الجزء السادس من سلسلة قراءة في كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام» لأبي العلا عفيفي
الحب الإلهي في «التصوف البحت»
يفتتح عفيفي هذا الجزء بتمييز مهم سبق أن مهّد له في الجزء الخامس، وهو التمييز بين نوعين من الحديث عن الحب الإلهي.
الأول هو الحب في التصوف البحت؛ أي التجربة الصوفية التي تركز على علاقة العبد بالله من حيث الشوق والأنس والرضا والفناء، من غير أن تجعل من هذه التجربة أساسًا لنظرية فلسفية شاملة في طبيعة الوجود.
أما النوع الثاني فهو الحب في التصوف الفلسفي، حيث تصبح المحبة مرتبطة بنظريات مثل الحلول أو وحدة الوجود، ويعاد تفسير علاقة المحب بالمحبوب على ضوء تصور ميتافيزيقي أوسع عن الله والعالم والإنسان.
ويبدأ عفيفي بالنوع الأول من خلال عدد من الشخصيات التي يراها ممثلة له.
أولًا: الحارث المحاسبي والحب الذي يثمر العمل
يضع عفيفي الحارث المحاسبي في مقدمة الذين تحدثوا عن المحبة الإلهية داخل إطار إسلامي روحي واضح.
والمحاسبي، كما سبق أن رأينا، من أبرز أعلام التحليل النفسي والأخلاقي في التصوف المبكر. ولذلك لا يعالج الحب بوصفه انفعالًا عاطفيًا مجردًا، وإنما يبحث في:
- أسبابه.
- علاماته.
- فروعه.
- نتائجه على القلب.
- وآثاره على سلوك الإنسان.
فالحب الحقيقي لله، في هذه الرؤية، لا يمكن أن يبقى مجرد دعوى يقولها الإنسان عن نفسه.
لا بد أن تظهر له علامات عملية.
من هذه العلامات أن يصبح قلب الإنسان أكثر تعلقًا بالله، وأن يقل استغراقه في الشواغل التي تصرفه عنه، وأن تدفعه المحبة إلى العمل والطاعة والاستقامة.
ومن هنا يرتبط الحب عند المحاسبي مباشرة بـ الإيمان.
فازدياد الإيمان يولد نورًا في القلب، ومن هذا النور ينشأ الشوق، ويولد الشوق نوعًا من الحركة الداخلية التي تدفع المحب إلى طلب القرب من محبوبه.
ولهذا فإن الشوق ليس شيئًا منفصلًا عن الحب، بل ثمرة من ثماره.
ويظهر كذلك عنصر مهم جدًا هو حسن الظن بالله. فالمحب لا يعيش مع محبوبه في حالة يأس دائم، وإنما يزداد فيه الرجاء والطمأنينة والثقة.
لكن عفيفي يلاحظ أن هذه المعاني لا تعني إلغاء الخوف تمامًا؛ إنما تتغير طبيعة الحياة الدينية، فيصبح الحب هو القوة المركزية التي تتحرك حولها المشاعر الأخرى.
فوائد الحب الإلهي عند المحاسبي
يستعمل المحاسبي مفهوم «الفوائد» للدلالة على المعاني الروحية التي يجدها الإنسان في قلبه نتيجة محبته لله.
وهذه الفوائد لا يقدمها عفيفي باعتبارها معلومات عقلية يتعلمها المرء من كتاب.
إنها أقرب إلى:
- يقين.
- طمأنينة.
- أنس.
- ثقة.
- شوق.
- شعور بالقرب.
ومن هنا يتضح مرة أخرى الفارق بين معرفة الشيء نظريًا وبين ذوقه روحيًا.
فالإنسان يستطيع أن يقرأ عن الطمأنينة، لكنه لا يصبح مطمئنًا بمجرد القراءة.
كما يمكنه دراسة الحب من الناحية النفسية دون أن يكون محبًا.
وهذا المعنى سيكون مهمًا جدًا عندما ينتقل عفيفي بعد ذلك إلى قضية المعرفة الصوفية.
الحب الإلهي يحرر القلب من العبودية للأشياء
من نتائج المحبة أيضًا أن تقل قدرة الأشياء الخارجية على استعباد الإنسان.
فإذا امتلأ القلب بالمحبوب الأعلى، تصبح بقية الأشياء أقل قدرة على السيطرة عليه.
ولا يعني ذلك أن الصوفي لا يستعمل الدنيا أو لا يعيش فيها.
بل المقصود أن الأشياء تفقد سلطانها الداخلي على قلبه.
وهذه الفكرة تربط الحب بالزهد من جديد، ولكن بطريقة مختلفة.
فالزاهد قد يترك شيئًا لأنه يخاف ضرره.
أما المحب فقد يتركه ببساطة لأن قلبه أصبح منشغلًا بما يراه أعظم منه.
ثانيًا: الجنيد والحب الإلهي بوصفه عودة إلى الأصل
بعد المحاسبي ينتقل عفيفي إلى أبي القاسم الجنيد.
ويلاحظ أن نظرية الجنيد في الحب ترتبط ارتباطًا قويًا بنظريته السابقة في التوحيد والفناء.
فالجنيد يتصور العلاقة بين الإنسان والله انطلاقًا من المعنى القرآني للميثاق الأول، ويجعل الحياة الروحية نوعًا من العودة إلى صفاء العلاقة التي سبقت انشغال الإنسان بعالم الحس والشهوات.
ومن هذا المنظور يصبح الحب نوعًا من الحنين الروحي إلى الأصل.
فالسالك يشعر بأن هناك شيئًا في أعماقه يجذبه إلى الله، وكلما تقدم في طريقه ضعف تعلقه بالعالم واستعاد قلبه ذلك الاتجاه الأول.
ولهذا فإن الحب والفناء عند الجنيد لا يمثلان تجربتين منفصلتين.
الحب الإلهي يبلغ كماله عندما لا يبقى المحب منشغلًا بنفسه.
ومن هنا تنشأ فكرة:
فناء المحب عن نفسه في محبوبه.
هل يعني فناء المحب حلول الله فيه؟
يتوقف عفيفي عند هذه النقطة لأنها شديدة الحساسية.
فعبارات الجنيد عن استيلاء الحب على الإنسان قد تبدو، إذا أخذت حرفيًا، قريبة من الحلول أو الاتحاد.
لكن المؤلف يميز بين الأمرين.
الحالة التي يصفها الجنيد هي غلبة الوجود الإلهي على شعور العبد، بمعنى أن الإنسان في حال الفناء لا يشعر بنفسه استقلالًا.
ولا يلزم من ذلك عند عفيفي القول إن ذات الإنسان تحولت إلى ذات الله.
وبعبارة أخرى:
الفناء هنا تجربة في الوعي أكثر منه تقريرًا فلسفيًا عن اندماج ذاتين.
وهذا امتداد مباشر للتمييز الذي وضعه عفيفي في القسم الخامس بين وحدة الشهود ووحدة الوجود.
الحب بعد الفناء: عودة الشوق
يلفت عفيفي إلى مفارقة جميلة في تجربة الحب الصوفي.
فالصوفي يطلب الاتصال بالمحبوب، فإذا تحقق له نوع من الفناء أو الشهود شعر بالسعادة.
لكن هذه الحالة لا تدوم دائمًا.
وعندما يعود الصوفي إلى وعيه العادي يعود معه الشوق من جديد.
ولهذا تتحرك التجربة بين:
- قرب.
- بعد.
- اتصال.
- افتراق.
- وجد.
- شوق.
وتصبح هذه الحركة نفسها مصدرًا غنيًا للغة الصوفية والشعر الصوفي.
ثالثًا: ذو النون المصري والحب المرتبط بالمعرفة
بعد الجنيد ينتقل عفيفي إلى ذي النون المصري.
ويلاحظ أن لغة ذي النون أقرب في كثير من المواضع إلى الروح الدينية المباشرة، وليست بناءً ميتافيزيقيًا واسعًا.
فعنده تظهر المحبة مرتبطة بـ:
- المعرفة بالله.
- التأمل في آياته.
- رفع الحجب.
- التوجه بالقلب إليه.
العالم عند ذي النون مليء بالعلامات التي تشير إلى الله.
لكن الإنسان قد لا يراها؛ لأن بينه وبين الحقيقة حجبًا من الغفلة والشهوة والانشغال.
وتأتي المحبة والمعرفة لتزيلا هذه الحجب.
وعندما يتغير القلب، يتغير معه نظر الإنسان إلى الكون.
فالطبيعة نفسها يمكن أن تصبح عنده طريقًا للتذكير بالله.
لكن عفيفي يحذر من تحويل هذه اللغة مباشرة إلى فلسفة وحدة وجود مكتملة؛ فهو يرى أن تجربة ذي النون أقرب إلى الشهود الروحي وإدراك دلائل الله في العالم.
الحب عند ذي النون مصدر للأخلاق
ومن النقاط اللافتة أن عفيفي يربط عند ذي النون بين المحبة والأخلاق.
فمن أحب الله بصدق لا ينبغي أن يقتصر أثر حبه على علاقته بالله وحدها، بل يمتد إلى علاقته بالخلق أيضًا.
ومن هنا تخرج من المحبة معاني مثل:
- الرحمة.
- الصفح.
- الإحسان.
- التواضع.
- التجرد من الأنانية.
أي أن الحب الإلهي ليس عزلة وجدانية داخل النفس.
إنه قوة أخلاقية تغير طريقة الإنسان في التعامل مع الآخرين.
وسيرجع عفيفي إلى هذه القضية بصورة أكثر مباشرة لاحقًا تحت عنوان «المحبة الإلهية والأخلاق الصوفية».
رابعًا: أبو يزيد البسطامي ومرحلة الانتقال
يخصص عفيفي بعد ذلك قسمًا لـ أبي يزيد البسطامي.
وموقع البسطامي في هذا السياق مختلف.
فالمؤلف يراه قريبًا من الحد الفاصل بين:
التصوف غير الفلسفي – التصوف الفلسفي
ففي أقوال أبي يزيد تظهر لغة الفناء والاتحاد والشهود بدرجة أكثر جرأة مما رأيناه عند المحاسبي أو ذي النون.
وتمتلئ تجربته بصور رمزية للمعراج الروحي، والتجرد من الذات، والتحرر من الشعور بالحدود الشخصية.
ويربط عفيفي هذه اللغة بحالة الفناء التي تحدثنا عنها سابقًا.
فالإنسان في ذروة التجربة يشعر بأن ذاته قد غابت تمامًا أمام حضور الحق.
وهنا تظهر بعض الشطحات التي اشتهر بها أبو يزيد.
لكن عفيفي لا يجعل كل هذه العبارات دليلًا آليًا على وجود نظرية فلسفية مكتملة عنده في وحدة الوجود.
بل يراه أقرب إلى مرحلة انتقالية ستتهيأ بعدها الأرض لظهور التصوف الفلسفي بصورة أكثر وضوحًا.
خامسًا: عمر بن الفارض… شاعر الحب الإلهي
بعد ذلك يصل المؤلف إلى عمر بن الفارض، ويعطيه مكانة خاصة للغاية.
فابن الفارض من أكبر شعراء التجربة الصوفية في العربية، والحب يمثل المحور الأكبر لشعره.
لكن عفيفي يحذر من خطأ منهجي:
لا ينبغي التعامل مع كل قصائد ابن الفارض كما لو كانت كتابًا فلسفيًا منظمًا.
فهو شاعر صوفي قبل كل شيء.
والشعر بطبيعته:
- رمزي.
- وجداني.
- قابل لتعدد الدلالات.
ومن ثم لا يصح انتزاع بيت من قصيدة وبناء مذهب فلسفي كامل عليه.
وهذا مهم خاصة في الجدل حول ما إذا كان ابن الفارض من أصحاب وحدة الوجود.
فعفيفي يميل إلى قراءة الكثير من أشعاره في إطار وحدة الشهود والفناء في الحب بدل إلزامه دائمًا بالمذهب الفلسفي نفسه الذي نجده عند ابن عربي.
الشعر والتجربة عند ابن الفارض
يلتقي في شخصية ابن الفارض عنصران:
المزاج الشعري والمزاج الصوفي.
وهذا اللقاء جعل لغته من أغنى لغات الحب الإلهي.
فهو يستعمل صور الحب الإنساني المألوفة:
- الحبيب.
- الشوق.
- الوصال.
- الهجر.
- الشراب.
- السكر.
- الجمال.
لكن هذه الصور تتحول داخل التجربة إلى رموز للمعاني الصوفية.
ولهذا فإن قصائده لا يمكن قراءتها قراءة حرفية بسيطة، كما لا يمكن في المقابل تحويل كل استعارة فيها آليًا إلى قاعدة فلسفية.
مراحل الحب الإلهي عند ابن الفارض
يستخلص عفيفي من شعر ابن الفارض صورة لثلاث حالات رئيسية في رحلة المحب.
المرحلة الأولى: الثنائية
في البداية ما يزال المحب يشعر بوجود:
أنا – محبوب
هو يحب الله، لكنه ما يزال واعيًا بنفسه بوصفها ذاتًا مستقلة تبحث عن محبوب خارجها.
وهذه حالة الحب في مستوى الثنائية.
المرحلة الثانية: الفناء أو السكر
يتصاعد الحب إلى درجة يغيب معها الصوفي عن الشعور بنفسه.
وهنا لا يشهد إلا المحبوب.
ويصفها عفيفي بأنها حالة من السكر الصوفي والفناء.
