لا تستطيع أن تريد نفسها حقاً وهي تعمل في الوقت نفسه على إلغاء حرية غيرها. فوجود الآخر ليس عائقاً عرضياً أمام مشروعي؛ إنه جزء من العالم الذي يمنح مشروعي نفسه مستقبلاً ومعنى.
وهنا تتغير صيغة سؤال المعنى مرة أخرى. لم يعد الأمر: «ماذا أريد أن أصنع من حياتي؟» فقط، بل أيضاً: «أي عالم تساعد اختياراتي على جعله ممكناً للآخرين؟». فالحرية التي بدأت عند سارتر بخروج الإنسان من كل تعريف جاهز تنتهي، حين تواجه وجود الآخرين، إلى مسؤولية لا تسمح له بأن يجعل ذاته مركز المعنى الوحيد.
كامو: هل يحتاج الإنسان إلى معنى نهائي كي يواصل الحياة؟
يصل سؤال المعنى إلى أشد صوره توتراً عند ألبير كامو. يبدأ «أسطورة سيزيف» من التعارض بين توق الإنسان إلى الوضوح والوحدة والغاية، وبين صمت العالم أمام هذا التوق. من هذا الاحتكاك يولد «العبث». العبث ليس صفة للعالم وحده ولا للإنسان وحده؛ إنه علاقة بين عقل يريد جواباً نهائياً ووجود لا يقدم له هذا الجواب بالصيغة التي يطلبها (Camus, 1942/1991).
لهذا يرفض كامو حلين متقابلين. الأول هو إنهاء الحياة لأن المعنى النهائي غائب؛ والثاني هو القفز إلى يقين فلسفي أو ميتافيزيقي لا يراه مبرراً فقط لكي يتخلص من القلق. البديل هو العيش في مواجهة العبث من غير إنكاره. التمرد هنا ليس صخباً سياسياً بالضرورة، بل موقف وجودي: أن يستمر الإنسان في العيش والعمل والحب والخلق مع علمه أن العالم لا يضمن له خاتمة تفسر كل شيء.
تبدو هذه الفكرة متشائمة للوهلة الأولى، لكنها تخفي تحرراً مهماً. إذا كان الإنسان لا يحتاج إلى ضمان كوني مسبق كي يجعل لحياته وزناً، فإن غياب الإجابة النهائية لا يلغي القيم الجزئية التي تنشأ في التجربة: الصداقة، الإبداع، الوفاء، المعرفة، العمل المتقن، مقاومة الإذلال، ولحظات الجمال. لا تصبح هذه الأشياء «صغيرة» لأنها لا تحل لغز الوجود كله؛ بالعكس، قد تكون قيمتها في أنها محدودة مثلنا.
في «الإنسان المتمرد» ينتقل كامو من العبث إلى التضامن. فالتمرد الحقيقي يبدأ حين يقول الإنسان «لا» لحدّ لا ينبغي تجاوزه، لكنه يتضمن في الوقت نفسه «نعم» لقيمة ما. ومن هنا يكتشف أن احتجاجه الفردي يحمل بُعداً مشتركاً: إذا رفض الإهانة لنفسه، فهو يلمح إلى معيار يمكن أن يخص الآخرين أيضاً (Camus, 1951/1991). هذه الحركة تمنع البحث عن المعنى من الانغلاق داخل الذات. قد لا يكون هناك جواب نهائي يهبط من خارج التجربة، لكن ثمة معنى يتكاثف حين يصبح وجودي قادراً على الاعتراف بوجود غيري.
كامو: هل يحتاج الإنسان إلى معنى نهائي كي يواصل الحياة؟
عند ألبير كامو يبلغ سؤال المعنى نقطة لا يعود معها البحث عن جواب مطمئن أمراً بريئاً. فالإنسان يريد أن يفهم: يريد من العالم قدراً من النظام، ومن حياته اتجاهاً، ومن الألم تفسيراً يمنعه من أن يبدو عبثياً. لكن العالم لا يجيبه بالوضوح نفسه الذي يطلبه منه. ومن هذه المواجهة، لا من الإنسان وحده ولا من العالم وحده، ينشأ العبث. إنه الشرخ بين رغبتنا في أن يكون للوجود معنى قابل للفهم، وبين صمت العالم إزاء هذه الرغبة. ولذلك لا يقول كامو ببساطة إن «العالم عبثي»؛ فالعبث لا يوجد إلا ما دام هناك وعي يسأل وعالم لا يمنحه الجواب الذي ينتظره (Camus, 1942/1991).
لهذا يبدأ «أسطورة سيزيف» من سؤال بالغ القسوة: إذا لم نجد ضماناً نهائياً لمعنى الحياة، فهل تبقى الحياة جديرة بأن تُعاش؟ لا يتعامل كامو مع الانتحار بوصفه موضوعاً جانبياً، بل يضعه في بداية امتحان فكرته كلها. فإذا كان العبث نتيجة المواجهة بين الإنسان والعالم، فإن إنهاء الحياة لا يحل هذه المواجهة؛ إنه ينهي أحد طرفيها. ولهذا يرفض كامو الانتحار الجسدي باعتباره خروجاً من العبث لا انتصاراً عليه. وما يطلبه أصعب: أن يبقى الإنسان حياً وواعياً بالتناقض الذي لم يستطع حله، من غير أن يخفيه عن نفسه (Camus, 1942/1991).
لكنه يرفض طريقاً آخر أقل وضوحاً سماه «الانتحار الفلسفي»: أن يبدأ الفكر من تجربة العبث ثم يقفز منها إلى يقين متعالٍ يزيل التناقض الذي انطلق منه، لا لأن البرهان أوصله إليه بالضرورة، بل لأن البقاء داخل السؤال صار ثقيلاً. اعتراض كامو هنا لا يختزل في رفض الدين من حيث هو دين، وإنما يتجه، داخل «أسطورة سيزيف»، إلى كل قفزة فكرية يرى أنها تتخلى عن مقتضيات العقل الذي اكتشف العبث ثم تستدعي ما يتجاوزه كي تغلق الجرح. فالمطلوب عنده أن يعيش الإنسان من دون استئناف إلى محكمة أعلى تمنحه في النهاية تفسيراً يبرر كل شيء.
وإذا أُغلقت طريقا الانتحار والقفزة الميتافيزيقية، فما الذي يبقى؟ لا يقدم كامو عزاءً جديداً في ثوب مختلف. يبقى الوعي والتمرد والحياة نفسها. أن يعرف الإنسان أن الصخرة ستعود إلى السفح، ومع ذلك يدفعها؛ لا لأنه اكتشف فجأة غاية سرية وراء المهمة، بل لأنه رفض أن يجعل غياب الغاية النهائية حكماً بإلغاء حياته. هنا تكمن قوة صورة سيزيف: فالوعي بما يحدث لا يحرره من الصخرة، لكنه يغير علاقته بمصيره. وما دام قادراً على النظر إلى شرطه من دون أوهام وعلى الاستمرار رغم ذلك، فإن العبث لا يمتلك الكلمة الأخيرة.
قد يبدو في هذا شيء من التشاؤم، لكن كامو يقلب المسألة بطريقة لافتة. لماذا نطالب الحياة بأن تبرر نفسها كلها قبل أن نسمح لأجزائها بأن تكون جديرة بالعيش؟ لماذا ينبغي للصداقة أن تحل لغز الكون حتى تكون ذات قيمة، وللحب أن يكون أبدياً حتى يكون حقيقياً، وللحظة الجمال أن تفسر الموت حتى تستحق أن تُعاش؟ إن غياب المعنى الكوني النهائي لا يحول التجربة الإنسانية بالضرورة إلى فراغ. لكنه يجرد الأشياء من الضمان الذي كنا نريد أن نستمد قيمتها منه. عندئذ يصبح العمل والإبداع والمحبة والمعرفة والوفاء أكثر هشاشة، نعم، لكنها تصبح أيضاً أموراً نعيشها من داخل محدوديتها لا لأن الأبدية وقّعت لها شهادة صلاحية.
