الزوايا المغربية: حصون الاعتدال والأمن الروحي في مواجهة التطرف، قراءة تاريخية واجتماعية في أدوار التربية الروحية والتكافل وبناء المناعة الفكرية

مقدمة:
حين تتجاوز الزاوية حدود المكان

ترتبط كلمة «الزاوية» في الذاكرة المغربية بصورة الشيخ ومجلس الذكر والضريح والموسم، غير أن تاريخ هذه المؤسسة أوسع بكثير من صورتها الطقوسية. فقد كانت الزاوية، في مراحل مختلفة، مدرسة لتعليم القرآن والعلوم، ورباطاً لإيواء المسافرين وطلبة العلم، وفضاءً لإطعام المحتاجين، وشبكةً للوساطة بين القبائل والسلطة، ومركزاً لتكوين الفرد أخلاقياً وروحياً. لذلك لا يمكن فهم حضورها في المجتمع المغربي إلا بوصفها مؤسسة مركبة تجمع بين الديني والاجتماعي والثقافي، وتتشكل وظائفها بحسب الزمان والمكان وقوة الشيخ وشبكة المريدين والموارد الوقفية المتاحة. [1][2]

واليوم، مع تصاعد خطابات الكراهية والغلو وسهولة انتشارها عبر المنصات الرقمية، يعود السؤال عن قدرة الزوايا المغربية على المساهمة في حماية الأمن الروحي وترسيخ الاعتدال. والمقصود هنا ليس تقديم التصوف باعتباره حلاً سحرياً أو بديلاً عن التعليم والعدالة والسياسات الاجتماعية والأمنية، بل بيان ما تستطيع التربية الروحية والمؤسسات المحلية الموثوقة أن تضيفه إلى مقاربة وطنية شاملة لمواجهة التطرف: معنىً متوازناً للتدين، وانتماءً اجتماعياً، وقدوةً أخلاقية، ومجالاً للحوار والتضامن.

ينطلق هذا المقال من فكرة أساسية مفادها أن الزوايا تكون أكثر قدرة على نشر الاعتدال حين تلتزم بالعلم الشرعي المعتبر، وتربط الذكر بالسلوك، وتحول المحبة إلى خدمة عامة، وتنفتح على الشباب ولغة العصر، وتعمل في تكامل مع العلماء والمدرسة والأسرة والمجتمع المدني. أما حين تنعزل عن المعرفة أو تتحول إلى مجرد طقوس مغلقة، فإن قدرتها على التأثير تتراجع مهما كان رصيدها التاريخي.

أولاً: ما المقصود بالزاوية المغربية؟

الزاوية في معناها التاريخي المغربي هي فضاء ينتظم حول شيخ أو سلسلة تربوية صوفية، ويضم عادةً مكاناً للصلاة والذكر والتعليم وإقامة الزائرين. وقد ارتبطت نشأتها بتطور الرباطات والزهد الفردي إلى مؤسسات جماعية أكثر تنظيماً، لها أورادها وآدابها وشبكاتها البشرية ومواردها. وتشير دراسات تاريخية إلى أن الزاوية لم تكن مؤسسة دينية محضة، بل حملت أبعاداً علمية وتربوية وسلوكية واجتماعية وسياسية واقتصادية، وهو ما يفسر تفاوت أدوارها من منطقة إلى أخرى. [2]

ولا ينبغي الخلط بين «الزاوية» و«الطريقة». فالطريقة هي المنهج التربوي والسلسلة الروحية والأوراد التي تجمع المريدين، أما الزاوية فهي المؤسسة أو المكان الذي يحتضن هذا النشاط. وقد تكون للطريقة الواحدة زوايا متعددة داخل المغرب وخارجه، كما قد تكون بعض الزوايا محلية التأثير، مرتبطة بقبيلة أو مدينة أو أسرة علمية.

ومن المهم أيضاً تجنب التعميم. فالزوايا المغربية لم تتخذ جميعها المواقف نفسها في التاريخ، ولم تكن دائماً على الدرجة نفسها من العلم أو الاستقلال أو التأثير. بعضُها لمع في التعليم والإصلاح والمقاومة، وبعضها انكفأ على خدمة محلية محدودة، وبعضها دخل في صراعات سياسية أو فقد جزءاً من دوره. هذه النظرة النقدية لا تنتقص من قيمتها، بل تمنع تحويل التاريخ إلى صورة مثالية غير دقيقة.

