ملخص الدراسة
تبحث هذه الدراسة مظاهر التماسك الاجتماعي في الأسر الإماراتية من خلال قراءة سوسيولوجية تجمع التحليل النظري بالنتائج المنشورة لدراسات ميدانية محلية وبالمؤشرات الرسمية والسياسات الاجتماعية حتى سبتمبر 2026. وتنطلق من تصور التماسك باعتباره قدرة العلاقات الأسرية على إنتاج الثقة والانتماء والدعم والتعاون وإدارة الخلافات، لا مجرد استمرار الشكل العائلي أو ارتفاع عدد الزيارات. وتدرس التضامن العاطفي والمادي، وصلات القرابة، والتواصل بين الأجيال، والتنشئة القيمية، والمسؤولية المشتركة، والممارسات الدينية والاجتماعية، وشبكات المساندة الرقمية والمؤسساتية.
وتضع هذه المظاهر في سياق التمدن والتعليم وعمل المرأة والتنقل المهني وارتفاع كلفة بعض متطلبات الحياة وتحول الاتصال اليومي. وتستفيد بصورة خاصة من دراسة رأس المال الاجتماعي في أسر مدينة كلباء المنشورة سنة 2025، ومن نتائج استبانة جودة الحياة في أبوظبي لعام 2025 المعلنة سنة 2026، مع بيان الحدود الجغرافية والمنهجية لكل مصدر. وتخلص إلى أن قوة الأسرة تتحدد بتفاعل الموارد العائلية والمؤسساتية وبنوعية المشاركة والإنصاف بين أعضائها، وأن استدامة روابطها تتطلب تجديد آليات التضامن بما يلائم شروط الحياة المعاصرة.
الكلمات المفتاحية: التماسك الاجتماعي؛ الأسرة الإماراتية؛ التضامن الأسري؛ رأس المال الاجتماعي؛ القرابة؛ التنشئة الاجتماعية؛ التغير الاجتماعي؛ التوازن بين العمل والأسرة.
مقدمة: الأسرة الإماراتية بوصفها شبكة علاقات ومؤسسة اجتماعية
تحتل الأسرة في دولة الإمارات العربية المتحدة موقعاً محورياً في التنشئة الاجتماعية وتشكيل الانتماء وتوزيع واجبات الرعاية وتبادل المساندة. ويتجسد حضورها في العلاقات المباشرة بين الزوجين والأبناء، وفي روابط الآباء والأجداد والإخوة والأقارب، وفي امتداد تلك الروابط نحو الحي والمجالس والمؤسسات التعليمية والدينية والمبادرات المجتمعية. ولكل مستوى وظيفة مختلفة: فالألفة اليومية تصنع الثقة، والقرابة توفر شبكة استجابة في الملمات، والمؤسسات تنشئ شروطاً تساعد هذه العلاقات على الاستمرار. ويتطلب تحليل التماسك فصل هذه المستويات قبل إعادة وصلها، حتى لا تختزل الأسرة في صورة منزل يجمع أفراداً أو في قائمة قيم معلنة لا نعرف كيف تمارس فعلياً.
شهد المجتمع الإماراتي خلال العقود الماضية تحولات اقتصادية وعمرانية وتعليمية ومهنية غيّرت إيقاع العيش وأساليب السكن والعمل والاتصال. وقد تتخذ الأسرة المعاصرة شكلاً سكنياً أصغر من الأسرة الممتدة، مع استمرار حضور الأقارب في قراراتها ومناسباتها ومساندتها. ويعيش بعض أفراد العائلة في إمارات مختلفة أو خارج الدولة، بينما تتوزع ساعات عمل الوالدين وأوقات دراسة الأبناء على جداول كثيفة. لا تحسم هذه التغيرات بذاتها قوة الروابط أو ضعفها؛ فالسؤال السوسيولوجي هو كيف تتكيف الممارسات القديمة وكيف تتشكل ترتيبات جديدة لتوفير الرعاية وصيانة المعنى المشترك.
يضيف السياق الراهن سبباً مباشراً لإعادة النظر في هذه المسألة. فقد اعتمدت الدولة سنة 2018 سياسة وطنية للأسرة [1] تضع الاستقرار والتماسك والتوازن في الأدوار ضمن أهدافها ومحاورها، ثم خصصت سنة 2025 للمجتمع [2]، وأعلنت سنة 2026 عاماً للأسرة [3] في سياق أجندة وطنية لنمو الأسرة حتى 2031. تمثل هذه الوثائق تعبيراً عن الأولويات الرسمية والبرامج المزمع تنفيذها، وتحتاج آثارها الاجتماعية إلى قياس مستقل؛ فهي دليل على اتجاه السياسة العامة وليست برهاناً تلقائياً على تحقق أهدافها لدى جميع الأسر.
ويؤكد اتساع الحقل البحثي الخليجي ضرورة النظر إلى الأسرة من عدة زوايا متكاملة؛ فقد حلل فصل أكاديمي منشور سنة 2025 ما مجموعه 72 مقالة مفهرسة عن أسر دول الخليج، ووجد أن موضوعات البحث تشمل الأبوة والتقنية والرعاية والصحة والخصوبة والعمل والعلاقات والقانون. يفيد هذا المسح في تحديد مجالات المقارنة والأسئلة الناقصة، بينما لا يجوز نقل خلاصاته الإقليمية مباشرة إلى كل إمارة أو معاملتها بوصفها بيانات وطنية إماراتية. [20]
أولاً: إشكالية الدراسة وأهدافها ومنهجها
تتمحور الإشكالية حول سؤال رئيس: ما المظاهر التي تكشف التماسك الاجتماعي في الأسر الإماراتية، وكيف تسهم القرابة والثقة والدعم المتبادل والمؤسسات والطقوس المشتركة في إنتاجه وإعادة إنتاجه في ظل التحولات المعاصرة؟ وتتفرع عنه أسئلة عن وزن التضامن المعنوي قياساً بالدعم المالي، وعن علاقة التواصل بين الأجيال بنقل القيم، وعن تأثير العمل والتقنية في الحضور الأسري، وعن الفروق بين تماسك الأسرة بوصفه تجربة معيشة وتماسكها بوصفه هدفاً للسياسة الاجتماعية.
تهدف الدراسة إلى بناء تعريف إجرائي قابل للفحص، ورصد مظاهر التماسك ومحدداتها، وقراءة ما تسمح به المعطيات المحلية المنشورة من نتائج، ثم اقتراح مؤشرات تساعد الباحثين والمؤسسات على قياس الجودة الفعلية للعلاقات. وهي مراجعة سوسيولوجية تحليلية مكتبية تستند إلى اختيار مقصود لمراجع أكاديمية منشورة ومصادر حكومية أولية؛ وليست مراجعة منهجية شاملة لكل الإنتاج البحثي، ولا تحليلاً تلوياً، ولا مسحاً أصلياً أو مقابلات أجراها معدّ المقال. وتُفصل الأدلة الميدانية القائمة على عينات محددة عن الأدبيات النظرية وعن الوثائق الحكومية التي تصف أهداف البرامج أو تصميمها. لذلك تُنسب الأرقام دائماً إلى مصادرها وإلى مناطق الدراسة وفتراتها، ويجري الفصل بين الوصف التجريبي والاستنتاج النظري والتوصية العملية.
يشير وصف «الأسر الإماراتية» هنا أساساً إلى أسر المواطنين الإماراتيين، مع الاستعانة المحدودة باستطلاعات تشمل المواطنين والمقيمين عند تحليل البيئة المجتمعية الأوسع. وتبقى هذه نقطة منهجية حاسمة: نتائج استبانة في أبوظبي بين جميع السكان لا يصح عرضها بوصفها نسبة وطنية خاصة بالمواطنين، كما أن عينة من كلباء لا تختزل التنوع بين المدن والإمارات والفئات العمرية ومستويات الدخل. ولا تُقارن مؤشرات الرضا المتباينة في صيغ الأسئلة والعينات وكأنها اختبار موحد للتماسك.
ثانياً: مفهوم التماسك الاجتماعي وتمييزه عن استقرار الشكل الأسري
يقصد بالتماسك الاجتماعي منظومة الروابط والقواعد والتوقعات والثقة والتعاون التي تجعل أعضاء جماعة ما قادرين على الاستمرار في العلاقة ومواجهة المشكلات والعمل المشترك. وعندما يُطبق على الأسرة، يشمل شعور الفرد بأنه مرئي ومحترم وله مكان آمن يلجأ إليه، واستعداده في الوقت نفسه للإسهام في رعاية الآخرين. وتوجد مؤشرات سلوكية إلى جانب المؤشرات الوجدانية: انتظام السؤال والتواصل، وتقديم المساعدة عند الحاجة، والتفاوض حول المسؤوليات، والاحتكام إلى أساليب منصفة لحل الخلاف، وتوفير وقت مشترك ذي جودة.