ومع «الإنسان المتمرد» يتسع السؤال. لم يعد كامو يسأل فقط: كيف يعيش الفرد في عالم لا يمنحه جواباً نهائياً؟ بل: ماذا يحدث عندما يقول هذا الفرد «لا» لما يراه إذلالاً أو تجاوزاً لحد لا يجوز تجاوزه؟ فالتمرد لا يقتصر على الرفض. حين يقول الإنسان: «إلى هنا ولا أبعد»، فإنه يكشف، في اللحظة نفسها، عن شيء يعتبره جديراً بالدفاع عنه. وراء «لا» يوجد دائماً نوع من «نعم»: نعم لحد، أو كرامة، أو قيمة يرى المتمرد أن انتهاكها لم يعد مقبولاً (Camus, 1951/1991).
وهنا يحدث تحول بالغ الأهمية. ما بدأ كتجربة فردية يكشف عن بعد يتجاوز الفرد. فإذا رفضت الإهانة لأن فيَّ شيئاً لا ينبغي أن يُهان، فكيف أستطيع أن أنكر الشيء نفسه عندما يُهان في إنسان آخر؟ هكذا يصل كامو إلى التضامن لا بوصفه عاطفة طيبة تضاف إلى التمرد، بل بوصفه أحد المعاني التي يكشفها التمرد نفسه. احتجاج الفرد يشير إلى قيمة يراها قابلة لأن تكون مشتركة، ولهذا يصوغ كامو مفارقته الشهيرة التي تجعل التمرد انتقالاً من «أنا» إلى «نحن» (Camus, 1951/1991). وهذا الانتقال من التجربة الفردية إلى قيمة مشتركة يقع في صميم مشروع «الإنسان المتمرد».
لكن هذه النقطة تضع أيضاً حدوداً للتمرد. فإذا ثار الإنسان دفاعاً عن الكرامة ثم سمح لنفسه، باسم غاية مستقبلية، بأن يسحق كرامة الآخرين بلا حد، يكون قد هدم القيمة التي بدأ تمرده دفاعاً عنها. لذلك يصبح الحد مفهوماً أساسياً عند كامو: لا يكفي أن تكون لدينا قضية نؤمن بها؛ ينبغي أن نسأل أيضاً ماذا نصبح ونحن ندافع عنها. فالغاية التي تعد بعالم إنساني ثم تجعل الإنسان مادة مباحة في الطريق إليه تحمل في داخلها تناقضها الخاص. ومن هنا تنشأ أخلاق كامو الصعبة: مقاومة الظلم من دون منح المقاومة حق التحول إلى ظلم غير محدود.
وهكذا لا يجيب كامو عن سؤال المعنى بأن يضع مكان المعنى القديم معنىً نهائياً جديداً. إنه يغير شروط السؤال. قد لا نملك تفسيراً شاملاً يضع حياتنا كلها داخل قصة كونية مغلقة، لكن ذلك لا يجبرنا على الاختيار بين الوهم واليأس. يمكن للإنسان أن يعيش بوعي، وأن يخلق، وأن يحب، وأن يرفض الإهانة، وأن يقف إلى جانب غيره، وهو يعرف أن هذه الأفعال لا تحل لغز الوجود.
وربما هنا تكمن أكثر أفكار كامو إزعاجاً وجمالاً في آن واحد: قد لا تكون الحياة مطالبة بأن تكشف لنا معناها النهائي قبل أن نصبح قادرين على أن نمنح بعض أيامها وزناً. فالإنسان الذي ينتظر جواباً كاملاً قبل أن يبدأ في العيش قد ينتظر إلى الأبد؛ أما من يقبل حدود المعرفة من غير أن يتصالح مع الإذلال أو اللامبالاة، فإنه لا يهزم العبث، لكنه يرفض أن يجعل العبث ذريعة للانسحاب من الحياة.
عصر القلق: لماذا يبدو سؤال المعنى أكثر إلحاحاً اليوم؟
لسنا في حاجة إلى الادعاء بأن الإنسان في عصرنا أكثر قلقاً من جميع من سبقوه. لكل زمن مخاوفه، ولكل جيل أشكاله الخاصة من الهشاشة والانتظار والفقد. غير أن التجربة المعاصرة تمنح القلق الوجودي هيئة مميزة: لم يعد السؤال في كثير من الأحيان ماذا نستطيع أن نفعل، بل ماذا يستحق أن نفعله وسط هذا الاتساع الهائل لما يمكن فعله. لقد تكاثرت الإمكانات، لكن كثرتها لا تعني بالضرورة وضوح الاتجاه؛ فقد تصبح وفرة الطرق نفسها سبباً في صعوبة معرفة الطريق الذي يستحق أن يتحول إلى حياة.
فالإنسان لا يعاني دائماً من نقص المعلومات؛ قد يعاني، على العكس، من وفرتها من دون امتلاك معيار يحدد ما يستحق أن يصغي إليه. ولا تكون المشكلة بالضرورة قلة الفرص، بل أن الفرصة الواحدة تزاحمها احتمالات أخرى كان يمكن أن تُختار مكانها. خلف السؤال العملي: «ماذا أفعل؟» يقف سؤال أكثر هدوءاً وأشد خطراً: ما الذي يستحق أن أنفق فيه زمناً لن يعود؟ هنا يستعيد هايدغر حضوره؛ فما نختاره لا يستهلك المال والجهد فحسب، بل يستهلك الجزء الوحيد الذي لا نستطيع استعادته من وجودنا: الزمن.
ومن هذه الزاوية تتصل أزمة المعنى بما يمكن تسميته فخ السرعة في الحياة المعاصرة. فالمشكلة ليست في السرعة باعتبارها شراً في ذاتها؛ أحياناً تختصر التقنية ساعات من العمل وتفتح إمكانات كان الوصول إليها شاقاً. الخطر يبدأ عندما تنتقل السرعة من كونها أداة إلى كونها معياراً للحياة نفسها، فيصبح اليوم الناجح هو اليوم الأكثر امتلاءً، ويقاس الوقت بما أُنجز داخله لا بما صنعه في صاحبه. عندئذ قد يفعل الإنسان أشياء كثيرة من دون أن يمتلك المسافة التي تسمح له بأن يسأل لماذا يفعلها.
فالاختيار يحتاج إلى أكثر من وجود البدائل. يحتاج إلى مسافة داخلية نستطيع فيها أن نميز بين القرار والاستجابة، وبين المشروع الذي نتبناه والحركة التي نحافظ بها فقط على إيقاع الأيام. وقد تكون إحدى مفارقات السرعة أنها تمنحنا القدرة على الوصول إلى أشياء أكثر، بينما تقلل أحياناً من الزمن الذي نحتاجه لنعرف إن كانت هذه الأشياء جديرة بالوصول إليها أصلاً. لذلك لا تسأل الوجودية الإنسان أن يبطئ حياته بوصف البطء فضيلة مطلقة؛ إنها تسأله شيئاً أصعب: هل السرعة التي أعيش بها تخدمني، أم أنها أصبحت تمنعني من رؤية الجهة التي أسير نحوها؟
وتظهر المسألة بصورة أخرى في علاقتنا بالهوية. لم يعد الفرد، في مساحات كثيرة من الحياة الحديثة، محصوراً في تعريف واحد ثابت لذاته. يستطيع أن يتحرك بين أدوار مهنية وعائلية واجتماعية ورقمية، وأن يعيد تقديم نفسه في سياقات متعددة. وفي هذا قدر من التحرر لا ينبغي إنكاره. لكن الإمكان نفسه يحمل مفارقته: حين يصبح الإنسان قادراً على إدارة صور كثيرة لذاته، قد ينشغل تدريجياً بحماية الصور أكثر من انشغاله بالسؤال عن الشخص الذي تقف هذه الصور مكانه.