ثانياً: جذور تاريخية من الرباط إلى المؤسسة الاجتماعية

ترجع الإرهاصات الأولى للتصوف بالمغرب إلى ممارسات الزهد والعبادة التي صاحبت انتشار الإسلام، ثم تطورت تدريجياً بفعل التفاعل مع التجارب المشرقية والأندلسية. ومع أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس الهجريين، أصبحت الممارسة الصوفية أكثر تنظيماً وانتقلت من المبادرات الفردية إلى جماعات ومؤسسات لها شيوخ وأسانيد وآداب. وتوضح دراسة فاطمة الزهراء أمليد أن العصر المريني شهد توسعاً في بناء الزوايا، قبل أن تتبلور أنماط أكثر تنظيماً خلال العهد السعدي مع التجديد الجزولي والزروقي. [2]

في بداياتها، ارتبطت بعض الرباطات بحماية الثغور وإيواء المرابطين، ثم اتسعت الوظائف لتشمل التعليم وتحفيظ القرآن وخدمة الطريق وإطعام الزائرين. وبفضل الأحباس والهبات وتبرعات المريدين، استطاعت زوايا كثيرة أن تؤدي دوراً قريباً من مؤسسات الرعاية الاجتماعية في الأزمنة التي كانت فيها خدمات الدولة محدودة، خاصة في القرى والطرق الصحراوية والمناطق الجبلية.

كما أسهمت بعض الزوايا في حفظ المخطوطات وتكوين العلماء وتيسير انتقال المعرفة بين الحواضر والبوادي. ولم تكن التربية فيها منفصلة عن الحياة اليومية؛ إذ كان المقصود من صحبة الشيخ، في التصور الصوفي السني، تهذيب النفس وضبط السلوك وربط العبادة بالأمانة والتواضع وخدمة الخلق. ومن هنا تشكلت لها سلطة معنوية لا تقوم فقط على الخطاب، بل على القرب من الناس والاشتغال بمشكلاتهم.

ثالثاً: المرجعية الدينية المغربية وصناعة الاعتدال

يرتبط حضور الزوايا في المغرب بمنظومة دينية أوسع تُقدَّم عادةً في أربعة ثوابت: إمارة المؤمنين، والعقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني على نهج الإمام الجنيد. وتكمن أهمية هذه الصيغة في أنها تجمع بين وحدة المرجعية الفقهية، والتوازن العقدي، والتربية الأخلاقية، والمرجعية الجامعة للشأن الديني. وقد وصف الخطاب الرسمي المغربي هذا النموذج بأنه أساس لحماية الوحدة المذهبية وترسيخ الوسطية والاعتدال والتسامح والتعايش. [3][4]

المذهب المالكي، بما راكمه من عناية بالعرف والمصلحة ومقاصد الشريعة، يوفر أدوات للاجتهاد المنضبط داخل المجتمع. والعقيدة الأشعرية تميل إلى بناء التوازن بين النقل والنظر العقلي، بينما يركز التصوف الجنيدي على تزكية النفس مع الالتزام بالشريعة، لا على الانفصال عنها. وعندما تتكامل هذه العناصر، فإن التدين لا يختزل في أحكام مجتزأة أو شعارات صدامية، بل يصبح معرفةً وعبادةً وأخلاقاً ومسؤوليةً اجتماعية.

هذا التوازن هو النقيض المنهجي للتطرف؛ لأن الخطاب المتطرف يقوم غالباً على إلغاء التعقيد، واحتكار الحقيقة، وتقسيم الناس إلى معسكرات مغلقة، ونزع الأحكام من سياقاتها ومقاصدها. أما التربية الصوفية الرشيدة فتُعلّم محاسبة النفس قبل محاكمة الآخرين، وتربط القوة بضبط الغضب، وتضع الرحمة والتواضع في قلب التدين.