يختلف التماسك عن مجرد الإقامة في مسكن واحد، وعن بقاء رابطة الزوجية من الناحية القانونية، وعن الطاعة الظاهرية. فقد يعيش الأقارب متباعدين جغرافياً وتظل المساندة بينهم حاضرة، وقد يتقاسم أشخاص المنزل نفسه مع ضعف الإصغاء أو اختلال العدالة في توزيع الأعباء. ويستدعي التحليل أيضاً تمييز «التلاحم» بوصفه إحساساً بالانتماء الجمعي من «التضامن» بوصفه استعداداً عملياً للمساعدة، و«الاستقرار» بوصفه استمراراً نسبياً لمؤسسة الأسرة أو توقعات الحياة فيها. تتداخل الأبعاد الثلاثة لكنها ليست مترادفات قابلة للاستبدال.
لا يقاس التماسك بخلو الأسرة من الخلاف؛ فاختلاف المصالح والأذواق ووجهات النظر نتيجة عادية لتعدد الأعمار والأدوار. المعيار الأهم هو طريقة إدارة الاختلاف: هل يسمح للأعضاء بالتعبير عن احتياجاتهم؟ هل توزع الموارد والتضحيات بتوافق وعدالة؟ وهل يستطيع الطفل أو كبير المواطنين طلب العون بلا إذلال؟ وتساعد هذه الأسئلة في التمييز بين التضامن الذي يعزز استقلال الفرد وانتماءه وبين ضغوط اجتماعية قد تُخفي معاناة داخل صورة خارجية متماسكة.
ثالثاً: الإطار النظري: من التضامن الاجتماعي إلى رأس المال العائلي
قدم إميل دوركايم في «تقسيم العمل الاجتماعي» تمييزاً تحليلياً بين تضامن ينشأ من التشابه وتقاسم المعتقدات، وتضامن يتولد من الاعتماد المتبادل بين وظائف متخصصة. ويمكن توظيف هذا التمييز لفهم الأسر الإماراتية من دون توزيعها آلياً بين «تقليدية» و«حديثة»: فالقيم الجامعة وصلة القرابة تساند التضامن، بينما يبرز الاعتماد المتبادل في تعاون الأبوين العاملين والأبناء والأجداد والمؤسسات الصحية والتعليمية. ويُفهم التماسك حينئذ بوصفه تركيباً بين المشترك القيمي والتنسيق العملي للأدوار، لا مفاضلة بين نموذجين مغلقين.
أما فرديناند تونيز فيساعد تمييزه بين الجماعة القائمة على العلاقات الشخصية المباشرة والروابط التنظيمية التعاقدية على تصور انتقال بعض وظائف الأسرة إلى المدرسة والسوق والدولة. فكلما توسعت المؤسسات الخدمية، تغيرت الطريقة التي تؤدي بها القرابة أدوارها، وبقيت إمكانية أن تدعم الخدماتُ العلاقة الأسرية بدلاً من أن تحل محلها. وتبرز أهمية هذا المنظور عند بحث الرعاية الصحية أو حضانات الأطفال أو الإسكان، إذ تتصل جودة التضامن العائلي بوجود ترتيبات مؤسسية تعين الأسرة على الوفاء بالتزاماتها.
يقدم جيمس كولمان مفهوماً أكثر قرباً من أدوات الدراسة: رأس المال الاجتماعي المتحقق من شبكات الالتزام والتوقعات والثقة وقنوات المعلومات والقواعد المشتركة. داخل العائلة يمكن أن يصبح اتصال الجد بالأحفاد، وتبادل المعرفة عن فرص العمل أو الدراسة، والثقة بين الإخوة عند الطوارئ موارد تيسر الفعل. لكنه رأس مال يحتاج إلى صيانة، لأن عضوية الشبكة لا تضمن المساعدة بالتساوي للجميع. وتدل دراسة كولمان المرجعية سنة 1988 على أهمية البيئة العائلية والمجتمعية في إنتاج موارد تفيد الأفراد، من دون اختزال كل منفعة في المال. [4]
ويتيح روبرت بوتنام التمييز بين رأس مال رابط يقوي الصلات داخل الجماعة، ورأس مال جسري يصلها بجماعات أخرى. فالأسر التي تعتني بصلاتها الداخلية قد تساعد أعضاءها على الصمود، بينما تفتح علاقاتها بالمجتمع المدني والمدرسة والعمل فرصاً إضافية وتحد من انغلاق الشبكات. وتُستخدم هذه الثنائية أداةً للمقارنة النظرية، لا نتيجةً مثبتة عن جميع الأسر الإماراتية. [23] ويساعد منظور التبادل الاجتماعي، عند تطبيقه بحذر، في فهم أن الرعاية اليومية تقوم على تبادل غير متزامن: يدعم الآباء أبناءهم في الصغر، ويساند الأبناء والديهم مع تقدم العمر، وقد يقدم أحد الإخوة مساعدة مالية ويعوض الآخر بالمرافقة أو الوقت.
ويقدم نموذج بنغتسون وروبرتس للتضامن بين الأجيال تمييزاً بين ستة أبعاد مترابطة: انتظام التواصل، والمودة، والتوافق، وتبادل الموارد، والمعايير التي تشكل توقعات المسؤولية العائلية، والفرص البنيوية التي تسمح باللقاء. ويحول هذا التفصيل سؤال «هل تزور أسرتك؟» إلى أسئلة أعمق عن سبب الزيارة وطبيعة الدعم وإمكان التواصل عند الحاجة. وقد صيغ النموذج في سياق أبحاث الأسر المتقدمة في العمر خارج الإمارات؛ ومن ثم تستخدم أبعاده هنا إطاراً تحليلياً يحتاج إلى تكييف واختبار ميداني محلي، وليس قياساً سبق تطبيقه على جميع الأسر الإماراتية. [22]
رابعاً: الخصوصية التاريخية والاجتماعية لشبكات القرابة الإماراتية
تشكلت صلات الأسر في الإمارات ضمن بيئات ساحلية وواحات ومجتمعات زراعية وتجارية وصحراوية، امتزجت فيها علاقات السكن والعمل والقرابة والتعاون. وقد أسهمت ظروف التنقل والتجارة والأنشطة الاقتصادية المتنوعة في جعل الثقة والسمعة والمساعدة المتبادلة ذات قيمة عملية إلى جانب معناها الأخلاقي. يتعين تجنب تصوير تاريخ المجتمع قالباً واحداً؛ فاختلاف البيئات والموارد وأنماط المعيشة أنتج تنوعاً في البنيات الأسرية، كما أن الروابط المكانية لا تفسر وحدها جميع العلاقات الاجتماعية.
تمثل الأسرة الممتدة شكلاً مهماً للقرابة، لكنها مفهوم يتجاوز سكن الأجيال تحت سقف واحد. فقد يعيش الأبناء في منازل مستقلة مع بقاء الزيارات المنتظمة، وتقاسم النفقات عند الحاجة، وتدخل الأقارب في الرعاية المتوافق عليها، والمشاركة في المناسبات. ويؤكد ذلك ضرورة التفريق بين «البنية السكنية» و«الشبكة الفعلية»: الأولى تُظهر من يعيش مع من، والثانية تكشف من يقدم العون ولمن، وكم مرة، وبأي صورة، وكيف يقيّم الأعضاء تلك المساندة.
تتغير العلاقات مع التعليم والعمل والانتقال من منطقة إلى أخرى واختلاف أعمار الأجيال. وقد تتيح الموارد الحديثة استقلال السكن والقرار وتحسين الخصوصية، فيما يخلق التباعد الجغرافي عبئاً تنظيمياً على الزيارة والرعاية. لذلك تتجدد صلة القرابة حين تتحول إلى اتفاقات واضحة حول أوقات اللقاء ومساعدة الوالدين ورعاية الأطفال، عوض الاعتماد على القرب المكاني القديم وحده. إن التماسك في هذه الحالة فعل اجتماعي يُعاد ترتيبه، وليس خاصية جامدة موروثة من الماضي.
خامساً: الدعم العاطفي والثقة والشعور بالأمان داخل الأسرة
يتجسد المظهر الأول للتماسك في قابلية العلاقات العائلية لتقديم الأمان النفسي والإصغاء والطمأنة عندما يواجه الفرد خسارة أو امتحاناً أو مرضاً أو قراراً مصيرياً. وتتشكل الثقة من خبرات متراكمة: حفظ السر، والوفاء بالوعود، والحضور عند الحاجة، والاعتراف بالمشاعر حتى عند الاختلاف. ويمكن أن يتمثل الدعم في حديث قصير صادق أو مرافقة إلى موعد أو تخفيف مهمة منزلية؛ فقيمته الاجتماعية تُقاس بملاءمته لحاجة المتلقي، لا بارتفاع كلفته الظاهرة.
