الجزء الخامس من سلسلة قراءة في كتاب «التصوف: الثورة الروحية في الإسلام» لأبي العلا عفيفي
استكمال درجات التوحيد عند الجنيد
وحدة الشهود ووحدة الوجود من أكثر القضايا دقة في التصوف الإسلامي، ويخصص أبو العلا عفيفي في هذا الجزء مساحة واسعة للتمييز بينهما، قبل أن ينتقل إلى مفهوم الفناء والبقاء، وتجربة أبي يزيد البسطامي، ثم بناء ابن عربي الفلسفي، وصولًا إلى الحب الإلهي بوصفه أحد المحاور الكبرى في التجربة الصوفية.
كان القسم الرابع قد توقف عند بداية عرض أبي العلا عفيفي لدرجات التوحيد عند أبي القاسم الجنيد، ويستكمل هذا القسم تلك الرؤية. فالجنيد لا يجعل التوحيد مرتبة واحدة، بل يراه درجات تختلف بحسب عمق تجربة الإنسان وعلاقته بالله. في أدنى المراتب يوجد توحيد العامة؛ أي الإقرار بوحدانية الله ونفي الشريك والمثل والند، مع بقاء الإنسان متعلقًا من الناحية النفسية بالرغبة والرهبة وما يرجوه من الله أو يخافه. ثم تأتي مرتبة أعلى يظهر فيها التزام الإنسان بالأمر والنهي مع اعتقاد الوحدانية، غير أن الشعور بذاته وبعلاقته بالله ما يزال حاضرًا.
أما توحيد الخواص فيأخذ عند الجنيد معنى أعمق؛ فالسالك لا يكتفي بالإقرار العقلي بوحدانية الله، بل يتحرر تدريجيًا من إرادته الخاصة ومن تعلقاته حتى يصبح وجوده كله متجهًا إلى الله. وفي أرفع صور هذا التوحيد يصبح العبد، بحسب اللغة الصوفية التي يحللها عفيفي، كأنه قائم بين يدي الله لا يرى لنفسه تدبيرًا مستقلًا، وإنما تتحقق إرادته في التسليم الكامل للإرادة الإلهية. ومن هنا يتحول التوحيد من عقيدة تقال باللسان ويصدق بها العقل إلى حال يعيشها الصوفي في أعماق تجربته.
ميثاق «ألست بربكم» والعودة إلى الأصل
يربط الجنيد هذه المرتبة العليا من التوحيد، كما يعرضه عفيفي، بالآية القرآنية التي تتحدث عن أخذ الميثاق من بني آدم:
﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ﴾.
ويقرأ الجنيد هذا النص قراءة صوفية؛ فالإنسان، في تصوره، كانت له صلة بالله قبل أن تحجبه عنه شواغل العالم المادي والجسد والرغبات. ومن هنا تصبح الرحلة الصوفية في جانب منها محاولة للعودة إلى صفاء العلاقة الأولى. لا تعني العودة رجوعًا زمنيًا حقيقيًا إلى ما قبل الولادة، وإنما تحرر النفس من الحجب التي صنعتها الشهوات والتعلقات حتى تستعيد حضورها الكامل مع الله. ويلاحظ عفيفي أن هذا التصور يؤدي عند الجنيد إلى تفسير عميق للفناء: كلما ضعف إحساس السالك بإرادته الفردية وباستقلال ذاته، اقترب من الحالة التي لا يبقى فيها أمام شهوده إلا الله.
وفي أقصى هذه الحال يصف الجنيد العبد بصورة شديدة الرمزية: يفقد الشعور بنفسه وبحركته وتدبيره، وتغلب عليه وحدة المقصد حتى يعود «آخره إلى أوله». وهذه هي الحالة التي يربطها عفيفي بمفهوم الفناء الصوفي.
الفناء ليس عدمًا ماديًا
يؤكد عفيفي في هذه الصفحات أن كلمة الفناء من أكثر المصطلحات التي تعرضت لسوء الفهم. فالفناء عند جمهور صوفية هذه المرحلة لا يعني أن جسد الإنسان يختفي، ولا أن ذاته تتحول حرفيًا إلى الذات الإلهية. المقصود أساسًا هو فناء الشعور بالاستقلال عن الله، أو غياب إحساس الإنسان بنفسه وبالعالم أثناء التجربة الروحية العميقة. قد يبقى الصوفي موجودًا جسدًا ونفسًا، وقد يبقى العالم موجودًا، ولكنه في لحظة الشهود لا يلتفت إلى شيء من ذلك. ولهذا ينقل عفيفي عن القشيري معنى واضحًا: عندما يقال إن الإنسان «فني عن نفسه وعن الخلق»، فإن نفسه والخلق لم ينعدموا؛ وإنما غاب شعوره بهم. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين:
انعدام الشيء في الواقع
انعدام الشعور به في التجربة.
الفناء والبقاء: وجهان لتجربة واحدة
يلاحظ عفيفي أن كلمة «الفناء» تعبّر في الحقيقة عن الجانب السلبي من التجربة الصوفية، ولذلك قرن الصوفية بها مفهومًا آخر هو:
البقاء
فإذا كان الفناء يعني زوال شيء من وعي الصوفي أو أخلاقه أو تعلقاته، فإن البقاء يعني ظهور الحالة التي تحل محله. ومن هنا جاءت ثنائيات مثل:
- الفناء عن المعاصي والبقاء بالطاعة.