عندئذ يتغير سؤال الهوية من «من أنا؟» إلى سؤال أكثر توتراً: «أي نسخة مني يجب أن أُبقيها متماسكة الآن؟». وربما يجد سارتر هنا شكلاً معاصراً من سوء النية: لا لأن الصورة الرقمية أو الدور المهني كاذبان بالضرورة، بل لأن الإنسان قد يمنحهما من الثبات ما لا يملكانه، فيصبح أسيراً لتعريف صنعه هو نفسه. وقد يبدأ في رفض إمكان جديد لا لأنه يراه سيئاً، بل لأنه يهدد القصة التي اعتاد أن يرويها عن ذاته.
وهذا الخوف من كسر الصورة يرتبط بقلق آخر: الخوف من أن يكون الطريق الذي اخترناه هو الطريق الخطأ، وأن حياة أخرى كان يمكن أن تكون أفضل منا تنتظر في مكان لم نذهب إليه. هنا يعود كيركغارد بقوة. فالحرية ليست القدرة على الاحتفاظ بجميع الإمكانات إلى الأبد؛ لأن الإمكان الذي لا يتحول إلى فعل يبقى احتمالاً لا حياة. وكل اختيار جدي يحتوي في داخله خسارة: حين أختار طريقاً، أتنازل عن طرق أخرى كان يمكن أن أسلكها، وحين ألتزم بشخص أو عمل أو مشروع، أقبل ضمناً بأن جزءاً من حريتي سيتخذ شكلاً محدداً ولن يبقى مفتوحاً على كل شيء.
قد تبدو هذه الخسارة نقصاً في الحرية، لكنها في الحقيقة شرط لأن تصبح الحرية واقعاً. فالشخص الذي يريد الاحتفاظ بجميع الاحتمالات لا يعيش جميعها؛ إنه يؤجل فقط اللحظة التي يصبح فيها أحدها حياته. ولهذا قد تنتهي ثقافة تمجد إبقاء جميع الأبواب مفتوحة إلى أفراد يقفون طويلاً في الممر: يخشون أن يدخلوا باباً لأن دخوله يعني أن الأبواب الأخرى لن تبقى ممكنة بالطريقة نفسها.
وهنا يظهر الفرق بين الإمكان والمعنى. الإمكان يتكاثر كلما ظلت الخيارات مفتوحة، أما المعنى فلا ينمو بالطريقة نفسها؛ يحتاج إلى اختيار يمنح شيئاً الأولوية، وإلى زمن يسمح لهذا الاختيار بأن يترسخ، وإلى استعداد لتحمل ما يستبعده القرار بقدر ما يمنحه. لا يستطيع الإنسان أن يعيش كل الحيوات الممكنة، ولذلك لا يكون النضج في توسيع قائمة الاحتمالات إلى ما لا نهاية، بل في معرفة متى يصبح التخلي عن بعض الإمكانات شرطاً لامتلاك إمكان واحد على نحو حقيقي.
ومن هنا ربما لا يكون أحد أعمق أشكال القلق المعاصر نابعاً من غياب الحرية، بل من سوء احتمالها. يريد الإنسان أن يختار، لكنه يريد أيضاً ألا يخسر شيئاً بسبب اختياره؛ أن يلتزم من دون أن يغلق باباً، وأن يصنع هوية من دون أن يتخلى عن هويات ممكنة، وأن ينفق وقته من دون أن يشعر بأنه استبعد حياة أخرى كان يستطيع أن يعيشها. غير أن الوجود المحدود لا يقدم هذه الصفقة.
المعنى يبدأ حيث نقبل أن الحياة لا تستطيع أن تُعاش في جميع الاتجاهات في الوقت نفسه. ليست المشكلة أن نمتلك إمكانات كثيرة، بل أن نتوهم أن الحياة ذات المعنى هي الحياة التي لا تفقد أياً منها. والحقيقة أكثر قسوة، وربما أكثر تحرراً: بعض الأشياء لا تصبح جزءاً منا إلا لأننا اخترناها على حساب أشياء أخرى، وبعض الطرق لا تتحول إلى حياة إلا بعد أن نقبل أن نترك الممر وندخل.
من «البحث عن المعنى» إلى مسؤولية المعنى
نقول كثيراً إن الإنسان «يبحث عن معنى حياته»، وكأن المعنى شيء ضاع منه في مكان ما، وإذا عثر عليه انتهى القلق واستقرت الأسئلة. غير أن هذه الصورة، على جاذبيتها، تفترض أن المعنى موجود كاملاً خارجنا، وأن مهمتنا لا تتجاوز اكتشاف موقعه. التجربة الوجودية أكثر تعقيداً من ذلك. نحن لا نبدأ الحياة من فراغ حتى نخترع لها معناها بإرادة مطلقة، ولا نتلقى معناها مكتوباً بصورة نهائية قبل أن نعيشها. ثمة أشياء تسبقنا: لغة نتعلم داخلها، وعلاقات نجد أنفسنا منسوجين فيها، وذاكرة وتقاليد وإيمان وتاريخ وشروط لم نستشر في بدايتها. لكن هذه المعطيات لا تعيش نيابة عنا؛ يبقى علينا أن نحدد كيف سنقيم فيها، وأي علاقة سنقيمها بما ورثناه منها.
لهذا قد يكون الأدق ألا نسأل فقط: «أين أجد المعنى؟»، بل أيضاً: «ما الذي أفعله بما أُعطي لي حتى يصبح جديراً بأن أحمله باعتباره جزءاً من حياتي؟». فالمعنى لا يبدو، بهذا التصور، اكتشافاً خالصاً ولا اختراعاً خالصاً؛ إنه يتشكل في المنطقة التي يلتقي فيها ما لم نختره بما لا يستطيع أحد أن يختاره نيابة عنا.
ومن هذه الزاوية تصبح مساهمة فيكتور فرانكل مفيدة، مع ضرورة إبقائها في حدودها. فمشروعه ينتمي إلى العلاج النفسي الوجودي بقدر ما يحاور الفلسفة، ولذلك لا ينبغي أن نجعله ممثلاً للوجودية الفلسفية بالمعنى نفسه الذي ينطبق على كيركغارد أو هايدغر أو سارتر. لكن فكرته عن «إرادة المعنى» تضيف شيئاً مهماً إلى سؤالنا: لا يُمنح معنى الحياة للناس في صيغة واحدة تصلح للجميع، بل يرتبط بما يطلبه الموقف المحدد من الشخص، وبالاستجابة التي يستطيع أن يقدمها له من خلال العمل، أو المحبة، أو الطريقة التي يواجه بها أحياناً معاناة لا يستطيع إزالتها (Frankl, 1946/2006).
ومع ذلك ينبغي استعمال هذه الفكرة بحذر. فليس كل ألم درساً ينتظر أن نستخرج منه معنى، ولا كل معاناة امتحاناً أخلاقياً ينبغي لصاحبها أن يحسن تحويله إلى حكمة. ثمة آلام تحتاج إلى علاج، وظروف ينبغي تغييرها، ومظالم لا ينبغي تجميلها بمنحها قيمة روحية أو وجودية. والقدرة على اتخاذ موقف من الواقع ليست موزعة بين الناس بالتساوي، ولا تكون مفتوحة دائماً بالقدر نفسه. ما يبقى مهماً في فرانكل ليس تحويل المعاناة إلى فضيلة، بل رفض اختزال الإنسان كلياً في ما وقع له عندما تبقى أمامه، ولو بدرجات محدودة، إمكانية أن يحدد علاقته بما وقع.
وهنا يصل المقال إلى فرضيته الأشد أهمية: المعنى مسؤولية قبل أن يكون شعوراً. فالحياة ذات المعنى لا تضمن لصاحبها أن يستيقظ كل صباح مفعماً بالحماس، ولا أن تصبح العلاقات العميقة خالية من التعب، ولا أن يمنح العمل الجدير لذة مستمرة. قد يكون أكثر ما نعدّه مهماً في حياتنا هو نفسه أكثر ما يطالبنا بالصبر والتنازل والمثابرة. وإذا جعلنا الشعور بالامتلاء شرطاً دائماً للمعنى، فإننا نحوله من قيمة تُبنى عبر الزمن إلى حالة نفسية نطالب الحياة بأن توفرها لنا باستمرار.
وهذا أحد الأخطاء التي قد يقع فيها خطاب «البحث عن الذات»: أن تصبح الحياة ذات المعنى مرادفة للحياة التي تجعلني أشعر جيداً تجاه نفسي. لكن المعنى أوسع من الرضا. قد أعرف أن قراراً ما هو القرار الذي أستطيع احترام نفسي معه، حتى وإن كان أكثر مشقة. وقد أظل وفياً لشخص أو مشروع أو قيمة في أيام لا تمنحني فيها هذه الأشياء أي نشوة خاصة. ليس لأن المعاناة مرغوبة، بل لأن ما نراه جديراً لا يفقد قيمته كلما تغير مزاجنا تجاهه.
من هنا يظهر الفرق بين المتعة والنجاح والمعنى. المتعة مهمة لأنها تجعل للحياة ملمساً يمكن احتماله وحبه، لكنها لا تستطيع وحدها أن تخبرنا بما يستحق أن نبقى أوفياء له حين تغيب. والنجاح يمنحنا معياراً نقيس به الإنجاز، لكنه يظل عاجزاً عن الإجابة عن سؤال أسبق: هل الشيء الذي نجحنا فيه كان يستحق أصلاً أن ننفق عليه هذا القدر من عمرنا؟ أما المعنى فيبدأ حين يدخل الزمن نفسه في الحساب، حين نسأل لا عمّا حققناه فقط، بل عمّا أصبحنا عليه ونحن نحققه.
قد تجتمع المتعة والنجاح والمعنى في حياة واحدة، وقد يفترق بعضها عن بعض. يستطيع الإنسان أن ينجح في مشروع لا يحترمه، وأن يستمتع بشيء لا يريد أن يبني حياته حوله، وأن يجد معنى في مسؤولية لا تمنحه لذة فورية. ولذلك لا يسأل المعنى: «هل أشعر جيداً الآن؟» ولا يكتفي بالسؤال: «هل وصلت؟». سؤاله أكثر ثقلاً: «هل يستحق هذا أن أعطيه جزءاً من عمري الذي لن يعود؟»
ولهذا فالمعنى ليس جواباً نهائياً نضعه فوق الحياة ثم نرتاح. إنه علاقة تتطلب المراجعة والوفاء معاً: أن نختار ما نراه جديراً، وأن نمنحه من الزمن ما يسمح له بأن يصبح جزءاً من وجودنا، وأن نملك في الوقت نفسه الشجاعة لمساءلته إذا تحول إلى عادة فارغة. ففي بعض الأحيان لا تضيع الحياة لأن الإنسان لم يجد معنى، بل لأنه ظل مخلصاً زمناً طويلاً لمعنى لم يعد قادراً على تبريره لنفسه.
بهذا الانتقال يصبح البحث عن المعنى أقل شبهاً برحلة للعثور على جواب مخبوء، وأكثر شبهاً بتحمل مسؤولية السؤال نفسه. فالإنسان لا يملك دائماً حرية اختيار الشروط التي تبدأ منها حياته، لكنه يظل، ضمن ما تسمح به تلك الشروط، مدعواً إلى أن يقرر ما الذي يستحق أن يتحول من مجرد إمكان إلى جزء من عمره.
الأصالة ليست أن تكون مختلفاً، بل أن تكون حاضراً في اختيارك
قلّما توجد نصيحة تبدو بسيطة ومربكة في الوقت نفسه مثل قولنا للإنسان: «كن نفسك». تبدو العبارة كأنها تشير إلى ذات واضحة تقيم في الداخل، مكتملة الملامح، ولا ينقصها إلا أن تتخلص من تأثير الآخرين كي تظهر كما هي. لكن ما إن نسأل: ما هذه النفس التي ينبغي أن أكونها؟ حتى يتعقد الأمر. فالذات لا تسبق العالم الذي تعيش فيه، ولا تتشكل في عزلة عن اللغة والعائلة والتاريخ والعلاقات والقيم التي تجد نفسها داخلها. نحن نتعلم حتى الكلمات التي نصف بها رغباتنا من الآخرين، ونكتشف أنفسنا في مرايا لم نصنعها كلها بأيدينا.
لهذا لا تعني الأصالة، في أفق التفكير الوجودي، أن يحفر الإنسان في أعماقه حتى يعثر على جوهر نقي لم تمسه الثقافة ولم تصل إليه يد الآخر. مثل هذا الجوهر، إن تصورناه بهذه الصورة، قد يكون وهماً آخر. الإنسان ليس وراء تأثيراته؛ إنه يتكون من خلالها أيضاً. والمشكلة ليست أن نتأثر، بل أن تتحول التأثيرات التي صنعت جانباً منا إلى قدر لا نجرؤ على مساءلته.
الأصالة، بهذا المعنى، ليست امتلاك ذات خارج الشروط، بل امتلاك العلاقة بهذه الشروط. أن أعرف أن بعض رغباتي لم تولد معي، وأنني تعلمت أن أريد أشياء لأن بيئتي علمتني أنها جديرة بالرغبة، ثم لا أكتفي بهذه المعرفة كي أرفضها أو أقبلها آلياً، بل أختبر قدرتي على تبنيها. أن أعترف بأن الماضي يترك أثره فيَّ من غير أن أجعله حكماً نهائياً على مستقبلي. وأن أحتاج إلى اعتراف الآخرين، كما يحتاج البشر جميعاً، من دون أن تتحول نظراتهم إلى المحكمة الوحيدة التي أحدد أمامها قيمة حياتي.
ولهذا فالأصالة لا تقاس بمقدار الاختلاف. قد يبدو إنسان شديد التمرد على محيطه مستقلاً، بينما يكون في العمق شديد الارتهان إلى هذا المحيط؛ لأنه لا يعرف ماذا يريد إلا من خلال الرغبة في مخالفة ما يريده الآخرون. يصبح اعتراضه نفسه شكلاً مقلوباً من التبعية. وفي المقابل قد يعيش شخص داخل تقاليد مشتركة، ويحتفظ بقيم ورثها من أسرته أو ثقافته، من غير أن يكون مقلداً؛ لأنه اختبر هذه القيم، ووجد فيها ما يستطيع أن يتبناه عن وعي وأن يتحمل مسؤوليته.
بهذا المعنى، ليس السؤال: هل اخترعت حياتي بنفسي؟ فلا أحد يفعل ذلك. السؤال الأدق هو: إلى أي حد أصبحت شريكاً واعياً في الحياة التي أعيشها؟
وتزداد صعوبة هذا السؤال حين تصبح الذات نفسها قابلة للعرض. ففي مساحات واسعة من الثقافة المعاصرة لم يعد الإنسان يعيش هويته فقط؛ صار مطالباً أيضاً بأن يقدمها، وأن يرويها، وأن يمنحها صورة يمكن للآخرين فهمها والتفاعل معها. نختار ما نظهره، ونصوغ تعريفات لأنفسنا، ونعتاد بمرور الوقت نسخة معينة من الشخص الذي نقول إننا نحن. ولا تكمن المشكلة في العرض نفسه؛ فالإنسان كان دائماً يقدم ذاته للآخرين بطريقة أو بأخرى. الجديد في المسألة هو إمكان أن تصبح الصورة مشروعاً يحتاج إلى الحراسة.
وهنا يحدث تحول دقيق: بدلاً من أن تعبر الصورة عن الإنسان، قد يبدأ الإنسان في حماية الصورة. يتردد في تغيير رأيه لأن موقفاً قديماً أصبح جزءاً من هويته المعلنة، ويبقى في طريق لم يعد يريده لأن الاعتراف بالخطأ سيهدم قصة بناها عن نفسه، أو يستمر في أداء شخصية تمنحه الإعجاب مع أنه لم يعد يشعر بأنها تمنحه الصدق. عندئذ لا يعود السؤال «من أنا؟»، بل «كيف أحافظ على الشخص الذي اعتاد الآخرون أن يروني فيه؟».
لكن الإنسان أوسع من أي قصة متماسكة يرويها عن نفسه. قد ينضج بالتراجع عن يقين كان يدافع عنه، وقد يصبح أكثر وفاءً لذاته حين يعترف بأنه لم يعد الشخص الذي كانه قبل سنوات. ليست كل استمرارية فضيلة، كما أن كل تغير ليس خيانة. أحياناً تكون الشجاعة في الثبات، وأحياناً تكون في الاعتراف بأن شيئاً كان مناسباً في مرحلة من الحياة لم يعد قادراً على حمل المرحلة التي تلتها.
ولهذا فالأصالة لا تمنح الإنسان راحة التطابق الكامل مع نفسه؛ على العكس، قد تفرض عليه أن يعيش شيئاً من التوتر. أن يعرف أن صورته أمام الآخرين لن تطابق دائماً ما يتغير داخله، وأن بعض الاختيارات الصادقة قد تكلفه قدراً من الاعتراف الذي اعتاد عليه. وربما كانت إحدى أصعب لحظات الأصالة تلك التي يضطر فيها المرء إلى الاختيار بين أن يخسر صورة جميلة عن نفسه أو أن يخسر تدريجياً علاقته بنفسه.
ولا يعني هذا أن كل ما يريده الفرد في عزلة عن الآخرين يصبح أصيلاً. فالرغبة نفسها تحتاج إلى المساءلة، والإنسان يستطيع أن يخدع نفسه باسم «الصدق مع الذات» كما يستطيع أن يخدعها باسم الامتثال. الأصالة ليست طاعة للصوت الداخلي مهما قال، بل استعداد لتحمل مسؤولية ما نختاره بعد أن نختبر أسباب تعلقنا به، وآثاره فينا وفي الآخرين.
لهذا لا يكون السؤال الوجودي الأهم: كيف أبدو أصيلاً؟ فمجرد الانشغال بالمظهر يعيدنا إلى أسر الصورة. السؤال الأصعب هو: ما القرار الذي سأظل قادراً على الاعتراف بأنه قراري عندما لا يصفق له أحد؟
وربما يضاف إليه سؤال أشد قسوة: هل أستطيع أن أغير هذا القرار إذا اكتشفت أن بقائي وفياً له لم يعد وفاءً لذاتي، بل وفاءً للصورة التي صنعتها عنها؟
الموت والزمن: لماذا يحتاج المعنى إلى حدود؟
نعيش عادة كما لو أن الموت حقيقة نعرفها جيداً ولا تخصنا الآن. نراه يقع، ونسمع عنه، ونفقد أحياناً من نحب، ومع ذلك تحتفظ الحياة اليومية بقدرتها العجيبة على دفعه إلى الهامش، كأن الفناء شأن مؤجل يمكن التفكير فيه لاحقاً. ليست المشكلة أننا ننسى الموت تماماً، بل أننا نعرفه بطريقة تسمح لنا بالاستمرار كما لو أن الزمن ما يزال مفتوحاً على نحو غير محدود.
هنا تبدو الوجودية مزعجة لأنها ترفض أن تترك الموت في نهاية الحياة فقط. عند هايدغر، لا يصبح الموت مهماً لأنه حادث سيقع في المستقبل، بل لأنه يكشف منذ الآن أن وجود الإنسان محدود الإمكانات والزمن. فليس أمامنا عدد لا نهائي من الحيوات حتى نجربها كلها، ولا عدد لا ينفد من البدايات يمكن أن نؤجل إليها ما لا نجرؤ على اختياره اليوم. وما نسميه «حياتنا» ليس وعاءً محايداً تنتظر فيه الإمكانات إلى الأبد؛ إنه زمن يتناقص ونحن نستعمله، سواء كنا واعين بذلك أم لا.
لهذا تحمل كل «نعم» نقولها شيئاً من «لا» صامتة. حين نمنح ساعاتنا لعمل، فإن هذه الساعات لا تذهب إلى عمل آخر؛ وحين نختار علاقة أو مشروعاً أو مكاناً، فإن القرار لا يفتح إمكاناً فقط، بل يغلق إمكانات أخرى. نحن لا ندفع ثمن اختياراتنا بالمال والجهد وحدهما، بل بمادة أكثر ندرة: بجزء من الزمن الذي لا يمكن استعادته. وربما لهذا يكون السؤال عن المعنى مرتبطاً بالسؤال عن الوقت أكثر مما نتصور؛ فما نمنحه زمناً طويلاً يصبح، شئنا أم أبينا، جزءاً من الصورة التي اتخذتها حياتنا.
لكن الوعي بالفناء لا يعطينا قائمة جاهزة بالأولويات. الموت لا يخبر أحداً بأن عليه أن يكتب بدلاً من أن يسافر، أو أن يبقى بدلاً من أن يرحل، أو أن يختار هذه الحياة دون غيرها. وهذا مهم عند هايدغر. فـ«الوجود نحو الموت» ليس وصية أخلاقية تخبر الإنسان بما ينبغي أن يفعله، وإنما طريقة في انتزاعه من وهم التأجيل غير المحدود. عندما يدرك الفرد أن موته ليس حادثاً يستطيع شخص آخر أن يتحمله نيابة عنه، يصبح وجوده نفسه أكثر شخصية: هذه الإمكانات محدودة، وهذا الزمن زمني أنا، ولا يستطيع أحد أن يعيش العلاقة به مكاني.
ومن هنا لا تكمن قيمة الفناء في أنه يجعل الحياة «أجمل» تلقائياً. فقد يعرف الإنسان أنه سيموت ويظل يبدد أيامه، كما يستطيع الوعي بالموت أن يتحول إلى خوف يشل صاحبه بدلاً من أن يحرره. ما يكشفه الفناء أعمق من ذلك: أنه لا توجد حياة يمكن أن تبقي جميع الاحتمالات مفتوحة. كل وجود بشري يأخذ شكلاً لأنه محدود، وكل مشروع يكتسب ملامحه لأنه يستبعد مشاريع أخرى.
وتتخذ الفكرة عند كامو نبرة مختلفة. فمحدودية الحياة لا تتحول لديه إلى دليل على أن وراءها معنى خفياً، ولا إلى حجة تعوض غياب اليقين. على العكس، إنها جزء من الشرط الذي ينبغي أن نعيشه من دون أن نستدعي وعداً يلغيه. فإذا كانت الحياة محدودة ولا تقدم تفسيراً نهائياً لنفسها، فإن كامو لا يستنتج أن ذلك يجعلها عديمة القيمة. ربما تكمن شجاعة العيش تحديداً في أن نحب ما هو زائل ونحن نعرف أنه زائل، وأن نعطي وزناً للحظة من دون أن نطالبها بأن تكون أبدية حتى تستحق وزنها.
وهذا ما يجعل الفناء مرتبطاً بالمعنى بطريقة دقيقة: الحدود لا تخلق القيمة وحدها، لكنها تمنع الاختيار من أن يكون بلا ثمن. لو كان أمام الإنسان وقت لا ينتهي، لأمكنه أن يؤجل الاعتذار والمصالحة والتعلم والتغيير والحب من غير خسارة حقيقية. أما في الحياة المحدودة، فإن «ليس الآن» لا يبقى دائماً قراراً محايداً؛ قد يتحول بمرور الوقت إلى «لن يحدث».