في هذه اللحظة تختفي في الشعور الحدود بين:
- المحب.
- والحب.
- والمحبوب.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأشياء اندمجت وجوديًا، بل أن التفرقة اختفت في تجربة الشهود.
المرحلة الثالثة: الصحو الثاني
ثم تأتي حالة أكثر نضجًا.
يعود الصوفي إلى الشعور بذاته، لكنها ليست الذات القديمة نفسها.
إنها ذات أصبحت علاقتها بالله أساس وجودها الروحي.
وهذه هي مرحلة الصحو بعد الفناء.
فالإنسان يعود إلى العالم، ويستعيد وعيه بالأشياء، لكن نظرته إليها تغيرت.
ومن هنا تصبح التجربة الصوفية رحلة:
وعي بالذات → غياب عن الذات → عودة إلى الذات بصورة جديدة.
النظريات الفلسفية في المحبة الإلهية
عند الصفحة 220 تقريبًا يفتح عفيفي قسمًا جديدًا بعنوان واضح:
«النظريات الفلسفية في المحبة الإلهية»
وهنا ينتقل من وصف الحب بوصفه تجربة روحية إلى الحب عندما يصبح جزءًا من نظرية فلسفية في الوجود.
ويختار نموذجين أساسيين:
- الحسين بن منصور الحلاج.
- محيي الدين ابن عربي.
الحلاج: الحب الإلهي ونظرية الحلول
يرى عفيفي أن الحسين بن منصور الحلاج يمثل اتجاهًا أكثر فلسفية من الصوفية السابقين.
فالحلاج لا يتحدث فقط عن الوجد والشوق والأذواق.
بل ترتبط بعض أقواله بنظرية في طبيعة الإنسان والعلاقة بين العنصر الإلهي والعنصر الإنساني.
ويناقش عفيفي في هذا السياق فكرة خلق آدم على الصورة، ويقرأها عند الحلاج ضمن تصور يقترب من القول بوجود جانب إلهي يظهر في الإنسان.
ويستعمل الحلاج لغة:
- اللاهوت.
- والناسوت.
ومن هنا يرى عفيفي في نظريته شبهًا ببعض التصورات المسيحية المتعلقة بالعلاقة بين الإلهي والإنساني، مع التأكيد على أن مذهب الحلاج لا يطابق ببساطة العقيدة المسيحية.
بل هو يعيد توظيف هذه الفكرة داخل تصوره الخاص للإنسان وللتجربة الصوفية.
الحب الإلهي عند الحلاج صراع وانجذاب نحو الوحدة
في هذا التصور يصبح الحب أكثر من عاطفة.
إنه قوة تجذب الطرف الإنساني نحو أصله الإلهي.
ولهذا تحمل لغة الحلاج توترًا بين:
- التفرقة.
- والاجتماع.
- الإنسان.
- والحقيقة الإلهية.
ويظهر في هذه المنطقة معنى الحلول أو الاتحاد بالطريقة التي يحللها عفيفي.
ولهذا يمثل الحلاج، بالنسبة للمؤلف، واحدًا من أهم جسور الانتقال من التصوف التجريبي إلى التصوف الفلسفي.
ابن عربي: الحب الإلهي نتيجة طبيعية لوحدة الوجود
بعد الحلاج ينتقل عفيفي إلى محيي الدين ابن عربي.
وهنا تختلف المسألة جذريًا.
فالحب عند ابن عربي لا يمكن عزله عن مذهبه كله في وحدة الوجود.
فإذا كانت الحقيقة الوجودية في أصلها واحدة، وإذا كان العالم كله تجليات ومظاهر لهذه الحقيقة، فإن الحب يصبح العلاقة التي تربط المظهر بأصله.
والإنسان حين يحب شيئًا جميلًا، فإنه – في التحليل الذي ينسبه عفيفي إلى ابن عربي – لا يحب في نهاية الأمر إلا الجمال الذي يتجلى فيه.
ومن هنا تصبح الموجودات:
مرايا يتجلى فيها المحبوب الحقيقي.
المحبوب واحد والصور متعددة
من أهم معاني الحب الإلهي عند ابن عربي أن المحبوب في الحقيقة واحد، وإن تعددت الصور.
قد يحب الإنسان شخصًا.
أو جمالًا.
أو صورة من صور الطبيعة.
لكن وراء هذه الصور كلها توجد الحقيقة التي أعطتها جمالها.
ومن هنا يفسر ابن عربي لغة الحب البشري تفسيرًا صوفيًا.
فالمرأة الجميلة مثلًا يمكن أن تكون في الشعر الصوفي رمزًا للجمال الإلهي، لا مجرد موضوع للشهوة.
ويشير عفيفي في هذا السياق إلى تجربة ابن عربي في «ترجمان الأشواق» وكيف تحولت الصور الغزلية فيه إلى رموز روحية في تفسيره الصوفي لها.
الحب والجمال عند ابن عربي
الجمال يحتل موقعًا أساسيًا في هذا التصور.
فالله عند ابن عربي جميل، والعالم ميدان تتجلى فيه صور الجمال.
ولهذا فإن حب الجمال يصبح في أعمق مستوياته حبًا لمصدر الجمال.
ولا تعني هذه الفكرة أن كل انفعال جمالي عند الإنسان هو تلقائيًا تجربة صوفية.
لكنها تفسر لماذا أعطى ابن عربي للجمال البشري والطبيعي معنى روحيًا واسعًا.
الحب الإلهي أصل العبادة في مذهب ابن عربي
يصل عفيفي إلى واحدة من أكثر أفكار ابن عربي جرأة.
وهي أن الحب أصل العبادة.
فالإنسان، بحسب هذا التصور، لا يتجه إلى ما يعبده إلا لأن في قلبه انجذابًا إليه.
ويذهب ابن عربي أبعد من ذلك، فيرى أن وراء تنوع المعبودات والصور بحثًا عن الحقيقة الواحدة التي تظهر في صور مختلفة.
وهذه الفكرة نتيجة مباشرة لمذهبه في وحدة الوجود، وليست موقفًا عامًا لجميع الصوفية.
ومن المهم هنا أن تُنسب هذه الفكرة بوضوح إلى ابن عربي كما يعرضه عفيفي، لا إلى التصوف الإسلامي كله.
حب الله للخلق وحب الخلق لله
يقدم ابن عربي للحب وجهين:
حب الله للخلق – حب الخلق لله
فمن جهة، ظهور العالم نفسه مرتبط عنده بالتجلي الإلهي.
ومن جهة أخرى، الموجودات تشتاق إلى أصل وجودها.
وبذلك تصبح دائرة الوجود كلها دائرة:
ظهور وحنين وعودة.
وهذه الفكرة تربط الحب مباشرة بفلسفة الخلق والتجلي ووحدة الوجود.
المحبة الإلهية والأخلاق الصوفية
عند الصفحة 231 تقريبًا ينتقل عفيفي إلى سؤال عملي بالغ الأهمية:
إذا كان الإنسان يحب الله حقًا، فماذا يحدث لأخلاقه؟
ويرى أن المحبة الحقيقية تترك أثرًا مباشرًا في السلوك.
فالمحب:
- يؤثر محبوبه على نفسه.
- لا يجعل حظوظ نفسه مركز حياته.
- يزداد تواضعًا.
- يقل طلبه لحقوقه الشخصية.
- يتعامل مع الناس بقدر أكبر من الرحمة.
ولهذا تصبح المحبة عند الصوفية أصلًا للأخلاق.
الإيثار ثمرة للحب
من أهم الأخلاق التي تنشأ عن الحب الإيثار.
فالإنسان الذي تحرر من مركزية نفسه يصبح أكثر استعدادًا لتقديم غيره.
ولا يعود يسأل دائمًا:
ما حقي؟
بل يصبح قادرًا على السؤال:
ما الذي ينبغي أن أقدمه؟
وهذا يفسر المكانة الكبيرة التي احتلها الإيثار في كتب التصوف.
محبة الخلق من محبة الله
وتظهر كذلك فكرة أخرى:
إن محبة الله يمكن أن تقود إلى محبة خلقه.
لأن الإنسان يرى فيهم آثار صنع الله، أو يرى أنهم عباد الله الذين ينبغي الإحسان إليهم.
وتأخذ هذه الفكرة شكلًا أقوى عند أصحاب وحدة الوجود، الذين يرون الموجودات تجليات للحقيقة الواحدة.
لكنها موجودة كذلك خارج هذا الإطار الفلسفي في صورة:
- الرحمة.
- الخدمة.
- الإحسان.
- حسن المعاملة.
ومن هنا تصبح المحبة رابطًا بين الروحانية والأخلاق الاجتماعية.
الجنة عند بعض الصوفية: الله قبل الثواب
يعود عفيفي إلى فكرة سبق ظهورها عند رابعة العدوية.
فالصوفي الكامل لا يجعل هدفه النهائي الجنة بما فيها من نعيم.
بل يجعل هدفه الله.
ولهذا وجدنا عند الصوفية تعبيرات تجعل «جنة العارف» في:
- القرب.
- المعرفة.
- رؤية المحبوب.
لا في مجرد الثواب المادي.
ولا يعني ذلك إنكار الجنة، وإنما يعني تغير ترتيب الغايات في الوعي الصوفي:
المعطي أهم من العطاء.
الحب الإلهي والمعرفة
عند الصفحة 234 تقريبًا يفتح عفيفي موضوعًا جديدًا:
«المحبة الإلهية والمعرفة»
وهنا يكشف عن علاقة شديدة العمق بين المفهومين.
ففي التصوف لا تكون المعرفة بالله مجرد نشاط عقلي.
ولا يكون الحب مجرد انفعال عاطفي.
بل يقترب الاثنان حتى يكادا يصبحان وجهين لتجربة واحدة.
فالإنسان كلما عرف الله ازداد حبًا له.
وكلما أحبه ازداد استعداده لمعرفته.
المعرفة الصوفية ليست معرفة العقل وحده
المعرفة المقصودة هنا هي المعرفة الذوقية.
فالعارف لا يعرف محبوبه كما يعرف الإنسان مسألة في الرياضيات أو حقيقة تاريخية.
إنه يعرفه عبر:
- الذوق.
- الحضور.
- القرب.
- التجربة.
ولهذا يشبه الصوفية هذه المعرفة بمعرفة الإنسان:
حلاوة الشيء عن طريق تذوقه.
يمكنك أن تصف لشخص طعمًا معينًا ساعات طويلة، لكن معرفته به لن تصبح مساوية لمعرفة من ذاقه.
وبالمثل فإن المعرفة الصوفية لا يمكن نقلها بالكامل بالمفاهيم.
الحب والمعرفة منحة لا مجرد صناعة بشرية
يلفت عفيفي إلى أن بعض الصوفية ينظرون إلى المحبة والمعرفة بوصفهما منحًا إلهية.
المجاهدة والعبادة تهيئان القلب.
لكن الإنسان لا يستطيع أن يفرض على نفسه الوصول إلى حالة الحب أو المعرفة بمجرد الإرادة.
وهذا يعيدنا إلى الفرق القديم بين:
المقام – الحال
فالإنسان يسلك الطريق، لكن بعض ثمراته تأتي عند الصوفي بوصفها فضلًا، لا حقًا مضمونًا.
لغة الحب الإلهي وأسلوبها الرمزي
عند الصفحة 236 يفتح عفيفي واحدًا من أجمل مباحث هذا الجزء:
«لغة الحب الإلهي وأسلوبها الرمزي»
ويبدأ من حقيقة واضحة:
الصوفي يعيش تجربة يعتقد أن اللغة العادية لا تستطيع التعبير عنها مباشرة.
ولهذا يلجأ إلى الرمز.
ومن أشهر رموز اللغة الصوفية:
- الخمر.
- السكر.
- الحبيب.
- الوصال.
- الهجر.
- الشوق.
- اللقاء.
- الفراق.
- الموت.
- الحياة.
- النور.
وقد يتحدث الصوفي عن المحبوب باللغة نفسها التي يستعملها شاعر الغزل، لكن المقصود مختلف.
لماذا استعمل الصوفية لغة العشق البشري؟
لأن الإنسان لا يملك لغة مستقلة خاصة بالعالم الروحي.
فاللغة التي يمتلكها جاءت أساسًا من:
- الجسد.
- الطبيعة.
- العلاقات الإنسانية.
- التجربة الحسية.
وعندما يريد التعبير عن تجربة فوق حسية فإنه يستعير الألفاظ الأقرب إليها.
ومن هنا أصبحت لغة الحب البشري أداة مثالية للتعبير عن:
- الشوق إلى الله.
- الفناء.
- الوصال.
- الغياب.
- الحضور.
رمز الخمر والسكر
من أبرز الأمثلة الخمر.
فالخمر في الشعر الصوفي قد ترمز إلى الحب أو المعرفة أو الوجد.
والسكر يرمز إلى الحالة التي يفقد فيها الصوفي وعيه العادي بذاته تحت تأثير التجربة.
أما الصحو فيمثل عودة الوعي بعد الفناء.
وهكذا تتحول الكلمات الحسية إلى خريطة رمزية للحياة الداخلية.
لماذا تتشابه رموز الصوفية في ثقافات مختلفة؟
يلاحظ عفيفي أن المتصوفة في أديان وثقافات مختلفة يستعملون أحيانًا صورًا متقاربة.
ويفسر ذلك بإمكان وجود تشابه في طبيعة التجربة الإنسانية نفسها.
فإذا تشابهت الأحوال، فمن الطبيعي أن تتشابه إلى حد ما وسائل التعبير عنها.
ولهذا لا ينبغي دائمًا اعتبار التشابه في الرموز دليلًا كافيًا على أن جماعة أخذت أفكارها مباشرة من جماعة أخرى.
خطر تفسير كل عبارة صوفية حرفيًا
ينبه عفيفي ضمنيًا إلى ضرورة الحذر في التعامل مع هذه اللغة.
فإذا أخذنا كل ما يقوله الصوفي حرفيًا، يمكن أن ننسب إليه أفكارًا لم يقصدها.
لكن العكس صحيح أيضًا:
لا ينبغي أن نحول كل عبارة مثيرة إلى «رمز» لمجرد أننا لا نحب معناها.
فالقراءة الصحيحة تحتاج إلى:
- السياق.
- بقية أقوال الصوفي.
- تجربته.
- ومذهبه العام.
وهذه قاعدة مهمة جدًا في القراءة النقدية للنصوص الصوفية.
بداية فصل جديد: ثورة التصوف في مجال المعرفة
في حدود الصفحة 238 يبدأ عفيفي بابًا جديدًا بعنوان:
«ثورة التصوف في مجال المعرفة»
وهنا ينتقل الكتاب من الحب الإلهي إلى واحدة من أعمق قضاياه:
كيف يعرف الإنسان الحقيقة؟
ويرى عفيفي أن التصوف أحدث «ثورة» في هذا المجال لأنه لم يقبل بحصر المعرفة في:
- الحواس.
- والعقل الاستدلالي.
فالتيارات الفلسفية والعقلية اعتادت أن تعتبر المعرفة الصحيحة هي ما يثبت بالدليل أو التجربة الحسية.
أما الصوفية فقالوا بوجود نوع ثالث من المعرفة.
حدود العقل في نظر الصوفية
لا يقول عفيفي إن الصوفية أنكروا العقل تمامًا.
بل إن اعتراضهم يتركز على الاعتقاد بأن العقل قادر على معرفة كل شيء.
فالعقل مفيد في مجاله.
لكنه يعمل داخل حدود معينة.
وحتى بعض الفلاسفة، كما يلاحظ المؤلف، اعترفوا بأن العقل لا يحيط بجميع حقائق الوجود.
ومن هنا قال الصوفية:
إذا كان للعقل حد، فمن الممكن أن توجد حقائق لا يدركها العقل بالطريقة العادية.
المعرفة بالذوق والكشف والشهود
البديل الذي يقدمه التصوف هو المعرفة التي يسمونها:
- الذوق.
- الكشف.
- الشهود.
- المعرفة.
- الإلهام.
وهي بالنسبة للصوفي ليست تخمينًا.
بل تجربة يشعر صاحبها بقدر كبير من اليقين.
لكنها تختلف عن البرهان العقلي في نقطة أساسية:
لا يمكن نقلها إلى الآخر بالطريقة نفسها التي ينقل بها البرهان.
فالإنسان يستطيع أن يعرض برهانًا رياضيًا ويطلب من الجميع مراجعته.
أما التجربة الصوفية فهي مرتبطة بصاحبها.
ولهذا ستنشأ في الفصل التالي أسئلة معقدة:
كيف نتحقق من صدق المعرفة الصوفية؟
ما الفرق بين الكشف والوهم؟
وما علاقة العقل بالذوق؟
لكن المؤلف لا يزال في الصفحة 240 في بداية هذا البحث؛ ولذلك يتوقف هذا الجزء هنا، من غير أن يسبق ما سيأتي في القسم السابع.
خلاصة القسم السادس
يمكن تلخيص البناء الفكري لهذا الجزء في النقاط الآتية:
1. يميز عفيفي بين الحب الإلهي في التصوف البحت والحب داخل التصوف الفلسفي.
2. جعل الحارث المحاسبي المحبة تجربة تظهر حقيقتها في آثارها على القلب والعمل والأخلاق.
3. الشوق عند المحاسبي ثمرة طبيعية للحب الإلهي، وترتبط المحبة بالإيمان والطمأنينة وحسن الظن بالله.
4. يربط الجنيد المحبة بنظريته في الفناء والعودة الروحية إلى صفاء العلاقة الأولى بالله.
5. فناء المحب عند الجنيد لا يعني بالضرورة حلول ذات في ذات، وإنما غلبة شهود الله على وعي العبد.
6. عند ذي النون المصري ترتبط المحبة بقوة بالمعرفة وقراءة العالم بوصفه مليئًا بالآيات والدلالات.
7. يؤدي الحب عند ذي النون إلى أخلاق الرحمة والإحسان والتجرد من الأنانية.
8. يمثل أبو يزيد البسطامي مرحلة انتقالية بين التصوف التجريبي والتصوف الأكثر ميلًا إلى الصياغة الفلسفية.
9. يجب فهم كثير من شطحاته في سياق الفناء والحال الصوفي وعدم أخذها دائمًا تقريرًا فلسفيًا حرفيًا.
10. يمثل عمر بن الفارض أحد أعظم شعراء الحب الصوفي.
11. يحذر عفيفي من استخراج فلسفة منظمة من شعر ابن الفارض دون مراعاة طبيعته الشعرية والرمزية.
12. تظهر عند ابن الفارض ثلاث حالات تقريبية: الثنائية، ثم الفناء والسكر، ثم الصحو الثاني.
13. ينتقل عفيفي بعد ذلك إلى النظريات الفلسفية في الحب عند الحلاج وابن عربي.
14. يرتبط الحب عند الحلاج بتصور خاص للعلاقة بين الإلهي والإنساني، ويأخذ طابعًا حلوليا في قراءة عفيفي.
15. يمثل ابن عربي النموذج الأوضح لربط الحب بنظرية وحدة الوجود.
16. المحبوب الحقيقي عند ابن عربي واحد، بينما تتعدد الصور التي يتجلى فيها الجمال.
17. لذلك تتحول كثير من صور الحب البشري عنده إلى رموز للحب الإلهي.
18. يحتل الجمال موقعًا أساسيًا في نظريته، لأن جمال الموجودات انعكاس للجمال الأعلى في تصوره.
19. يجعل ابن عربي الحب أصلًا كامنًا وراء العبادة، وهي فكرة مرتبطة بمذهبه الخاص في وحدة الوجود ولا تعبر عن جميع الصوفية.
20. لا يبقى الحب تجربة فردية فقط، بل يتحول إلى أصل للأخلاق الصوفية.
21. من ثمار المحبة: الإيثار، والتواضع، والرحمة، وخدمة الخلق، والتخفف من أنانية النفس.
22. يرى عدد من الصوفية أن المعرفة والمحبة متلازمتان، بل تكادان تكونان وجهين لحقيقة واحدة.
23. المعرفة الصوفية ليست استدلالًا عقليًا، وإنما معرفة ذوقية مباشرة.
24. ينظر الصوفية إلى الحب والمعرفة بوصفهما في النهاية منحًا إلهية، وإن كانت المجاهدة تهيئ النفس لهما.
25. اضطرت طبيعة التجربة الصوفية إلى إنتاج لغة رمزية تقوم على الخمر والسكر والحبيب والوصال والهجر وغير ذلك.
26. لا ينبغي قراءة هذه اللغة كلها حرفيًا، ولا تأويلها كلها اعتباطيًا؛ بل ينبغي فهمها داخل السياق الصوفي.
27. ينتهي القسم بفتح عفيفي فصل «ثورة التصوف في مجال المعرفة».
28. تقوم هذه الثورة على رفض حصر مصادر المعرفة في الحس والعقل وحدهما.
29. يدعي الصوفية وجود طريق آخر إلى الحقيقة يقوم على الذوق والكشف والشهود.
30. أما السؤال عن قيمة هذه المعرفة وكيفية التمييز فيها بين الحقيقة والوهم، فسيكون من موضوعات الجزء التالي.
المرجع الأساس
أبو العلا عفيفي، التصوف: الثورة الروحية في الإسلام، الطبعة الأولى، القاهرة: دار المعارف، 1963؛ والنسخة الرقمية: مؤسسة هنداوي، 2020، ولا سيما فصول: «تعريفات التصوف والصوفي»، و«نشأة التصوف الإسلامي والعوامل التي أثرت فيه»، و«النظريات التي قيلت في أصل التصوف»، و«العوامل التي ساعدت على نشأة الزهد في الإسلام»، و«مصادر التصوف الإسلامي»، و«أدوار التصوف ومدارسه». النسخة الرقمية للكتاب
روابط الأجزاء السابقة:
الجزء الأول: ما هو التصوف؟ ماهيته وتجربته الروحية وتطور مفهومه عند أبي العلا عفيفي
الجزء الثاني: نشأة التصوف الإسلامي ومصادره عند أبي العلا عفيفي
الجزء الثالث: مدارس التصوف: من الزهد إلى الثورة الروحية عند أبي العلا عفيفي
الجزء الرابع: الطريق الصوفي ومجاهدة النفس عند أبي العلا عفيفي
الجزء الخامس: وحدة الشهود ووحدة الوجود والحب الإلهي عند أبي العلا عفيفي