- الفناء عن الصفات المذمومة والبقاء بالأخلاق المحمودة.
- الفناء عن إرادة النفس والبقاء بإرادة الله.
- الفناء عن الالتفات إلى ما سوى الله والبقاء بالله.
وبذلك لا يكون الفناء عملية هدم فقط. إنه تحول. يزول نمط قديم من الحياة لكي يظهر نمط جديد. ولهذا فإن الفناء والبقاء لا يفهمان بصورة صحيحة إلا إذا أخذا معًا.
تعريفات الفناء عند السراج والقشيري
يرجع عفيفي إلى كتابين من أقدم وأهم مصادر التصوف: «اللمع» لأبي نصر السراج و«الرسالة القشيرية» لأبي القاسم القشيري. ومن خلال التعريفات الواردة فيهما يميز اتجاهين كبيرين في تفسير الفناء.
أولًا: الفناء الأخلاقي والنفسي
وهو أن يفنى الإنسان عن:
- الصفات المذمومة.
- الشهوات.
- الحسد.
- الحقد.
- الغضب.
- الكبر.
- الطمع.
- الرياء.
- سوء الخلق.
ويحل محل هذه الصفات:
- الصدق.
- التواضع.
- الإخلاص.
- الرضا.
- المحبة.
- الطاعة.
الفناء هنا عملية تطهير للنفس. ولا تتضمن في ذاتها أي نظرية فلسفية حول طبيعة الوجود.
ثانيًا: الفناء عن الخلق والبقاء بالحق
أما الاتجاه الثاني فهو أعمق من ناحية التجربة الروحية. وفيه يغيب شعور الصوفي:
- بنفسه.
- وبالخلق.
- وبالعالم الخارجي.
ولا يبقى في شعوره إلا الله. وهذه الحالة هي التي يسميها بعضهم:
- الفناء.
- الجمع.
- عين التوحيد.
- وحدة الشهود.
ويشير عفيفي إلى أن الانتقال من هذا الوصف النفسي إلى نظرية فلسفية حول الوجود ليس أمرًا لازمًا. وهنا يصل الكتاب إلى تمييز بالغ الأهمية.
وحدة الشهود ليست وحدة الوجود
يخصص عفيفي مساحة مهمة لتصحيح خلط شائع بين مفهومين: وحدة الشهود ووحدة الوجود. ويرى أن الخلط بينهما أدى إلى أخطاء كبيرة في فهم تاريخ التصوف.
وحدة الشهود
هي حال صوفية. الصوفي أثناء الوجد أو الفناء لا يشهد إلا الله. العالم لم ينعدم. والصوفي لم يتحول إلى الله. ولكنه غاب عن إدراك نفسه وعن إدراك الأشياء من حوله. فإذا قال:
«لا أشهد إلا الله»
فهذا وصف لتجربته.
وحدة الوجود
أما وحدة الوجود فهي شيء مختلف تمامًا. إنها نظرية فلسفية أو ميتافيزيقية في طبيعة الوجود. موضوعها ليس: ماذا يشعر الصوفي؟
ما حقيقة الوجود نفسه؟
هل هناك حقائق وجودية متعددة؟ أم أن الوجود في حقيقته واحد، والكثرة صور ومظاهر لذلك الوجود؟ وهذا سؤال فلسفي، لا مجرد وصف لحال روحية.
خطأ الانتقال من «لا أشهد إلا الله» إلى «لا وجود إلا الله»
يضرب عفيفي ضمنيًا مثالًا شديد الوضوح على الفرق بين الحالتين. فالصوفي قد يقول:
لا أشهد سوى الله.
وهذا يعني أن الله استولى على شعوره كله. لكن إذا تحول القول إلى:
لا وجود إلا الله
فقد انتقلنا من تقرير نفسي عن حالة الوعي إلى حكم فلسفي على طبيعة الوجود. ويرى عفيفي أن هذا الانتقال حدث عند بعض المتصوفة، ولكنه ليس نتيجة منطقية ضرورية للتجربة الصوفية. فالإنسان قد يعيش وحدة الشهود من غير أن يكون قائلًا بوحدة الوجود.
لماذا يرفض عفيفي وصف الجنيد والبسطامي بوحدة الوجود؟
يصرح عفيفي بوضوح بأن من غير الدقيق جعل وحدة الوجود العقيدة الأساسية لجميع الصوفية. بل يرى أن في ذلك ظلمًا تاريخيًا. ويخص بالذكر أعلامًا من القرنين الثالث والرابع مثل:
- أبي يزيد البسطامي.
- الجنيد البغدادي.
- الشبلي.
فهؤلاء – في القراءة التي يقدمها عفيفي – تعبر كثير من أقوالهم عن وحدة الشهود أكثر مما تعبر عن نظرية فلسفية كاملة في وحدة الوجود. وقد تبدو بعض شطحاتهم قريبة من لغة الوحدة المطلقة، لكن تفسيرها ينبغي أن يراعي طبيعة التجربة الصوفية والسياق الذي قيلت فيه. وهذه واحدة من أكثر الملاحظات المنهجية أهمية في الكتاب.
أبو يزيد البسطامي والفناء
يستعمل عفيفي تجربة أبي يزيد البسطامي لتوضيح الفناء. فالبسطامي من أبرز من استعملوا لغة رمزية جريئة في وصف الأحوال الصوفية، حتى نُسبت إليه عبارات كثيرة عرفت لاحقًا باسم الشطحات. ويرى عفيفي أن رحلته الروحية تقوم على سلسلة من المراحل يزول فيها شيئًا فشيئًا شعور الصوفي بذاته. وفي النهاية يصل إلى حال يصف نفسه فيها بأنه بلا صفة مستقلة؛ أي أن الأنا الفردية لم تعد محور تجربته. ويفسر عفيفي هذه اللغة في إطار الفناء والشهود، لا باعتبارها بالضرورة تقريرًا فلسفيًا بأن الإنسان أصبح هو الله. فاللغة الصوفية هنا تحاول التعبير عن اختفاء إحساس الذات أمام استغراقها الكامل في الحق.
الفناء عن الصفات والبقاء بصفات الحق
من التعبيرات التي يناقشها عفيفي أيضًا القول بأن الصوفي:
يفنى عن صفاته ويبقى بصفات الحق.
وقد يبدو هذا الكلام لأول وهلة وكأنه يعني أن الصفات البشرية تزول حرفيًا وتحل محلها صفات إلهية. لكن تفسير كبار الصوفية أكثر دقة. فالمقصود أن أخلاق الإنسان وصفاته المذمومة تتغير. يزول:
- الكبر،
- الحسد،
- الجهل،
- الأنانية،
ويظهر بدلها:
- العلم،
- الرحمة،
- الحلم،
- الصدق،
- الإخلاص.
أما أن يتحول الإنسان من حيث ذاته إلى إله، فليس هذا هو المعنى الذي يقرره القشيري والسراج في تفسيرهما للفناء.
وحدة الشهود: تجربة مشتركة بين كبار الصوفية
يذهب عفيفي إلى أن وحدة الشهود من أخص المظاهر التي تميز التجربة الصوفية. وهي ليست مقصورة – في رأيه – على صوفية الإسلام وحدهم. فالمتصوفون في ديانات وثقافات مختلفة وصفوا حالات يشعرون فيها بأن الفاصل بين الذات وموضوع التجربة يختفي أو يضعف. وتظهر في اللغة الصوفية الإسلامية بأسماء متعددة مثل:
- الفناء.
- الجمع.
- عين التوحيد.
- الشهود.
ويورد عفيفي نصوصًا تبيّن أن السالك قد يصل إلى حال لا يريد فيها بقاء الثنائية:
أنا – وأنت.
فالحب الكامل في بعض التجارب يؤدي إلى غياب الشعور بالـ«أنا»، فلا يبقى في وعي المحب إلا المحبوب. ومع ذلك يظل عفيفي متمسكًا بالفرق بين اختفاء التفرقة في الشعور وبين القول الفلسفي بأن الحقيقة الوجودية واحدة.
ابن عربي وظهور مذهب وحدة الوجود في صورته المكتملة
بعد بيان الفرق بين وحدة الشهود ووحدة الوجود ينتقل عفيفي إلى واحد من أكثر موضوعات الكتاب تعقيدًا:
وحدة الوجود في مذهب محيي الدين ابن عربي
ويرى عفيفي أن بعض المعاني التي ستظهر بصورة مكتملة عند ابن عربي كانت موجودة قبله في صور متناثرة. لكن محيي الدين ابن عربي هو الذي أعطاها بناءً فلسفيًا واسعًا ومترابطًا. ففي كتاباته لم تعد الوحدة مجرد حال صوفية، بل أصبحت تفسيرًا شاملًا لطبيعة الله والعالم والإنسان والوجود.
الوجود حقيقة واحدة
القضية الأساسية التي ينسبها عفيفي إلى مذهب ابن عربي هي أن:
الوجود في حقيقته واحد.
أما الكثرة التي نراها في العالم فهي كثرة في:
- الصور.
- المظاهر.
- التعينات.
- النسب.
وليست كثرة في أصل الحقيقة الوجودية ذاتها. ومن هنا يستعمل ابن عربي ثنائية:
الحق والخلق.
فعند النظر إلى الحقيقة من ناحية وحدتها تسمى الحق. وعند النظر إليها من ناحية تعدد صورها ومظاهرها تسمى الخلق. وهما، في هذا البناء النظري، ليسا حقيقتين مستقلتين استقلالًا مطلقًا.
«الحق خلق بهذا الوجه»
يعرض عفيفي عبارات صريحة من ابن عربي تشير إلى هذا المعنى. فالحق والخلق يمثلان – في بعض صياغاته – وجهين للحقيقة الواحدة: الوحدة من جهة، والكثرة من جهة أخرى. ويؤكد عفيفي أن القول بوحدة الوجود عند ابن عربي ليس استنتاجًا فرضه عليه الباحثون من الخارج، بل يجد له نصوصًا كثيرة في كتبه، خاصة «فصوص الحكم» و«الفتوحات المكية». ومن هنا يفرق بين ابن عربي وبين متصوفين سابقين كانت عباراتهم أقرب إلى وصف وحدة الشهود.
لماذا يبدو العالم كثيرًا إذا كان الوجود واحدًا؟
تواجه النظرية سؤالًا واضحًا: إذا كانت الحقيقة واحدة، فمن أين جاءت الكثرة الهائلة في العالم؟ ويشرح عفيفي جواب ابن عربي من خلال فكرة التجلي. فالواحد يظهر في صور متعددة. والأسماء والصفات الإلهية تتجلى في الموجودات بطرق مختلفة، فتظهر الكثرة. لكن اختلاف المظاهر لا يعني – في البناء الذي يعرضه عفيفي – تعدد أصل الوجود. ويضرب ابن عربي كثيرًا من الأمثلة والصور الرمزية لتوضيح ذلك، ومن أهمها المرآة. فالشيء الواحد قد يظهر في مرايا كثيرة وبصور مختلفة بحسب طبيعة كل مرآة، مع أن الأصل الذي انعكس فيها واحد.
مراتب التجلي
يعرض عفيفي في تفسير مذهب ابن عربي مراتب متعددة للحقيقة. فهناك أولًا مرتبة من الإطلاق المحض لا يمكن للعقل أن يحيط بحقيقتها أو أن يصفها بصورة كاملة. ثم تأتي مرتبة تظهر فيها الأسماء والصفات. ومن خلال هذه الأسماء والصفات يظهر عالم الموجودات والتعينات. ثم تبلغ الصورة الإنسانية مكانة خاصة؛ لأن الإنسان، عند ابن عربي، يمثل مجلى جامعًا لكثير من الأسماء والصفات. ولهذا ترتبط نظرية الوجود عنده ارتباطًا وثيقًا بفكرة الإنسان الكامل التي سيعود إليها الكتاب لاحقًا.
الإنسان مرآة للحقيقة
يشرح عفيفي أن ابن عربي يصور الإنسان باعتباره أحد أكمل المواضع التي تظهر فيها الأسماء والصفات. وكما يرى الإنسان صورته في المرآة، فإن التجلي الإلهي يظهر في الموجودات، ويبلغ درجة خاصة من الكمال في الصورة الإنسانية. وهنا تتضح المكانة المركزية للإنسان في فلسفته. ليس الإنسان موجودًا هامشيًا داخل الكون، بل يمثل صورة جامعة لكثير من حقائق العالم.
هل مذهب ابن عربي مادي؟
يحرص عفيفي على نفي تفسير وحدة الوجود عند ابن عربي بوصفها نوعًا بسيطًا من المادية التي تقول إن الله هو مجموع المادة الموجودة في الكون. فالوحدة عنده ليست:
الله = المادة.
بل هي رؤية مثالية أو روحية. فالحقيقة العليا هي الأصل، والعالم مظهر وتجلي لها. ويستعمل عفيفي صورة قريبة من علاقة:
الظل بصاحب الظل.
فالعالم لا يمتلك في هذه الرؤية استقلالًا وجوديًا مطلقًا عن الحقيقة التي يستمد منها وجوده.
التنزيه والتشبيه عند ابن عربي
من أهم القضايا التي يناقشها عفيفي في هذا السياق الجمع بين التنزيه والتشبيه. فالاقتصار على التنزيه المطلق يجعل الله منفصلًا تمامًا عن العالم بصورة يصعب معها تفسير علاقته بالموجودات. والاقتصار على التشبيه يهدد بتحويل الله إلى شيء من الأشياء. لذلك يحاول ابن عربي الجمع بين الطرفين. فالحق:
- منزه من حيث ذاته المطلقة.
- ظاهر في الأشياء من حيث أسمائه وصفاته وتجلياته.
ويجعل عفيفي هذه الثنائية أحد المفاتيح الأساسية لفهم فلسفة ابن عربي.
«الفقراء إلى الله» في القراءة الوجودية
يعيد ابن عربي تفسير مفهوم الفقر إلى الله بطريقة وجودية. فكل موجود فقير إلى الله؛ لأنه لا يستمد وجوده من ذاته. الموجودات ليست أصولًا مستقلة قائمة بذاتها، بل تعتمد في وجودها على الحقيقة العليا. وهذا الفقر لا يعني الفقر الاقتصادي. إنه فقر وجودي. فالإنسان وكل موجود محتاج إلى الله في أصل وجوده وفي استمراره. ومن هنا يربط ابن عربي بين التوحيد وفكرة الاعتماد الكامل لكل الأشياء على الله.
السببية عند ابن عربي
يلاحظ عفيفي أن هذا التصور يغير كذلك فهم السببية. فالإنسان يرى في العالم:
- النار تحرق.
- الماء يروي.
- الطعام يشبع.
لكن ابن عربي لا يمنح الأشياء استقلالًا حقيقيًا في الفعل. فالفاعل في الحقيقة هو الله، أما الأسباب الظاهرة فهي صور ومجال لظهور الفعل. ويشير عفيفي هنا إلى وجود تقارب بين بعض هذه التصورات وبين الفكر الكلامي الإسلامي، خاصة النقاش حول العلاقة بين الأسباب والمسببات.
أثر الأفلاطونية الحديثة في مذهب ابن عربي
يفرد عفيفي فصلًا للمقارنة بين وحدة الوجود والمذهب الأفلاطوني الحديث. ويعترف بوجود أوجه شبه مهمة، خاصة مع نظرية أفلوطين حول:
الواحد والكثير.
فعند أفلوطين يصدر العالم من الواحد عبر مراتب مثل العقل والنفس والعالم. لكن عفيفي لا يساوي بين النظريتين. فالصدور الأفلوطيني يقوم على تسلسل هرمي للموجودات، بينما يعتمد ابن عربي بصورة أكبر على مفهوم التجلي. العالم عنده ليس مجرد سلسلة خرجت مرة واحدة من مبدأ أول، وإنما التجلي عملية مستمرة. ولهذا يتحدث عفيفي عن معنى قريب من:
الخلق المستمر أو الخلق الجديد.
الخلق المستمر
في مذهب ابن عربي لا ينتهي فعل الخلق عند لحظة تاريخية في الماضي. بل الوجود في تجدد دائم. كل لحظة تحمل تجليًا جديدًا للحقيقة. ومن هنا تصبح العلاقة بين الله والعالم علاقة حية مستمرة، لا مجرد علاقة صانع بصنعة انتهى من صنعها. ويربط عفيفي هذا التصور بفكرة التجدد الدائم للصور والمظاهر.
مؤثرات أخرى في فلسفة ابن عربي
إلى جانب الأفلاطونية الحديثة يذكر عفيفي خطوطًا فكرية أخرى يرى أثرها في بناء مذهب ابن عربي. ومن بينها:
- بعض قضايا علم الكلام.
- فكرة الجوهر والأعراض.
- بعض التعبيرات المرتبطة بالحلاج واللاهوت والناسوت.
لكن عفيفي لا يرد فلسفة ابن عربي إلى مصدر واحد. إنها، في نظره، تركيب فلسفي وصوفي واسع استفاد من تيارات مختلفة وأعاد صياغتها داخل تجربة إسلامية خاصة.
وحدة الوجود والتجربة الصوفية: هل إحداهما نتيجة للأخرى؟
يصل عفيفي بعد ذلك إلى سؤال بالغ الأهمية: هل وصل ابن عربي إلى وحدة الوجود لأنه عاش تجربة الفناء؟ أي: هل تؤدي التجربة الصوفية بالضرورة إلى الاعتقاد بأن الوجود واحد؟ وجواب عفيفي واضح:
لا.
فالتجربة وحدها لا تفرض تفسيرًا فلسفيًا بعينه. الصوفي قد يعيش الفناء ويقول: لم أشهد في تلك اللحظة إلا الله. لكن بإمكانه بعد انتهاء التجربة أن يفسرها تفسيرًا سنيًا تقليديًا أو نفسيًا دون أن يقول بوحدة الوجود. ولهذا عاش كثير من الصوفية حالة الفناء قبل ابن عربي ولم يصبحوا أصحاب نظرية وحدة الوجود.
التجربة شيء وتفسيرها الفلسفي شيء آخر
وهذه النقطة تعيدنا إلى واحدة من أهم أفكار الكتاب منذ بدايته. هناك فرق بين التجربة الصوفية والتفسير الذي يعطيه الصوفي لتلك التجربة. التجربة واحدة أو متشابهة في جوانبها. لكن شخصًا قد يفسرها بلغة الشريعة. وآخر بعلم الكلام. وثالث بالفلسفة. ورابع بوحدة الوجود. ولهذا لا ينبغي جعل مذهب ابن عربي الفلسفي نتيجة حتمية لكل تصوف.
لقاء ابن عربي وأفلوطين في النهاية الصوفية
يلاحظ عفيفي مفارقة لافتة. فمع الاختلاف الكبير بين فلسفة ابن عربي وفلسفة أفلوطين، يلتقي الرجلان في وصف المرحلة النهائية من التجربة الروحية. فيها تتجاوز النفس:
- العقل.
- التفرقة.
- الشعور بالذات.
وتعيش حالة اتصال أو وحدة لا تستطيع اللغة العادية وصفها بسهولة. وهذا يثبت مرة أخرى عند عفيفي أن التجربة الصوفية قد تكون متشابهة رغم اختلاف النظريات التي تفسرها.
فصل جديد: ثورة التصوف في مجال الحب الإلهي
عند الصفحة 190 تقريبًا يبدأ عفيفي فصلًا جديدًا شديد الأهمية بعنوان:
«ثورة التصوف في مجال الحب الإلهي»
وهنا ينتقل الكتاب من قضية الوحدة والوجود إلى قضية أكثر وجدانية:
الحب.
ويرى عفيفي أن التصوف أحدث تحولًا بالغًا في طبيعة علاقة الإنسان بالله.
صورتان لله في الوعي الديني
يشير المؤلف إلى أن القرآن الكريم يصف الله بصفات الجلال والقوة مثل:
- القهار.
- الجبار.
- المتكبر.
لكن القرآن يتحدث كذلك عن:
- الرحمة.
- المغفرة.
- المحبة.
- اللطف.
وكان لكل مجموعة من هذه الصفات أثر في الحياة الدينية. فالزهد الأول ركز بدرجة كبيرة على:
- الخوف.
- الحساب.
- العقاب.
- النار.
- الرجاء في الجنة.
وكان الخوف دافعًا قويًا إلى العبادة.
من الخوف إلى الحب
لكن التصوف أحدث تحولًا. فمع مرور الزمن لم يعد السؤال:
كيف أنجو من النار؟
فقط. بل أصبح:
كيف أحب الله؟
ولم يعد الله عند بعض الصوفية يُنظر إليه فقط باعتباره القوة المطلقة التي يخافها الإنسان، وإنما كذلك باعتباره:
المحبوب.
ومن هنا ظهرت لغة جديدة في الحياة الدينية:
- الشوق.
- الأنس.
- القرب.
- المناجاة.
- الفرح.
- الحنين.
- الوصال.
وأصبح الصوفي يتحدث إلى الله بلغة المحب مع محبوبه.
الحب والجمال
تطورت هذه الرؤية عند بعض الصوفية إلى الربط بين:
الله والجمال المطلق.
فالكون يصبح مرآة تظهر فيها آثار الجمال. والصوفي يرى جمال المحبوب في:
- الطبيعة.
- الإنسان.
- الكون.
- قلبه.
وبذلك تصبح محبة الأشياء الجميلة، في بعض الاتجاهات الصوفية، طريقًا للانتقال إلى محبة مصدر الجمال نفسه.
هل الحب الإلهي فكرة أجنبية عن الإسلام؟
يناقش عفيفي الرأي الذي يرى أن الصوفية أخذوا نظرية الحب من:
- المسيحية.
- المانوية.
- أو غيرهما.
ولا ينكر إمكان التأثر ببعض العناصر الأجنبية في مراحل تاريخية معينة. لكنه يرفض القول إن الحب الإلهي ليس له أصل في الإسلام. فالقرآن يتحدث بصراحة عن محبة الله لعباده ومحبة المؤمنين لله، مثل قوله تعالى:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
كما يورد عفيفي الأحاديث التي جعلت محبة الله ورسوله من مقتضيات الإيمان، والحديث القدسي المتعلق بتقرب العبد بالنوافل حتى يحبه الله. ولهذا يرى أن المادة الأساسية التي تسمح بنشوء نظرية الحب الإلهي موجودة داخل النصوص الإسلامية نفسها.
«كنت كنزًا مخفيًا»
يستشهد عفيفي كذلك بالنص المشهور في الأدبيات الصوفية الذي يورده في صورة حديث قدسي:
«كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق…»
وقد لعب هذا النص دورًا مهمًا في النظريات الصوفية المتأخرة. فبعضهم استخدمه لتفسير الخلق نفسه بوصفه نتيجة محبة الظهور والمعرفة. وهكذا تتحول المحبة من مجرد علاقة بين الإنسان والله إلى مبدأ يفسر وجود العالم كله في بعض النظريات الصوفية.
لماذا تحفظ بعض المتكلمين من لفظ المحبة؟
لم يقبل جميع علماء المسلمين مفهوم الحب الإلهي بالطريقة نفسها. فبعض علماء الكلام رأوا أن الحب بالمعنى البشري يتضمن:
- الحاجة.
- الميل.
- الانفعال.
وهي صفات لا تليق بالله. لذلك فسروا قول القرآن إن الله يحب عباده بمعانٍ مثل:
- إرادة الخير لهم.
- إرادة الثواب.
- الإنعام عليهم.
كما فسر بعضهم حب الإنسان لله بالطاعة والتعظيم.
موقف الصوفية من الحب
أما الصوفية فلم يكتفوا بهذا التفسير العقلي المجرد. فالحب عندهم حال حقيقية تُعاش. الصوفي:
- يحب.
- يشتاق.
- يأنس.
- يحزن للبعد.
- يفرح بالقرب.
- يتمنى لقاء محبوبه.
ولهذا امتلأت اللغة الصوفية بصور الحب البشري. لكنهم في كثير من الأحيان لم يقصدوا بهذه اللغة معناها الحسي المباشر. فالخمرة، والحبيب، والوصال، والهجر، والليل، واللقاء وغيرها أصبحت رموزًا للتجربة الروحية.
هل التعبير الصوفي عن الحب تجسيم؟
يشير عفيفي إلى أن الصوفية أدركوا صعوبة التعبير عن تجربة الحب الإلهي بلغة لا تستخدم صورًا بشرية. فاللغة الإنسانية كلها مأخوذة في الأصل من التجارب الإنسانية. ولذلك عندما يتحدث الصوفي عن:
- الحبيب.
- الشوق.
- العناق.
- اللقاء.
فلا ينبغي بالضرورة حمل هذه الألفاظ على معناها الجسدي. إنها محاولة لاستعارة أقوى لغة يعرفها الإنسان للتعبير عن تجربة يرى أنها فوق قدرة اللغة العادية.
الغزالي ومحاولة تفسير الحب تفسيرًا عقليًا
يتوقف عفيفي عند أبي حامد الغزالي، الذي حاول أن يثبت إمكان محبة الله بطريقة تحليلية. ويقسم الغزالي الحب إلى أنواع متعددة يمكن ردها في النهاية إلى الله.
1. حب الإنسان لوجوده
الإنسان يحب نفسه ويحب بقاءه. لكن الله هو مصدر وجوده وبقائه. إذن محبة الوجود تقود في نهايتها إلى محبة الله.
2. محبة المحسن
الإنسان يحب من يحسن إليه. وكل نعمة تصل إليه أصلها عند الله. إذن الله هو أولى الناس بالمحبة من هذه الجهة.
3. محبة الإحسان ذاته
قد يحب الإنسان الشخص الكريم حتى إذا لم ينتفع منه شخصيًا؛ لأنه يحب الخير والجود. والله هو مصدر الخير المطلق.
4. محبة الجمال
الإنسان يحب الجميل لذاته. والجمال الكامل، في الرؤية الغزالية، يرجع في النهاية إلى الله بوصفه مصدر كل جمال.
5. محبة المناسبة الخفية بين المحب والمحبوب
وهناك نوع من الحب ينشأ بسبب رابطة أو مناسبة خفية تجعل شخصًا ينجذب إلى آخر. ويحاول الغزالي تفسير علاقة الإنسان بالله كذلك من خلال نوع من المناسبة الروحية التي تسمح للإنسان بمعرفته ومحبته. وبهذا يريد الغزالي إثبات أن محبة الله أمر ممكن ومعقول، وليست تناقضًا دينيًا أو عقليًا.
الحب حال ذوقية لا تعريف منطقي
لكن عفيفي يعود في النهاية إلى موقفه الأساسي: مهما حاولنا تفسير الحب الصوفي عقلًا، فإن الحب في جوهره تجربة ذوقية. يمكن وصف علاماته. يمكن دراسة نتائجه. لكن لا يمكن نقل التجربة نفسها إلى من لم يذقها عن طريق التعريف المنطقي وحده. وهذا شبيه تمامًا بما قاله سابقًا عن:
- الفناء.
- الكشف.
- الشهود.
فالمفاهيم الصوفية الأساسية عند عفيفي تُعاش قبل أن تُشرح.
مدرسة البصرة وبدايات الحب الإلهي
يربط عفيفي بداية الظهور الواضح لنظرية الحب الإلهي خصوصًا ببيئة البصرة. وكان ذلك تطورًا طبيعيًا، في نظره، لحركة الزهد. فالزهد الذي بدأ بالخوف من النار والرجاء في الجنة أخذ يرتقي إلى سؤال مختلف: هل نعبد الله لأجل الثواب؟ أم نعبده لأنه يستحق العبادة والحب؟ ومن هنا ظهرت شخصية سيكون لها أثر هائل في تاريخ التصوف:
رابعة العدوية
رابعة العدوية: من عبادة الخوف إلى عبادة الحب
يقدم عفيفي رابعة العدوية بوصفها واحدة من أهم رموز الحب الإلهي في التصوف. فعندها لا تكون الغاية الأساسية من العبادة:
- الجنة.
- ولا النجاة من النار.
بل الله نفسه. ومن أشهر ما ينسب إليها الشعر الذي تميز فيه بين نوعين من الحب:
حب الهوى
الحب لأن الله أهل للمحبة.
ويشرح عفيفي أن المقصود بهذا الانتقال هو تحرير العبادة من الحساب النفعي. فالصوفي لا يقول: سأعبد الله لكي أحصل على شيء. بل يقول:
أعبده لأنه محبوب لذاته.
وهذا تحول بالغ العمق في تاريخ الحياة الروحية الإسلامية.
إنكار الذات في الحب
يجد عفيفي في تجربة رابعة معنى سيكون شديد الأهمية في التصوف اللاحق:
فناء المحب في المحبوب.
فالحب الكامل لا يترك للمحب اهتمامًا كبيرًا بنفسه. ويورد المؤلف معنى منسوبًا إلى أبي عبد الله القرشي: حقيقة المحبة أن تهب كلك لمن أحببت فلا يبقى لك منك شيء. وهذه العبارة تربط مباشرة بين الحب والفناء. فالذي يفنى عن نفسه في التوحيد هو نفسه الذي يفنى عن حظوظ نفسه في الحب.
الحب يصبح محور الحياة الصوفية
بعد رابعة العدوية أصبحت المحبة واحدة من أهم موضوعات التصوف. ويذكر عفيفي عددًا من الأعلام الذين توسعوا فيها، ومنهم:
- ذو النون المصري.
- سري السقطي.
- الجنيد.
- أبو يزيد البسطامي.
- سمنون المحب.
- وغيرهم.
ثم ستتطور نظرية الحب أكثر في التصوف الفلسفي وفي الشعر الصوفي، حتى تبلغ درجة شديدة من النضج عند أعلام مثل عمر بن الفارض.
اتجاهان كبيران في نظرية الحب الإلهي
في نهاية الصفحات التي نعالجها يضع عفيفي تقسيمًا مهمًا لنظريات الحب الصوفي. فهناك اتجاهان كبيران:
الاتجاه الأول: الحب الإلهي في التصوف الخالص
وهو الحب الذي لا تدخل فيه نظرية فلسفية شاملة عن وحدة الوجود أو الحلول. الصوفي يحب الله ويشتاق إليه ويعيش القرب والفناء والمحبة في إطار التجربة الروحية.
الاتجاه الثاني: الحب في التصوف الفلسفي
وفيه ترتبط المحبة بنظريات مثل:
- وحدة الوجود.
- الاتحاد.
- أو الحلول عند بعض الاتجاهات.
فتصبح العلاقة بين المحب والمحبوب جزءًا من نظرية أوسع حول طبيعة الله والعالم والإنسان. وعند الصفحة 200 يبدأ عفيفي فعلًا الفصل التالي بعنوان:
«المحبة الإلهية في التصوف البحت»
ويختار لدراسته مجموعة من الأعلام، أبرزهم:
- الحارث المحاسبي.
- الجنيد.
- ذو النون المصري.
- أبو يزيد البسطامي.
- ثم ابن الفارض من مرحلة لاحقة.
ويبدأ العرض بـ الحارث المحاسبي، لكننا نوقف القسم هنا بالضبط حتى يبدأ القسم السادس من هذه النقطة دون قطع موضوع في منتصفه.
خلاصة القسم الخامس
هذا القسم يمثل نقطة تحول كبرى في الكتاب، ويمكن تلخيص أهم أفكاره في الآتي:
يكمل الجنيد تطوير مفهوم التوحيد من مجرد الاعتقاد العقلي إلى حال صوفي يختفي فيه شعور العبد باستقلال إرادته.
ربط الجنيد التوحيد الأعلى بمعنى العودة الروحية إلى صفاء الميثاق الأول المشار إليه في آية ﴿ألست بربكم﴾.
الفناء عند جمهور الصوفية لا يعني انعدام الذات ماديًا، وإنما غياب الشعور بالذات والخلق في حال الشهود.
الفناء والبقاء وجهان متكاملان؛ يفنى الإنسان عن حالة ليبقى بحالة أخرى.
يمكن أن يكون الفناء أخلاقيًا، مثل الفناء عن المعاصي والصفات المذمومة.
ويمكن أن يكون وجدانيًا، كالفناء عن الشعور بالنفس والخلق أثناء استغراق الصوفي في شهود الله.
يميز عفيفي بصورة حاسمة بين وحدة الشهود ووحدة الوجود.
وحدة الشهود تجربة أو حال، أما وحدة الوجود فنظرية فلسفية في طبيعة الحقيقة.
قول الصوفي «لا أشهد إلا الله» لا يساوي فلسفيًا قول «لا وجود إلا الله».
يرى عفيفي أن الجنيد والبسطامي والشبلي أقرب في تجاربهم إلى وحدة الشهود من القول الفلسفي المكتمل بوحدة الوجود.
لا ينبغي تفسير الشطحات الصوفية حرفيًا دون مراعاة طبيعة الحال التي صدرت عنها.
قدم محيي الدين ابن عربي أبرز بناء فلسفي متكامل لنظرية وحدة الوجود في التصوف.
يرى ابن عربي الوجود حقيقة واحدة، بينما الكثرة ترجع إلى الصور والتعينات والمظاهر.
الحق والخلق في مذهبه يمثلان وجهين للنظر إلى الحقيقة الواحدة: الوحدة من ناحية والكثرة من ناحية أخرى.
يعتمد تفسير الكثرة عند ابن عربي على مفهوم التجلي الإلهي.
يحتل الإنسان مكانة مركزية بوصفه من أكمل المجالي التي تظهر فيها الأسماء والصفات.
وحدة الوجود عند ابن عربي ليست مادية بسيطة، بل رؤية روحية أو مثالية تجعل الحقيقة العليا أصل وجود العالم.
يجمع مذهبه بين التنزيه والتشبيه بطريقة خاصة.
يفسر مفهوم الفقر إلى الله تفسيرًا وجوديًا؛ فكل موجود فقير إلى مصدر وجوده.
يظهر في فلسفته مفهوم الخلق المستمر وتجدد التجلي.
يرى عفيفي آثارًا أفلاطونية حديثة وكلامية وحلاجية في بناء نظرية ابن عربي، لكنه لا يرد مذهبه إلى مصدر واحد.
التجربة الصوفية لا تؤدي منطقيًا بالضرورة إلى وحدة الوجود؛ فقد يعيش الصوفي الفناء دون أن يعتنق هذه النظرية.
يلتقي ابن عربي وأفلوطين في بعض أوصاف النهاية الصوفية رغم اختلاف بنائهما الفلسفي.
يمثل الحب الإلهي ثورة أخرى أحدثها التصوف في فهم علاقة الإنسان بالله.
انتقلت الحياة الروحية تدريجيًا من التركيز على الخوف والعقاب إلى التركيز على الحب والشوق والأنس والقرب.
يرى عفيفي أن القرآن والحديث يقدمان أصلًا كافيًا لنشأة الحب الإلهي داخل الإسلام، مع إمكان وجود مؤثرات خارجية لاحقة.
تحفظ بعض المتكلمين من تفسير الحب بمعناه الحقيقي وأولوه بالإرادة أو الثواب.
أما الصوفية فتعاملوا معه بوصفه تجربة وجدانية حقيقية.
حاول الغزالي تفسير الحب عقلًا ورد أنواع المحبة المختلفة في النهاية إلى الله.
لعبت رابعة العدوية دورًا أساسيًا في نقل العبادة من منطق الخوف والطمع إلى الحب الخالص لله.
ارتبط الحب الصوفي بفكرة إنكار الذات والفناء في المحبوب.
أصبح الحب بعد رابعة محورًا كبيرًا في التصوف الإسلامي.
يقسم عفيفي نظريات الحب إلى اتجاهين: حب صوفي خالص، وحب مرتبط بالفلسفة ووحدة الوجود أو الحلول والاتحاد.
المرجع الأساس
أبو العلا عفيفي، التصوف: الثورة الروحية في الإسلام، الطبعة الأولى، القاهرة: دار المعارف، 1963؛ والنسخة الرقمية: مؤسسة هنداوي، 2020، ولا سيما فصول: «تعريفات التصوف والصوفي»، و«نشأة التصوف الإسلامي والعوامل التي أثرت فيه»، و«النظريات التي قيلت في أصل التصوف»، و«العوامل التي ساعدت على نشأة الزهد في الإسلام»، و«مصادر التصوف الإسلامي»، و«أدوار التصوف ومدارسه». النسخة الرقمية للكتاب
روابط الأجزاء السابقة:
الجزء الأول: ما هو التصوف؟ ماهيته وتجربته الروحية وتطور مفهومه عند أبي العلا عفيفي
الجزء الثاني: ننشأة التصوف الإسلامي ومصادره عند أبي العلا عفيفي: من تعدد التعريفات إلى تشكّل المدارس
الجزء الثالث: مدامدارس التصوف: من الزهد إلى الثورة الروحية عند أبي العلا عفيفي
الجزء الرابع: الطريق الصوفي ومجاهدة النفس: من المقامات والأحوال إلى التوحيد عند أبي العلا عفيفي