ولهذا لا تصبح معرفة الموت معرفة وجودية لمجرد أننا نعرف أننا سنموت. الجميع يعرف ذلك تقريباً. المعرفة تتغير حين يصبح الفناء قادراً على مساءلة الطريقة التي نستخدم بها زمننا. عندئذ لا يعود السؤال: كم بقي من العمر؟ فقط، بل: ما الذي يستحق أن يأخذ من العمر الذي بقي؟
وقد تفرض بعض التجارب هذا السؤال بقوة لا تسمح بتجاهله: فقدُ شخص قريب، أو المرض، أو التقدم في العمر، أو لحظة يدرك فيها الإنسان فجأة أن مرحلة كاملة من حياته انتهت ولن تعود. ما كان حقيقة مجردة يصبح عندئذ معرفة تمس الجسد والذاكرة والزمن. لكن التفكير الفلسفي لا يحتاج إلى انتظار الصدمة حتى يبدأ. يستطيع الوعي بالفناء أن يؤدي وظيفة أكثر هدوءاً: ألا يخبرنا كيف يجب أن نعيش، بل أن يمنعنا من التعامل مع الحياة كما لو أنها مسودة أولى سنحصل دائماً على فرصة لإعادة كتابتها.
وربما تكون أهم هبة يقدمها هذا الوعي أنه يعيد السؤال عن المعنى إلى حجمه الإنساني الحقيقي. لسنا مطالبين بأن نعرف كيف ينبغي أن تُعاش «الحياة» في المطلق، بل أن نقرر، داخل زمن محدود لا نستطيع امتلاكه كله، أي الأشياء تستحق أن تصبح جزءاً من هذا الزمن قبل أن يتحول هو نفسه إلى ماضٍ.
هل الوجودية فلسفة تشاؤم؟
ليس غريباً أن ترتبط الوجودية في المخيال العام بصورة قاتمة: القلق، الموت، العبث، العدمية، الوحدة، الحرية التي تثقل صاحبها بدلاً من أن تريحه. حتى صورتها الثقافية الشائعة كثيراً ما تستدعي المقاهي المعتمة والوجوه المنهكة والأسئلة التي لا تجد جواباً. لكن حضور هذه المفردات الثقيلة لا يكفي كي نجعل من الوجودية فلسفة في التشاؤم. فالتشاؤم، في أبسط معانيه، يصدر حكماً على الحياة؛ أما الفكر الوجودي فيبدأ غالباً قبل إصدار الحكم، عند اللحظة التي يسقط فيها الضمان الذي كان يسمح للإنسان بأن يتجنب السؤال.
ولهذا فالمشكلة التي تجمع كثيراً من الأصوات التي صاغت الأفق الوجودي ليست أن الحياة سيئة، بل أنها لا تأتي دائماً مرفقة بتفسير نهائي يخبر الإنسان كيف ينبغي أن يعيشها. وهذه مسافة فلسفية كبيرة. فالقول إن العالم لا يضمن لي معنى جاهزاً ليس هو القول إن كل معنى مستحيل، والاعتراف بأنني سأموت ليس حكماً بأن الحياة بلا قيمة، كما أن اكتشاف ثقل الحرية لا يعني أن العبودية أكثر راحة ومن ثم أكثر استحقاقاً.
عند كيركغارد، مثلاً، لا يكون القلق دليلاً على فساد الوجود، بل ينشأ في علاقته بالإمكان والحرية، بينما يتجه مشروعه، في أفقه المسيحي الخاص، نحو كيفية أن تصبح الذات ذاتاً على نحو صحيح. وعند هايدغر لا تأتي مواجهة الفناء لكي تجعل الإنسان يحتقر الحياة، بل لكي تكشف له أنه كائن محدود لا يستطيع أن يحتفظ بكل إمكاناته مفتوحة إلى الأبد، وأن عليه أن يتملك علاقته بالوجود الذي لا يمكن لأحد أن يعيشه عنه. أما عند سارتر، فالحرية مرهقة بالفعل؛ لكنها ليست مأساة طارئة يمكن إزالتها، بل الشرط الذي يجعل المشروع والمسؤولية ممكنين أصلاً.
حتى كامو، الذي ينبغي تذكر أنه لم يقبل أن يُختزل في تسمية «الوجودي»، لا يصل من العبث إلى الاستسلام. فـ«أسطورة سيزيف» تبدأ بالسؤال الأشد قسوة عن جدارة الحياة بأن تُعاش، لكنها لا تنتهي بالدعوة إلى الانسحاب منها. والعبث عنده لا يجد حله في اكتشاف معنى سري كان مختبئاً وراء العالم؛ الذي يتغير هو موقف الإنسان نفسه: الوعي، والاستمرار، والتمرد على الاستسلام. ثم يتسع التمرد في «الإنسان المتمرد» حتى يكشف الكرامة والتضامن والقيمة المشتركة.
لهذا ربما يكون وصف الوجودية بالتشاؤم ناتجاً عن خلط بين غياب العزاء السريع واليأس. ليست كل فلسفة ترفض أن تطمئننا فلسفة يائسة. أحياناً يكون أكثر الخطابات تفاؤلاً هو الأقل احتراماً للإنسان، لأنه يطلب منه أن يقتنع بأن كل شيء سينتهي بخير قبل أن يسمح له بأن ينظر إلى ما لا يسير على ما يرام. أما الفكر الوجودي فيمنح الأسئلة الثقيلة حقها في الوجود: الموت موت، والفقد لا يصبح وهماً لأننا وجدنا له عبارة جميلة، والحرية لها ثمن، وبعض القرارات لا نستطيع معرفة صوابها كاملاً قبل اتخاذها.
ومن هنا يمكن وصف الوجودية، بمعنى أعمق، بأنها فلسفة مضادة للتخدير. فهي تشك في الطمأنينة حين يكون ثمنها أن يغيب الإنسان عن حياته، وفي الأجوبة حين تتحول إلى وسيلة تمنعه من السؤال، وفي الأدوار حين تسمح له بأن يعيش زمناً طويلاً من غير أن يلاحظ أن الدور لم يعد يشبهه. لا تريد أن تجعل الإنسان تعيساً؛ إنها فقط لا ترى السعادة مبرراً كافياً للكذب على النفس.
لكن رفض التخدير لا يعني عبادة الألم. وهذه نقطة ضرورية. لا يصبح الإنسان أكثر أصالة لأنه أكثر قلقاً، ولا أكثر عمقاً لأنه أكثر معاناة، ولا تتحول الكآبة إلى فضيلة فلسفية لمجرد أن بعض كبار الفلاسفة كتبوا عن الموت والعدم والعبث. فالألم قد يحطم الإنسان مثلما قد يدفعه إلى السؤال، والقلق قد يكشف مثلما قد يشل. قيمة الفكر الوجودي ليست في تمجيد هذه التجارب، بل في رفض اختزالها إلى أعطال ينبغي إخفاؤها قبل أن نسمع السؤال الذي قد تحمله.
ولذلك فإن الوجه الأكثر إشراقاً للوجودية لا يظهر في وعدها الإنسان بالسعادة، لأنها لا تقدم هذا الوعد أصلاً، بل في شيء أقل بريقاً وأكثر جدية: إعادة الحياة إلى صاحبها. أن يعرف أنه محدود من غير أن يجعل محدوديته سبباً للاستسلام، وأن يعترف بما لم يختره من شروطه من غير أن يسمح لهذه الشروط بأن تقول الكلمة الأخيرة في كل شيء، وأن يواجه غياب اليقين من غير أن يعتبره عذراً لعدم الاختيار.
بهذا المعنى لا يكون نقيض التشاؤم هو التفاؤل الساذج، بل الشجاعة. أن ترى هشاشة الحياة من غير أن تحتقرها، وأن تعرف أنها زائلة من غير أن تعتبر الزوال دليلاً على أنها بلا قيمة، وأن تدرك أنك لن تحصل دائماً على ضمان قبل أن تختار، ثم تختار مع ذلك وتتحمل مسؤولية ما اخترته.
ربما لهذا تبدو الوجودية قاتمة لمن يدخل الفلسفة بحثاً عن إجابة تطفئ السؤال، بينما تبدو محررة لمن يبحث عن طريقة أكثر صدقاً لحمله. فالطمأنينة الأعمق ليست دائماً أن تختفي الأسئلة، بل أن يستطيع الإنسان أن يعيش من غير أن يخون أكثرها جوهرية من أجل راحة مؤقتة.
نحو أخلاق للمعنى في الحياة اليومية
إذا لم تكن الوجودية وصفة جاهزة للحياة، فما الذي يمكن أن يبقى منها حين نغلق الكتب ونعود إلى أيامنا العادية؟ ربما يبقى، قبل كل شيء، نوع مختلف من الانتباه. أن يتعلم الإنسان التمييز بين الحد الذي يفرضه الواقع فعلاً والعذر الذي يختبئ أحياناً خلف عبارة «لا أستطيع». أن يعود إلى بعض الأهداف التي أمضى سنوات يسعى إليها ويسأل، لا إن كان قادراً على بلوغها فقط، بل إن كانت ما تزال تستحق أن يدفع من عمره ثمن الوصول إليها. وأن يصغي إلى بعض أشكال القلق الوجودي لا بوصفها مرضاً ينبغي تمجيده، بل باعتبارها أحياناً علامة على سؤال أُجّل طويلاً حتى بدأ يطالب بحقه.
لكن هذا الانتباه لا يكفي وحده. فالمعنى لا يتكون من كثرة التأمل في الحياة، بل من اللحظة التي يخرج فيها التأمل إلى الاختيار. وليس الاختيار هنا مجرد تفضيل بين بدائل متاحة، وإنما قبول بأن منح شيء الأولوية يعني التخلي، ولو مؤقتاً، عن أشياء أخرى. من يريد أن يحتفظ بكل إمكاناته لا يصنع حياة أوسع بالضرورة؛ قد يؤجل فقط اللحظة التي يصبح فيها أحد هذه الإمكانات واقعاً.
ولهذا يحتاج الاختيار إلى زمن. فالأشياء لا تصبح ذات معنى في حياتنا لمجرد أننا قررنا ذات مساء أنها مهمة. العلاقة تحتاج إلى وفاء، والمعرفة إلى صبر، والعمل المتقن إلى تكرار، والقيمة إلى مواقف يظهر فيها أننا مستعدون لدفع شيء من راحتنا دفاعاً عنها. المعنى، بهذا المعنى، لا يقيم في اللحظة التي نختار فيها فقط، بل في الاستمرار الذي يمنح الاختيار شكله.
غير أن الالتزام يحمل بدوره خطراً خفياً. فما بدأ اختياراً واعياً يمكن أن يتحول مع مرور السنوات إلى عادة ندافع عنها لمجرد أنها أصبحت جزءاً من صورتنا عن أنفسنا. وهنا تظهر واحدة من أصعب المسؤوليات الوجودية: المراجعة. ليس من الوفاء للذات أن ندافع إلى الأبد عن كل قرار اتخذناه، كما لو أن الاعتراف بالخطأ يلغي حريتنا السابقة. قد يكون العكس هو الصحيح؛ فالمسؤولية عن الاختيار تتضمن أيضاً القدرة على الاعتراف بأن بعض الاختيارات استنفدت معناها، وأن طريقاً كان جديراً بنا في مرحلة من العمر قد لا يظل كذلك إلى نهايته.
وهذه المراجعة تختلف عن التقلب. فليس المطلوب أن نعيد فتح حياتنا كلها مع كل تغير في المزاج، كما أن الالتزام لا يعني أن نحول الماضي إلى سجن. بين الاثنين توجد قدرة أصعب: أن نعرف متى ينبغي أن نصبر لأن القيمة تستحق الصبر، ومتى يتحول الصبر نفسه إلى خوف من الاعتراف بأن شيئاً ما انتهى. لا توجد قاعدة تضمن لنا دائماً معرفة الفرق، ولهذا تبقى المسؤولية مسؤولية بالفعل؛ لو كان الصواب واضحاً مسبقاً في كل مرة لما احتجنا إلى الاختيار.
ثم إن المعنى يضعف كلما انغلق الإنسان على مراقبة ذاته وحدها. فالعيش من أجل أن «أشعر بأن لحياتي معنى» قد يتحول، paradoxically، إلى شكل آخر من الانشغال بالنفس. كثير مما يمنح الحياة ثقلاً يأتي حين يتجاوز الإنسان سؤال صورته الخاصة إلى شيء لا ينتهي عندها: شخص يحبه، أو معرفة يريد أن يبلغها، أو عمل يحرص على إتقانه، أو قيمة لا يقبل أن يتخلى عنها، أو مسؤولية يجد أن وجوده أصبح متعلقاً بأدائها.
لا يعني ذلك أن يذوب الفرد في الآخرين أو أن يضحي بذاته من أجل أي قضية تعرض نفسها عليه. فالتاريخ مليء بالمعاني التي طالبت الناس بالتضحية ثم استخدمتهم. لذلك تحتاج أخلاق المعنى إلى السؤال نفسه الذي رافقنا منذ بداية المقال: هل أتبنى هذه القيمة، أم أنني فقط أعيش داخل قيمتها المعلنة؟ فالتجاوز الحقيقي للذات لا يعني إلغاءها، بل إخراجها من الدوران العقيم حول رغباتها وصورتها من غير أن تسلم حريتها لما تختاره من قضايا وعلاقات.
وربما يظهر الاختبار الأصعب للمعنى بعيداً عن اللحظات الكبرى تماماً. فمعظم الحياة لا يتكون من قرارات مصيرية ولا من انكشافات فلسفية مذهلة؛ يتكون من الصباح الذي يعود، والعمل الذي يتكرر، والوجوه التي نراها مرة أخرى، والمسؤوليات التي لا تبدو جديرة بأن تكتب عنها الكتب. وهنا يصبح السؤال أكثر صرامة: هل تستطيع القيمة التي أعلن أنني أؤمن بها أن تنزل من مستوى الخطاب إلى تفاصيل العادة؟
فالوفاء لا يظهر فقط في الكلمات التي نقولها عن الحب، بل في الطريقة التي نعامل بها من نحب عندما يغيب الحماس. واحترام الإنسان لا يظهر في المواقف الكبرى وحدها، بل في اللغة التي نستعملها مع من لا نحتاج إليه. وما نعتبره مهماً يظهر، عاجلاً أو آجلاً، في توزيع وقتنا؛ إذ يصعب أن نقول إن شيئاً يحتل مركز حياتنا بينما لا نعطيه إلا ما يتبقى منها.
لهذا لا تحتاج أخلاق المعنى إلى أن تجعل كل يوم استثنائياً. ربما العكس هو الأقرب إلى الحقيقة: المعنى الذي لا يحتمل العادي لا يستطيع أن يحمل حياة كاملة. فما نؤمن به ينبغي أن يجد له مكاناً في التكرار، وفي الصبر، وفي الأعمال التي لا يراها أحد، وفي القرارات الصغيرة التي لا تصنع قصة مثيرة لكنها تصنع، ببطء، الشخص الذي نصير إليه.
وعند هذه النقطة يتوقف المعنى عن أن يكون خطاباً نلقيه على الحياة من الخارج. يصبح ظاهراً في الطريقة التي نستعمل بها زمننا، وفي الأشياء التي نقول لها «نعم» حين يكون قولها مكلفاً، وفي الحدود التي نرفض تجاوزها حتى عندما يكون تجاوزها أسهل، وفي قدرتنا على تغيير الطريق عندما يتحول الاستمرار فيه من وفاء إلى خوف.
الحياة ذات المعنى، في النهاية، ليست الحياة التي نتحدث فيها كثيراً عن المعنى، بل الحياة التي تستطيع قيمها أن تظهر في الطريقة التي تُعاش بها.