تقدم دراسة رأس المال الاجتماعي في الأسرة الإماراتية بمدينة كلباء اختباراً لهذه الفكرة: بحثت سلمى محمد الدرمكي ومحمد الحوراني رأس المال الاجتماعي في الأسرة الإماراتية بمدينة كلباء في إمارة الشارقة، ونشرا النتائج سنة 2025. استعملا استبانة من 32 مؤشراً موزعة على خمسة أبعاد، على عينة بلغت 234 مواطناً من المدينة. وأظهرت النتائج ارتفاعاً في الثقة والارتياح والمساندة العاطفية، إلى جانب حضور التواصل والتفاعلات التضامنية. وهذه نتيجة محلية مهمة تؤيد اعتبار الدعم الوجداني مورداً أساسياً للروابط العائلية، مع بقاء حدود العينة المكانية واضحة. [5]
يمتد البعد العاطفي إلى العلاقة الزوجية وعلاقة الآباء بالأطفال والأخوة معاً. فالتعاطف الزوجي يخلق لغة مشتركة لمعالجة ضغوط اليوم، والتفاعل الهادئ مع الأطفال يعزز شعورهم بالانتماء، وتبادل الاهتمام بين الإخوة يحول القرابة من صلة اسمية إلى علاقة ذات تاريخ وممارسة. وتتفاوت وسائل التعبير بين الأجيال؛ فقد يغلب على بعض الكبار الدعم العملي، بينما ينتظر بعض الشباب لغة مباشرة للاعتراف والتقدير. ويساعد الوعي بهذا التنوع في قراءة صمت أحد الأطراف قراءة أدق والسؤال عما يحتاجه فعلياً.
سادساً: التضامن المادي وتقاسم المخاطر بين الأقارب
تشكل المساندة المادية أحد وجوه التماسك: قرض عائلي طارئ، أو مساهمة في نفقات علاج أو تعليم، أو مساعدة شاب في بداية حياته، أو تعاون في تجهيز مسكن، أو توفير رعاية مجانية تقلل العبء المالي. ومثل هذه الممارسات تُظهر وظيفة الشبكة العائلية في مواجهة المخاطر التي قد تتجاوز قدرة الفرد وحده. ويمكن أن يؤدي الدعم العملي، كتوصيل كبير في السن إلى المستشفى أو الاعتناء بالأطفال أثناء عمل والديهم، قيمة اقتصادية فعلية حتى إن لم يجر تبادل المال مباشرة.
تكشف دراسة كلباء المذكورة فائدة التمييز بين مجالات التضامن بدلاً من دمجها في درجة واحدة؛ إذ سجل بُعد المساعدة المالية متوسطاً بلغ 4.66 وفق مقياس الدراسة، ووصفه الباحثان بالمستوى المتوسط، في مقابل متوسط مرتفع للتبادلات المعنوية بلغ 5.15، وللتفاعلات التضامنية بلغ 5.07، وللتواصل والتشابك العائلي بلغ 5.15. لا تُقرأ هذه القيم من دون معرفة أداة القياس وسياق العينة، لكنها تبين أن وفرة المودة لا تساوي آلياً وفرة القدرة على تقديم المال. [5]
تختلف قدرة الأسرة على المساندة تبعاً للدخل وحجم الالتزامات الصحية والسكنية وعدد المعالين. وقد يرتفع الطلب على الدعم المالي مع المناسبات أو الأزمات، وقد تصعب مساعدته على صاحب الموارد المحدودة رغم استعداده الوجداني. ومن ثم يتعين قراءة مستوى التضامن المالي من جهتي الحاجة والقدرة معاً، دون تحويل انخفاض التحويلات المالية إلى حكم أخلاقي على أفراد الأسرة. ويعزز التنظيم الواضح للمساعدة، والاتفاق على طبيعتها وحدودها، الثقة ويحد من المنازعات التي تنشأ عندما تختلط الهبة بالقرض أو المساندة بالتدخل في القرار الشخصي.
سابعاً: صلة الرحم والزيارة والمناسبات بوصفها بنية تواصل
تمنح الزيارات العائلية، والسؤال عن الأقارب، والمشاركة في مناسبات الزواج والولادة والنجاح والعزاء، فرصاً لتجديد المعرفة المتبادلة وتوزيع الانتباه على الأعضاء الذين قد تقل رؤيتهم خلال أيام العمل. ويكتسب اللقاء قيمته من انتظامه وإتاحته للحديث وملاحظة الاحتياجات غير المعلنة. وقد تعمل المناسبات الكبرى بوصفها نقاط التقاء لشبكات واسعة، بينما تتولى اللقاءات الصغيرة مهمة بناء الحميمية والتفاهم اليومي. يتكامل المستويان حين يجد الفرد من يرافقه في الفرح والشدة معاً.
توضح سوسيولوجيا الطقوس أن الاجتماع المتكرر يصنع ذاكرة جمعية ويعيد تأكيد التوقعات المتبادلة. وفي السياق الإماراتي قد تؤدي الموائد العائلية ومجالس الأقارب والزيارات في الأعياد ورمضان هذه الوظيفة، وفق اختلاف الأسر وظروفها. ويستطيع اللقاء أن يجمع ثلاثة أجيال في مكان واحد فتنتقل القصص والخبرات وأساليب المخاطبة وتتجدد مكانة الكبار في الذاكرة الحية. غير أن الدور التضامني للزيارة يقتضي أن تكون مناسبة للتواصل الحقيقي لا مجالاً حصرياً للمراقبة الاجتماعية أو المنافسة في الإنفاق والمظاهر.
ترتبط صلة الرحم أيضاً بالمسافات والوقت والعمل والقدرة الصحية؛ لذلك تزداد أهمية تنظيم اللقاءات والتناوب في استضافة الأسرة وتوفير أشكال اتصال بديلة عندما تستحيل الزيارة. ويمكن للأسرة أن تقيم روتيناً بسيطاً، مثل لقاء شهري ومكالمة أسبوعية وتواصل مرن عند الحالات الطارئة. والتقييم العلمي لمثل هذه الممارسات يحتاج إلى سؤال المشاركين عن تواتر الزيارة وجودتها ومدى رضاهم، لا عن الاعتقاد العام بأهمية الزيارة وحده.
ثامناً: التواصل بين الأجيال وانتقال القيم والخبرة
العلاقات بين الأجداد والآباء والأطفال ليست مجرد تسلسل أعمار، بل قناة لنقل الذاكرة العائلية والخبرة العملية واللغة وأساليب التعاطف والتعامل مع المحيط. ويروي كبار المواطنين للأحفاد خبراتهم في التعليم والعمل وبناء الدولة وتغير الحياة اليومية، فيجد الأطفال سياقاً لمعنى الانتماء يتجاوز المعلومات المجردة. وفي الاتجاه المقابل ينقل الصغار إلى الكبار مهارات رقمية وخبرات مدرسية وأسئلة جديدة، فيتحول التواصل إلى تبادل بدلاً من الاقتصار على تعليم أحادي الاتجاه.
يرتبط هذا البعد بالسياسة الوطنية لكبار المواطنين التي أطلقت سنة 2018، وتتضمن محاور التواصل المجتمعي والحياة النشطة والمشاركة المدنية إلى جانب الصحة والاستقرار المالي والأمن. كما تدرج استراتيجية أبوظبي لجودة حياة الأسرة مشاركة كبار المواطنين وتعزيز روابطهم ضمن مجالاتها الخمسة. وتظهر هنا صورة التضامن حين تلتقي الرعاية الأسرية بخدمات تضمن الكرامة والاستقلال والمشاركة الفعلية. وهذه البرامج تعلن المقاصد والتصميم المؤسسي، بينما يحتاج تحديد أثرها الفعلي إلى بيانات متابعة قابلة للفصل بحسب العمر والجنس ونمط الأسرة. [6][7]
يحتاج التفاعل بين الأجيال إلى مساحة تقبل اختلاف أنماط التعبير والتوقعات. فقد يفضل كبار السن التواصل المباشر، بينما يميل بعض الشباب إلى الرسائل الصوتية والصور اليومية، وقد تختلف التصورات بشأن الاستقلال السكني أو التخصص الدراسي أو توقيت الزواج. وتزداد متانة العلاقة عندما يتمكن كل طرف من شرح منطقه والاستماع إلى الآخر، وحين يُنظر إلى خبرة الكبار بوصفها مورداً محترماً وإلى صوت الشباب بوصفه شريكاً في بناء مستقبل الأسرة. ويمكن للمشاركة في نشاط تطوعي أو مشروع عائلي أو رحلة مشتركة أن تحول هذا الاعتراف إلى ممارسة متبادلة.
تاسعاً: اللغة العربية والذاكرة العائلية وبناء الهوية المشتركة
تعمل اللغة داخل الأسرة بوصفها وسيلة للتواصل وحافظة للأسماء والتجارب والتعبيرات الحميمة. ويتعرف الطفل من خلال الحديث مع والديه وأجداده إلى مفردات القرابة وأساليب التحية وطرائق الحكاية والاعتذار والمواساة. وللّهجة الإماراتية حضور في إنشاء الألفة ونقل تفاصيل الحياة المحلية، بينما تفتح العربية الفصحى آفاق القراءة والتعلم والتواصل في المجال الثقافي الأوسع. والغاية السوسيولوجية من الاهتمام باللغة هي فهم علاقتها بالمشاركة والذاكرة، مع الإقرار بإمكان تعدد اللغات والمهارات داخل المنزل الواحد.
