الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة: من الصحراء إلى مشروع حضاري

الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في صورة توضيحية ترمز إلى انتقال أبوظبي من البيئة الصحراوية إلى الدولة الحديثة

مقدمة

في السادس من أغسطس 2026 حلّت الذكرى الستون لتولي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي. وهي ذكرى لا تختزل أهميتها في انتقال سياسي داخل إمارة بعينها، بل تستدعي لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة؛ إذ بدأت منذ 6 أغسطس 1966 مرحلة جديدة من البناء والتحديث، ثم امتدت آثارها إلى مشروع الاتحاد الذي أُعلن في 2 ديسمبر 1971، فغدا الشيخ زايد أول رئيس لدولة الإمارات العربية المتحدة وأحد أبرز صانعي تجربتها الحديثة.

حين نتأمل مسيرة الشيخ زايد، فإن الصورة الأكثر دلالة ليست صورة مدينة ارتفعت فيها الأبراج بعد الصحراء فحسب، وإنما صورة مشروع دولة جعل الإنسان في مركز التنمية. فقد ارتبطت رؤيته بتوسيع التعليم، وبناء المستشفيات والطرق والمساكن، وتطوير الإدارة، وربط الثروة الطبيعية بمسؤولية اجتماعية ووطنية أوسع. ومن هنا فإن الحديث عن الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة هو حديث عن انتقال تاريخي من محدودية الموارد والخدمات إلى مؤسسات دولة اتحادية، ومن مجتمع متفرق جغرافياً إلى وطن يجمع سبع إمارات تحت هوية سياسية واحدة.

من العين بدأت ملامح التجربة القيادية

قبل أن يتولى الشيخ زايد حكم أبوظبي، كانت له تجربة طويلة في المنطقة الشرقية. وتذكر المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات أنه عُيّن ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية عام 1946، واتخذ من مدينة العين مركزاً لعمله، حيث انخرط مباشرة في الشؤون الحكومية وتعرّف عن قرب إلى حاجات السكان وتحديات البيئة المحلية. كانت تلك المرحلة بمثابة مدرسة عملية في الإدارة والحكم، وفيها ظهرت مبكراً عنايته بالماء والزراعة والاستقرار وتحسين ظروف الحياة.

لم تكن العين في منتصف القرن العشرين مدينة حديثة بالمعنى المعروف اليوم. كانت الواحات والزراعة ونظام الأفلاج عناصر أساسية في الحياة، وكانت الموارد محدودة، لكن الشيخ زايد تعامل مع هذه المحدودية باعتبارها تحدياً يمكن تجاوزه بالتخطيط والعمل. وتشير المصادر الرسمية إلى أنه نجح في إطلاق عجلة تطوير العين خلال خمسينيات القرن الماضي، وهو ما مهّد لانتقاله لاحقاً إلى مسؤولية أكبر عندما أصبح حاكماً لأبوظبي.

تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها أسست لفكرة ستظل حاضرة في مشروعه السياسي لاحقاً: التنمية لا تبدأ من المباني وحدها، بل من معرفة المجتمع والإنصات إليه وتحسين شروط حياته الأساسية. ولهذا ارتبطت تجربته المبكرة بالقرب من الناس وبالمجالس والتشاور وبناء الثقة، وهي عناصر ستصبح لاحقاً جزءاً من أسلوب الحكم في الدولة الناشئة.

6 أغسطس 1966: بداية مرحلة جديدة في أبوظبي

في 6 أغسطس 1966 تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم إمارة أبوظبي. وجاءت هذه اللحظة في وقت بدأت فيه عائدات النفط تفتح إمكانات اقتصادية جديدة، لكن تحويل الموارد إلى نهضة شاملة لم يكن مسألة تلقائية. فالثروة تحتاج إلى إدارة ورؤية ومؤسسات حتى تصبح مدارس وطرقاً ومستشفيات ومساكن وفرصاً للمواطنين.

بحسب المنصة الرسمية لحكومة الإمارات، عمل الشيخ زايد بعد توليه الحكم على توظيف الموارد المتاحة لصالح الناس، وبدأ برنامجاً واسعاً للبناء شمل المدارس والمساكن والمستشفيات والطرق. كما وُضعت هياكل إدارية جديدة ساعدت على تنظيم العمل الحكومي وتوسيع قدرته على تقديم الخدمات. وهكذا ارتبطت بداية حكمه بتحويل أبوظبي من إمارة ذات بنية خدمية محدودة إلى ورشة بناء متسارعة.