خاتمة: القلق الذي يعيد الإنسان إلى حياته
ربما لا تكمن أزمة المعنى في عصرنا في أن الإنسان أصبح يعيش داخل فراغ كامل، بل في أن كثيراً من الأشياء التي كانت تمنح الحياة اتجاهها لم تعد تعمل من تلقاء نفسها. لم يعد كافياً، في حالات كثيرة، أن يرث الإنسان جواباً كي يصبح ذلك الجواب جوابه، ولا أن ينجح في طريق ما كي يتأكد أن الطريق يستحق أن يكون طريقه. ومع اتساع الإمكانات، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: ليس فقط ماذا أستطيع أن أفعل، بل ما الذي يستحق أن يتحول من بين كل ما أستطيعه إلى حياة أقبل أن أنسبها إليّ؟
ومن هنا يظهر القلق في صورة أكثر تعقيداً من كونه اضطراباً ينبغي إسكات صوته في كل مرة. ثمة قلق يرهق ويحتاج إلى مساندة وعلاج، ولا يجوز أن نحوله إلى فضيلة فلسفية. لكن ثمة أيضاً ذلك القلق الذي يولد عندما تتصدع بداهة الأشياء، حين يفقد النجاح قدرته على تفسير نفسه، أو تصبح الخيارات الكثيرة عاجزة عن إخبارنا بما يستحق الاختيار، أو يكتشف الإنسان أن الصورة التي حافظ عليها طويلاً عن ذاته لم تعد تتسع لما صار إليه. في هذه اللحظات لا يقدم القلق جواباً، لكنه ينتزع من بعض الأجوبة القديمة قدرتها على التخفي في هيئة حقائق لا تحتاج إلى سؤال.
وهذا هو أحد أهم ما يكشفه التفكير الوجودي: أن الحرية ليست اتساعاً غير محدود للإمكانات، بل مسؤولية اختيار بعضها وترك بعضها الآخر. وأن الأصالة ليست التحرر من كل ما ورثناه، بل القدرة على امتلاك علاقتنا بما ورثناه. وأن الزمن لا يكتسب قيمته من كثرة ما نحشره داخله، وإنما من الأشياء التي نسمح لها بأن تأخذ منه لأنها جديرة في نظرنا بأن تصبح جزءاً من وجودنا. وحتى المعنى نفسه لا يظهر بوصفه شعوراً دائماً بالامتلاء، بل بوصفه علاقة بما نعتبره جديراً بالوفاء، حتى عندما يصبح الوفاء شاقاً ولا يمنحنا مكافأة فورية.
ولهذا لا يكون المعنى كنزاً مخفياً في العالم ينتظر من يعثر على موقعه، ولا اختراعاً اعتباطياً يستطيع الفرد أن يضعه حيث يشاء. نحن نبدأ دائماً من عالم سبقنا: من جسد وتاريخ ولغة وعلاقات ووقائع لم نختر أكثرها. لكن هذه الشروط، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع في كل مرة أن تعيش نيابة عنا. يبقى داخلها السؤال الذي لا يمكن تفويضه بالكامل إلى أحد: ماذا سأصنع مما وقع لي، وماذا سأتبنى من بين ما عُرض عليّ، وأي جزء من حياتي أقبل أن أتحمل مسؤوليته بوصفه اختياري؟
بهذا المعنى يصبح المعنى مسؤولية أكثر منه امتلاكاً لإجابة. فهو يظهر حين تتوقف الحياة عن أن تكون سلسلة من الاستجابات لطلبات لم نسأل لماذا نطيعها؛ حين يستطيع الإنسان أن يقول لنفسه بقدر من الوضوح: هذا ما ورثته، وهذا ما لم أختره، وهذه حدودي، وهؤلاء الآخرون الذين لا أعيش وحدي في العالم من دونهم، ومع ذلك فهنا، داخل هذه الشروط لا خارجها، توجد مساحة أستطيع أن أتبنى فيها موقفاً وأن أتحمل تبعاته.
ولعل الفناء هو ما يمنح هذا السؤال ثقله الأخير. فنحن لا نملك وقتاً لا نهائياً كي نجرب كل حياة ممكنة قبل أن نقرر أيها نريد، ولا نستطيع أن نترك جميع الأبواب مفتوحة من غير نهاية. في لحظة ما يصبح عدم الاختيار اختياراً، والتأجيل شكلاً من أشكال استعمال الزمن، والطريق الذي لم ندخله حياة لن نعيشها. ولهذا لا يحتاج المعنى إلى أن يجعلنا مطمئنين دائماً؛ يكفي أحياناً أن يجعلنا أكثر حضوراً في الزمن الذي لا نستطيع استعادته.
ربما كان الخطأ، إذن، أن نسأل: «ما معنى الحياة؟» وننتظر جواباً نهائياً يصلح لكل إنسان وفي كل وقت. فحجم السؤال قد يدفعنا إلى البحث عن إجابة أكبر من الحياة نفسها. وقد يكون السؤال الأكثر عدلاً وأقرب إلى التجربة: ما الذي يجعل هذه الحياة، بحدودها وما لم أختره فيها، جديرة بأن أتحمل مسؤوليتي عنها؟
لا يَعِد الفكر الوجودي بأن الإجابة عن هذا السؤال ستزيل القلق. وربما لا ينبغي أن نطالبه بذلك. فالقلق قد يعود كلما تغيرت حياتنا، وكلما انتهى معنى قديم قبل أن يتضح الجديد، وكلما اكتشفنا أن القرار الذي كان صحيحاً بالأمس لم يعد قادراً على حمل الغد. لكن الفرق أن القلق لا يبقى عندئذ ضجيجاً بلا جهة؛ يمكن أن يصبح تنبيهاً إلى أن شيئاً في حياتنا يحتاج إلى أن يُختار من جديد.
وهنا تستعيد الوجودية راهنيتها الحقيقية. ليست لأنها تعرف سر الحياة الذي أخفق الآخرون في العثور عليه، بل لأنها ترفض أن تعفينا من السؤال حين يصبح السؤال شخصياً. فالإنسان لا يحتاج دائماً إلى جواب يضع حداً نهائياً للقلق؛ يحتاج أحياناً إلى الشجاعة الكافية كي لا يترك خوفه من القلق يقرر حياته عنه.
وهكذا تستعيد الوجودية في عصر القلق قيمتها بوصفها مساءلة للطريقة التي يختار بها الإنسان أن يعيش زمنه المحدود. وربما لا يكون العثور على المعنى أن نصل، أخيراً، إلى جواب يجعل الحياة مفهومة كلها، بل أن نصبح حاضرين بما يكفي حين نختار ما سنفعل بما بقي منها.
المصادر والمراجع
- Aho, Kevin. “Existentialism.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2023.
- Beauvoir, Simone de. The Ethics of Ambiguity. Translated by Bernard Frechtman. Citadel Press, 1976. Original work published 1947.
- Camus, Albert. The Myth of Sisyphus and Other Essays. Translated by Justin O’Brien. Vintage, 1991. Original work published 1942.
- Camus, Albert. The Rebel. Translated by Anthony Bower. Vintage, 1991. Original work published 1951.
- Frankl, Viktor E. Man’s Search for Meaning. Beacon Press, 2006. Original work published 1946.
- Heidegger, Martin. Being and Time. Translated by John Macquarrie and Edward Robinson. Harper & Row, 1962. Original work published 1927.
- Kierkegaard, Søren. The Concept of Anxiety. Translated by Reidar Thomte. Princeton University Press, 1980. Original work published 1844.
- Kierkegaard, Søren. The Sickness Unto Death. Translated by Howard V. Hong and Edna H. Hong. Princeton University Press, 1980. Original work published 1849.
- Metz, Thaddeus. “The Meaning of Life.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2007; substantive revision 2026.
- Nietzsche, Friedrich. The Gay Science. Translated by Walter Kaufmann. Vintage, 1974. Original work published 1882.
- Nietzsche, Friedrich. On the Genealogy of Morality. Original work published 1887.
- Sartre, Jean-Paul. Being and Nothingness. Translated by Hazel E. Barnes. Washington Square Press, 1992. Original work published 1943.
- Sartre, Jean-Paul. Existentialism Is a Humanism. Translated by Carol Macomber. Yale University Press, 2007. Lecture delivered 1945; originally published 1946.
- Varga, Somogy, and Charles Guignon. “Authenticity.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2014; substantive revision 2020.
- Wrathall, Mark. “Martin Heidegger.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy. First published 2025.