تُظهر أدبيات «السياسة اللغوية للأسرة» أن اختيار اللغة المستخدمة بين أفراد المنزل يتداخل مع العاطفة والتنشئة والخيارات التربوية، وأن ممارسات الحوار اليومي قد تكون أقدر على كشف هذه العلاقة من الاكتفاء بسؤال عن اللغة المفضلة. درست كارْبافا سنة 2022 هذا التداخل لدى أسر مهاجرة ناطقة بالروسية وأسر متعددة اللغات في قبرص؛ وهي حالة مقارنة تساعد في صياغة أسئلة بحثية عن اللغة والعلاقة بين الأجيال، وليست عينة إماراتية ولا دليلاً على حجم أثر العربية في أسر المواطنين. وفي الحالة الإماراتية يلزم قياس فرص التواصل الفعلي بين أفراد الأسرة وملاحظة اختلاف الترتيبات اللغوية قبل تقديم استنتاجات محلية أو سببية. [8]
تُختبر وظيفة اللغة عملياً بسؤال الأسر عن فرص الحوار بالعربية وتبادل القصص ومدى شعور الأطفال بأنهم يفهمون كبارهم ويستطيعون شرح خبراتهم لهم. وقد تتنوع ممارسات الأسرة تبعاً للمدرسة والعمل والاحتكاك اللغوي بالمحيط؛ لذلك تؤدي الأنشطة المشتركة، كالقراءة والحكاية والزيارة، دوراً في إبقاء العلاقة بين اللغة والانتماء علاقة يومية متجددة. ويمكن لتسجيل الروايات العائلية بإذن أصحابها، أو دعوة الأجداد إلى الحديث مع الصغار عن خبراتهم، أن يخلق مادة مشتركة تتجاوز التوجيه المباشر إلى المشاركة في صناعة الذاكرة.
عاشراً: الزواج والشراكة الزوجية والتفاوض حول الأدوار
تبدأ أشكال عديدة من التماسك الأسري من العلاقة بين الزوجين وما تتيحه من تعاون في القرارات الكبيرة والصغيرة. ولا تتحقق الشراكة بالاتفاق على كل شيء، بل بتوفر قواعد عملية لإدارة الموازنة بين الدخل والإنفاق وتربية الأبناء ومسؤوليات المنزل وعلاقات الأقارب والوقت الشخصي. فإذا فُصلت المسؤوليات دون تفاهم، قد يشعر أحد الطرفين بأن مساهمته غير معترف بها؛ أما حين تصاغ التوقعات بوضوح وتراجع مع تغير ظروف العمل أو ميلاد طفل، تصبح المسؤولية المشتركة مصدراً للاستقرار.
أدرجت السياسة الوطنية للأسرة المعتمدة سنة 2018 «التوازن في الأدوار» إلى جانب الزواج والعلاقات الأسرية ورعاية الأطفال وحماية الأسرة في محاورها الستة. ويظهر اختيار هذا المحور اعترافاً مؤسسياً بأن الاستقرار يتأثر بتوزيع المسؤولية داخل المنزل. كما تقدم وزارة الأسرة برنامج إعداد للمقبلين على الزواج مقروناً بشروط الاستفادة من منحة الزواج الاتحادية البالغة سبعين ألف درهم للمستحقين، في صيغة تجمع الدعم المالي بالتأهيل المعرفي. وهذه أدوات لتهيئة الظروف، أما تقييم أثرها على جودة الزواج فيحتاج تتبعاً مستقلاً ومقارنة بين مستفيدين وغير مستفيدين مع مراعاة ظروفهم. [1][9]
تشمل الشراكة كذلك صون المساحة الشخصية وحق كل عضو في التواصل مع أسرته والعمل والتعليم والراحة. فمساندة الزوجين لبعضهما قد تظهر في مرافقة شريك إلى علاج، أو تعديل الجداول عند ضغط الدراسة والعمل، أو تنظيم رعاية طفل حديث الولادة، أو إدارة خلاف مع الأقارب دون توسيع النزاع. وتتحول المساعدة إلى تماسك مستدام عندما تُوزع بصورة قابلة للاستمرار، ويشعر طرفا العلاقة بأن الجهد المنزلي والعاطفي له قيمة اجتماعية واضحة، سواء أكان مصحوباً بأجر أم لا.
الحادي عشر: الأبوة والأمومة والتربية بوصفها مسؤولية مشتركة
تخلق رعاية الأطفال فرصاً يومية للتعاون ومواقف تكشف اختلاله أيضاً. فعندما يُشارك الوالدان في السؤال عن الدراسة، وحضور الأنشطة المدرسية، ومتابعة الصحة، وإدارة استخدام الأجهزة، يختبر الطفل الأسرة كمصدر متكامل للرعاية. ويمتد الدور إلى تعليم مهارات التعبير والانضباط الذاتي وتحمل المسؤولية، وتعلم الاختلاف بأدب، والمساهمة في أعمال تناسب السن. ومن الناحية السوسيولوجية، تؤثر هذه الممارسات في إعادة إنتاج القيم وفي تطوير علاقة الطفل بالمؤسسات خارج المنزل. وللتوسع في أثر البيئة الرقمية في هذه العملية، يمكن الرجوع إلى مقال التنشئة الاجتماعية في العصر الرقمي بين الأسرة والخوارزمية المنشور في موقع كوكب المعرفة.
تكشف دراسة نوعية منشورة سنة 2024 عن آباء عاملين في أبوظبي أهمية سياسة العمل في هذا الباب. أجرت الدراسة مقابلات معمقة مع 50 أباً وثلاثة من العاملين بالموارد البشرية، ووجدت أهمية وضوح الإجازات والمرونة التنظيمية في تمكين الآباء من المشاركة في حياة الأطفال. لكن 48 من الآباء الخمسين كانوا من غير المواطنين، ولذلك تصلح النتائج لفهم سياق العمل والأبوة في أبوظبي بصورة عامة، ولا تقدم تمثيلاً ميدانياً كافياً لآباء المواطنين وحدهم. وهذه الملاحظة مثال ضروري على احترام حدود الاستدلال عند نقل البحث إلى موضوع الأسرة الإماراتية. [10]
يمكن للمؤسسات التعليمية أن تصبح شريكاً في التماسك حين تتيح تواصلاً واضحاً مع الوالدين، وتتفهم اختلاف جداول عملهما، وتدعم الأطفال الذين يواجهون ظروفاً أسرية استثنائية. وفي المنزل تزداد فاعلية التربية عندما يتفق الراشدون على قواعد أساسية قابلة للتفسير والمراجعة، ويؤمنون مساحة لحوار الأطفال بدلاً من الاعتماد على الانصياع الصامت. ويتطلب قياس هذا البعد جمع شهادات الآباء والأمهات والأطفال بوسائل أخلاقية ملائمة للأعمار، لأن تصورات الوالدين عن جودة الحوار قد لا تتطابق دائماً مع خبرات الأبناء.
الثاني عشر: المجالس والضيافة والتكافل في المجال الأهلي
تحتل المجالس العائلية مكانة بارزة في الحياة الاجتماعية الإماراتية، بوصفها فضاءات للتواصل والتشاور وتبادل الأخبار وتوثيق العلاقات بين الأقارب والأصدقاء والجيران. ويؤدي المجلس وظائف اجتماعية متعددة، تتجاوز اللقاء المباشر إلى تعزيز الثقة المتبادلة، ونقل الخبرات بين الأجيال، وترسيخ قيم الاحترام والتعاون والمساندة. وتتضح الأبعاد الثقافية والأنثروبولوجية لهذه الممارسات في مقالنا المنشور بعنوان «السنع الإماراتي: المجالس والقهوة والضيافة — قراءة أنثروبولوجية» ، الذي يتيح توسيع فهم العلاقة بين آداب التفاعل الاجتماعي ومنظومة القيم المنظمة للحياة اليومية. ومن منظور سوسيولوجي، يمثل المجلس فضاءً لإنتاج الروابط الاجتماعية وتجديدها، حيث تتحول اللقاءات المتكررة والمعرفة المتبادلة إلى شبكات من الثقة والتضامن، وتكتسب العلاقات العائلية امتداداً يتجاوز حدود الأسرة المباشرة نحو المحيط الاجتماعي الأوسع.
وتسهم الضيافة والمناسبات العائلية والأعراس الجماعية والعمل التطوعي في توسيع دوائر التواصل والتكافل داخل المجتمع الإماراتي، إذ تتيح للأفراد والأسر فرصاً للتعارف والمشاركة وتبادل المساندة. وفي هذا السياق، تقدم وزارة الأسرة خدمة المشاركة في الأعراس الجماعية للمواطنين وفق شروط محددة، وتعرضها باعتبارها نموذجاً للتعاون وتيسير بدء الحياة الزوجية. وتكتسب هذه المبادرات أهمية اجتماعية من خلال ما تتيحه من إمكانات لتقاسم بعض الأعباء التنظيمية والمالية، وتعزيز المشاركة الجماعية في المناسبات الأسرية. كما تمثل الأعراس الجماعية مناسبة لتجديد الروابط بين العائلات، وتوسيع شبكات التعارف، وإبراز قيم التعاون والتضامن بوصفها ممارسات اجتماعية حاضرة في الحياة الإماراتية المعاصرة. [11]
وتتعزز الوظيفة التضامنية لهذه الممارسات بقدرتها على استيعاب مختلف الفئات الاجتماعية، وإتاحة فرص المشاركة للشباب وكبار المواطنين والأشخاص ذوي الإعاقة والأسر ذات الموارد المحدودة. فكلما اتسعت دوائر المشاركة والتواصل والمساندة، ازدادت قدرة المجالس والمناسبات الجماعية على بناء ما تسميه السوسيولوجيا «رأس المال الاجتماعي الجسري»، الذي يربط الأفراد والجماعات عبر علاقات تتجاوز القرابة المباشرة. وتؤدي قيم الاعتدال في الإنفاق، وتقاسم المسؤوليات، والتعاون في تنظيم المناسبات، دوراً مهماً في تعزيز هذه الوظيفة الاجتماعية، من خلال إتاحة المشاركة لمختلف الأسر وتجديد معاني التكافل والانتماء. وهكذا تتجلى المجالس والضيافة والمناسبات الجماعية بوصفها مؤسسات اجتماعية حية تسهم في استمرار الروابط العائلية، وتوسيع شبكات التضامن، وتعزيز التماسك الاجتماعي في المجتمع الإماراتي.
الثالث عشر: القيم الدينية والأخلاقية والتضامن في الحياة اليومية
تسهم المرجعية الدينية لدى أسر كثيرة في إعطاء معنى لصلة الرحم وبر الوالدين والإحسان إلى الأقارب والتراحم والوفاء بالمسؤولية. وتبرز هذه القيم في طقوس الأعياد ورمضان والصدقة والزيارة والتكافل، ويمكن أن توفر لغة مشتركة لتسمية الواجبات وتنظيم التوقعات. ويظل التحليل السوسيولوجي معنياً بكيفية ترجمة القيمة إلى سلوك وبمدى شعور المتلقي بأثرها، لا بافتراض أن التصريح بالالتزام الديني يكشف تلقائياً عن تماسك العلاقات أو ينفي وقوع المشكلات.
تتجلى الأبعاد الأخلاقية في حفظ كرامة المحتاج، والستر على الصعوبات الخاصة بالأسرة في حدود السلامة والحقوق، والعدل بين الأبناء، واحترام كبار المواطنين، ورفض الإيذاء. وتكتسب هذه القيم قوة عندما يرى الصغار تطبيقها في القرارات اليومية: اعتذار راشد عن خطأ، أو تسوية خلاف دون إساءة، أو مساندة قريب مع احترام استقلاله. فالقدوة العملية تنقل القاعدة من خطاب مجرد إلى خبرة اجتماعية قابلة للاستيعاب. كما تساعد المؤسسات التربوية والدينية والخدمية في ترسيخ ممارسات مساندة تحفظ حقوق من يحتاجون إلى العون.
يمكن أن تتنوع طرائق التعبير عن التدين والسلوك الاجتماعي حتى داخل الأسرة نفسها، وأن تختلف درجات الانخراط في المناسبات تبعاً للصحة والعمل والقناعة الشخصية. ويقتضي القياس السوسيولوجي تجنب تحويل التماسك إلى اختبار لتماثل الأفراد في جميع اختياراتهم؛ لأن أفراد الأسرة قد يتعاونون رغم اختلاف طباعهم وجداولهم. وتوفر القيم العامة أساساً للعلاقة عندما تُقرأ بوصفها التزاماً بالمودة والإنصاف والمساعدة، وتتجسد في ترتيبات تحمي الطرف الأضعف وتفتح سبيلاً للحوار والإصلاح.
الرابع عشر: المؤشرات الرسمية: ماذا تخبرنا بيانات أبوظبي؟
أعلنت دائرة تنمية المجتمع في أبوظبي نتائج الدورة السادسة من استبانة جودة الحياة يوم 27 مارس 2026، وهي دورة نُفذت سنة 2025 وبلغ عدد المشاركين فيها 115,801 شخصاً، مقابل 51,413 مشاركاً في دورة 2018. وسجل الرضا عن العلاقات الاجتماعية 75.8%، بينما بلغ الرضا عن الحياة الأسرية 78.4%، بعد أن كان 70.9% سنة 2024. وتشير هذه البيانات إلى تحسن في مؤشر الرضا عن الحياة الأسرية داخل الإمارة، وتوفر معطيات مهمة لفهم التجربة المعيشية للمشاركين وتطور تقييمهم لجودة علاقاتهم الأسرية والاجتماعية. [12]
تكتسب هذه النتائج أهمية سوسيولوجية خاصة، لأنها تبرز المكانة المركزية التي تحتلها الأسرة والعلاقات الاجتماعية في منظومة جودة الحياة بإمارة أبوظبي. ويعكس ارتفاع مستوى الرضا عن الحياة الأسرية تطوراً إيجابياً في تقييم المشاركين لحياتهم العائلية، كما يسلط الضوء على أهمية الروابط الأسرية في تشكيل التجربة الاجتماعية اليومية. وتوفر هذه المؤشرات مدخلاً لفهم البيئة الاجتماعية التي تتفاعل فيها الأسر الإماراتية، وتفتح المجال أمام تحليل أعمق للعلاقة بين الرضا الأسري، واستقرار العلاقات العائلية، وشبكات المساندة والتضامن، باعتبارها أبعاداً مترابطة في دراسة التماسك الاجتماعي.
وتتعزز أهمية هذه المعطيات عند قراءتها إلى جانب مؤشرات الدعم الاجتماعي؛ فقد أوردت دائرة تنمية المجتمع سنة 2025 أن 75.6% من سكان أبوظبي أفادوا بوجود شبكة دعم اجتماعي قوية، ضمن استبانة شارك فيها أكثر من مئة ألف شخص من جنسيات متعددة. وتسلط هذه النتيجة الضوء على حضور شبكات المساندة في الحياة الاجتماعية، وما تتيحه من فرص للتعاون وتبادل الدعم وتعزيز الشعور بالانتماء. وعند النظر إلى مؤشرات الرضا الأسري والعلاقات الاجتماعية وشبكات الدعم مجتمعة، تتشكل صورة أكثر شمولاً عن الأبعاد المختلفة لجودة الحياة الاجتماعية في الإمارة، وتبرز أهمية دراسة التفاعل بين الأسرة ومحيطها الاجتماعي في فهم آليات التماسك والتضامن. [13]
الخامس عشر: دراسة كلباء: التماسك الأسري في ضوء المعطيات الميدانية
تقدم دراسة الدرمكي والحوراني بمدينة كلباء في إمارة الشارقة إسهاماً ميدانياً مهماً في فهم مظاهر التماسك الاجتماعي داخل الأسرة الإماراتية، إذ اعتمدت على عينة قوامها 234 مشاركاً من المواطنين، وتناولت خمسة أبعاد لرأس المال الاجتماعي الأسري، شملت الدعم العاطفي والمادي، والتبادلات المعنوية، والتفاعلات التضامنية، والتواصل والتشابك العائلي. وقد أظهرت النتائج ارتفاع المستوى الكلي لهذه الأبعاد، بمتوسط حسابي بلغ 5.16 وفق النتائج المنشورة. وتبرز أهمية هذه المعطيات في أنها تنقل دراسة التماسك الأسري من المستوى المفاهيمي العام إلى مستوى الممارسات الاجتماعية الملموسة، من خلال رصد صور المساندة والتواصل والتعاون التي تنتظم بها العلاقات بين أفراد الأسرة. [5]
وتكشف الأبعاد التي تناولتها الدراسة عن الطبيعة المتعددة للتماسك الاجتماعي في الأسرة الإماراتية؛ فالدعم العاطفي يعبر عن حضور المساندة الوجدانية والشعور بالأمان والانتماء، بينما يجسد الدعم المادي والتبادل المعنوي صوراً من التضامن القائم على تبادل الموارد والخدمات والمساعدة عند الحاجة. أما التفاعلات التضامنية والتواصل العائلي، فتبرز دور العلاقات المستمرة في توثيق الصلات بين الأقارب وتعزيز الثقة المتبادلة.
ومن منظور سوسيولوجي، تسمح هذه النتائج بفهم رأس المال الاجتماعي الأسري باعتباره شبكة من العلاقات والموارد والممارسات التي يستند إليها الأفراد في حياتهم اليومية، وتتجدد من خلالها روابط القرابة والمسؤولية المشتركة. وتوفر دراسة كلباء، بما تتميز به من تركيز على المواطنين داخل مجال جغرافي محدد، أساساً علمياً لتطوير بحوث مقارنة تشمل إمارات متعددة، وبيئات اجتماعية متنوعة، وفئات عمرية مختلفة، بما يتيح تعميق المعرفة بآليات التماسك والتضامن بين الأجيال.
وتكتسب نتائج دراسة كلباء دلالة إضافية عند قراءتها إلى جانب نتائج استبانة جودة الحياة في أبوظبي؛ إذ تقدم الدراستان منظورين متكاملين لفهم العلاقات الأسرية والاجتماعية. تركز الأولى على أبعاد رأس المال الاجتماعي داخل عينة من المواطنين بمدينة كلباء، بينما ترصد الثانية مؤشرات الرضا عن الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية لدى المشاركين من سكان إمارة أبوظبي بمختلف جنسياتهم.
ويساعد الجمع التحليلي بين هذين المنظورين على توسيع فهم التماسك الاجتماعي، من خلال الربط بين الممارسات التضامنية التي تتجسد في المساندة والتواصل والتبادل، والتقييمات الذاتية التي يعبر بها الأفراد عن جودة حياتهم الأسرية والاجتماعية. وهكذا تسهم المعطيات الميدانية في بناء تصور سوسيولوجي متعدد الأبعاد عن الأسرة في المجتمع الإماراتي، وتوفر مرتكزات معرفية لدراسات مستقبلية تتناول أشكال التضامن العائلي وتحولاتها في سياق التطور الاجتماعي الذي تشهده الدولة
السادس عشر: التواصل الرقمي بين حفظ الصلة وتجزئة الانتباه
أحدثت الرسائل الفورية والمكالمات المرئية والمجموعات العائلية توسعاً في إمكان التواصل عبر المسافات. يستطيع فرد يقيم بعيداً متابعة أخبار والديه، وإرسال صور مناسبة، ومشاركة تحديثات صحية، وتنسيق المساعدة بين الإخوة. وفي مقابل هذه الفرص، قد يزيد حضور الأجهزة خلال الجلسات المباشرة من تشتت الانتباه، وقد تصبح المقارنة الرقمية أو الخلافات حول الخصوصية عاملاً ضاغطاً على بعض العلاقات. يظل العامل الحاسم هو نمط الاستعمال وقواعده واتفاق الأسرة عليه، لا امتلاك الهاتف في ذاته.
وتعرض مراجعة أكاديمية خليجية منشورة سنة 2025 فرص الاتصال الرقمي وما قد يرافق الاستخدام الإشكالي من ضغوط على التواصل داخل المنزل، وتولي أهمية لمشاركة الوالدين في توجيه الاستخدام. وهي قراءة إقليمية للأدبيات وليست مسحاً تمثيلياً للأسر الإماراتية. [21] ويتصل هذا المحور أيضاً بما يناقشه مقال الأسرة الرقمية: أثر الهواتف في العلاقات داخل البيت من حيث أثر توزيع الانتباه داخل المنزل.
تناولت دراسة نوعية منشورة في ديسمبر 2025 تواصل 15 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة في دبي مع أقارب أكبر سناً، ووصفت استخدام المنصات لتبادل الأخبار والحفاظ على الصلة عبر المسافات. ويذكر الباحثون أسر المهاجرين ضمن سياق النتائج؛ ولا يُفترض أن المشاركين يمثلون أسر المواطنين، كما لا تسمح المقابلات النوعية بتقدير انتشار السلوك.
وتبقى الدراسة المنشورة سنة 2024 عن الاتصال عبر المنصات في الإمارات مثالاً على حدود الأدلة المنشورة، لا مصدراً لاستنتاج إحصائي في هذا المقال. فقد حددت الدراسة حجم عينة مستهدفاً بـ385 استجابة، وذكرت أن التحليل النهائي اعتمد 315 استبانة بعد 70 استبانة لم تُقبل أو لم تُستكمل وفق صياغتها المنشورة. وفي جدول الأعمار، تساوي التكرارات 315 فعلاً، لكن نسب الفئات المنشورة – 13.8% و50.5% و5.1% و11.3% – مجموعها 80.7% لا 100%. لذلك لا تُستخدم هنا لإثبات انتشار أو أثر للتقنية، فضلاً عن أن إطارها العيني يشمل مواطنين ومقيمين ولا يمثل المواطنين وحدهم. [14][15]
يظهر التحدي العملي في تنظيم حدود الاتصال: متى تكون المكالمة مفيدة، ومتى يصبح إرسال عدد كبير من الرسائل عبئاً، وكيف تُحترم خصوصية الأطفال وصورهم وأخبارهم؟ يمكن الاتفاق على لحظات منزلية دون أجهزة، وإعطاء الاتصال المباشر أولوية عند الحديث الحساس، وتوظيف المجموعة العائلية لتنسيق الزيارات والرعاية بدلاً من الاكتفاء بإشارات سريعة. ويستطيع القارئ التوسع في الجانب النظري المرتبط بتفاوت كثافة الاتصال وجودة العلاقة ضمن مقال العزلة الاجتماعية في عصر التواصل الرقمي المنشور بموقع كوكب المعرفة. [16]
السابع عشر: العمل والسكن والتفاوت الاقتصادي بوصفها شروطاً للتماسك
تتأثر جودة الروابط العائلية بالشروط المادية التي تسمح بلقاء الأفراد وبأداء أدوارهم. فقد تستلزم المسافة بين المنزل والعمل تنقلاً طويلاً، وقد تؤدي ساعات العمل المتغيرة إلى تقليل التقاء أفراد البيت حول مائدة واحدة أو قدرتهم على زيارة كبار المواطنين. في المقابل يتيح الاستقرار السكني والقرب من الخدمات والمدرسة والمرافق الاجتماعية فرصاً لتجديد العلاقات. ولا يُفهم أثر المال على أنه علاقة آلية بين الثراء والتماسك؛ فالموارد تخفف بعض الضغوط، بينما يظل الإنصاف والحوار وتوزيع الوقت والتوقعات شروطاً مستقلة لجودة العلاقة.
يوفر برنامج الدعم الاجتماعي الاتحادي، وفق العرض الرسمي لوزارة تمكين المجتمع، مساعدات شهرية للأسر الإماراتية المستحقة وعلاوات تكميلية، إلى جانب مسارات تستهدف الاستقرار الاقتصادي والتمكين. وتعرض المنصة الحكومية برامج أخرى، ومنها برنامج «مديم» لدعم نمو الأسرة في أبوظبي عبر خدمات تتصل بالزواج والأمومة والإسكان وفق معايير الأهلية الخاصة بكل خدمة. ويمكن تحليل هذه التدخلات باعتبارها تخفيفاً محتملاً لبعض المخاطر التي قد تنتقل من سوق العمل والسكن إلى العلاقات داخل المنزل، لا على أنها إثبات بحد ذاتها لانخفاض النزاعات أو ارتفاع الرضا لدى المستفيدين. [17][18]
تكشف النظرية السوسيولوجية أن الاستقرار الاقتصادي يؤثر في القدرة على الوفاء بالتزامات الرعاية، وأن العائلة نفسها قد تعوض بعض الفجوات من خلال التضامن العيني والمالي. غير أن اتساع الاعتماد على الأقارب في ظل شح الموارد قد يرهق بعض الأعضاء ويخلق التزامات غير متوازنة. لذلك من المهم دراسة من يدفع ومن يرعى ومن يقرر ومن يستفيد، ومتابعة أثر المساعدات الرسمية على العبء الذي تتحمله النساء وكبار المواطنين والشباب. ويتيح هذا المنظور الجمع بين تقدير دور القرابة وفحص مدى عدالة توزيع تكاليف التضامن داخل الشبكة الواحدة.
الثامن عشر: الأسرة والمؤسسة العامة: من السياسة الوطنية إلى عام الأسرة 2026
تضع السياسة الوطنية للأسرة المعتمدة في مارس 2018 خمسة أهداف تتصل بالتأهيل للحياة الزوجية، والاستقرار، ومواجهة الضغوط، وبناء الأجيال، وتعزيز التلاحم. وتوزع تنفيذها على ستة محاور تشمل الزواج والعلاقات الأسرية والتوازن في الأدوار ورعاية الأطفال وحماية الأسرة وإطار العمل. وتُظهر هذه البنية أن التماسك في التصور المؤسسي قضية متعددة الأبعاد تتطلب تدخلاً تربوياً واقتصادياً وحمائياً، وليس مجرد خطاب يدعو الأفراد إلى إبقاء علاقاتهم قوية. [1]
في نوفمبر 2025 أعلنت الرئاسة الإماراتية تخصيص 2026 لعام الأسرة في سياق أجندة وطنية لنمو الأسرة حتى 2031، وتشكيل فريق وطني يضم أكثر من عشرين جهة اتحادية ومحلية. وتشمل المسارات المعلنة مراجعة السياسات والبرامج، وفهم الدوافع الاجتماعية والسلوكية من خلال لقاءات مع الأسر، ومراجعة المبادرات المتعلقة بالصحة الإنجابية. وتفيد هذه التفاصيل بأن السياسة تسعى إلى وصل البعد الثقافي بالمعرفة الميدانية والخدمات القطاعية. وسيكون تقدير النتائج أكثر دقة كلما نُشرت مؤشرات تنفيذ واضحة وقابلة للتفصيل حسب المنطقة والمرحلة العمرية ونوع الخدمة. [3]
وتضم استراتيجية أبوظبي لجودة حياة الأسرة ثلاثين مبادرة موزعة على الصحة النفسية وتقوية الروابط وتمكين الوالدين ودعم كبار المواطنين وترسيخ الثقافة المالية. يشير هذا الاتساع إلى أن الأسرة ليست وحدة منفصلة عن العمل والصحة والإسكان والخدمات. أما من ناحية البحث، فينبغي قياس ما يصل إلى المستفيدين عملياً: هل يعرفون الخدمة؟ هل يستطيعون استخدامها؟ هل تساعدهم على قضاء وقت أفضل مع الأبناء؟ وهل يشعر الطرف المسؤول عن الرعاية بتراجع العبء؟ عندئذ فقط يمكن الانتقال من إثبات وجود المبادرة إلى تقييم مساهمتها في التماسك. [7]
التاسع عشر: حماية أفراد الأسرة والعدالة في العلاقات شرط للاستدامة
لا تكتمل دراسة التماسك بإحصاء الروابط الدافئة وحدها؛ فمن حق أعضاء الأسرة أن يشعروا بالأمان وأن يحصلوا على المساندة دون إكراه أو عنف أو إهانة. وإذا كانت الثقة مورداً اجتماعياً، فإن إساءة استعمال السلطة داخل المنزل تستهلك هذا المورد حتى عندما يستمر السكن المشترك أو تبقى الزيارات والمظاهر العائلية قائمة. ويتطلب هذا البعد قياس جودة التواصل والقدرة على طلب المساعدة والوصول إلى خدمات الإرشاد والحماية، مع احترام سرية المعلومات وحماية المستجيبين خلال البحث.
يعكس التنظيم القانوني والإرشاد الأسري جانباً من البيئة المؤسسية لهذه العلاقات. فقد صدر مرسوم بقانون اتحادي رقم 41 لسنة 2024 بشأن إصدار قانون الأحوال الشخصية، وأعلنت وزارة العدل في نوفمبر 2025 قرارات تنظيمية تتصل بعمل المحكّمين والتوجيه الأسري والزيارة وغيرها من إجراءات إدارة المنازعات. ويهم التحليل السوسيولوجي هنا دراسة مدى قدرة آليات المشورة والتسوية والإنصاف على حماية الأطراف، من دون اختزال النزاع في نقص المودة أو تحويل شرح هذه الأنظمة إلى استشارة قانونية لحالة فردية. [19]
ويكشف مفهوم التماسك المستدام أهمية أن تتمكن النساء والرجال والأطفال وكبار المواطنين والأشخاص ذوو الإعاقة من التعبير عن احتياجاتهم والمشاركة في القرارات التي تمسهم. ففي الأسرة التي تُقدّر الرعاية لكن توزع مسؤولياتها على عضو واحد طوال الوقت، قد تختبئ هشاشة عملية خلف صورة اجتماعية إيجابية. وتساعد المشاركة المنصفة وتحديد المسؤوليات ووجود مسارات للحماية والإصلاح على ربط التضامن بالكرامة والحقوق، وعلى جعل الروابط قابلة للاستمرار حين تتغير ظروف الصحة والعمل والدخل.
العشرون: التحديات المعاصرة: ضيق الوقت والخصوصية والتحولات الجيلية
من أبرز التحديات التي يمكن دراستها سوسيولوجياً تزايد ازدحام الجداول اليومية وتعدد مواقع العمل والتعليم والتنقل. وقد تصبح الأسرة بحاجة إلى ترتيب وقت الزيارة والجلوس المشترك كما ترتب وقت الدوام، بينما تؤثر تكاليف بعض المناسبات والتوقعات الاجتماعية في قرارات الشباب. وتمثل هذه العوامل فرضيات تحليلية تستلزم بيانات بحسب الفئات، ويجب ألا تُقدَّم على أنها أزمة شاملة تصيب كل بيت. وتفاوت الأسر في الحجم والمهنة والموارد ومرحلة دورة الحياة يجعل أثر التحول الواحد مختلفاً من حالة إلى أخرى.
يمثل التفاوض بين الأجيال تحدياً وفرصة في الوقت نفسه. فاستقلال الأبناء في السكن أو الاختيار المهني قد يغير أشكال المعاونة والتواصل، ويحتاج كبار المواطنين في مراحل معينة إلى مساعدة أكبر في الرعاية الصحية أو الحركة. ويمكن أن تتحول هذه التغيرات إلى ضغط عندما تبقى التوقعات غامضة، أو إلى قوة عندما تتضح الاتفاقات وتوزع المهام. ويصلح مفهوم «التضامن التفاوضي» لوصف هذه الصيغة التي تحافظ على الالتزام مع مراجعة شكل أدائه تبعاً للظروف والأعمار.
وتثير التقنية تحديات حول مشاركة الصور والمعلومات والوقت العائلي وحدود الانفتاح على جمهور واسع. ويُضاف إليها خطر الاعتماد على مؤشرات سطحية، كعدد أعضاء المجموعة العائلية أو عدد الرسائل، بدل قياس القدرة على الاستجابة عند المرض أو الضيق. وتساعد المقارنة بين التواصل الوجاهي والرقمي، مع سؤال كل جيل عن تفضيلاته، في تحويل النقاش إلى تحسين ملموس للعلاقة. فالمشكلة البحثية ليست تحديد أداة مثالية واحدة، بل معرفة المزيج الذي يخدم حاجة أفراد الأسرة من القرب والاستقلال والمساعدة.
الحادي والعشرون: نحو بناء نموذج سوسيولوجي لقياس التماسك الاجتماعي في الأسر الإماراتية
يفتح تعدد مظاهر التضامن والتواصل داخل الأسرة الإماراتية المجال أمام تطوير نموذج سوسيولوجي متكامل لقياس التماسك الاجتماعي، يجمع بين المؤشرات الكمية والتحليل النوعي للتجارب الأسرية. ويمكن أن يستند هذا النموذج إلى سبعة أبعاد مترابطة: الدعم الوجداني، الذي يتجلى في المساندة النفسية والشعور بالأمان والانتماء؛ والدعم العملي والمادي، الذي يشمل المساعدة في العلاج ورعاية الأطفال ومواجهة الصعوبات المالية؛ وكثافة التواصل وجودته، من خلال الزيارات العائلية والحوار والتواصل الرقمي؛ والثقة المتبادلة والقدرة على إدارة الخلافات؛ وتوزيع المسؤوليات والأدوار الأسرية؛ والتضامن والتواصل بين الأجيال؛ وأخيراً، امتداد العلاقات الأسرية إلى شبكات اجتماعية أوسع تسهم في تعزيز المشاركة والتعاون داخل المجتمع.
ويوفر نموذج بنغتسون وروبرتس للتضامن بين الأجيال إطاراً نظرياً مهماً لتطوير هذه المؤشرات، من خلال أبعاده الستة المتعلقة بالتواصل، والعاطفة، والتوافق القيمي، وتبادل الموارد، ومعايير الالتزام العائلي، والفرص البنيوية للتفاعل بين الأجيال. ويمكن الاستفادة من هذا النموذج وتكييف أدواته مع الخصائص الثقافية والاجتماعية للمجتمع الإماراتي، بما يضمن ملاءمتها لطبيعة العلاقات الأسرية وأنماط التضامن السائدة فيه.
ويتطلب بناء أداة قياس دقيقة تحويل هذه الأبعاد النظرية إلى مؤشرات قابلة للملاحظة والقياس، من خلال أسئلة واضحة ترتبط بممارسات اجتماعية محددة وفترات زمنية معلومة. ويمكن، على سبيل المثال، قياس الدعم العملي بالسؤال عن عدد المرات التي تلقى فيها الفرد مساعدة من أحد أقاربه خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وقياس الثقة الأسرية من خلال مدى شعوره بالقدرة على التعبير عن آرائه ومناقشة الخلافات داخل الأسرة.
كما تكتسب مشاركة أفراد من أجيال ومواقع أسرية مختلفة أهمية خاصة في الكشف عن تنوع التجارب والتصورات، إذ تسمح المقارنة بين إجابات الآباء والأمهات والأبناء والأجداد بفهم أعمق لكيفية ممارسة التضامن وتبادل المسؤوليات. ويمكن تعزيز نتائج الاستبانات بالمقابلات المعمقة والملاحظة الميدانية والمذكرات اليومية، بما يساعد على تفسير المعاني التي يمنحها الأفراد لتجاربهم العائلية. ويستحسن كذلك اختبار صلاحية أداة القياس وثباتها قبل اعتمادها، ومراجعة صياغة أسئلتها لغوياً وثقافياً لضمان وضوحها وملاءمتها للمشاركين.
وعلى المستوى الميداني، يمكن تطوير مشروع بحثي واسع يشمل الإمارات السبع، ويراعي التنوع بين البيئات الحضرية والمناطق السكنية المختلفة، ومستويات الدخل والتعليم، والفئات العمرية والمراحل التي تمر بها الأسرة. ويسمح تحديد مجتمع الدراسة بدقة، سواء تعلق الأمر بالأسر المواطنة أو بمجتمع الأسر المقيمة بمختلف جنسياتها، ببناء نتائج تعكس خصائص الفئة المدروسة. كما تتيح الدراسات الطولية، التي تتبع المؤشرات نفسها عبر فترات زمنية متعاقبة، رصد تطور أنماط التواصل والمساندة والتضامن بين الأجيال، وتحليل علاقتها بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية والرقمية.
ويمكن الاستفادة من دراسة كلباء واستبانة جودة الحياة في أبوظبي بوصفهما مصدرين متكاملين لتحديد مجالات البحث وصياغة الفرضيات، مع الاحتفاظ بخصوصية المجتمع والأداة والمؤشرات المستخدمة في كل منهما. ومن شأن هذا التوجه أن يؤسس لقاعدة معرفية أكثر شمولاً عن التماسك الاجتماعي في الأسر الإماراتية، وأن يوفر معطيات علمية تساعد على فهم عوامل استمراره وتطوره، وتدعم تصميم البرامج الأسرية والاجتماعية وتقييم أثرها على أسس قابلة للقياس والتحقق.
الثاني والعشرون: خلاصات سوسيولوجية وتوصيات قابلة للتنفيذ
تدل الأدلة المحلية المتاحة على حضور مهم للدعم العاطفي والتبادلات المعنوية والتواصل في عينة المواطنين التي شملتها دراسة كلباء، وعلى مستويات معلنة من الرضا عن الحياة الأسرية والعلاقات الاجتماعية لدى سكان أبوظبي في دورة 2025 من استبانة جودة الحياة. وتسمح هذه النتائج بوصف بعض جوانب الواقع الذي رصدته الدراستان، فيما يبقى القياس الوطني المخصص للأسر الإماراتية محتاجاً إلى بيانات موحدة ومفصلة. ولا تُفهم الاستدامة الأسرية من منظور سوسيولوجي إلا بالنظر إلى ما تقدمه العلاقات فعلياً للأفراد، وكيف تتوزع أعباء المحافظة عليها. [5][12]
تنبثق عن ذلك توصيات عملية: إعطاء الأسر وسائل بسيطة لتنظيم الزيارة والوقت المشترك؛ تقوية برامج الإرشاد التي تعلّم مهارات الحوار وتوزيع المهام؛ تيسير مشاركة الوالدين في حياة الأطفال من خلال ترتيبات عمل واضحة؛ دعم كبار المواطنين بوصفهم مشاركين في الأسرة والمجتمع لا متلقين للرعاية وحدها؛ وتوسيع الدراسات التي تقيس الدعم الفعلي وأثر البرامج الرسمية. وينبغي تصميم التدخلات بمشاركة الأسر من مختلف المناطق والأعمار، حتى تعكس اختلاف الاحتياجات ولا تفرض نموذجاً واحداً على الجميع. وتُعد نتائج أي تقييم لاحق رهينة تحديد مؤشرات أساس سابقة للتنفيذ، وجمع بيانات من المستفيدين وغير المستفيدين عند الإمكان، ورصد توزيع الأثر بين أفراد الأسرة وليس المتوسط العام وحده.
توضح قراءة الحالة الإماراتية أن التماسك ليس مخزوناً قيمياً يكفي الإعلان عنه، بل ممارسة تتجدد عبر السؤال والمساندة والتفاوض والإنصاف. وتقوى الأسرة حين تمتلك موارد عاطفية ومادية ومؤسساتية، وحين تحافظ على الذاكرة والعلاقة بين الأجيال وتتعلم في الوقت نفسه طرائق جديدة لتنظيم حياتها. ويصبح السؤال الأكثر إنتاجاً للبحث وللسياسة الاجتماعية: أي علاقات وخدمات وترتيبات يومية تمنح كل فرد شعوراً حقيقياً بالأمان والانتماء والقدرة على الإسهام؟
المصادر والمراجع العلمية والرسمية
[1] حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. «السياسة الوطنية للأسرة»، اعتماد مارس 2018؛ تحديث المنصة 30 ديسمبر 2024. https://u.ae/ar/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/policies/social-affairs/uae-national-family-policy
[2] مبادرة أعوام الإمارات. «عام المجتمع 2025: التعريف والأهداف». https://uaeyearof.ae/en/about-the-uae-year-of-2025
[3] الموقع الرسمي لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. (6 نوفمبر 2025). «الإعلان عن عام الأسرة 2026 وأجندة نمو الأسرة 2031». https://www.mohamedbinzayed.ae/en/latest-news-listing/2025/11/UAE-President-attends-session-on-National-Family-Growth-Agenda-2031
[4] Coleman, J. S. (1988). Social Capital in the Creation of Human Capital. American Journal of Sociology, 94, S95–S120. DOI: https://doi.org/10.1086/228943
[5] Al-Droumki, S. M., & Alhourani, M. (2025). Social capital in the Emirati family: A sociological study in the city of Kalba. Al-Adab Journal, 152 (supplement), 469–512. DOI: https://doi.org/10.31973/vx7frx48
[6] حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. «السياسة الوطنية لكبار المواطنين»، إطلاق أكتوبر 2018؛ تحديث فبراير 2026. https://u.ae/ar/about-the-uae/strategies-initiatives-and-awards/policies/social-affairs/the-national-policy-for-senior-emiratis
[7] حكومة أبوظبي. «استراتيجية أبوظبي لجودة حياة الأسرة: ثلاثون مبادرة وخمسة محاور». https://www.abudhabi.gov.ae/ar/programmes/family-wellbeing
[8] Karpava, S. (2022). The Interrelationship of Family Language Policies, Emotions, Socialisation Practices and Language Management Strategies. Journal of Home Language Research, 5(1), Article 4, 1–23. DOI: https://doi.org/10.16993/jhlr.44
[9] وزارة الأسرة الإماراتية. «طلب منحة الزواج: قيمة المنحة وشروط الاستحقاق وبرنامج إعداد». https://family.gov.ae/ar/services/marriage-grant/
[10] Dickson, M., Midraj, J., McMinn, M., Sukkar, H., Alharthi, M., & Read, B. (2024). Fathers’ Experiences of Juggling Work and Family Life in Abu Dhabi Workplaces. Social Sciences, 13(11), 592. DOI: https://doi.org/10.3390/socsci13110592
[11] وزارة الأسرة الإماراتية. «طلب المشاركة في الأعراس الجماعية». https://family.gov.ae/en/services/mass-wedding-participation/
[12] دائرة تنمية المجتمع – أبوظبي. (27 مارس 2026). «نتائج الدورة السادسة من استبانة جودة الحياة في الإمارة: نتائج سنة 2025». https://www.addcd.gov.ae/ar-AE/Media-Center/News/DCD-shares-findings-from-6th-Quality-of-Life-Survey-in-Abu-Dhabi
[13] دائرة تنمية المجتمع – أبوظبي. (2025). «ارتفاع مؤشرات السعادة وجودة الحياة في أبوظبي». https://www.addcd.gov.ae/ar-AE/Media-Center/News/Abu-Dhabi-ranks-high-in-quality-of-life-2025
[14] Farhi, F., Jeljeli, R., Setoutah, S., Zamoum, K., Boukhenoufa, A., Saidani, S., & Feguiri, L. (2025). Social media and intergenerational bonding through young adults’ communication with older family members. Frontiers in Sociology, 10, 1643296. DOI: https://doi.org/10.3389/fsoc.2025.1643296
[15] Youssef, E., Medhat, M., & Alserkal, M. (2024). Investigating the Effect of Social Media on Dependency and Communication Practices in Emirati Society. Social Sciences, 13(1), 69. DOI: https://doi.org/10.3390/socsci13010069
[16] كوكب المعرفة. (2026). «العزلة الاجتماعية في عصر التواصل الرقمي: لماذا نزداد اتصالاً ونشعر بوحدة أكبر؟». https://kawkabelmaarifa.com/social-isolation-digital-age/
[17] وزارة تمكين المجتمع الإماراتية. «برنامج الدعم الاجتماعي للأسر الإماراتية المستحقة». https://www.moce.gov.ae/ar/social-welfare-program
[18] حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. (تحديث 5 فبراير 2026). «برامج دعم الأسرة: ومن ضمنها برنامج مديم». https://u.ae/en/information-and-services/social-affairs/Family-support-programmes
[19] وزارة العدل الإماراتية. (28 نوفمبر 2025). «قرارات تنظيمية لتنفيذ قانون الأحوال الشخصية الاتحادي الجديد، المرسوم بقانون رقم 41 لسنة 2024». https://www.moj.gov.ae/en/media-center/news/28/11/2025/the-federal-judicial-council-introduces-five-new-regulatory-decisions-to-implement-the-new-federal.aspx
[20] Altıntaş, M. (2025). Family Studies in the Gulf: A Systematic Analysis. In Handbook of Families in the Arab Gulf States (pp. 483–531). Springer. DOI: https://doi.org/10.1007/978-981-96-3412-5_27
[21] Al-Mabuk, R. H., & Alrebh, A. F. (2025). Impact of Social Media on Family Relations in the Arab Gulf Region. In Handbook of Families in the Arab Gulf States (pp. 287–302). Springer. DOI: https://doi.org/10.1007/978-981-96-3412-5_15
[22] Bengtson, V. L., & Roberts, R. E. L. (1991). Intergenerational Solidarity in Aging Families: An Example of Formal Theory Construction. Journal of Marriage and the Family, 53(4), 856–870. DOI: https://doi.org/10.2307/352993
[23] Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. Simon & Schuster. https://robertdputnam.com/bowling-alone/