لم تكن الغاية أن تظهر مظاهر الثراء فقط، بل أن تتحول عائدات النفط إلى قاعدة لمجتمع أكثر استقراراً وتعليماً وصحة. وهذا ما يمنح تجربة أبوظبي بعد 1966 قيمتها التاريخية: فقد تزامن اكتساب الموارد مع تشكل رؤية سياسية تعتبر التنمية واجباً تجاه المجتمع، لا مجرد مؤشراً اقتصادياً.

الإنسان قبل العمران

من أكثر الأفكار حضوراً في إرث الشيخ زايد أن بناء الإنسان يسبق استكمال بناء العمران. ولهذا كانت قطاعات التعليم والصحة والإسكان والخدمات العامة ضمن أولويات الدولة في مرحلة التأسيس. وتؤكد المصادر الحكومية الإماراتية أن القيادة استثمرت الموارد الطبيعية في تطوير الاقتصاد والبنية التحتية والرعاية الصحية والتعليم، إلى جانب تنمية قدرات المواطنين.

يمكن قراءة هذا التوجه بوصفه تحولاً في مفهوم الثروة نفسها. فالنفط مورد مهم، لكنه مورد قابل للنضوب، بينما المعرفة والمهارات والمؤسسات القادرة على إنتاج أجيال جديدة تمثل رصيداً طويل الأمد. ومن هذا المنطلق، لم تكن المدرسة مجرد مبنى جديد، ولا المستشفى مجرد خدمة إضافية؛ كان كلاهما جزءاً من تصور لدولة تريد أن تنتقل من الاعتماد على الظروف إلى صناعة مستقبلها بقدرات أبنائها.

وهذه الفلسفة هي التي تفسر لماذا استمر الاستثمار في الإنسان أحد المرتكزات التي تكررها الخطط الوطنية الإماراتية لاحقاً. فالتعليم والرعاية الصحية وتنمية الكفاءات لم تُعامل كقطاعات منفصلة عن مشروع الدولة، بل كأدوات لحماية الاستقرار وتعزيز المشاركة في التنمية وتوسيع آفاق المجتمع.

التعليم وصناعة الإنسان: استثمار يتجاوز زمن النفط

إذا كان العمران والطرق والمستشفيات من أكثر مظاهر التحول وضوحاً في تجربة الإمارات، فإن التعليم يمثل أحد أكثر عناصر مشروع الشيخ زايد عمقاً واستدامة. فقد أدرك مبكراً أن الموارد الطبيعية، مهما بلغت قيمتها، لا يمكن أن تكون وحدها أساساً دائماً لبناء دولة قوية، وأن الثروة الحقيقية تكمن في الإنسان القادر على التعلم والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل.

ولهذا احتل إنشاء المدارس وتوسيع فرص التعليم مكانة متقدمة في مرحلة بناء أبوظبي ثم في الدولة الاتحادية. ولم يكن الهدف مقتصراً على محو الأمية أو توفير التعليم الأساسي، وإنما كان التوجه يسير تدريجياً نحو تكوين كفاءات وطنية تستطيع تولي مسؤوليات الإدارة والاقتصاد والصحة والهندسة وغيرها من القطاعات التي تحتاج إليها الدولة الناشئة.

ومع قيام الاتحاد، أصبح التعليم جزءاً أصيلاً من المشروع الوطني. وقد كفل دستور دولة الإمارات حق المواطنين في التعليم، وأصبح التعليم الحكومي متاحاً للمواطنين مجاناً في مختلف مراحله. وتؤكد المنصة الرسمية لحكومة الإمارات أن التعليم ما يزال حتى اليوم من أهم أولويات الدولة في إطار بناء رأس المال البشري والانتقال نحو اقتصاد قائم على المعرفة.

وشكل تأسيس جامعة الإمارات العربية المتحدة عام 1976 خطوة بارزة في هذا المسار، باعتبارها أول جامعة وطنية في الدولة. ولم يكن إنشاء الجامعة مجرد توسع في البنية التعليمية، بل كان مؤشراً على الانتقال من مرحلة الاستعانة الواسعة بالخبرات الخارجية إلى مرحلة إعداد أجيال إماراتية مؤهلة تستطيع المشاركة بصورة متزايدة في إدارة المؤسسات الوطنية.

وتكتسب هذه الرؤية دلالة أكبر إذا نظرنا إلى مسار الإمارات في العقود اللاحقة، حيث أصبح التعليم والبحث العلمي والابتكار ركائز أساسية في خطط التنمية. فالدولة التي بدأت ببناء المدارس في مرحلة التأسيس أصبحت لاحقاً تتحدث عن اقتصاد المعرفة والمهارات المتقدمة والبحث العلمي واستقطاب المواهب. ويمكن النظر إلى هذا التطور باعتباره امتداداً لمبدأ أساسي رسخه الشيخ زايد: أن مستقبل الوطن لا يُبنى بالموارد الطبيعية وحدها، وإنما بالعقول التي تحسن استثمارها وتطويرها.

الأسرة وتمكين المرأة جزء من مشروع التنمية

لم تكن رؤية الشيخ زايد للتنمية مقتصرة على قطاعات الاقتصاد والإدارة والبنية التحتية، بل شملت أيضاً الأسرة ودور المرأة في المجتمع. فمنذ السنوات الأولى للاتحاد اتجهت الدولة إلى توسيع فرص التعليم والمشاركة الاجتماعية أمام المرأة الإماراتية، انطلاقاً من اعتبارها شريكاً أساسياً في بناء المجتمع.

وتشير المصادر الرسمية الإماراتية إلى أن مسيرة العمل النسائي المنظم بدأت في أبوظبي عام 1973 بتأسيس جمعية نهضة المرأة الظبيانية، ثم تطورت التجربة وصولاً إلى تأسيس الاتحاد النسائي العام سنة 1975، تحت رئاسة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، في إطار توجه وطني دعم مشاركة المرأة في التعليم والتنمية والعمل المجتمعي.

وقد ارتبط هذا التوجه بفكرة أوسع لدى الشيخ زايد مفادها أن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها إذا بقي جزء من المجتمع بعيداً عن التعليم والمشاركة. ولهذا ارتبط تمكين المرأة، في بداياته، بتوسيع التعليم ومكافحة الأمية وتعزيز دور الأسرة وتوفير البيئة التي تسمح للمرأة بالمساهمة في عملية البناء.

ومن منظور تاريخي، تبدو أهمية هذه السياسة واضحة حين نقارن أوضاع المجتمع في السنوات السابقة للاتحاد بما وصلت إليه المرأة الإماراتية لاحقاً من حضور في التعليم والعمل والقطاعات الحكومية والعلمية والاقتصادية. ولا ينبغي قراءة هذا التحول باعتباره نتيجة قرار منفرد، بل بوصفه مساراً تراكمياً بدأ خلال مرحلة تأسيس الدولة وترسخ عبر المؤسسات والسياسات اللاحقة.

وهكذا اتسع مفهوم «بناء الإنسان» في تجربة الإمارات ليشمل مختلف فئات المجتمع، وأصبح الاستثمار في التعليم والأسرة وتمكين القدرات البشرية جزءاً من الرؤية العامة للدولة الحديثة.

من بناء أبوظبي إلى حلم الاتحاد

لم يتوقف طموح الشيخ زايد عند حدود أبوظبي. فمع إعلان بريطانيا في عام 1968 نيتها الانسحاب من المنطقة بحلول نهاية 1971، برز سؤال سياسي كبير حول مستقبل إمارات الساحل المتصالح. وفي هذا السياق تحرك الشيخ زايد نحو تعزيز الروابط مع الإمارات الأخرى، مؤمناً بأن الاتحاد يوفر قوة واستقراراً وفرصة أفضل للتنمية المشتركة.

تذكر المنصة الرسمية لحكومة الإمارات أن الشيخ زايد والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك، التقيا في 18 فبراير 1968 في منطقة السميح، وناقشا الخطوات نحو الاتحاد. ثم توالت المشاورات بين حكام الإمارات، وصولاً إلى إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971، قبل أن تنضم رأس الخيمة إلى الاتحاد في فبراير 1972.

تمثل هذه المرحلة جوهر الدور التاريخي للشيخ زايد. فقد أدرك أن بناء إمارة مزدهرة لا يكفي إذا ظلت المنطقة مجزأة سياسياً، وأن مشروعاً اتحادياً يمكنه أن يجمع الموارد والخبرات ويمنح السكان مظلة وطنية أكثر قدرة على مواجهة تحديات المستقبل. لذلك لم يكن الاتحاد نتيجة إجراء دستوري وحسب، بل كان حصيلة تفاوض وصبر وثقة متبادلة ورؤية ترى في الوحدة أساساً للتقدم.

الدولة الحديثة: مؤسسات لا مبانٍ فقط

حين نتحدث عن الانتقال من الصحراء إلى الدولة الحديثة قد تستحضر الذاكرة صور الطرق الواسعة والمطارات والموانئ والمدن الحديثة. غير أن التحول الأعمق كان في نشوء المؤسسات: وزارات اتحادية، أجهزة حكومية، منظومة تعليم وصحة، بنية قانونية وإدارية، وسياسات عامة تربط الإمارات ضمن دولة واحدة.

هذا البعد المؤسسي هو ما جعل التنمية قابلة للاستمرار. فالمشروعات الكبرى قد تنجز في سنوات، أما الدولة فتحتاج إلى قواعد تنظم اتخاذ القرار وتوزيع الاختصاصات وتمثيل الإمارات والحفاظ على توازن الاتحاد. وقد لعب المجلس الأعلى للاتحاد ومجلس الوزراء وبقية المؤسسات الاتحادية أدواراً أساسية في تحويل الاتحاد من فكرة سياسية إلى واقع يومي يلمسه المواطن في التعليم والصحة والسكن والبنية التحتية والخدمات.

وبذلك لم تكن تجربة الشيخ زايد مشروع تحديث عمراني فحسب، بل مشروع بناء دولة بمعنى الكلمة؛ دولة تستفيد من الموارد، لكنها تبني في الوقت نفسه مؤسسات قادرة على إدارة هذه الموارد وحماية الوحدة الوطنية.

التسامح والتعايش ضمن فلسفة البناء

اتسعت رؤية الشيخ زايد أيضاً لتشمل علاقات المجتمع وقيمه. فالإمارات، بحكم موقعها الاقتصادي وانفتاحها التجاري، أصبحت مع مرور الوقت موطناً لمجتمعات وجنسيات متعددة. وكان الحفاظ على الاستقرار والتعايش يتطلب ثقافة اجتماعية تقوم على الاحترام والانفتاح ونبذ التعصب.

وتستحضر الخطابات والسياسات الإماراتية المعاصرة إرث الشيخ زايد بوصفه أحد الجذور الأخلاقية لثقافة التسامح في الدولة. وفي رسالة منشورة على موقع مجلس الوزراء الإماراتي، يربط الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بين إرث الشيخ زايد والشيخ راشد وبين قيم الانفتاح والتسامح والتعاون الاجتماعي، مؤكداً أن قيمة الدولة لا تقاس بحجم مبانيها فقط، بل أيضاً بقدرتها على أن تكون مجتمعاً يعيش فيه الناس بانسجام رغم اختلاف خلفياتهم.

من هنا يصبح البعد الحضاري في مشروع الشيخ زايد أوسع من التنمية المادية. فالحضارة، وفق هذا التصور، هي أيضاً بناء الثقة والقيم والمواطنة والعيش المشترك، وهي عناصر أساسية لأي مجتمع يريد أن يحافظ على تقدمه على المدى الطويل.

للتعرف أكثر على التجربة الإماراتية في التسامح والتعايش يرجى الاطلاع على مقالنا المعنون ب( دولة الإمارات بلد التعايش: نموذج إنساني يجمع أكثر من 200 جنسية) عبر الرابط https://kawkabelmaarifa.com/uae-coexistence/

الحفاظ على الهوية وسط التحول السريع

من التحديات التي واجهت الإمارات خلال مرحلة التحديث السريع كيفية تحقيق التنمية دون فقدان الصلة بالهوية الثقافية والاجتماعية. فقد انتقلت مدن الدولة خلال عقود قليلة من أنماط عمرانية واقتصادية تقليدية إلى بيئة حضرية حديثة تستقبل أعداداً كبيرة من السكان والخبرات من مختلف أنحاء العالم.
وكان الشيخ زايد يدرك أن الانفتاح على العصر لا ينبغي أن يعني القطيعة مع التاريخ، لذلك ظل التراث الإماراتي والعادات الاجتماعية والقيم العربية والإسلامية حاضرة في خطابه وفي تصور الدولة لهويتها.

ويتجلى هذا التوازن في استمرار حضور المجلس الإماراتي، والاهتمام بالصقارة والخيل والتراث البحري والبيئة الصحراوية والحرف التقليدية، إلى جانب تطوير المدن والتعليم والمؤسسات والاقتصاد. فالحداثة في التجربة الإماراتية لم تُقدَّم باعتبارها بديلاً عن الهوية، وإنما باعتبارها وسيلة لتطوير المجتمع مع الاحتفاظ بجذوره.

ويمكن ملاحظة آثار هذا التصور في السياسات التعليمية والثقافية اللاحقة؛ إذ تتضمن منظومة التعليم الإماراتية جوانب مرتبطة بالتربية الوطنية والثقافة والتراث والحقوق والمسؤوليات، وهو ما يعكس استمرار الاهتمام بربط الأجيال الجديدة بتاريخ المجتمع وقيمه في ظل الانفتاح العالمي.

ولعل هذا أحد مفاتيح فهم نجاح التجربة الإماراتية: فقد استطاعت الدولة استقبال التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية الكبرى دون أن تجعل منها سبباً للتخلي عن رموز هويتها المحلية.

البيئة والصحراء: تحويل التحدي إلى مورد

على الرغم من أن صورة التحول العمراني هي الأكثر حضوراً عند الحديث عن الإمارات الحديثة، فإن علاقة الشيخ زايد بالبيئة والصحراء كانت جزءاً مهماً من رؤيته. فقد عرف مبكراً طبيعة الواحات والمياه والزراعة في العين، وظلت مسألة التشجير وتوسيع المساحات الخضراء واستصلاح الأراضي مرتبطة بمشروعه التنموي.

اللافت هنا أن الصحراء لم تُعامل بوصفها عائقاً ينبغي محوه، بل بيئة ينبغي فهمها والتكيف معها وتطوير إمكاناتها. ولذلك أصبحت الزراعة والتشجير والحفاظ على بعض عناصر التراث الطبيعي جزءاً من صورة الإمارات الجديدة. وفي هذا الجمع بين التنمية واحترام البيئة يمكن رؤية بعد آخر من أبعاد المشروع الحضاري: التقدم لا يعني القطيعة الكاملة مع المكان، بل إعادة اكتشافه وتوظيفه ضمن رؤية حديثة.

السياسة الخارجية والعمل الإنساني

مع تأسيس الدولة الاتحادية توسع حضور الإمارات خارجياً، وأصبحت الدبلوماسية والعمل الإنساني جزءاً من صورتها الإقليمية والدولية. وقد ارتبط اسم الشيخ زايد بمبادرات مساعدات ومشروعات إنسانية وتنموية في عدد من الدول، شملت مجالات مثل التعليم والصحة والمياه والبنية التحتية.

ويكشف هذا البعد أن مفهوم التنمية عنده لم يكن محصوراً داخل الحدود. فقد ربط بين الاستقرار الداخلي والعلاقات المتوازنة مع الجوار وبين مساندة المجتمعات المحتاجة. ومع مرور العقود أصبحت المساعدات الإنسانية والتنموية أحد المسارات البارزة في السياسة الخارجية الإماراتية، وهو مسار تقدمه المؤسسات الرسمية باعتباره امتداداً لقيم العطاء التي رسخها الآباء المؤسسون.

من مرحلة التأسيس إلى اقتصاد المعرفة

من أبرز الدلالات على استمرارية مشروع الشيخ زايد أن مفهوم التنمية في الإمارات لم يتوقف عند المرحلة التي كان فيها بناء الطرق والمدارس والمستشفيات هو التحدي الأكبر. فمع اكتمال جانب كبير من البنية الأساسية، انتقلت الدولة تدريجياً إلى مستويات جديدة من الطموح تقوم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا وتنمية المهارات.

واليوم تتضمن الاستراتيجيات الوطنية الإماراتية برامج مرتبطة بالتعليم العالي والمهارات المتقدمة والبحث العلمي واقتصاد المعرفة. وتهدف الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي 2030، على سبيل المثال، إلى إعداد أجيال تمتلك المهارات العلمية والعملية اللازمة لدعم قطاعات الاقتصاد والمعرفة وريادة الأعمال وسوق العمل المستقبلي.

ولا يعني ذلك أن كل هذه السياسات كانت موجودة بصورتها الحالية في زمن الشيخ زايد، وإنما الأصح تاريخياً أن نقول إن الفلسفة التي جعلت الإنسان محور التنمية وفرت أرضية يمكن البناء عليها وتطويرها عبر الأجيال.

وبهذا المعنى، فإن المشروع الحضاري الذي بدأ في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي لم يكن مشروعاً مغلقاً له نقطة نهاية، بل مساراً متجدداً. ففي مرحلة كان التحدي فيها إيصال الطريق والمدرسة والخدمة الصحية إلى السكان، كان ذلك يمثل معنى التنمية؛ أما في مرحلة الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والبحث العلمي، فإن التحدي أصبح إعداد الإنسان القادر على المنافسة والإبداع.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص إرث الشيخ زايد: القدرة على الانتقال من معالجة احتياجات الحاضر إلى تأسيس قاعدة تسمح للأجيال اللاحقة بالتفكير في المستقبل.

لماذا تبقى تجربة الشيخ زايد حاضرة بعد ستين عاماً؟

بعد ستين عاماً على توليه حكم أبوظبي، لا تكمن أهمية الشيخ زايد فقط في أنه قاد مرحلة تاريخية ناجحة، بل في أن عدداً من المبادئ التي قامت عليها تلك المرحلة لا يزال حاضراً في خطاب الدولة ومؤسساتها: الاستثمار في الإنسان، تطوير التعليم والصحة، تعزيز الاتحاد، بناء بنية تحتية متقدمة، المحافظة على الهوية، والانفتاح على العالم.

إن مقارنة أبوظبي في منتصف ستينيات القرن العشرين بأبوظبي اليوم تكشف حجم التحول، لكن الأرقام والصور لا تفسر وحدها كيف حدث ذلك. التفسير يحتاج إلى العودة إلى القرارات الأولى: بناء الجهاز الإداري، توجيه الموارد إلى الخدمات، توسيع التعليم، دعم الاستقرار، ثم الانتقال من نجاح محلي في أبوظبي إلى مشروع اتحادي يجمع الإمارات.

لهذا تظل ذكرى 6 أغسطس مناسبة لفهم تاريخ الإمارات الحديث، لا باعتبارها احتفالاً بشخصية مؤثرة فحسب، بل باعتبارها مدخلاً لقراءة فلسفة بناء دولة. وهي فلسفة قامت على فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في نتائجها: أن الموارد تصبح ذات معنى عندما تتحول إلى حياة أفضل للناس، وأن الاتحاد يصبح قوة عندما يشعر المواطن أن مؤسساته تعمل من أجله.

خاتمة

يمثل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان إحدى الشخصيات المركزية في تاريخ الخليج العربي الحديث. فمن تجربة الحكم في العين إلى تولي قيادة أبوظبي في 6 أغسطس 1966، ثم قيادة مسار الاتحاد وتولي رئاسة الدولة في 2 ديسمبر 1971، تدرج مشروعه من معالجة حاجات مجتمع محلي إلى بناء دولة اتحادية ذات مؤسسات وطموح إقليمي ودولي.

ولذلك فإن وصف تجربته بأنها انتقال «من الصحراء إلى مشروع حضاري» لا ينبغي فهمه بوصفه مقارنة بين الماضي والتقدم فقط؛ فالصحراء نفسها جزء من الهوية الإماراتية ومصدر من مصادر الخبرة التاريخية. المقصود هو الانتقال من محدودية الإمكانات والخدمات إلى دولة تستثمر مواردها في الإنسان والمؤسسة والوحدة الوطنية. وبعد ستين عاماً على توليه حكم أبوظبي، ما تزال آثار تلك الرؤية حاضرة في ملامح الدولة وفي سرديتها الوطنية وفي الطريقة التي تنظر بها إلى المستقبل.

المصادر والمراجع

• المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، «الآباء المؤسسون للاتحاد»: معلومات عن تجربة الشيخ زايد في العين وتوليه حكم أبوظبي ومشروعات التنمية.

• المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، «تاريخ الدولة»: مراحل قيام الاتحاد من 1966 إلى 1971.

• الموقع الرسمي لمجلس الوزراء الإماراتي، صفحة «UAE»: نشأة الاتحاد واستثمار الموارد في البنية التحتية والتعليم والصحة وتنمية الإنسان.

• الموقع الرسمي لمجلس الوزراء الإماراتي، «Tolerance Letter»: عرض لقيم التسامح والانفتاح بوصفها امتداداً لإرث الآباء المؤسسين.

• وكالة أنباء الإمارات (وام)، تقارير أرشيفية حول تولي الشيخ زايد حكم أبوظبي ومسيرته في بناء الدولة والتنمية.

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كوكب المعرفة منصة معرفية عربية تقدم محتوى موسعاً وموثقاً في مجالات التاريخ والحضارة، والإسلاميات، والتربية والتعليم، والصحة، والعلوم الاجتماعية، والفكر والفلسفة، والسير والتراجم، والرياضة، والسياحة والسفر. يعتمد المحتوى على المصادر الأكاديمية والرسمية والمرجعية، ويخضع للمراجعة والتحقق قبل النشر، مع الحرص على الدقة والوضوح وتقديم قيمة معرفية حقيقية للقارئ.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *