سيرة تاريخية موسعة في تجربة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، من بداياته في العين وتوليه حكم أبوظبي إلى قيادة مشروع الاتحاد وبناء مؤسسات دولة الإمارات، مع قراءة في رؤيته للتعليم والصحة والبيئة والعمل الإنساني والتعايش.
مقدمة
في السادس من أغسطس 2026 مرت ستة عقود كاملة على تولي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حكم إمارة أبوظبي. ولم تكن تلك المحطة مجرد انتقال في قيادة إمارة، بل بداية مرحلة سرعت بناء المؤسسات والخدمات، ثم اتسعت لتصبح جزءاً من المسار الذي قاد إلى قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر 1971.
تنبع أهمية الشيخ زايد في تاريخ الإمارات من أن أثره لا يختصر في منصب أو مشروع واحد. فقد جمع بين خبرة محلية طويلة بدأت في العين، ورؤية تنموية جعلت الإنسان محوراً للبناء، وإيمان عميق بفكرة الاتحاد، وقدرة على تحويل الموارد المتاحة إلى تعليم وصحة وإسكان وطرق ومؤسسات. وعندما تأسست الدولة، أصبح أول رئيس لها، وظل في هذا المنصب من سنة 1971 حتى وفاته في 2 نوفمبر 2004.
إن الحديث عن الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة هو في جوهره حديث عن كيفية انتقال مجتمع محدود الخدمات والبنية المؤسسية في منتصف القرن العشرين إلى دولة اتحادية ذات جهاز إداري وتعليمي وصحي واقتصادي متنام. لكنه أيضاً حديث عن أسلوب قيادة جعل المجلس والإنصات والثقة والوفاء بالالتزامات أدوات عملية لبناء المجتمع، لا مجرد قيم أخلاقية معزولة عن الإدارة.
وتزداد قيمة هذه السيرة عندما تقرأ في تسلسلها الزمني. فنجاح مرحلة أبوظبي بعد 1966 لم يبدأ من فراغ؛ سبقه عقدان من العمل في المنطقة الشرقية، واختبار مباشر لقضايا الماء والزراعة والسكن والعلاقات الاجتماعية. كما أن قيام الاتحاد لم يكن قراراً مفاجئاً في ديسمبر 1971، بل ثمرة سنوات من الحوار والتنسيق والتفاوض وبناء الثقة بين حكام الإمارات.
ويتيح المصدر الرسمي لحكومة دولة الإمارات عن الآباء المؤسسين مرجعاً أساسياً لتتبع أبرز محطات حياة الشيخ زايد ودوره في تأسيس الدولة.
النشأة وتكوين الشخصية القيادية
ولد الشيخ زايد سنة 1918 في إمارة أبوظبي، في أسرة آل نهيان الحاكمة، ونشأ في بيئة كانت فيها الصحراء والواحات والبحر والقبيلة والمجلس عناصر أساسية في تشكيل الحياة اليومية. وقد أسهمت هذه البيئة في تكوين معرفته المباشرة بالمجتمع المحلي، وبحاجات الناس، وبقيمة الماء والأرض والتنقل والعمل والصبر.
لم يكن التعليم في المنطقة آنذاك منظماً بالشكل المؤسسي الذي عرفته الإمارات لاحقاً، ولذلك تشكلت معارفه من مصادر متعددة: القرآن الكريم، والمجالس، والاحتكاك بالشيوخ والوجهاء ورجال القبائل، والمعرفة العملية بالأرض والماء والطرق. كما أمضى وقتاً طويلاً بين البدو، وهي تجربة أتاحت له فهماً قريباً لطرق عيشهم وتحدياتهم وطرائق حل النزاعات بينهم.
تظهر المصادر الرسمية أن من السمات التي ارتبطت بشخصيته منذ وقت مبكر حسن الاستماع والصبر والقدرة على الوساطة. وهذه الصفات ليست تفصيلاً ثانوياً في تفسير نجاحه لاحقاً في مشروع الاتحاد؛ إذ إن إنشاء كيان اتحادي بين إمارات لكل منها تاريخها وحاكمها ومصالحها كان يحتاج إلى بناء التوافق بقدر حاجته إلى الرؤية السياسية.
وكان المجلس مدرسة عملية مهمة في تكوينه. ففي المجتمع المحلي كان المجلس مكاناً لسماع المطالب وتسوية الخلافات وتبادل الأخبار واتخاذ القرارات. وقد حافظ الشيخ زايد لاحقاً على هذا النمط من التواصل، وظل القرب من الناس جزءاً من صورته القيادية ومن فهمه لوظيفة الحكم بوصفها مسؤولية مباشرة تجاه المجتمع.
العين منذ 1946: المختبر الأول لفلسفة التنمية
في سنة 1946 عُيّن الشيخ زايد ممثلاً لحاكم أبوظبي في المنطقة الشرقية، واتخذ من العين مركزاً لعمله. وتعد هذه المرحلة من أهم المفاتيح لفهم مشروعه اللاحق؛ فقد تولى المسؤولية في بيئة شحيحة الموارد، تعتمد على الزراعة والواحات والأفلاج، وتواجه تحديات تتعلق بالماء والطرق والخدمات والاستقرار.
كانت العين في ذلك الوقت بعيدة عن صورة المدينة الحديثة التي أصبحت عليها لاحقاً. وكانت الواحات ونظام الأفلاج والزراعة القائمة على النخيل والمحاصيل المحلية تمثل أساس الاقتصاد والاستقرار. لذلك كان التعامل مع الماء أولوية حقيقية. وتذكر المصادر الإماراتية أن الشيخ زايد عمل على إصلاح قنوات الأفلاج، وتوسيع الاستفادة من المياه، وتخفيف الأعباء عن المزارعين، وربط إدارة الموارد بحياة السكان اليومية.
وقد كشفت تجربة العين مبكراً عن مبدأ سيظل ثابتاً في نهجه: لا قيمة للمورد إذا لم يتحول إلى منفعة عامة. فالماء لم يكن مجرد أصل اقتصادي، بل شرطاً للاستقرار والزراعة. والطريق لم يكن مجرد مشروع إنشائي، بل وسيلة لربط الناس والأسواق والخدمات. والمجلس لم يكن تقليداً اجتماعياً فقط، بل قناة لمعرفة المشكلات قبل اتخاذ القرار.
كما ارتبطت مرحلة العين بالتشجير والزراعة واستصلاح الأرض. ولم تكن هذه الجهود قائمة على إنكار طبيعة البيئة الصحراوية، بل على فهمها والعمل داخل حدودها. وقد أصبح هذا البعد البيئي لاحقاً جزءاً من رؤية أوسع تجمع بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية.
تؤكد خبرة العين كذلك أن فلسفة الشيخ زايد لم تبدأ مع وفرة عائدات النفط. فقد تشكلت مبادئها الأساسية في زمن كانت الموارد فيه محدودة: الماء أولاً، ثم الاستقرار، ثم الزراعة، ثم الطرق والخدمات، ثم بناء الثقة بين الحاكم والمجتمع. وعندما اتسعت الموارد بعد ذلك، اتسع نطاق التطبيق ولم تتغير الفكرة الأساسية.
وتقدم وكالة أنباء الإمارات مادة موثقة عن اهتمام الشيخ زايد بالأفلاج والماء والزراعة في مرحلة العين.
6 أغسطس 1966: بداية مرحلة جديدة في أبوظبي
تولى الشيخ زايد حكم إمارة أبوظبي في 6 أغسطس 1966. وجاءت هذه اللحظة بعد أن بدأت عائدات النفط تتيح للإمارة إمكانات مالية جديدة، لكن التحدي الحقيقي كان تحويل هذه الإمكانات إلى مؤسسات ومشروعات تغير حياة الناس. فالمال وحده لا يصنع دولة حديثة ما لم توجد إدارة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمتابعة.
اتجهت أبوظبي بعد 1966 إلى برنامج واسع للبناء شمل الطرق والمساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات الماء والكهرباء ومؤسسات الإدارة. وتوضح المنصة الرسمية لحكومة الإمارات أن الشيخ زايد عمل على توظيف الموارد المتاحة لفائدة السكان، وأن هيكلية حكومية جديدة بدأت تتشكل لتوسيع قدرة الإمارة على تقديم الخدمات وإدارة النمو.
كانت السرعة مهمة لأن الفجوة بين الإمكانات الجديدة والبنية القائمة كانت واسعة. ومع ذلك لم يكن التوسع العمراني هدفاً مستقلاً؛ فقد ارتبط بمشروع اجتماعي أوسع يهدف إلى رفع مستوى المعيشة، وتوسيع فرص التعليم، وتحسين الرعاية الصحية، وتوفير السكن، وتسهيل الانتقال بين المدن والمناطق.
ومن هنا تظهر إحدى خصائص تجربة الشيخ زايد: الجمع بين القرار الكبير والتفصيل اليومي. فبناء طريق رئيسي يحتاج إلى ميزانية ومؤسسة، لكنه في النهاية يقاس بقدرته على إيصال طفل إلى مدرسة أو مريض إلى مستشفى أو مزارع إلى سوق. وقد جعل هذا الربط بين المشروع العام والنتيجة اليومية التنمية مفهومة ومحسوسة لدى المجتمع.
كما ساعدت مرحلة أبوظبي على تدريب كوادر وطنية جديدة، وفتح المجال أمام نشوء جهاز إداري أكثر انتظاماً. ومع قيام الاتحاد بعد ذلك، أصبحت هذه الخبرة جزءاً من الرصيد الذي استفادت منه الدولة الاتحادية في بناء وزاراتها ومؤسساتها.
الإنسان قبل العمران: التعليم والصحة والإسكان
من أبرز ما يميز تجربة الشيخ زايد أن الإنسان كان مركزاً واضحاً في تصور التنمية. فالطرق والمباني والمطارات لا تكتسب قيمتها الكاملة إذا لم تنعكس على التعليم والصحة والأمان الاجتماعي وفرص المشاركة في بناء المستقبل. ولهذا توسعت المدارس والمرافق الصحية والإسكان والخدمات الأساسية بالتوازي مع التوسع العمراني.
في التعليم، كان الهدف يتجاوز محو الأمية أو توفير مقاعد دراسية. لقد ارتبط التعليم ببناء كفاءات قادرة على إدارة الدولة الجديدة. ومن أبرز الشواهد على ذلك إنشاء جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1976 بموجب قانون اتحادي، لتكون أول جامعة وطنية اتحادية في البلاد. وبدأت الدراسة فيها في العام الأكاديمي 1977/1978، وهو ما يعكس الانتقال من التعليم الأساسي إلى بناء منظومة للتعليم العالي وإعداد الأطباء والمهندسين والمعلمين والإداريين والباحثين.
وقد جاءت الجامعة في العين، المدينة التي شهدت بدايات تجربة الشيخ زايد في الحكم. وهذه الدلالة مهمة؛ فالعين التي كانت في الأربعينيات والخمسينيات ميداناً لمعالجة قضايا الماء والزراعة والاستقرار أصبحت بعد ثلاثة عقود مقراً لأول جامعة اتحادية. وبذلك يمكن قراءة المسار كله بوصفه انتقالاً من إدارة الضرورات الأساسية إلى الاستثمار في المعرفة.
وفي الصحة، ساهمت الموارد الجديدة في إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية وتوسيع الوصول إلى العلاج. أما الإسكان فكان جزءاً من تثبيت الاستقرار الاجتماعي وتحسين نوعية الحياة. وكانت هذه القطاعات تتقدم معاً، لأن الأسرة التي تسكن في بيت ملائم وتجد المدرسة والمستشفى والطريق أمامها تصبح أكثر قدرة على الاستقرار والمشاركة في سوق العمل والتعليم.
كذلك ارتبطت التنمية بتمكين المواطن من المشاركة في إدارة الدولة. ومع مرور السنوات توسعت البعثات التعليمية والتدريب والتوظيف في المؤسسات الحكومية، وأصبح تكوين الكادر الوطني هدفاً ملازماً لبناء الهياكل الإدارية. وهذه النقلة هي ما يفسر كيف تحولت التنمية من مشروعات مادية إلى قدرة مؤسسية مستمرة.
وتوضح جامعة الإمارات العربية المتحدة في موادها الرسمية أن الجامعة تأسست سنة 1976 بمبادرة من الشيخ زايد، وبدأت الدراسة فيها سنة 1977.
من نجاح أبوظبي إلى حلم الاتحاد
لم يتوقف مشروع الشيخ زايد عند حدود إمارة أبوظبي. فقد كان يرى أن المستقبل يتطلب إطاراً اتحادياً يجمع الإمارات ويمنحها قدرة أكبر على التنمية والاستقرار. وعندما أعلنت بريطانيا في يناير 1968 نيتها الانسحاب من المنطقة بحلول نهاية 1971، أصبحت الحاجة إلى ترتيب المستقبل أكثر إلحاحاً.
تحرك الشيخ زايد سريعاً نحو التنسيق مع الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي آنذاك. وفي 18 فبراير 1968 اتفق الطرفان على بناء اتحاد بين أبوظبي ودبي، ودعوا بقية الإمارات إلى المشاركة في مشروع أوسع. وتذكر المصادر الرسمية أن اجتماعاً دستورياً عقد في دبي بين 25 و27 فبراير 1968 بمشاركة حكام تسع وحدات سياسية شملت إمارات الساحل المتصالح وقطر والبحرين.
لم يصل المشروع إلى شكله النهائي دفعة واحدة. فقد احتاج إلى سنوات من المباحثات حول طبيعة الاتحاد وصلاحيات مؤسساته وتمثيل الإمارات وتقاسم المسؤوليات. وفي هذه المرحلة برز أسلوب الشيخ زايد في بناء التوافق؛ إذ كان يدرك أن الاتحاد القابل للاستمرار يجب أن يقوم على القبول المتبادل، لا على الإكراه.
في 18 يوليو 1971 قرر حكام ست إمارات تكوين دولة الإمارات العربية المتحدة، ثم أعلن قيامها رسمياً في 2 ديسمبر 1971. وضمت الدولة عند التأسيس أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، وانتخب الشيخ زايد أول رئيس لها. وفي 10 فبراير 1972 انضمت رأس الخيمة، فاكتمل الاتحاد بالإمارات السبع.
أهمية هذه المرحلة أنها نقلت رؤية الشيخ زايد من نطاق التنمية المحلية إلى بناء كيان اتحادي. فالمدرسة والطريق والمستشفى في أبوظبي أصبحت بعد الاتحاد جزءاً من سؤال أكبر: كيف يمكن لدولة اتحادية أن توزع التنمية، وتبني المؤسسات، وتحافظ في الوقت نفسه على خصوصية كل إمارة؟ وكان نجاح التجربة مرتبطاً بالتدرج والتوافق وبناء المصالح المشتركة.
وتقدم المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات – تاريخ الدولة تسلسلاً موثقاً لأحداث 1968 و1971 وانضمام رأس الخيمة سنة 1972.
بناء الدولة الاتحادية: المؤسسات قبل المظاهر
قيام الاتحاد كان بداية مرحلة جديدة لا نهاية المسار. فالدولة الوليدة احتاجت إلى وزارات اتحادية، ومجلس أعلى للاتحاد، ومجلس وزراء، وإدارة مالية وقانونية، ومؤسسات للتعليم والصحة والخدمات والاتصالات. وكان المطلوب أن يشعر المواطن بأن الاتحاد ليس شعاراً سياسياً، بل واقعاً ينعكس على الحياة اليومية.
ومن هنا ركزت القيادة على أن تكون المؤسسات قادرة على العمل بين إمارات تختلف في الحجم والموارد والبنية العمرانية. ولم تكن هذه مهمة بسيطة؛ فنجاح النظام الاتحادي يتطلب توازناً بين السلطة الاتحادية وصلاحيات الإمارات، وبين الحاجة إلى قرار مشترك واحترام الخصوصيات المحلية.
ارتبط الشيخ زايد في هذه المرحلة بفكرة أن الثروة يجب أن تخدم المجتمع كله. ولهذا لم تكن تنمية أبوظبي معزولة عن دعم مشروعات في الإمارات الأخرى. وقد ساعد هذا الاتجاه على إعطاء الاتحاد معنى عملياً، لأن الاستفادة من قوة الدولة الجديدة لم تبق محصورة في مركز واحد.
كما برزت أهمية البنية القانونية والإدارية في تثبيت الثقة. فالخدمات تحتاج إلى وزارات وميزانيات وقواعد، والتعليم يحتاج إلى مناهج ومدارس ومعلمين، والصحة تحتاج إلى مستشفيات وكوادر ونظام للإدارة، والإسكان يحتاج إلى تخطيط وأراض وتمويل. وبهذا أصبح بناء المؤسسة شرطاً لاستمرار المنجز بعد انتهاء المشروع الإنشائي نفسه.
وقد رسخ هذا التصور قاعدة أساسية في تجربة الإمارات: الدولة ليست أبراجاً وطرقاً فقط، بل هي مؤسسات قادرة على إدارة الموارد وتحويلها إلى خدمات منتظمة. وهذه الفكرة من أهم عناصر إرث الشيخ زايد في بناء الدولة الحديثة.
المجلس والثقة: أسلوب في الحكم وبناء المجتمع
ظل المجلس حاضراً في أسلوب الشيخ زايد حتى بعد اتساع الدولة ومؤسساتها. وكانت قيمة المجلس في أنه يحافظ على قناة مباشرة بين القيادة والناس، ويمنح المواطن مساحة لعرض حاجته أو رأيه أو شكواه. وقد ساهم هذا التواصل في بناء صورة الحاكم القريب من المجتمع، وفي تعزيز الثقة بالقرارات والمشروعات.
لا يعني ذلك أن دولة حديثة يمكن أن تدار بالمجلس وحده؛ فقد تطورت الوزارات والإدارات والقوانين. لكن المجلس أدى وظيفة موازية للمؤسسة الرسمية: الاستماع، وقراءة المزاج الاجتماعي، وفهم المشكلات قبل أن تتحول إلى فجوات واسعة. وهذا الجمع بين المؤسسية والتواصل المباشر منح تجربة الحكم طابعاً خاصاً.
كما ارتبط المجلس بفكرة التوافق الاجتماعي. فالقيادة التي تسمع وجهات النظر المختلفة تكون أقدر على اتخاذ قرارات مقبولة، وهذا الأسلوب كان مفيداً في مجتمع يتغير بسرعة بفعل التعليم والعمران والهجرة الداخلية وتوسع سوق العمل.
ومن زاوية أوسع، ساعدت ثقافة المجلس على الانتقال من الروابط المحلية إلى هوية اتحادية من دون إلغاء العلاقات الاجتماعية القائمة. فقد أصبح المواطن ابن إمارة وعضواً في دولة اتحادية في الوقت نفسه، وكان نجاح هذه الثنائية يحتاج إلى لغة سياسية واجتماعية تعترف بالخصوصية وتبني فوقها الانتماء الوطني المشترك.
الشيخ زايد والتسامح والتعايش
مع اتساع الاقتصاد الإماراتي وتزايد الحاجة إلى العمالة والخبرات من دول متعددة، أصبحت الإمارات مجتمعاً أكثر تنوعاً. وفي هذا السياق ارتبط إرث الشيخ زايد بقيم الاحترام والتسامح وقبول الآخر، وهي قيم استحضرتها الدولة لاحقاً في برامجها ومؤسساتها الرسمية.
وتوضح رسالة التسامح المنشورة على موقع مجلس الوزراء الإماراتي أن الشيخ زايد كان يستقبل الناس في مجلسه على اختلاف خلفياتهم، وأن قيمة الإنسان والعمل والأخلاق كانت مركزية في التعامل. وقد أصبحت هذه الروح جزءاً من السردية الوطنية حول المجتمع الإماراتي المعاصر.
إن أهمية هذا البعد لا تنفصل عن بناء الدولة. فالمجتمع الذي يستقطب خبرات من عشرات الدول يحتاج إلى قواعد واضحة تحمي الاستقرار وتمنع تحويل الاختلاف إلى صراع. ومن هنا يمكن فهم التسامح في تجربة الإمارات بوصفه قيمة اجتماعية وعاملاً من عوامل الاستقرار والتنمية في الوقت نفسه.
كما أن التعايش لا يعني ذوبان الهوية المحلية. فقد حرص الشيخ زايد على أن يسير الانفتاح مع المحافظة على اللغة والعادات والقيم الدينية والعائلية. وهذا التوازن بين الانفتاح والهوية أصبح واحداً من السمات التي تسعى الدولة إلى إبرازها في مؤسساتها الثقافية والتعليمية.
وللتوسع في هذا الجانب يمكن الرجوع إلى مقال الإمارات بلد التعايش الذي يتناول بصورة مستقلة بنية المجتمع المتعدد الجنسيات في الدولة.
كما تعرض رسالة التسامح على موقع مجلس الوزراء الإماراتي جانباً من الطريقة التي تنظر بها الدولة إلى إرث الشيخ زايد في هذا المجال.
البيئة والزراعة: التنمية من دون قطيعة مع المكان
كانت علاقة الشيخ زايد بالبيئة سابقة على قيام الدولة نفسها. فمنذ عمله في العين ارتبط اهتمامه بالماء والأفلاج والزراعة واستصلاح الأرض، ثم اتسع هذا الاهتمام لاحقاً ليشمل التشجير وحماية الحياة الفطرية وإنشاء برامج للمحافظة على الأنواع.
لم يكن التشجير مجرد تجميل للمدن. ففي بيئة صحراوية قاسية كانت الأشجار والغطاء النباتي مرتبطين بتثبيت التربة وتقليل آثار الرمال وتحسين البيئة المحلية وإتاحة مساحات أكثر ملاءمة للسكن والزراعة. وقد أصبحت العين نموذجاً مبكراً لهذا التحول، ثم اتسعت التجربة إلى مناطق أخرى.
كما ارتبط اسم الشيخ زايد بحماية الصقور والحياة البرية. ففي سنة 1995 أطلق برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور بهدف إعادة تأهيل الصقور وإعادتها إلى الطبيعة دعماً للمحافظة على المجموعات البرية. واستمر البرنامج بعد وفاته، وهو مثال على تحول الاهتمام البيئي من مبادرة شخصية إلى برنامج مؤسسي طويل الأمد.
وتشير المواد الرسمية الإماراتية إلى أن الشيخ زايد كان يرى أن التنمية الاقتصادية لا ينبغي أن تأتي على حساب البيئة. وهذه الفكرة أصبحت لاحقاً جزءاً من خطاب الاستدامة في الدولة، وارتبطت باسمه شبكات محميات ومبادرات بيئية متعددة.
تكمن قيمة هذا النهج في أنه أعاد تعريف العلاقة بالصحراء. فبدلاً من النظر إليها بوصفها مساحة يجب تجاوزها، تعامل معها بوصفها بيئة لها موارد وحدود وتحتاج إلى إدارة واعية. وهذا الفهم ينسجم مع تجربته الأولى في العين، حيث كان الماء والزراعة والاستقرار حلقات مترابطة في مشروع واحد.
وتوثق هيئة البيئة – أبوظبي استمرار برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور الذي تأسس سنة 1995.
جامعة الإمارات وبناء اقتصاد المعرفة
إنشاء جامعة الإمارات سنة 1976 يمثل واحداً من أوضح الأمثلة على انتقال رؤية الشيخ زايد من تلبية الحاجات الآنية إلى بناء المستقبل. فالدولة الجديدة كانت تستطيع استقدام الخبرات من الخارج، لكنها احتاجت في الوقت نفسه إلى تكوين جيل إماراتي قادر على قيادة المؤسسات وإنتاج المعرفة.
بدأت الجامعة بأربع كليات، ثم توسعت لاحقاً لتشمل الهندسة والطب والزراعة وغيرها من التخصصات. وهذا التوسع يعكس نوع الاحتياجات التي كانت الدولة تراها أمامها: مهندسون للبنية التحتية، أطباء لنظام صحي متنام، معلمون لمدارس جديدة، وخبراء في الزراعة والإدارة والاقتصاد.
كما أن تأسيس الجامعة في العين حمل قيمة رمزية؛ فالمدينة التي عرف فيها الشيخ زايد تحديات الماء والزراعة في الأربعينيات والخمسينيات أصبحت مركزاً للتعليم العالي والبحث. إنها صورة مكثفة لمسار الدولة نفسها: الانتقال من إدارة الندرة إلى بناء المعرفة.
وقد أسهم التعليم العالي لاحقاً في توسيع مشاركة المرأة الإماراتية في الحياة المهنية، وفي توفير كوادر وطنية للوزارات والمستشفيات والمدارس والشركات. ومن ثم فإن الاستثمار في الجامعة لم يكن منفصلاً عن بناء الدولة، بل كان جزءاً من بنيتها الأساسية.
العمل الإنساني: العطاء جزء من مفهوم الدولة
ارتبط اسم الشيخ زايد كذلك بالعمل الإنساني ودعم مشروعات التعليم والصحة والماء والإغاثة في دول مختلفة. وقد تطور هذا التوجه من مبادرات ومساعدات مباشرة إلى مؤسسات أكثر انتظاماً، من أبرزها مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية التي تأسست سنة 1992.
تكشف هذه المبادرات عن اتساع مفهوم المسؤولية لديه. فكما رأى أن الثروة داخل أبوظبي يجب أن تتحول إلى منفعة للناس، امتد هذا المنطق إلى مساعدة المجتمعات المحتاجة خارج الدولة. ولذلك ارتبطت المساعدات الإماراتية لاحقاً بصورة من صور إرث المؤسس في الخطاب الرسمي.
ولم تكن المشروعات الإنسانية محصورة في الإغاثة العاجلة، بل شملت أيضاً بناء مرافق وخدمات يمكن أن تبقى بعد انتهاء المساعدة المباشرة، مثل المدارس والمستشفيات ومشروعات المياه. وهذا النوع من العطاء ينسجم مع فلسفته التنموية التي تفضل بناء القدرة على تقديم المنفعة المستمرة.
وتذكر التقارير الإماراتية بعد وفاته أن ردود الفعل الواسعة على رحيله ركزت على الإيمان والكرم والعمل وخدمة الناس. وهذه الصورة تفسر لماذا بقي البعد الإنساني جزءاً أساسياً من الطريقة التي تستحضر بها الإمارات شخصية الشيخ زايد.
جامع الشيخ زايد الكبير: أثر ديني وثقافي ممتد
من المشروعات التي ارتبطت برؤية الشيخ زايد جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي. بدأت الاعتبارات الأولى لبنائه في أواخر الثمانينيات، ثم بدأت الأعمال الفعلية سنة 1996. وقد أراد الشيخ زايد للجامع أن يكون صرحاً دينياً وثقافياً يعبر عن وسطية الإسلام ويجمع بين الجمال المعماري والانفتاح على ثقافات متعددة.
استمر البناء بعد وفاته حتى افتتح الجامع للعبادة سنة 2007. وشارك في تصميمه وتنفيذه حرفيون ومواد من دول متعددة، من بينها المغرب، وهو ما جعل عمارته نفسها تعبيراً عن التفاعل بين مدارس فنية مختلفة داخل إطار إسلامي واحد.
وقد أصبح الجامع لاحقاً من أبرز معالم أبوظبي، ومكاناً يجمع العبادة بالثقافة والتعريف بالفنون الإسلامية والتواصل الحضاري. كما يوجد ضريح الشيخ زايد بجواره، بما يمنح الموقع بعداً إضافياً في الذاكرة الوطنية الإماراتية.
وتتفق هذه الدلالة مع مشروعه الأوسع: مؤسسة حديثة ذات جذور دينية وثقافية، منفتحة على العالم من دون أن تفقد هويتها. ولهذا فإن الجامع ليس مجرد مبنى ضخم، بل أحد الشواهد الباقية على تصور المؤسس للعلاقة بين الدين والثقافة والجمال والتواصل الإنساني.
ويقدم مركز جامع الشيخ زايد الكبير معلومات رسمية عن ارتباط الجامع برؤية الشيخ زايد ومراحل إنشائه.
ولمعرفة الجامع ضمن معالم الإمارة يمكن الرجوع إلى مقال السياحة في إمارة أبوظبي في موقع كوكب المعرفة.
الشيخ زايد في الذاكرة الوطنية
توفي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في 2 نوفمبر 2004 بعد نحو ثلاثة وثلاثين عاماً من رئاسة دولة الإمارات، وقرابة ثمانية وثلاثين عاماً من حكم أبوظبي. وقد مثّل رحيله نهاية مرحلة تأسيسية طويلة، لكنه لم ينه تأثيره في بنية الدولة أو في الذاكرة الوطنية.
في سنة 2018، التي وافقت مرور مئة عام على ميلاده، أعلنت الإمارات «عام زايد» لتسليط الضوء على دوره في تأسيس الدولة وعلى قيمه وإنجازاته. وكان هذا الاختيار دليلاً على أن حضوره لم يعد متعلقاً بالتاريخ السياسي وحده، بل أصبح جزءاً من التربية الوطنية والذاكرة العامة للمجتمع.
ويظهر إرثه في مؤسسات متعددة تحمل اسمه، وفي برامج للبيئة والعمل الإنساني والثقافة، وفي الخطاب الذي يربط بين الاتحاد والتنمية والاستثمار في الإنسان. كما يستمر استحضار أسلوبه في القيادة بوصفه نموذجاً يقوم على القرب من الناس والتوافق والوفاء بالالتزامات.
والأهم أن تقييم تجربته لا يحتاج إلى الاكتفاء بالمقارنة البصرية بين أبوظبي في الستينيات وأبوظبي اليوم. فالتحول الأعمق كان في بناء القدرة: قدرة الدولة على التعليم، والعلاج، والإدارة، والتخطيط، وتكوين الكوادر، وحماية البيئة، والتعامل مع مجتمع متعدد. وهذه القدرة هي الإرث المؤسسي الذي يفسر استمرار تأثير مرحلة التأسيس بعد عقود.
وتعرض صفحة عام زايد على موقع مجلس الوزراء الإماراتي أهداف المبادرة التي أطلقت سنة 2018 لإبراز دور المؤسس وقيمه.
الثروة النفطية: من مورد اقتصادي إلى أداة لبناء الإنسان
بدأ إنتاج النفط التجاري في أبوظبي قبل تولي الشيخ زايد الحكم بسنوات قليلة، لكن التحول الحقيقي لم يكن في وجود المورد نفسه، بل في الكيفية التي أُدير بها. فالثروة النفطية يمكن أن تنشئ وفرة مالية مؤقتة، لكنها لا تتحول إلى نهضة مستدامة إلا إذا وُجهت نحو التعليم والصحة والبنية التحتية وبناء جهاز إداري قادر على التخطيط ومراقبة الإنفاق.
ومنذ 1966 اتجهت أبوظبي إلى توسيع الإنفاق على الخدمات العامة بسرعة كبيرة. ولم يكن الهدف إظهار مظاهر الثراء، بل تقليص الفجوة بين الإمكانات المالية الجديدة ومستوى الخدمات الذي كان محدوداً قبل ذلك. فالمواطن الذي يحصل على تعليم جيد وعلاج وسكن وطريق وماء وكهرباء يصبح جزءاً من دورة إنتاج جديدة، وتتحول الثروة من دخل مالي إلى قدرة اجتماعية واقتصادية.
ويكشف هذا التوجه عن فهم مبكر لفكرة أن النفط مورد قابل للنضوب، بينما الإنسان والمؤسسة والمعرفة أصول أكثر بقاءً. ولهذا كان إنشاء المدارس ثم جامعة الإمارات، وتدريب الكوادر الوطنية، وبناء الإدارة، خطوات متصلة لا مشروعات منفصلة. فالجامعة مثلاً لا تقدم تعليماً فقط؛ إنها تنتج أطباء ومهندسين ومعلمين وإداريين يحتاج إليهم المجتمع كي يدير نموه بنفسه.
كما ارتبطت إدارة الموارد بفكرة المسؤولية تجاه الأجيال القادمة. وقد ظهرت هذه الفكرة في الخطاب الرسمي الإماراتي مراراً بوصفها من مبادئ مرحلة التأسيس: لا تستهلك الثروة في الحاضر فقط، بل تستخدم لبناء اقتصاد ومؤسسات ومعرفة يمكن أن تخدم المستقبل. ومن هذه الزاوية يصبح النفط نقطة بداية، لا تفسيراً كاملاً لقصة النهضة.
وقد ساعد هذا الفهم على تجنب اختزال التنمية في الإنشاءات. فالمشروع الناجح عند الشيخ زايد هو الذي يؤدي وظيفة واضحة: الطريق يربط الناس، والمستشفى يحمي الصحة، والمدرسة تصنع المعرفة، والسكن يعزز الاستقرار، والمزرعة تنتج، والمؤسسة تنظم العمل. وهذه العلاقة بين الموارد والوظيفة الاجتماعية من السمات الأساسية في تجربة بناء أبوظبي ثم دولة الإمارات.
البنية التحتية والإسكان: ربط المكان وتثبيت الاستقرار
كانت المسافات والبيئة الصحراوية وتباعد التجمعات السكانية من التحديات الأساسية في المنطقة قبل قيام الدولة. ولذلك اكتسبت الطرق والمطارات وشبكات الماء والكهرباء والاتصالات أهمية تتجاوز بعدها التقني؛ إذ أصبحت وسائل لربط المجتمع وتمكين الناس من الوصول إلى المدرسة والمستشفى والعمل والسوق.
أدى توسع شبكة الطرق إلى تقليص العزلة بين المناطق، وساعد على حركة السكان والبضائع والخدمات. ومع قيام الاتحاد أصبح الربط بين الإمارات جزءاً من بناء المجال الوطني نفسه. فالطريق الذي يصل إمارتين لا يسهل التجارة فقط، بل يجعل الدولة الاتحادية ملموسة في حياة الناس ويزيد تداخل المصالح والعلاقات اليومية.
أما الإسكان فكان عنصراً مركزياً في استقرار الأسر. وقد رافقت برامج المساكن الشعبية والمخططات العمرانية الجديدة مرحلة التحول السريع، وأسهمت في نقل كثير من الأسر إلى بيوت تتوافر فيها خدمات الماء والكهرباء والطرق. ولم يكن السكن معزولاً عن بقية عناصر التنمية؛ إذ غالباً ما كان الحي الجديد يرتبط بمدرسة ومسجد ومركز صحي وشبكة طرق.
كما ساعدت البنية التحتية على توسيع النشاط الاقتصادي. فالميناء والطريق والمطار لا تخدم الدولة فقط، بل تخلق فرصاً للتجارة والخدمات والعمل. ومن هنا بدأت المدن الإماراتية تتجه تدريجياً إلى أنماط اقتصادية أكثر تنوعاً، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن الاستقرار الذي وفرته مؤسسات الدولة.
هذا التحول العمراني الكبير لم يلغ أهمية المدن والواحات القديمة. ففي العين مثلاً استمر حضور الواحات والأفلاج إلى جانب الطرق والمؤسسات الحديثة. وكان هذا التعايش بين القديم والجديد من السمات المهمة في رؤية الشيخ زايد؛ إذ لم يكن التحديث عنده مرادفاً لمحو المكان، بل لتطويره مع الحفاظ على عناصره الأساسية التي تمنحه شخصيته.
المرأة والأسرة والتعليم في بناء المجتمع
كان بناء المجتمع الحديث يتطلب توسيع التعليم ليشمل أبناء الدولة وبناتها، وتهيئة الأسرة للتعامل مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية السريعة. ولذلك ارتبطت مرحلة التأسيس بانتشار التعليم النظامي وبزيادة حضور المرأة في المدارس ثم في التعليم العالي والعمل المهني.
لم يكن هذا التحول منفصلاً عن مشروع الدولة. فالمعلمة والطبيبة والإدارية والباحثة جزء من الكفاءة الوطنية التي احتاجت إليها المؤسسات الجديدة. ومع توسع جامعة الإمارات ومؤسسات التعليم لاحقاً، أصبحت المرأة الإماراتية حاضرة بقوة في التعليم الجامعي وفي تخصصات متعددة، وهو مسار يستند إلى القرارات المبكرة التي جعلت التعليم أولوية وطنية.
وفي الوقت نفسه حافظت الأسرة على مكانتها بوصفها أساس الاستقرار الاجتماعي. فبرامج السكن والرعاية الصحية والتعليم لم تكن خدمات فردية فحسب؛ كانت أدوات لدعم الأسرة وتمكينها من الانتقال إلى أنماط حياة جديدة من دون فقدان تماسكها. وهذا التوازن بين التحديث والاستقرار الاجتماعي ساعد المجتمع على استيعاب تغيرات حدثت خلال عقود قليلة.
كما ارتبطت رؤية الشيخ زايد بفكرة أن مشاركة المواطن في بناء وطنه لا تحددها الوظيفة وحدها، بل تبدأ من التعليم والانضباط والمسؤولية. ولذلك كان الاستثمار في الأجيال الجديدة من أكثر الجوانب تكراراً في خطابه وممارسته. وكان الهدف أن تصبح الدولة أقل اعتماداً على الخبرة المستوردة بمرور الوقت، وأن تتكون لديها قاعدة وطنية واسعة من المتخصصين.
ويمكن فهم نجاح هذه السياسة في ضوء التحول الذي شهدته الدولة لاحقاً في مستويات التعليم والعمل المهني. فالنتيجة لم تأت في سنة واحدة، بل كانت ثمرة تراكم طويل بدأ بإنشاء المدارس وإتاحة الفرص، ثم انتقل إلى الجامعة والتخصصات المهنية، ثم إلى أجيال أصبحت قادرة على قيادة مؤسسات معقدة.
الهوية الوطنية والموروث الثقافي في زمن التحديث
كان التحدي أمام دولة سريعة النمو هو أن تنفتح على العالم من غير أن تفقد شخصيتها. ولهذا ارتبط مشروع الشيخ زايد بالتمسك باللغة العربية والقيم الإسلامية والمجالس والعادات الاجتماعية والصلات الأسرية، بالتوازي مع بناء المدن الحديثة واستقدام الخبرات والتقنيات من الخارج.
وقد أدرك أن الموروث الثقافي ليس عائقاً أمام التحديث، بل مصدر ثقة وهوية. فالصحراء والبحر والواحات والصقارة والشعر والمجلس ليست صوراً من الماضي فقط؛ إنها خبرات شكلت المجتمع وعلّمته الصبر والتعاون ومعرفة البيئة. ولذلك كانت المحافظة على هذه العناصر جزءاً من بناء الشخصية الوطنية الجديدة.
كما ساعد قيام الاتحاد على تحويل الانتماءات المحلية إلى هوية وطنية أوسع. ولم يكن المطلوب إلغاء خصوصية كل إمارة أو منطقة، بل جمعها داخل إطار مشترك. ومن هنا جاءت رمزية العلم والنشيد والمؤسسات الاتحادية والاحتفال باليوم الوطني، إلى جانب استمرار العادات والخصائص المحلية لكل إمارة.
وفي المجال الثقافي، كان الاهتمام بالتاريخ والمواقع القديمة والحرف والفنون جزءاً من هذا التوازن. فالمدينة الحديثة تحتاج إلى ذاكرة حتى لا تصبح مجرد عمران سريع، والمجتمع المنفتح يحتاج إلى معرفة واضحة بجذوره حتى يتعامل مع الآخر بثقة لا بخوف. وهذا المعنى يفسر استمرار حضور اسم الشيخ زايد في المؤسسات الثقافية والمتاحف والمراكز التي توثق مرحلة التأسيس.
إن العلاقة بين الهوية والانفتاح من أكثر جوانب التجربة الإماراتية لفتاً للانتباه. فقد استقبلت الدولة خلال عقود أعداداً كبيرة من المقيمين من ثقافات مختلفة، وفي الوقت نفسه حافظ المجتمع الإماراتي على عناصره الأساسية. وكان هذا التوازن ممكناً لأن الهوية لم تُقدَّم بوصفها جداراً يمنع التفاعل، بل قاعدة تسمح بالانفتاح مع وضوح الانتماء.
لماذا تبقى تجربة الشيخ زايد مهمة لفهم الإمارات الحديثة؟
تساعد سيرة الشيخ زايد على فهم أن نهضة الإمارات لم تكن نتيجة النفط وحده. صحيح أن الموارد النفطية وفرت إمكانات مالية حاسمة، لكن تحويل الإيرادات إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومساكن وجامعة ومؤسسات اتحادية احتاج إلى قرار سياسي وإداري طويل النفس. والفرق بين امتلاك المورد وبناء الدولة هو القدرة على تحويله إلى مؤسسات.
كما تكشف التجربة أن الاتحاد نفسه كان مشروعاً تنموياً بقدر ما كان مشروعاً سياسياً. فالكيان المشترك سمح بتنسيق الموارد والخدمات والبنية التحتية، ومنح السكان هوية وطنية تجمع الإمارات من دون إلغاء خصوصياتها. وهذا التوازن بين المحلي والاتحادي كان من أعقد تحديات مرحلة التأسيس.
وتوضح تجربة العين أن الرؤية التنموية لم تولد بعد اكتشاف الثروة، بل سبقتها. فاهتمام الشيخ زايد بالماء والزراعة والمجالس وتحسين ظروف الحياة في المنطقة الشرقية كان موجوداً قبل الطفرة المالية. وعندما توسعت الموارد، أصبح ممكناً تطبيق المبادئ نفسها على نطاق أكبر.
أما البيئة والعمل الإنساني والتسامح، فتظهر أن مفهومه للدولة لم يكن مادياً فقط. لقد أراد مجتمعاً يتمتع بالخدمات، لكنه يحافظ كذلك على تماسكه وهويته وقدرته على التعايش وعلى مسؤولية الإنسان تجاه الأرض والآخرين.
ولهذا فإن دراسة الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة ليست احتفاءً بشخصية تاريخية فحسب، بل مدخل لفهم الطريقة التي تشكلت بها مؤسسات الإمارات وقيمها العامة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
من مرحلة التأسيس إلى استدامة الإرث
قيمة تجربة الشيخ زايد لا تتوقف عند المشروعات التي أنجزت في حياته، بل تظهر كذلك في قدرة الدولة على مواصلة البناء بعد رحيله. فالمؤسسة التي تقوم على قواعد واضحة وتكوّن كوادرها وتوزع المسؤوليات تستطيع أن تستمر وتتطور، بينما يرتبط المشروع الشخصي عادة بصاحبه وينتهي بانتهاء حضوره. ومن هنا تبدو أهمية السنوات الأولى في بناء جهاز الدولة وترسيخ الاتحاد وإيجاد نظم مستقرة للتعليم والصحة والإدارة.
وقد أسهم هذا الأساس في جعل الانتقال بين الأجيال القيادية يجري داخل مؤسسات قائمة لا داخل فراغ. فالدولة كانت تمتلك دستوراً اتحادياً، ومجلساً أعلى، ووزارات، وجهازاً إدارياً، وجامعة وطنية، وبنية تحتية، ونظاماً للخدمات. وهذه العناصر كلها بدأت في مرحلة التأسيس ثم واصلت النمو، وهو ما يفسر لماذا بقي اسم الشيخ زايد مرتبطاً بفكرة بناء القاعدة لا بمجرد إنجاز مشاريع منفردة.
كذلك استمر إرثه في صورة مبادرات تحمل اسمه في مجالات البيئة والعمل الإنساني والثقافة والتعليم. وهذه الاستمرارية تعني أن القيم التي ارتبطت به تحولت إلى برامج ومؤسسات يمكن قياس أثرها ومراجعة أدائها وتطويره. فالذاكرة الوطنية هنا لا تقوم على التذكر وحده، بل على تحويل المعنى التاريخي إلى عمل متجدد يخدم المجتمع.
ولهذا فإن النظر إلى الشيخ زايد بوصفه مؤسساً لا يرتبط فقط بإعلان الدولة سنة 1971، بل أيضاً بقدرته على وضع أسس سمحت للمؤسسات بأن تعيش بعده. وهذا هو الفارق بين مرحلة تأسيس عابرة وتجربة تأسيسية عميقة: الأولى تنتهي بانتهاء ظروفها، أما الثانية فتترك بنية قادرة على الاستمرار والتكيف مع أزمنة جديدة.
خاتمة
تدرجت مسيرة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان من العمل في العين منذ 1946، إلى تولي حكم أبوظبي في 6 أغسطس 1966، ثم قيادة مسار الاتحاد الذي توج بقيام دولة الإمارات العربية المتحدة في 2 ديسمبر 1971. وفي كل مرحلة اتسع نطاق المسؤولية، بينما بقيت الفكرة المركزية ثابتة: الموارد ينبغي أن تتحول إلى حياة أفضل للناس، والقيادة ينبغي أن تبني الثقة، والدولة ينبغي أن تقوم على مؤسسات قادرة على الاستمرار.
لقد ارتبط اسمه ببناء الطرق والمساكن والمستشفيات والمدارس، لكن أثره الأكبر ظهر في ما وراء المباني: تأسيس إدارة حديثة، وإطلاق التعليم الجامعي، وتثبيت الاتحاد، وتكوين هوية وطنية، وتشجيع حماية البيئة، وترسيخ العطاء والتسامح بوصفهما جزءاً من صورة الدولة.
وعندما توفي في 2 نوفمبر 2004، كانت الدولة التي ساهم في تأسيسها قد قطعت مسافة واسعة من مرحلة البدايات إلى مجتمع حديث ذي مؤسسات راسخة. وبقيت شخصية الشيخ زايد حاضرة في وجدان الإماراتيين بوصفه الوالد المؤسس، وفي تاريخ المنطقة بوصفه قائداً ربط بين الوحدة والتنمية والاستثمار في الإنسان.
ومن هنا فإن أفضل طريقة لقراءة إرثه ليست في النظر إلى الماضي باعتباره زمناً انتهى، بل في فهم المبادئ التي جعلت مشروعه قابلاً للاستمرار: الاتحاد، وبناء الإنسان، والمؤسسة، والثقة، والعمل، والمسؤولية تجاه المجتمع والبيئة. تلك هي العناصر التي منحت تجربته معناها التاريخي، وجعلت اسمه مرتبطاً ببناء دولة الإمارات الحديثة.
أسئلة شائعة حول الشيخ زايد وبناء الدولة الحديثة
متى تولى الشيخ زايد حكم أبوظبي؟
تولى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان حكم إمارة أبوظبي في 6 أغسطس 1966، بعد نحو عشرين عاماً من عمله ممثلاً للحاكم في المنطقة الشرقية انطلاقاً من العين.
ما أبرز مجالات التنمية في عهد الشيخ زايد؟
شملت التنمية التعليم والصحة والإسكان والطرق والبنية التحتية وبناء المؤسسات الإدارية، إلى جانب الزراعة والتشجير وحماية البيئة والعمل الإنساني.
متى تأسست جامعة الإمارات؟
تأسست جامعة الإمارات العربية المتحدة سنة 1976 بمبادرة من الشيخ زايد، وبدأت الدراسة فيها في العام الأكاديمي 1977/1978، لتكون أول جامعة اتحادية في الدولة.
متى توفي الشيخ زايد؟
توفي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في 2 نوفمبر 2004، بعد أن تولى رئاسة دولة الإمارات منذ قيامها سنة 1971.
المصادر والمراجع
• المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، «الآباء المؤسسون للاتحاد».
• المنصة الرسمية لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة، «تاريخ الدولة».
• مجلس الوزراء الإماراتي، «عام زايد».
• مجلس الوزراء الإماراتي، «رسالة التسامح».
• مركز جامع الشيخ زايد الكبير، «الجامع والمؤسس».
• جامعة الإمارات العربية المتحدة، مواد التعريف بتاريخ الجامعة وتأسيسها.
• هيئة البيئة – أبوظبي، مواد برنامج الشيخ زايد لإطلاق الصقور وشبكة المحميات.
• وكالة أنباء الإمارات، مواد أرشيفية عن الشيخ زايد والعين والزراعة وإرث المؤسس.
• UAE Annual Book 2018، قسم السيرة الزمنية للشيخ زايد، المنصة الرسمية لحكومة الإمارات.
• Frauke Heard-Bey, From Trucial States to United Arab Emirates, Motivate Publishing, Dubai, 2004.
• Emirates News Agency, Special tribute to Zayed, UAE Yearbook 2005.