رابعاً: كيف تنشر الزوايا قيم الوسطية والاعتدال؟

1. التربية على تزكية النفس ومقاومة الغلو الداخلي

تبدأ مواجهة التطرف من الداخل؛ من الأنا التي تبحث عن التفوق المطلق، ومن الغضب الذي يتحول إلى كراهية، ومن الرغبة في امتلاك إجابات نهائية لكل شيء. ولهذا تركز مجالس التربية الصوفية على الذكر والمراقبة والتوبة والصبر ومحاسبة النفس. وهذه الممارسات، حين تُقدَّم في إطار علمي متزن، تساعد الفرد على تقليل الاندفاع والغرور الديني، وتعلمه أن صلاحه الشخصي لا يمنحه حق إذلال الآخرين.

لا تكمن قيمة الذكر في تكرار الألفاظ وحده، بل في أثره الأخلاقي: هل صار الإنسان أصدق وأرحم وأقل ظلماً؟ هذا السؤال السلوكي يضع حاجزاً أمام التدين الشكلي الذي يمكن أن يتعايش مع العنف. فالتطرف يسهل حين ينفصل الخطاب الديني عن تهذيب النفس، وحين يشعر الشخص أنه «مختار» بينما لا يراجع غضبه وأوهامه ومصالحه.

2. بناء سلطة علمية متصلة بالسند والمسؤولية

تعتمد الطرق الصوفية التقليدية على السلسلة التربوية والإذن، وهو مبدأ يمكن أن يؤدي وظيفة مهمة في مقاومة الفوضى الدينية؛ إذ يربط التلقي بشيوخ معروفين وبمسار من التعلم والصحبة، بدل أخذ الأحكام من مقطع قصير مجهول المصدر. ولا يعني ذلك عصمة الشيخ أو إغلاق باب النقد، وإنما تأكيد أن الكلام في الدين مسؤولية تحتاج إلى علم وتكوين وأخلاق.

في البيئة الرقمية، ينتشر المحتوى المتطرف لأنه سريع وحاد وعاطفي. أما العلم المتزن فيحتاج إلى سياق وتدرج. هنا تستطيع الزوايا، بالتعاون مع العلماء والمؤسسات الأكاديمية، أن تقدم للشباب معرفةً مبسطة دون تسطيح، وتكشف الفرق بين النص وتفسيره، وبين الخلاف الفقهي والتكفير، وبين الحماسة الدينية والتعدي على حقوق الناس.

3. تحويل المحبة إلى تضامن اجتماعي

التكافل ليس نشاطاً ثانوياً في تاريخ الزوايا؛ فقد اضطلعت مؤسسات كثيرة بإطعام الفقراء وإيواء المسافرين ومساعدة الأسر وطلبة العلم. وتُظهر الدراسات الاجتماعية أن قرب المتصوفة من آلام الناس ومتاعبهم كان مصدراً مهماً لمكانتهم داخل المجتمع. [5]

وتتصل هذه الوظيفة مباشرة بمواجهة التطرف. فالشاب الذي يجد شبكةً تحترمه، ومعلماً يصغي إليه، ومجالاً للتطوع وخدمة الحي، يصبح أقل عرضة للجماعات التي تستغل العزلة والمهانة والحاجة إلى الانتماء. لا تحارب الزاوية التطرف فقط بمحاضرة، بل كذلك بخلق روابط إنسانية تمنح الفرد قيمةً ودوراً ومسؤولية.

4. الوساطة وإصلاح ذات البين

امتلكت بعض الزوايا عبر التاريخ سلطة معنوية سمحت لها بالتوسط في النزاعات المحلية وتهدئة الخصومات وجمع القبائل أو الأسر على الصلح. ورغم تغير المجتمع وظهور مؤسسات قانونية حديثة، ما تزال ثقافة الوساطة وإصلاح ذات البين ذات قيمة، بشرط احترام القانون وحقوق الأطراف وعدم تحويل النفوذ الروحي إلى ضغط غير مشروع.

والصلح مدرسة في الاعتدال؛ لأنه يعلّم الاعتراف بتعدد المصالح، والبحث عن حلول وسط، وكبح الرغبة في الانتقام. وهي قيم تناقض البنية النفسية للتطرف الذي يتغذى على تصور العالم في صورة صراع صفري لا مكان فيه للتفاوض أو الرحمة.

5. ربط التدين بالهوية الوطنية الجامعة

ساهمت زوايا متعددة في ترسيخ الارتباط بالوطن وحماية وحدته، كما شارك بعضها في مقاومة التدخل الأجنبي أو دعم التعبئة الاجتماعية. وتبرز الكتابات التاريخية أن المواقف لم تكن موحدة دائماً، لكن الأكيد أن الزوايا كانت فاعلاً لا يمكن تجاهله في تشكيل الوعي الجماعي وشبكات الولاء والتضامن. [2][6]

في الحاضر، يمكن لهذا الرصيد أن يواجه محاولات الجماعات المتطرفة فصل الشباب عن تاريخهم ومجتمعهم، وإقناعهم بأن الانتماء الديني يتعارض مع الانتماء الوطني. فالنموذج المغربي يؤكد إمكان الجمع بين التدين والمواطنة، وبين الخصوصية المحلية والانفتاح على الإنسانية.

خامساً: نماذج من الزوايا والطرق ذات الإشعاع

الزاوية التجانية في فاس وامتدادها الإفريقي

تمثل الطريقة التجانية نموذجاً بارزاً للامتداد الروحي المغربي في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل. وقد اتخذ مؤسسها الشيخ أحمد التجاني مدينة فاس مقراً رئيسياً لطريقته في القرن الثاني عشر الهجري. ويؤكد الخطاب الملكي الموجَّه إلى الاجتماع الثالث لأتباع الطريقة التجانية سنة 2014 على أدوارها التاريخية في نشر الإسلام ومكارم الأخلاق والمحبة والإخاء، وعلى دعوتها المعاصرة إلى الإسهام في مواجهة التطرف والانقسام. [3]

ولا تقتصر قيمة هذا الامتداد على الجانب التعبدي؛ فهو يصنع جسوراً اجتماعية وثقافية بين المغرب وبلدان إفريقية عديدة، ويتيح للدبلوماسية الدينية لغة تقوم على الروابط التاريخية والثوابت المشتركة بدل المنافسة المذهبية الحادة.

الزاوية القادرية البودشيشية: نموذج للتربية الروحية والاعتدال

تُعد الزاوية القادرية البودشيشية من أبرز الزوايا الصوفية في المغرب، ويوجد مقرها بقرية مداغ التابعة لإقليم بركان في شرق المملكة. وهي فرع من الطريقة القادرية التي تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، وقد عرفت انتشارًا داخل المغرب وخارجه، خاصة خلال فترة الشيخ حمزة القادري البودشيشي، الذي عمل على تنظيم منهاجها التربوي وتوسيع حضورها الروحي.

وتقوم تربية الزاوية على الذكر، وتزكية النفس، وحسن الأخلاق، وتقوية روابط المحبة والتعاون بين المريدين. كما تسهم من خلال اللقاءات الروحية والندوات العلمية في نشر قيم الحوار والتسامح والسلام، وتقديم خطاب ديني يوازن بين الالتزام بالشريعة والاهتمام بالبعد الروحي والأخلاقي. ولذلك يُنظر إلى تجربتها باعتبارها نموذجًا للتصوف السني الذي يمكن أن يساهم في ترسيخ الوسطية ومواجهة خطابات التعصب والكراهية والتطرف.

الزاوية الناصرية بتمكروت: العلم والمكتبة وخدمة الطريق

تُستحضر الزاوية الناصرية بتمكروت بوصفها نموذجاً تاريخياً يجمع بين التصوف والعلم وخدمة المسافرين، كما ارتبط اسمها بخزانة علمية وتراث مخطوط مهم. ويكشف هذا النموذج أن الزاوية القوية لم تكن تعارض المعرفة، بل كانت تستمد شرعيتها من التعليم والتأليف والرحلة العلمية إلى جانب التربية الروحية.

وهذه الرسالة ضرورية اليوم: لا يمكن لمؤسسة دينية أن تواجه التطرف إن لم تجعل الكتاب والبحث والتحقق من الأخبار جزءاً من عملها اليومي. فالتطرف المعاصر يستخدم نصوصاً مبتورة ومعلومات زائفة، والرد عليه يحتاج إلى محو أمية دينية ورقمية في آن واحد.

سادساً: الزوايا ضمن المقاربة المغربية المعاصرة لمواجهة التطرف

بعد أحداث الدار البيضاء سنة 2003، شرع المغرب في إصلاح واسع للحقل الديني، وتضمن الخطاب الملكي في 30 أبريل 2004 إعادة هيكلة المجالس العلمية وتقوية التأطير الديني وتحديث آلياته. [7] ولم تكن هذه المقاربة أمنية فقط؛ بل سعت إلى تنظيم الفتوى والخطاب الديني وتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، وتعزيز المرجعية المغربية القائمة على الاعتدال.

في هذا السياق، تلتقي وظيفة الزوايا مع عمل مؤسسات أخرى مثل المجلس العلمي الأعلى، والرابطة المحمدية للعلماء، ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات، ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. ويهدف المعهد، وفق موقع وزارة الأوقاف، إلى تكوين وتأهيل الأطر الدينية وتمكينها من المناهج والمعارف اللازمة للقيام بالإمامة والإرشاد، فيما تعمل الرابطة على إنتاج أدوات علمية لتفكيك خطاب التطرف، من بينها موسوعة متخصصة في نقد مفاهيمه ومقولاته. [8][9]

أما مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة فتربط الأمن الروحي بالتعاون العلمي ونشر قيم الإسلام السمحة والوسطية وأخلاق التصوف، وتستثمر الروابط التاريخية التي صنعتها الطرق الصوفية بين المغرب وبلدان القارة. [10] وبذلك تصبح الزوايا جزءاً من منظومة متعددة المستويات: محلية عبر التربية والخدمة، ووطنية عبر توحيد المرجعية، وإفريقية عبر الشبكات الروحية والعلمية.

سابعاً: لماذا يمكن للخطاب الصوفي أن يضعف جاذبية التطرف؟

يقدم التطرف للمنخرط فيه ثلاث إغراءات قوية: تفسيراً بسيطاً لعالم معقد، وهويةً صلبةً تمنحه شعوراً بالتفوق، وجماعةً تشعره بالانتماء. ولا يكفي نفي أفكاره من الخارج؛ بل يجب تقديم بدائل تؤدي وظائف نفسية واجتماعية أفضل. وهنا يملك التصوف السني المعتدل عناصر مهمة: معنى روحي عميق، وجماعة صحبة، وتدرجاً تربوياً، وخدمةً اجتماعية، ولغةً تركز على الرحمة بدل الكراهية.

كما أن الاعتراف بضعف الإنسان ومجاهدته لنفسه يحدان من الميل إلى ادعاء الطهارة المطلقة. ويُعلّم التصوف أن الطريق إلى الله طويل، وأن الإنسان يحتاج دائماً إلى مراجعة نيته وسلوكه. هذه الفكرة البسيطة تُضعف منطق التكفير، لأن من ينشغل بإصلاح نفسه يقل اندفاعه إلى إصدار الأحكام القاطعة على الناس.

ومع ذلك، لا بد من الحذر من تحويل التصوف نفسه إلى هوية متعصبة. فحين يتحول الانتماء إلى طريقة إلى تبخيس الآخرين، تضيع روح التربية. الاعتدال الحقيقي لا يعني فقط مواجهة خصم متطرف، بل مقاومة كل أشكال الغلو، بما فيها الغلو في الشيخ أو الجماعة أو الذات.

ثامناً: التحديات التي تحد من فاعلية الزوايا اليوم

  • الفجوة مع الشباب: بعض الزوايا ما تزال تستخدم لغة ووسائل لا تجيب عن أسئلة الأجيال الجديدة، بينما ينتشر المحتوى المتطرف في فيديوهات قصيرة ومؤثرة.
  • ضعف التكوين لدى بعض المنتسبين: المكانة الروحية لا تعوض التأهيل العلمي في الفقه والعقيدة والتاريخ وعلم النفس والتواصل الرقمي.
  • خطر الفلكلرة: حين تختزل الزاوية في الموسم والطقوس، تتراجع وظيفتها التربوية والاجتماعية وتصبح جزءاً من الفرجة أكثر من كونها فضاءً للإصلاح.
  • التبعية أو التسييس: تحتاج الزوايا إلى وضوح في أدوارها وإلى حماية رسالتها الأخلاقية من الاستعمال الحزبي الضيق أو المنافسة على النفوذ.
  • الشفافية والتدبير: العمل الاجتماعي والمالي يحتاج إلى قواعد واضحة، لأن الثقة هي رأس مال المؤسسة الروحية.
  • تعقيد أسباب التطرف: البطالة والهشاشة والعنف الأسري والأمية الرقمية والأزمات النفسية والعوامل الجيوسياسية لا تُعالج بالوعظ وحده.

تؤكد بعض الدراسات النقدية الحديثة أن دعم التصوف ضمن السياسة الدينية المغربية لا يخلو من أسئلة تتعلق بعلاقة الدين بالدولة وبحدود الاستقلال المؤسسي. [11] وإدراج هذه الملاحظات ضروري لمقال متوازن؛ ففاعلية الزوايا لا تقاس بكثرة المديح، بل بقدرتها الفعلية على إنتاج المعرفة وخدمة الناس واحترام القانون وبناء مواطن متزن.

تاسعاً: كيف يمكن تجديد دور الزوايا في مواجهة التطرف؟

  1. إحداث برامج منتظمة للشباب تجمع بين التربية الروحية، والقراءة، والتطوع، والرياضة، والفنون الهادفة، والمهارات الرقمية.
  2. تكوين المشرفين في علم النفس والتواصل وحماية الطفولة ورصد مؤشرات الاستقطاب المتطرف، مع إحالة الحالات المعقدة على المختصين.
  3. إنتاج محتوى رقمي قصير وموثوق يشرح المفاهيم الدينية بلغة هادئة، ويفكك الشبهات دون سبّ أو تحقير أو تضخيم.
  4. إحياء وظيفة المكتبة والدرس العلمي داخل الزوايا، وربطها بالجامعات والمجالس العلمية والباحثين.
  5. توسيع مبادرات التكافل لتشمل الدعم المدرسي والتوجيه المهني ومساعدة الأسر، حتى تصبح المحبة أثراً ملموساً في حياة الناس.
  6. اعتماد الشفافية في التدبير المالي والاجتماعي، ونشر تقارير مختصرة عن الأنشطة والخدمات والمستفيدين.
  7. تشجيع الحوار بين الزوايا وباقي مكونات المجتمع الديني والثقافي، وتربية المريدين على احترام الاختلاف المشروع.
  8. تقييم البرامج بمؤشرات واضحة: عدد الشباب المشاركين، استمرارية التطوع، جودة المحتوى، أثر الوساطة، والشراكات التعليمية والاجتماعية.

عاشراً: الزوايا والأمن الروحي في إفريقيا

لا ينحصر إشعاع الزوايا المغربية داخل الحدود الوطنية. فالطرق التجانية والقادرية وغيرها صنعت على مدى قرون طرقاً للعلم والتجارة والزيارة بين المغرب وغرب إفريقيا. وقد تحولت هذه الروابط في العصر الحديث إلى رصيد للدبلوماسية الدينية، خاصة مع تكوين أئمة وطلبة من بلدان إفريقية، وتنسيق العلماء عبر مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة.

تتمثل قوة هذا البعد في أنه يقدم التعاون الديني من داخل المشترك التاريخي، لا باعتباره نموذجاً مفروضاً من الخارج. فالعديد من المجتمعات الإفريقية تعرف المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتقاليد الصوفية، ولذلك يمكن أن يكون الحوار حول الاعتدال امتداداً لذاكرة مشتركة. ويؤكد ميثاق العلماء الأفارقة على نبذ التطرف والغلو وتشجيع الوسطية والاعتدال وأخلاق التصوف والتضحية والعطاء. [10]

لكن النجاح يتطلب احترام خصوصيات كل بلد وعدم استعمال الدين بديلاً عن التنمية. فالأمن الروحي يزدهر حين يرافقه تعليم جيد وفرص للشباب ومؤسسات عادلة. الروابط الصوفية تستطيع بناء الثقة، أما معالجة الأزمات المركبة فتحتاج إلى سياسات عامة وتعاون دولي طويل النفس.

خاتمة: الاعتدال ممارسة يومية لا شعار موسمي

تكشف تجربة الزوايا المغربية أن مواجهة التطرف لا تبدأ فقط من المنابر الكبرى أو المؤسسات المركزية، بل تبدأ أيضاً من الفضاءات الصغيرة التي يتعلم فيها الإنسان كيف يضبط غضبه، ويخدم جاره، ويحترم المختلف، ويبحث عن العلم قبل الحكم. لقد أسهمت الزوايا تاريخياً في التعليم والتكافل والوساطة وحفظ الذاكرة الدينية، وما يزال بإمكانها أن تؤدي دوراً مهماً في بناء المناعة الفكرية والأخلاقية.

غير أن الرصيد التاريخي وحده لا يكفي. فالزاوية المعاصرة مطالبة بأن تجمع بين أصالة التربية وجرأة التجديد، وبين الذكر والمعرفة، وبين الروحانية والشفافية، وبين خدمة المريد وخدمة المجتمع كله. كما أن مواجهة التطرف لا تنجح بتجميل صورة طرف أو شيطنة طرف آخر، بل ببناء إنسان قادر على التفكير، ومتصالح مع دينه ووطنه، ومحصن ضد الكراهية والتلاعب.

بهذا المعنى، لا تكون الزوايا حصوناً للاعتدال بسبب أسمائها أو قدمها، وإنما بما تنتجه فعلاً من علم وأخلاق ورحمة وتضامن. وحين تتحول هذه القيم إلى برامج للشباب، ومبادرات اجتماعية، ومحتوى معرفي، وشبكات للحوار داخل المغرب وإفريقيا، فإنها تساهم في مواجهة التطرف من جذوره: الجهل والعزلة وفقدان المعنى وانهيار الثقة.

المصادر والمراجع

[1] فاطمة الزهراء أمليد، «جوانب من تاريخ الزوايا بالمغرب»، مجلة المعرفة، العدد 11، دجنبر 2023. رابط المصدر

[2] عبد الله التليدي وآخرون، دراسات في نشأة الزوايا ووظائفها الدينية والاجتماعية بالمغرب؛ وانظر كذلك دراسة «الزاوية بين الديني والاجتماعي والسياسي»، مجلة Lixus، 2022. رابط المصدر

[3] البوابة الرسمية للمملكة المغربية، رسالة أمير المؤمنين إلى المشاركين في الاجتماع الثالث لأتباع الطريقة التجانية بمدينة فاس، 14 ماي 2014. رابط المصدر

[4] الرابطة المحمدية للعلماء، «التصوف المغربي: نماذج من التفاعل الإيجابي»، 6 ماي 2015. رابط المصدر

[5] مجلة Lixus، «الزاوية بين الديني والاجتماعي والسياسي»، 2022. رابط المصدر

[6] الحادك، «الزوايا والطرق الصوفية في المغرب: العلاقة مع المخزن والمستعمر»، 2014. رابط المصدر

[7] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، خطاب 30 أبريل 2004 حول إعادة هيكلة الحقل الديني. رابط المصدر

[8] وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات: الاختصاصات والأهداف. رابط المصدر

[9] الرابطة المحمدية للعلماء، موسوعة تفكيك خطاب التطرف، الجزء الأول، 2021؛ والأجزاء اللاحقة، 2024. رابط المصدر

[10] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، «ميثاق العلماء الأفارقة»، 2023، وأهداف المؤسسة. رابط المصدر

[11] Mouad Faitour, “Morocco’s Distinctive Islam at a Crossroads: The State’s Management of Religious Affairs,” Religions, 15(10), 2024. رابط المصدر

[12] Nadia Ouassini, “Resisting Extremist Ideologies: Counterterrorism, Women, and Religious Reform in Morocco,” African Journal of Criminology and Justice Studies, Vol. 13, 2020. رابط المصدر

كتب بواسطة

كوكب المعرفة

كاتب في كوكب المعرفة، يقدّم محتوى عربيًا منظمًا وسهل القراءة.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *