لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد رياضة يتابعها الجمهور في نهاية الأسبوع، ولا مجرد مباريات للمنتخب الوطني تستيقظ معها المدن على الأعلام والأهازيج. لقد أصبحت جزءاً من الذاكرة الجماعية للمغاربة، ومرآة لتحولات المجتمع، ومجالاً التقت فيه الهوية الوطنية بالتنافس الرياضي، ثم انتقلت منه كرة القدم المغربية، عبر مسار طويل، من ملاعب بسيطة وإمكانات محدودة إلى نصف نهائي كأس العالم، ومن محاولات متقطعة في التكوين إلى أكاديميات ومنشآت حديثة، ومن حضور إفريقي وعربي إلى مكانة باتت معها المملكة شريكاً في تنظيم كأس العالم 2030.
إن تاريخ كرة القدم المغربية لا يبدأ بملحمة قطر 2022، ولا بمكسيكو 1986، ولا حتى بتأسيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بعد الاستقلال. جذور اللعبة أقدم من ذلك، وقد تشكلت داخل سياق اجتماعي وسياسي معقد ارتبط بدخول كرة القدم الحديثة إلى المغرب في العقود الأولى من القرن العشرين، ثم انتشارها في المدن والموانئ والأحياء، وظهور أندية مغربية تحولت تدريجياً إلى مؤسسات اجتماعية ذات جمهور وهوية.
ومن هنا تبدو دراسة تاريخ كرة القدم المغربية أشبه بقراءة فصل من تاريخ المغرب الحديث نفسه. ففي الملاعب حضرت أسئلة الاستعمار والاستقلال، وفي الأندية تشكلت انتماءات محلية ووطنية، ومن البطولة المغربية خرجت أجيال صنعت أمجاد المنتخب، ثم جاء الاحتراف الأوروبي والهجرة المغربية ليضيفا رافداً جديداً، قبل أن تدخل الكرة المغربية خلال العقود الأخيرة مرحلة أكثر تنظيماً تقوم على التكوين والبنية التحتية واستقطاب الكفاءات المغربية المنتشرة في العالم.
وبين أول مشاركة في كأس العالم سنة 1970، والتتويج الإفريقي الأول سنة 1976، وإنجاز 1986، وتألق الأندية المغربية قارياً، وملحمة قطر 2022، وبرونزية أولمبياد باريس 2024، وسنة 2025 التي جمعت لقب بطولة إفريقيا للاعبين المحليين وكأس العرب وكأس العالم لأقل من 20 سنة، ثم التتويج بكأس أمم إفريقيا 2025 والوصول إلى ربع نهائي مونديال 2026، يمتد تاريخ غني بالانتصارات والإخفاقات والتحولات والدروس.
فكيف بدأت كرة القدم في المغرب؟ وكيف تحولت من لعبة وافدة إلى أحد أقوى عناصر الثقافة الشعبية المغربية؟ وما المحطات التي صنعت مكانتها الإفريقية والعالمية؟
البدايات الأولى لكرة القدم في المغرب
من الموانئ والثكنات إلى المجتمع المغربي
وصلت كرة القدم الحديثة إلى المغرب خلال العقود الأولى من القرن العشرين، في سياق توسع الحضور الأوروبي وخصوصاً في المدن الساحلية والمراكز التجارية والعسكرية. وكان الجنود والموظفون والتجار الأوروبيون من أوائل من مارسوا اللعبة في شكلها المنظم، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى الشباب المغاربة.
وتشير الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في عرضها التاريخي إلى وجود نشاط كروي منظم في المغرب منذ العقود الأولى من القرن العشرين، قبل ظهور المؤسسات الوطنية التي ستدير اللعبة بعد الاستقلال. ويمكن الرجوع في هذا الجانب إلى عرض الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم حول تاريخ كرة القدم المغربية.
لكن انتشار كرة القدم لم يكن مجرد انتقال تقني للعبة من الأوروبيين إلى المغاربة. فقد وجدت الرياضة الجديدة مجتمعاً سريع التفاعل معها. الكرة بسيطة في أدواتها، ويمكن ممارستها في الحي والساحة والشاطئ والأرض الفارغة، كما أن طبيعتها الجماعية والتنافسية ساعدتها على الانتشار بسرعة.
ومع توسع المدن وظهور أحياء شعبية جديدة، بدأت كرة القدم تتحول إلى ممارسة يومية. ولم تعد الملاعب حكراً على المؤسسات المرتبطة بالأوروبيين، بل صار الشباب المغاربة يؤسسون فرقاً وجمعيات ويبحثون عن فضاء خاص بهم داخل المشهد الرياضي.
الأندية المغربية والبحث عن مساحة وطنية
اكتسب تأسيس الأندية المغربية خلال مرحلة الحماية معنى يتجاوز المنافسة الرياضية. فالفضاء الرياضي كان بدوره خاضعاً لموازين القوة الاجتماعية والسياسية السائدة، ولذلك حمل ظهور أندية ذات قاعدة مغربية دلالة مرتبطة بإثبات الحضور داخل المدينة والمجتمع.
ومن أبرز الأندية التي ظهرت في تلك المرحلة نادي الوداد الرياضي الذي تأسس سنة 1937، ثم نادي الرجاء الرياضي الذي تأسس سنة 1949، إلى جانب أندية أخرى في مدن مغربية متعددة.
ولم تكن الأندية مجرد فرق من أحد عشر لاعباً. حولها تكون جمهور، وارتبطت بالأحياء والمدن، وأصبحت المباريات فضاءً للقاء الاجتماعي والتعبير عن الانتماء.
ومن الخطأ اختزال كل تاريخ الأندية المغربية زمن الحماية في نشاط سياسي مباشر؛ فلكل ناد ظروفه ومساره ومؤسسوه. لكن السياق العام جعل الرياضة واحدة من المساحات التي عبّر من خلالها المغاربة عن وجودهم الجماعي في مجتمع كانت بنيته السياسية والاجتماعية محكومة بنظام الحماية.
وقد ظل هذا الارتباط بين النادي والمدينة والحي حاضراً حتى اليوم. ولعل ديربي الدار البيضاء بين الرجاء والوداد أحد أوضح الأمثلة: المباراة تتجاوز ترتيب البطولة لتصبح حدثاً اجتماعياً وثقافياً يمتد من المدرجات إلى أحياء المدينة وذاكرة العائلات.
العربي بن مبارك: حين ظهر النبوغ المغربي مبكراً
يصعب الحديث عن البدايات دون التوقف عند واحد من أكبر الأسماء في تاريخ كرة القدم المغربية: العربي بن مبارك، المعروف بلقب «الجوهرة السوداء».
ولد بن مبارك في الدار البيضاء سنة 1917، وبرزت موهبته في زمن كانت فيه فرص اللاعب المغربي محدودة قياساً بما أصبح متاحاً لاحقاً. لكنه استطاع أن يتجاوز تلك الحدود، وأن يلعب في مستويات عالية في فرنسا وإسبانيا، وأن يحمل قميص المنتخب الفرنسي في مرحلة لم يكن المغرب قد استعاد فيها استقلاله بعد.
وتضع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم اسمه في مقدمة اللاعبين المغاربة الذين عرفوا حضوراً دولياً مبكراً.
تكمن أهمية بن مبارك في أنه قدم دليلاً مبكراً على قدرة اللاعب المغربي على منافسة كبار لاعبي العالم متى وجد البيئة المناسبة. وقد سبق بزمن طويل أجيال المحترفين المغاربة الذين ستعرفهم البطولات الأوروبية لاحقاً.
لقد ظهر قبل أن توجد جامعة مغربية مستقلة، وقبل أن يشارك المغرب في كأس إفريقيا أو كأس العالم، وقبل أن يصبح انتقال لاعب مغربي إلى أوروبا خبراً عادياً.
لذلك فإن وضع العربي بن مبارك في تاريخ كرة القدم المغربية لا ينبغي أن يكون مجرد استحضار لاسم قديم، وإنما الاعتراف بأن الاحتكاك المغربي بكرة القدم العالمية بدأ قبل ظهور المنتخب الوطني بصورته الحديثة.
الاستقلال وتأسيس مؤسسات كرة القدم الوطنية
تأسيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم
شكل استقلال المغرب سنة 1956 نقطة تحول حاسمة. فالدولة المستقلة احتاجت إلى مؤسسات وطنية تدير مختلف القطاعات، وكانت الرياضة من بينها.
تأسست الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم سنة 1956، لتحل محل التنظيم السابق المرتبط بمنظومة كرة القدم الفرنسية. وتشير الجامعة إلى أن نحو 310 أندية كانت منضوية في التنظيم الجديد عند تأسيسه.
وكان هذا التحول أكبر من مجرد تغيير إداري. أصبحت للمغرب مؤسسة كروية وطنية تشرف على المسابقات والمنتخبات وتعمل على تمثيل البلاد دولياً.
انطلقت البطولة الوطنية في صورتها الجديدة بعد الاستقلال، وكان الوداد الرياضي أول المتوجين بها، ثم أطلقت منافسات كأس العرش سنة 1957.
وتحولت البطولة تدريجياً إلى واحدة من أهم المؤسسات الرياضية والاجتماعية في البلاد، وربطت بين أندية الدار البيضاء والرباط وفاس ومراكش ومكناس وتطوان ووجدة وأكادير ومدن أخرى.
الانضمام إلى المؤسسات الدولية
كان من الضروري أن تنتقل الكرة المغربية بعد الاستقلال من التنظيم الوطني إلى الاعتراف الدولي.
انضمت الجامعة إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA سنة 1960. أما عضويتها في الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، فيثبت السجل الرسمي للاتحادات الأعضاء في CAF سنة 1959، وإن كانت بعض الصفحات التاريخية القديمة للجامعة تذكر سنة 1963. واعتماد سجل المؤسسة القارية نفسها هو الأدق عند ضبط تاريخ العضوية.
وهكذا دخل المغرب رسمياً فضاء المنافسات الدولية والقارية، وبدأ المنتخب الوطني رحلة طويلة بحثاً عن مكان بين القوى الإفريقية والعالمية.
الطريق الصعب نحو كأس العالم
لم يكن الوصول إلى كأس العالم سهلاً بالنسبة إلى المنتخبات الإفريقية في تلك المرحلة. فقد كان تمثيل القارة محدوداً للغاية، وكانت أنظمة التصفيات تفرض أحياناً على المنتخب الإفريقي اجتياز منافسات إضافية أمام منتخبات من قارات أخرى.
وخاض المغرب في تصفيات مونديال 1962 مواجهة فاصلة أمام إسبانيا، بعدما اجتاز مراحل التصفيات الإفريقية. ورغم عدم التأهل، كشفت تلك التجربة مبكراً أن المنتخب المغربي قادر على المنافسة خارج محيطه الإقليمي.
لكن الحلم العالمي احتاج إلى سنوات أخرى قبل أن يتحقق.
مونديال 1970: أول ظهور مغربي في كأس العالم
تأهل المغرب إلى كأس العالم 1970 في المكسيك، ليبدأ بذلك فصلاً جديداً من تاريخ كرة القدم المغربية.
كان الظهور في المونديال حدثاً ضخماً في ذاته. فالمشاركة في كأس العالم في ذلك الزمن كانت أكثر صعوبة على المنتخبات الإفريقية بسبب محدودية المقاعد المخصصة للقارة.
وقع المغرب في مجموعة ضمت ألمانيا الغربية وبيرو وبلغاريا.
وفي المباراة الأولى واجه المنتخب المغربي ألمانيا الغربية، إحدى أقوى مدارس كرة القدم في العالم، ونجح المغرب في التقدم قبل أن يقلب الألمان النتيجة ويفوزوا 2-1.
ثم خسر المغرب أمام بيرو 3-0، قبل أن يتعادل مع بلغاريا 1-1 ويحصل على أول نقطة له في تاريخ كأس العالم. ويعرض FIFA تفاصيل هذه المشاركة ضمن سجله الخاص بتاريخ المغرب في المونديال. سجل المغرب في كأس العالم لدى FIFA
لم تكن حصيلة النتائج وحدها هي المهمة. فقد أصبح المغرب ممثلاً لكرة القدم الإفريقية أمام العالم، وبدأت أجيال جديدة من الجمهور تنظر إلى كأس العالم باعتباره هدفاً يمكن بلوغه وليس بطولة بعيدة لا علاقة للمغرب بها.
1976: المغرب بطلاً لإفريقيا
إذا كانت سنة 1970 قد فتحت الباب العالمي، فإن سنة 1976 منحت المنتخب المغربي أول تتويج قاري كبير.
دخل المغرب كأس أمم إفريقيا التي أقيمت في إثيوبيا بجيل قوي قاده النجم أحمد فرس، الفائز بالكرة الذهبية الإفريقية سنة 1975.
كانت البطولة تقام بنظام مختلف عن النظام الحالي. وبعد تجاوز المرحلة الأولى، تأهل المغرب إلى مجموعة نهائية ضمت غينيا ونيجيريا ومصر.
حقق المنتخب انتصارات مهمة، ووصل إلى المباراة الأخيرة أمام غينيا وهو بحاجة إلى التعادل لإحراز اللقب. وتأخر المغرب بهدف، قبل أن يسجل أحمد مكروح «بابا» هدف التعادل في الدقائق الأخيرة.
وانتهت المباراة 1-1، ليتوج المغرب بطلاً لإفريقيا للمرة الأولى في تاريخه. وتوثق الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم تفاصيل تتويج المغرب سنة 1976.
لم يكن أحمد فرس وحده وراء الإنجاز، لكنه أصبح رمز ذلك الجيل بما امتلكه من موهبة وحضور وفعالية هجومية.
وظل لقب 1976 مرجعاً أساسياً في تاريخ المنتخب المغربي، خاصة أن كأس إفريقيا أثبتت لاحقاً أنها بطولة شديدة الصعوبة، وأن امتلاك لاعبين متميزين لا يضمن بالضرورة التتويج.
من الإنجاز الإفريقي إلى جيل الثمانينيات
شهدت السنوات التالية استمرار حضور المغرب قارياً، ومن أبرز نتائجه احتلال المركز الثالث في كأس أمم إفريقيا 1980.
كما عرفت الكرة المغربية لحظة مهمة سنة 1983 عندما توج المنتخب بذهبية كرة القدم في ألعاب البحر الأبيض المتوسط التي احتضنتها الدار البيضاء.
وفي هذه المرحلة بدأت تتشكل مجموعة من اللاعبين الذين سيكتبون بعد سنوات واحدة من أشهر صفحات الكرة الإفريقية في كأس العالم.
مكسيكو 1986: المغرب يفتح الباب لإفريقيا
تظل كأس العالم 1986 واحدة من أهم المحطات في تاريخ كرة القدم المغربية، ليس فقط لأن المغرب قدم بطولة ناجحة، وإنما لأنه كسر حاجزاً ظل عصياً على المنتخبات الإفريقية.
وقع المغرب في مجموعة قوية ضمت إنجلترا وبولندا والبرتغال.
بدأ المنتخب بالتعادل 0-0 مع بولندا، ثم كرر النتيجة نفسها أمام إنجلترا.
وجاءت المباراة الثالثة أمام البرتغال، وكان المغرب مطالباً بتحقيق نتيجة إيجابية. فقدم واحدة من أشهر مبارياته وانتصر 3-1، بفضل ثنائية عبد الرزاق خيري وهدف عبد الكريم ميري «كريمو».
تأهل المغرب متصدراً مجموعته، ليصبح أول منتخب إفريقي يتجاوز دور المجموعات في تاريخ كأس العالم.
وفي ثمن النهائي واجه ألمانيا الغربية، وصمد المنتخب حتى الدقائق الأخيرة قبل أن يسجل لوثار ماتيوس هدف المباراة الوحيد من ضربة حرة.
خرج المغرب، لكن ما حققه كان أكبر من نتيجة مباراة.
لقد أثبت أن المنتخب الإفريقي قادر على تجاوز الدور الأول ومواجهة القوى التقليدية بندية. وما كان استثناءً مغربياً سنة 1986 تحول لاحقاً إلى طريق سلكته منتخبات إفريقية أخرى.
ومن أسماء ذلك الجيل بادو الزاكي، عزيز بودربالة، محمد التيمومي، عبد المجيد الظلمي، مصطفى البياز، عبد الرزاق خيري وكريمو، وغيرهم ممن أصبحوا جزءاً من الذاكرة الكروية المغربية.
بادو الزاكي والتيمومي والظلمي: جيل من الرموز
تميزت كرة القدم المغربية في الثمانينيات بمجموعة من اللاعبين الذين جمعوا بين المهارة الفردية والقوة الجماعية.
كان بادو الزاكي واحداً من أبرز حراس المرمى الأفارقة، وحقق مسيرة كبيرة مع المنتخب قبل أن ينتقل لاحقاً إلى التدريب.
أما محمد التيمومي فكان من أبرز صناع اللعب، وتوج بالكرة الذهبية الإفريقية سنة 1985.
ويمثل عبد المجيد الظلمي نموذجاً مختلفاً؛ لاعب وسط هادئ، شديد الذكاء في قراءة اللعب، ارتبط اسمه بالرجاء والمنتخب الوطني، وظل يحظى بتقدير واسع بسبب أسلوبه وأخلاقه الرياضية.
ولم تكن قوة ذلك الجيل قائمة على الأسماء وحدها. فقد ساعد وجود بطولة وطنية قوية وجماهيرية على إنتاج لاعبين اعتادوا المباريات ذات الضغط العالي قبل انتقال بعضهم إلى الاحتراف الخارجي.
التسعينيات: الحضور العالمي دون تجاوز الدور الأول
مونديال الولايات المتحدة 1994
عاد المغرب إلى كأس العالم سنة 1994 في الولايات المتحدة.
خسر المنتخب مبارياته الثلاث أمام بلجيكا والسعودية وهولندا، وإن كانت النتائج متقاربة: 0-1 أمام بلجيكا، و1-2 أمام السعودية، و1-2 أمام هولندا.
كانت المشاركة مخيبة مقارنة بذكريات 1986، لكنها حافظت على حضور المغرب في أكبر بطولة كروية عالمية.
فرنسا 1998: خروج ترك مرارة كبيرة
دخل المغرب مونديال فرنسا 1998 بفريق قوي ضم عدداً من أبرز لاعبيه في تلك المرحلة.
تعادل مع النرويج 2-2، ثم خسر أمام البرازيل 3-0.
وفي المباراة الثالثة قدم المنتخب المغربي أداءً رائعاً وانتصر على اسكتلندا 3-0.
بدا التأهل قريباً، لكن فوز النرويج على البرازيل 2-1 في المباراة الأخرى أخرج المغرب من البطولة.
وظلت تلك المشاركة في ذاكرة الجمهور بسبب جودة المنتخب، وبروز أسماء مثل مصطفى حجي وصلاح الدين بصير ونور الدين النيبت ويوسف شيبو وعبد الجليل هدا «كماتشو».
الأندية المغربية وصناعة المجد الإفريقي
لا يمكن كتابة تاريخ كرة القدم المغربية من خلال المنتخب وحده. فالأندية هي القاعدة اليومية التي حافظت على شعبية اللعبة وأنتجت اللاعبين والجماهير والمدربين.
وقد صنعت أندية مغربية متعددة حضوراً قارياً مهماً.
الجيش الملكي وريادة التتويج الإفريقي
حقق الجيش الملكي سنة 1985 إنجازاً تاريخياً عندما أصبح أول ناد مغربي يتوج بكأس إفريقيا للأندية البطلة، التي أصبحت لاحقاً دوري أبطال إفريقيا.
كان ذلك التتويج إعلاناً عن قدرة النادي المغربي على الوصول إلى قمة كرة القدم الإفريقية.
وتؤكد سجلات CAF أن الجيش الملكي كان أول ممثل للمغرب يرفع أهم ألقاب الأندية في القارة. تاريخ تتويج الجيش الملكي قارياً لدى CAF
الوداد الرياضي وحضور ممتد
يحتل الوداد مكانة بارزة في تاريخ الكرة المغربية والإفريقية.
حقق دوري أبطال إفريقيا في أكثر من مناسبة، من بينها 1992 و2017 و2022، إلى جانب ألقاب ومسارات قارية أخرى.
ويتميز تاريخ الوداد بالجمع بين الاستمرارية المحلية والحضور الإفريقي، ما جعله واحداً من أكثر الأندية المغربية ارتباطاً بالمنافسات القارية الكبرى.
الرجاء الرياضي من إفريقيا إلى العالمية
أما الرجاء الرياضي فصنع بدوره تاريخاً قارياً وعالمياً استثنائياً.
توج النادي بدوري أبطال إفريقيا في 1989 و1997 و1999، وحقق ألقاباً قارية أخرى.
وفي سنة 2000 شارك في النسخة الأولى من كأس العالم للأندية في البرازيل، ليصبح أول ناد مغربي وإفريقي يخوض البطولة بصيغتها الجديدة آنذاك.
لكن اللحظة الأكثر شهرة عالمياً جاءت سنة 2013 عندما استضاف المغرب كأس العالم للأندية، ووصل الرجاء إلى المباراة النهائية بعد مسيرة مثيرة، قبل أن يخسر أمام بايرن ميونيخ الألماني.
أعادت تلك الرحلة اسم النادي والكرة المغربية إلى الواجهة العالمية، وأظهرت مقدار الطاقة الجماهيرية التي تختزنها كرة القدم المغربية.
أندية أخرى صنعت مكانتها
لم يقتصر الحضور القاري على الجيش والوداد والرجاء.
فالمغرب الفاسي، ونهضة بركان، والفتح الرياضي، والكوكب المراكشي، وأولمبيك خريبكة وغيرها من الأندية تركت بصماتها في مسابقات إفريقية وعربية مختلفة. وقد رسخت نهضة بركان موقعها الحديث بإحراز كأس الكونفدرالية الإفريقية للمرة الثالثة سنة 2025، بينما عاد الجيش الملكي سنة 2026 إلى نهائي دوري أبطال إفريقيا بعد انتظار دام واحداً وأربعين عاماً، قبل أن يخسر اللقب أمام ماميلودي صنداونز الجنوب إفريقي بنتيجة 2-1 في مجموع المباراتين. وتدل هاتان المحطتان، على اختلاف نهايتهما، على أن الحضور المغربي في القارة لم يعد قائماً على ذاكرة الألقاب القديمة وحدها، بل يجدّد نفسه بأندية من مدن وتجارب مختلفة. CAF: اللقب الثالث لنهضة بركان وCAF: نهائي دوري الأبطال 2026.
وهذا التنوع مهم لأنه يكشف أن القوة الكروية المغربية لم تكن حكراً دائماً على قطبين أو ثلاثة، حتى وإن ظلت الأندية الكبرى صاحبة النصيب الأوسع من الألقاب والجماهيرية.
البطولة الوطنية: أكثر من مسابقة محلية
كانت البطولة المغربية عبر عقود الخزان الأساسي للمنتخب الوطني.
في زمن لم يكن فيه الاحتراف الأوروبي واسعاً كما هو اليوم، كان أفضل لاعبي المغرب يلعبون داخل البلاد، ولذلك كانت مباريات البطولة تجمع نجوماً دوليين كباراً.
ومع تغير اقتصاد كرة القدم وانتقال المواهب في سن مبكرة إلى أوروبا، تغير دور البطولة.
أصبحت أمام تحديين متوازيين: الحفاظ على جودة المنافسة المحلية، والاستمرار في إنتاج لاعبين قادرين على الانتقال إلى مستويات أعلى.
وجاء الانتقال إلى الاحتراف وتطوير البنية الإدارية والملاعب ومراكز التكوين ضمن محاولات تحديث المنظومة.
لكن قيمة البطولة لا تقاس فقط بعدد اللاعبين الذين تصدرهم إلى الخارج. فالأندية المحلية تصنع أيضاً الجمهور والثقافة الرياضية والهوية الكروية للمدن.
الجماهير المغربية: اللاعب الذي لا يظهر في التشكيلة
يصعب فهم الكرة المغربية دون فهم جمهورها.
من الدار البيضاء إلى الرباط، ومن طنجة إلى وجدة، ومن تطوان إلى فاس ومراكش وأكادير وبركان ومدن أخرى، نشأت علاقات عميقة بين الأندية ومجتمعاتها المحلية.
ومع ظهور مجموعات المشجعين المنظمة تطورت ثقافة المدرجات، وأصبحت اللوحات الجماهيرية والأهازيج والتيفوهات المغربية تحظى بمتابعة خارج البلاد.
لكن الجماهيرية الكبيرة تفرض أيضاً مسؤولية. فالإبداع في المدرجات لا تكتمل قيمته إلا عندما يقترن باحترام سلامة الناس والمنشآت والروح الرياضية.
وفي مباريات المنتخب تتراجع الانقسامات بين الأندية عادة أمام الانتماء الوطني. وقد ظهرت هذه الصورة بأقوى أشكالها خلال مونديال قطر 2022، عندما تحولت مدن المغرب إلى فضاء احتفالي واسع.
الاحتراف والهجرة: كيف اتسعت خريطة المواهب المغربية؟
من أهم التحولات في تاريخ كرة القدم المغربية نمو حضور اللاعبين المغاربة في البطولات الأوروبية. ففي البداية كان الاحتراف الخارجي مساراً استثنائياً لا يسلكه إلا عدد محدود من اللاعبين. ثم أصبح مع الوقت جزءاً أساسياً من بنية المنتخب.
ساعدت الجالية المغربية الكبيرة في أوروبا، ولا سيما في فرنسا وبلجيكا وهولندا وإسبانيا، على ظهور أجيال من اللاعبين الذين تلقوا تكوينهم في مدارس كروية أوروبية مع احتفاظهم بصلتهم بالمغرب. و اتسع مفهوم التكوين المغربي نفسه. فلم يعد المنتخب يعتمد فقط على لاعب خرج من حي مغربي ثم من ناد محلي، بل أصبح يستفيد أيضاً من لاعب ولد أو نشأ في أمستردام أو بروكسل أو باريس أو مدريد، وتكون داخل منظومة أوروبية، ثم اختار تمثيل المغرب. وأصبح نجاح المنتخب مرتبطاً بقدرته على دمج هذين المسارين: التكوين المحلي والتكوين داخل بلدان المهجر. وقد تجسد ذلك بوضوح في جيل قطر 2022 الذي ضم لاعبين ولدوا أو تكونوا في بيئات كروية مختلفة لكنهم اجتمعوا داخل مشروع منتخب واحد.
سنوات البحث عن العودة إلى الواجهة
لم يكن مسار الكرة المغربية تصاعدياً بصورة دائمة.
فبعد مونديال 1998 غاب المنتخب عن كأس العالم أربع دورات متتالية: 2002 و2006 و2010 و2014.
وفي كأس إفريقيا عاش المغرب بدوره مراحل متفاوتة.
ومن أبرز لحظات تلك الفترة بلوغ نهائي كأس أمم إفريقيا 2004 في تونس بقيادة المدرب بادو الزاكي. قدم المنتخب بطولة قوية، لكنه خسر المباراة النهائية أمام تونس 2-1.
وكانت تلك النتيجة قريبة من إعادة اللقب الإفريقي إلى المغرب بعد انتظار طويل، لكنها انتهت بالوصافة.
ثم جاءت سنوات شهدت تغييرات متكررة في الأجهزة الفنية ونتائج لم تتناسب دائماً مع حجم المواهب المتاحة.
وهنا تظهر إحدى أهم دروس تاريخ كرة القدم المغربية: وجود اللاعبين الموهوبين وحده لا يصنع منظومة ناجحة.
النجاح المستدام يحتاج إلى تكوين ومرافق وإدارة فنية واستقرار وتخطيط واكتشاف للمواهب وربط بين الفئات العمرية والمنتخب الأول.
التحول نحو مشروع كروي أكثر شمولاً
خلال السنوات الأخيرة، شهدت كرة القدم المغربية استثمارات واسعة في البنية التحتية ومراكز التدريب والملاعب والتكوين.
وأصبح الهدف يتجاوز إعداد المنتخب الأول لمنافسة واحدة، إلى بناء منظومة تستطيع إنتاج أجيال متعاقبة.
أكاديمية محمد السادس لكرة القدم
تحتل أكاديمية محمد السادس لكرة القدم مكانة أساسية في هذا التحول.
أنشئت الأكاديمية بتوجيه من الملك محمد السادس بهدف اكتشاف المواهب المغربية وتكوينها وفق معايير حديثة تجمع بين التدريب الرياضي والتعليم والتأطير.
وقد برز عدد من خريجيها في المستويات الاحترافية والمنتخبات الوطنية.
ويربط FIFA بين تطور منظومة التكوين المغربية والاهتمام بالمرافق والمواهب والأطر المؤهلة، وهي العناصر الثلاثة التي أصبحت مركزية في استراتيجية تطوير كرة القدم. FIFA: مخطط تطوير المواهب في المغرب
لكن أهمية الأكاديمية لا تكمن فقط في عدد اللاعبين الذين تخرجوا منها. الأهم هو الفكرة التي تمثلها: الموهبة لا ينبغي انتظار ظهورها بالمصادفة، بل يجب البحث عنها واكتشافها وتكوينها ومتابعتها.
وهذا انتقال من منطق يعتمد على ظهور جيل استثنائي كل بضعة عقود إلى محاولة بناء إنتاج مستمر للمواهب.
ولفهم هذا التحول بعيداً عن الاكتفاء بنتائج المنتخب الأول، يمكن الرجوع إلى مقالنا في كوكب المعرفة: النهضة الكروية المغربية: كيف أسهم التكوين والأكاديميات في صناعة جيل عالمي؟، حيث تتضح العلاقة بين الأكاديميات ومراكز الرصد والتكوين المدرسي والبدني والذهني.
مونديال روسيا 2018: العودة بعد عشرين عاماً
بعد غياب دام منذ 1998، عاد المغرب إلى كأس العالم في روسيا سنة 2018 بقيادة المدرب هيرفي رونار.
كانت العودة في حد ذاتها مهمة، لكنها لم تحقق النتائج التي كان الجمهور ينتظرها.
خسر المغرب أمام إيران 1-0 بهدف عكسي في اللحظات الأخيرة، ثم خسر أمام البرتغال بالنتيجة نفسها، قبل أن يتعادل مع إسبانيا 2-2 في مباراة قدم فيها أداءً قوياً.
غادر المنتخب من دور المجموعات، لكن المشاركة أعادت المغرب إلى المشهد العالمي ومهدت نفسياً وفنياً لمرحلة جديدة.
قطر 2022: اللحظة التي غيرت موقع المغرب عالمياً
مهما كانت أهمية 1976 و1986، فإن مونديال قطر 2022 أحدث تحولاً غير مسبوق في الصورة العالمية للكرة المغربية.
دخل المنتخب البطولة بقيادة وليد الركراكي، الذي تولى المهمة قبل فترة قصيرة نسبياً من انطلاق المونديال.
وقع المغرب في مجموعة ضمت كرواتيا وبلجيكا وكندا.
تعادل مع كرواتيا 0-0، ثم فاز على بلجيكا 2-0، وانتصر على كندا 2-1، ليتصدر مجموعته.
إسبانيا: العبور إلى ربع النهائي
واجه المغرب إسبانيا في ثمن النهائي.
صمد المنتخب طوال الوقتين الأصلي والإضافي، ثم جاءت ركلات الترجيح.
برز ياسين بونو بصورة استثنائية، وفاز المغرب 3-0 في الركلات، لتبدأ واحدة من أكبر الاحتفالات الرياضية في تاريخ البلاد.
البرتغال: كتابة التاريخ
في ربع النهائي واجه المغرب البرتغال.
سجل يوسف النصيري هدفاً برأسية أصبحت واحدة من أشهر صور الكرة المغربية، وحافظ المنتخب على تقدمه حتى النهاية.
بالفوز 1-0 أصبح المغرب أول منتخب إفريقي وأول منتخب عربي يبلغ نصف نهائي كأس العالم.
لم يعد الإنجاز متعلقاً بالمغرب وحده؛ فقد احتفل به جمهور واسع في إفريقيا والعالم العربي ومناطق مختلفة من العالم.
نصف النهائي والمركز الرابع
واجه المغرب فرنسا في نصف النهائي وخسر 2-0، ثم خسر أمام كرواتيا 2-1 في مباراة المركز الثالث.
أنهى البطولة في المركز الرابع.
لكن المركز الرابع لا يصف وحده حجم ما حدث.
قطر 2022 غيرت سقف التوقعات. فبعد أن كان تجاوز دور المجموعات يعد إنجازاً كبيراً للمنتخب المغربي، أصبح الوصول إلى الأدوار المتقدمة هدفاً يمكن التفكير فيه واقعياً.
وقد وصف FIFA أكاديمية محمد السادس ومنظومة التكوين باعتبارهما من العناصر المهمة في المسار الذي أسهم في بروز الكرة المغربية. FIFA: أكاديمية محمد السادس وتألق المغرب في مونديال 2022
أشرف حكيمي وبونو والنصيري وأمرابط: جيل عالمي
برز في مونديال قطر عدد من اللاعبين الذين أصبحوا وجوهاً عالمية للكرة المغربية.
أشرف حكيمي جسد نموذج اللاعب المغربي الذي تلقى تكويناً رفيعاً في أوروبا وارتبط بقوة بالمنتخب الوطني.
ياسين بونو تحول إلى أحد أبرز حراس البطولة، خاصة بعد تألقه أمام إسبانيا.
سفيان أمرابط قدم نموذج لاعب الوسط القادر على الجمع بين الجهد البدني والقراءة التكتيكية.
يوسف النصيري سجل الهدف التاريخي أمام البرتغال.
وبرز إلى جانبهم حكيم زياش، عز الدين أوناحي، رومان سايس، نايف أكرد، نصير مزراوي وغيرهم.
قوة الجيل لم تكن في النجم الفرد وحده، وإنما في بناء فريق استطاع تقليل الفوارق أمام منتخبات تضم بعض أفضل لاعبي العالم.
كرة القدم النسوية: نصف آخر من قصة التطور
من الأخطاء التي يمكن الوقوع فيها عند كتابة تاريخ الكرة المغربية اختزاله في كرة القدم الرجالية.
شهدت كرة القدم النسوية المغربية تحولاً عميقاً خلال السنوات الأخيرة، مع توسع البطولات والتكوين والمنتخبات، وإدماج هذا الفرع في الرؤية العامة للجامعة بدل معاملته بوصفه نشاطاً هامشياً. ولم تظهر نتائج هذا التحول في مباراة واحدة، بل في تتابع محطات قارية وعالمية جعل «لبؤات الأطلس» جزءاً أصيلاً من صورة المغرب الكروية.
وشكلت كأس أمم إفريقيا للسيدات 2022، التي استضافها المغرب، محطة مفصلية.
بلغ المنتخب المغربي النهائي لأول مرة، قبل الخسارة أمام جنوب إفريقيا 2-1.
لكن الإنجاز الأكبر تمثل في التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2023.
وفي أول مشاركة عالمية، استطاعت لبؤات الأطلس تجاوز دور المجموعات والوصول إلى ثمن النهائي، وهو تطور كبير لمنتخب كان قبل سنوات بعيدة عن الحضور العالمي.
ثم بلغ المنتخب نهائي كأس أمم إفريقيا للسيدات 2024، التي أقيمت فعلياً في المغرب خلال يوليو 2025 بسبب تغيير موعدها، وتقدم على نيجيريا بهدفين قبل أن تنتهي المباراة 3-2 للمنتخب النيجيري. وكانت تلك ثاني وصافة قارية متتالية للمغرب، ودليلاً على أن بلوغ نهائي 2022 لم يكن ومضة عابرة. CAF: نهائي المغرب ونيجيريا سنة 2025.
وفي نسخة 2026، بلغ المغرب نصف النهائي وضمن التأهل إلى كأس العالم للسيدات 2027 في البرازيل، لتكون المشاركة العالمية الثانية بعد إنجاز 2023. صحيح أن المنتخب أنهى البطولة في المركز الرابع بعد خسارة نصف النهائي أمام الكاميرون ثم مباراة الترتيب أمام الجزائر بركلات الترجيح، لكن التأهل العالمي والاستمرار بين المربع القاري يؤكدان أن التجربة النسوية المغربية باتت تملك قاعدة تنافسية حقيقية، مع بقاء الحاجة إلى تحويل الحضور المتقدم إلى أول لقب إفريقي. CAF: تأهل المغرب إلى كأس العالم للسيدات 2027.
وهكذا أصبح الحديث عن المشروع الكروي المغربي يشمل الرجال والسيدات والفئات السنية وكرة القدم داخل القاعة، لا المنتخب الأول وحده.
كرة القدم داخل القاعة: قوة مغربية عالمية جديدة
إذا كان المنتخب الأول قد صنع أكبر ضجة إعلامية، فإن كرة القدم داخل القاعة قدمت بدورها نموذجاً لافتاً للتطور المغربي.
أصبح المنتخب المغربي للفوتسال قوة إفريقية بارزة، وحقق ألقاباً قارية متتالية، كما ارتفع مستواه في كأس العالم وأصبح قادراً على منافسة مدارس عالمية عريقة.
وفي كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة 2024 أكد المغرب تفوقه القاري وحقق اللقب، في استمرار لمسار جعله من المنتخبات التي تحظى باحترام عالمي في اللعبة. FIFA عن تتويج المغرب الإفريقي في كرة القدم داخل القاعة
وتكشف تجربة الفوتسال حقيقة مهمة: النجاح المغربي الحديث لم يعد محصوراً في فرع واحد من كرة القدم.
باريس 2024: أول ميدالية أولمبية في كرة القدم
بعد عامين فقط من إنجاز قطر، جاءت الألعاب الأولمبية في باريس لتقدم دليلاً آخر على اتساع قاعدة المواهب.
قدم المنتخب الأولمبي المغربي بطولة قوية، ووصل إلى نصف النهائي، قبل أن ينتقل إلى مباراة الميدالية البرونزية أمام مصر.
وفي 8 أغسطس 2024 حقق المغرب فوزاً كبيراً بنتيجة 6-0، ليتوج بالميدالية البرونزية.
كانت تلك أول ميدالية أولمبية في تاريخ كرة القدم المغربية.
وسجل سفيان رحيمي هدفين في المباراة، إلى جانب أهداف عبد الصمد الزلزولي وبلال الخنوس وأكرم النقاش وأشرف حكيمي. ويوثق FIFA هذا الإنجاز ونتيجته التاريخية. FIFA: المغرب يحرز برونزية كرة القدم في باريس 2024
تكمن أهمية الميدالية في أنها جاءت من منتخب أولمبي، أي من جيل يفترض أن يشكل جزءاً من مستقبل المنتخب الأول.
وهذا ما جعل الإنجاز مؤشراً على عمق أكبر في قاعدة اللاعبين، وليس مجرد استمرار لنجاح جيل قطر.
2025: سنة اتسعت فيها خريطة الألقاب المغربية
قبل الوصول إلى كأس العالم للشباب وكأس أمم إفريقيا، كانت سنة 2025 قد قدمت دليلاً آخر على تعدد روافد القوة المغربية. ففي بطولة إفريقيا للاعبين المحليين «الشان 2024»، التي أقيمت في شرق إفريقيا خلال أغسطس 2025 بعد تأجيلها، توج المنتخب المغربي باللقب للمرة الثالثة إثر فوزه على مدغشقر 3-2 في النهائي. وبذلك أصبح المغرب المنتخب الأكثر تتويجاً في تاريخ المسابقة، بعد لقبي 2018 و2020. وتكتسب هذه البطولة قيمة خاصة لأنها تُلعب بعناصر تنشط في البطولات المحلية، ولذلك جاء اللقب شهادة على ما تستطيع المنافسة الوطنية أن تمنحه للمنتخبات، لا على قوة المحترفين في أوروبا وحدهم. CAF: التتويج المغربي الثالث في «الشان».
وفي 18 ديسمبر 2025، أضاف المنتخب المغربي كأس العرب في قطر بعد نهائي مثير أمام الأردن انتهى 3-2 بعد التمديد. لم يكن اللقب مجرد محطة احتفالية؛ فقد أبرز قدرة الكرة المغربية على بناء أكثر من منتخب تنافسي، وعلى توزيع الخبرة بين عناصر البطولة الوطنية والمحترفين والمدارس العمرية المختلفة. FIFA: المغرب بطلاً لكأس العرب 2025.
حين يوضع لقب «الشان» إلى جوار كأس العرب، ثم إلى جوار كأس العالم لأقل من 20 سنة، تتضح صورة لا تختصرها تشكيلة واحدة: المغرب لم يعد ينتظر أحد عشر لاعباً استثنائياً، بل يعمل على توسيع الخزان الذي تأتي منه المنتخبات.
2025: المغرب بطلاً للعالم لأقل من 20 سنة
ثم جاءت محطة أكثر دلالة على نجاح العمل مع الفئات السنية.
في كأس العالم لأقل من 20 سنة التي أقيمت في تشيلي سنة 2025، قدم المنتخب المغربي بطولة تاريخية.
تجاوز مراحل المنافسة حتى بلغ المباراة النهائية أمام الأرجنتين، صاحبة التاريخ الكبير في بطولات الشباب.
وفي النهائي فاز المغرب 2-0 بفضل هدفي ياسر الزابيري.
وأصبح المغرب بذلك بطلاً للعالم لأقل من 20 سنة للمرة الأولى في تاريخه، وثاني منتخب إفريقي يحقق اللقب بعد غانا سنة 2009. FIFA: المغرب بطلاً لكأس العالم لأقل من 20 سنة 2025
هذا الإنجاز يحمل معنى يتجاوز الكأس نفسها.
فالمنتخب الأول يستطيع أحياناً صناعة بطولة استثنائية بسبب جيل قوي أو ظروف مناسبة، أما الفوز بكأس العالم للشباب فيقدم مؤشراً إضافياً على وجود مواهب قادمة من الأسفل.
وهنا تلتقي نتائج المنتخب الأول والأولمبي والشباب لتقدم صورة أكثر تكاملاً عن المرحلة الجديدة.
كأس أمم إفريقيا 2025: المغرب بطلاً بعد نصف قرن من الانتظار
استضاف المغرب كأس أمم إفريقيا 2025 بين 21 ديسمبر 2025 و18 يناير 2026. وكان الضغط ثقيلاً منذ المباراة الأولى؛ فالجمهور الذي رأى منتخبه يبلغ نصف نهائي كأس العالم لم يعد يرضى بمجرد الأداء الجيد، والذاكرة ما زالت تحمل لقب 1976 بوصفه النجمة الوحيدة التي طال انتظار أختها.
طريق قوي إلى النهائي
بلغ المغرب نصف النهائي وواجه نيجيريا. انتهت المباراة بالتعادل 0-0، قبل أن يتألق ياسين بونو مجدداً في ركلات الترجيح ويفوز المغرب 4-2، ليبلغ النهائي للمرة الأولى منذ 2004. CAF: تأهل المغرب إلى نهائي كأس إفريقيا 2025
ليلة النهائي: مباراة اختلط فيها اللعب بالاحتجاج
واجه المغرب السنغال في الرباط يوم 18 يناير 2026. ظلت النتيجة متعادلة من دون أهداف حتى اللحظات الأخيرة من الوقت الأصلي، ثم احتسب الحكم ركلة جزاء للمغرب بعد مراجعة تقنية الفيديو. عندها غادر لاعبو السنغال وأفراد من جهازهم الفني أرض الملعب احتجاجاً، قبل أن يعودوا وتُستأنف المباراة. أهدر إبراهيم دياز ركلة الجزاء، ثم سجل باب غايي هدفاً للسنغال في الدقيقة الثالثة من الوقت الإضافي، فانتهت المباراة على أرض الملعب 1-0.
لكن وصف ما جرى بأنه «فوز عادي» يتجاهل أصل النزاع. الاعتراض على قرار تحكيمي حق تكفله القنوات الرياضية والقانونية، أما مغادرة الميدان وتعطيل نهائي قاري فليسا وسيلة مشروعة لتغيير القرار. وقد شعر الجمهور المغربي بأن حق منتخبه أُهدر في ليلة كان يفترض أن تُحسم فيها المنافسة داخل قواعد اللعبة، لا بالضغط الجماعي على الحكم وفرض توقف غير طبيعي على المباراة. لذلك لم يكن لجوء الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى أجهزة «الكاف» بحثاً عن لقب على الورق، بل مطالبةً بتطبيق نصوص المسابقة على واقعة حدثت أمام العالم كله.
قرار «الكاف»: تطبيق المادتين 82 و84 وتتويج المغرب
في 28 يناير 2026، أصدرت لجنة الانضباط في «الكاف» عقوبات على الاتحاد السنغالي ومدربه ولاعبيه بسبب السلوك غير الرياضي، لكنها رفضت في المرحلة الأولى احتجاج الجامعة المغربية المتعلق بنتيجة المباراة. وبدلاً من التسليم بهذا القرار، استعمل المغرب حقه القانوني وقدم استئنافاً مؤسساً على المادتين 82 و84 من لوائح كأس أمم إفريقيا.
وفي 17 مارس 2026، ألغت لجنة الاستئناف في «الكاف» قرار الرفض، وقضت بأن سلوك المنتخب السنغالي يدخل في نطاق المادتين المذكورتين، وأعلنت السنغال خاسرةً للنهائي بالانسحاب، مع تسجيل النتيجة 3-0 لمصلحة المنتخب المغربي. وبناء على هذا القرار الرسمي أصبح المغرب بطلاً لكأس أمم إفريقيا 2025، وأحرز لقبه القاري الثاني بعد خمسين عاماً من تتويج إثيوبيا 1976. البيان الرسمي للجنة الاستئناف في «الكاف».
هذا التتويج لا يحتاج إلى اعتذار ولا إلى صياغة خجولة. فالمنتخب المغربي بلغ النهائي عن جدارة بعد بطولة قوية، والجامعة دافعت عن حقه عبر المسار الذي تحدده اللوائح، والقرار لم يصدر عن جهة مغربية بل عن الهيئة الاستئنافية المختصة داخل الاتحاد الإفريقي. والفوز الاعتباري لا يمحو أحداث الملعب، لكنه يصحح الأثر القانوني المترتب على خرق قواعد المسابقة. في الرياضة، كما في سائر المنافسات المنظمة، لا تكفي الموهبة وحدها؛ احترام القانون جزء من الاستحقاق.
تنظيم مغربي رفع سقف كأس إفريقيا
لم تكن كأس إفريقيا 2025 بطولة ناجحة لأن المغرب توج بها فقط. قبل صافرة النهائي وما رافقها من اضطراب، كانت المملكة قد قدمت على مدى شهر صورة تنظيمية تليق بأكبر المناسبات الكروية: تسعة ملاعب موزعة على ست مدن، أرضيات وتجهيزات حديثة، مراكز تدريب وفنادق مهيأة للمنتخبات، حركة نقل ربطت المدن المضيفة، واستعداد إعلامي ورقمي جعل البطولة متاحة لجمهور لم تكن كأس إفريقيا تصل إليه بهذه القوة من قبل. CAF: دليل ملاعب ومدن البطولة.
ظهر التميز في التفاصيل الصغيرة قبل المنشآت الكبرى: في سرعة انتقال الوفود، وجودة فضاءات التدريب، وتنظيم دخول الجماهير، وجاهزية الملاعب، والصورة البصرية التي جمعت الهوية المغربية بالروح الإفريقية. وقد لخّص الدولي المغربي السابق مصطفى الحداوي الفارق حين أشاد عبر منصة «الكاف» بجودة الملاعب والفنادق ومرافق التدريب وتنظيم النقل، مشيراً إلى أن رئيس الاتحاد الإفريقي استطاع حضور ثلاث مباريات في يوم واحد بثلاث مدن مختلفة؛ وهي صورة عملية لقوة الربط اللوجستي، لا مجرد عبارة دعائية. CAF: شهادة مصطفى الحداوي عن التنظيم.
والأرقام بدورها تتكلم. أعلن «الكاف» أن البطولة حققت ستة مليارات مشاهدة رقمية، منها 5.2 مليارات مشاهدة للفيديو، وأنها أصبحت أكثر بطولة قارية لكرة القدم مشاهدةً على المنصات الرقمية. كما ارتفع عدد شركاء البث الدوليين بنسبة 50 في المئة مقارنة بنسخة 2023، وسجلت المتابعة في الأسواق الأوروبية والآسيوية والأمريكية الجنوبية نمواً أولياً قدره 61 في المئة. وعلى المستوى التجاري، وصف «الكاف» النسخة المغربية بأنها أنجح قصة تجارية في تاريخ كرة القدم الإفريقية، بعد ارتفاع إيرادات المسابقة بأكثر من 90 في المئة ووصول عدد الرعاة إلى 23. CAF: أرقام المشاهدة الرقمية، وCAF: اتساع البث العالمي، وCAF: الحصيلة التجارية للبطولة.
بهذا المعنى، قدم المغرب أكثر من ملاعب جميلة. قدم تجربة متكاملة في الاستضافة، وجعل كأس إفريقيا تبدو في صورتها التي تستحقها: بطولة كبرى قادرة على منافسة الأحداث القارية الأوسع انتشاراً. كما منح التنظيم المملكة اختباراً حقيقياً قبل مونديال 2030، وأثبت أن الخبرة المغربية لا تقوم على وعود مستقبلية، بل على قدرة منجزة في إدارة بطولة ممتدة، متعددة المدن، شديدة الضغط وكثيفة المتابعة.
قد تبقى ليلة النهائي موضوعاً للنقاش والغضب، لكن اضطراب مباراة واحدة لا يجوز أن يحجب شهراً من التنظيم الرفيع. بل إن التمييز واجب بين ما أنجزه المغرب في الملاعب والمدن ومرافق الاستقبال، وبين سلوك رياضي عاقبت عليه أجهزة الاتحاد الإفريقي. خرجت المملكة من البطولة بلقب مستحق وفق القرار الرسمي، وبشهادة تنظيمية يصعب إنكارها، وبصورة تؤكد أن الريادة المغربية اليوم تشمل اللعب والتكوين والبنية التحتية والإدارة وصناعة الحدث، لا جانباً واحداً فقط.
مونديال 2026: تأكيد أن قطر لم تكن صدفة
كان أحد أكبر الأسئلة بعد قطر 2022 بسيطاً وصعباً في الوقت نفسه:
هل يستطيع المغرب تكرار الحضور القوي في كأس العالم، أم أن نصف نهائي قطر سيظل لحظة استثنائية؟
جاء مونديال 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ليقدم جزءاً مهماً من الجواب.
نجح المغرب في بلوغ الأدوار الإقصائية، ثم واصل مسيرته حتى ثمن النهائي حيث واجه كندا وفاز عليها 3-0.
وبهذا الانتصار بلغ المنتخب ربع النهائي للمرة الثانية توالياً.
وفي ربع النهائي واجه فرنسا يوم 9 يوليو 2026، وانتهت المباراة بفوز المنتخب الفرنسي 2-0، ليتوقف المسار المغربي عند دور الثمانية. FIFA: نتائج الأدوار الإقصائية لمونديال 2026
قد يبدو ربع النهائي أقل بريقاً من نصف نهائي 2022، لكنه من زاوية تاريخية يحمل دلالة شديدة الأهمية.
فالوصول إلى الأدوار المتقدمة في بطولتين متتاليتين يختلف عن صناعة مفاجأة في بطولة واحدة.
لقد أكد المغرب أن وجوده بين المنتخبات القادرة على المنافسة عالمياً لم يعد مرتبطاً بمونديال واحد فقط.
من 1970 إلى 2026: كيف تغير معنى المشاركة المغربية في كأس العالم؟
تكشف مقارنة بسيطة مقدار التحول.
في 1970 كان الإنجاز هو الوصول إلى كأس العالم.
وفي 1986 أصبح الإنجاز هو تجاوز دور المجموعات.
وفي 1994 و1998 كان الطموح تثبيت الحضور العالمي.
ثم جاء غياب طويل بين 2002 و2014.
وفي 2018 كان الإنجاز الأول هو العودة إلى المونديال بعد عشرين عاماً.
أما في 2022 فأصبح المغرب ينافس على الوصول إلى النهائي.
وفي 2026 أصبح بلوغ ربع النهائي امتداداً لمسار عالمي وليس حدثاً غير قابل للتكرار.
هذه النقلة النفسية مهمة بقدر النقلة الفنية.
فالمنتخب الذي يدخل البطولة مقتنعاً بأن مجرد التأهل نجاح، لا يعيش الضغط نفسه ولا يحمل الطموح نفسه الذي يحمله منتخب يرى نفسه قادراً على الوصول إلى المراحل الأخيرة.
لماذا تطورت كرة القدم المغربية؟
ليس هناك سبب واحد يفسر الصعود المغربي.
أولاً: تطوير البنية التحتية
شهد المغرب تحديثاً للملاعب ومراكز التدريب والمنشآت الرياضية.
والمنشأة الحديثة ليست ترفاً؛ فهي تؤثر في التدريب والاستشفاء والإعداد وتنظيم المسابقات واستضافة البطولات.
ثانياً: الاستثمار في التكوين
أصبح اكتشاف اللاعب في سن صغيرة وتطويره جزءاً أكثر وضوحاً من المشروع الكروي.
وتعد أكاديمية محمد السادس أحد أبرز رموز هذا الاتجاه، إلى جانب مراكز تكوين الأندية والعمل المرتبط بالفئات العمرية.
ثالثاً: الاستفادة من مغاربة العالم
يمتلك المغرب خزانا بشرياً واسعاً في أوروبا.
وحين تنجح الجامعة في التواصل مع اللاعب ذي الأصول المغربية مبكراً وتقدم له مشروعاً رياضياً مقنعاً، فإن المنتخب يستفيد من تكوين مدارس كروية أوروبية مختلفة دون التخلي عن المواهب المتكونة محلياً.
رابعاً: تراكم الخبرة الدولية
لا يبدأ المنتخب المغربي الحديث من الصفر.
هناك ذاكرة ممتدة من 1970 و1976 و1986 و1998 و2004 و2018 و2022 وما بعدها.
كل مشاركة تترك خبرة إدارية وفنية ونفسية يمكن البناء عليها إذا أحسن استثمارها.
خامساً: تنوع قاعدة النجاح
عندما تتقدم كرة القدم الرجالية والنسوية والفئات السنية والفوتسال في وقت متقارب، يصبح من الصعب تفسير الأمر بظهور لاعب استثنائي أو جيل واحد.
وهذا لا يعني أن كل مشكلات الكرة المغربية قد حلت، وإنما يعني أن قاعدة النجاح أصبحت أوسع.
ما الذي لا يزال يحتاج إلى تطوير؟
الاعتزاز بالإنجازات لا يعني تحويل تاريخ كرة القدم المغربية إلى قصة نجاح بلا ثغرات.
فالمنظومة ما تزال تواجه تحديات.
أولها استمرار تطوير التكوين داخل الأندية، حتى لا يصبح الاعتماد على الأكاديميات المركزية أو اللاعبين المتكونين في أوروبا بديلاً عن قيام كل ناد بدوره في صناعة اللاعبين.
وثانيها رفع جودة البطولة الوطنية بصورة مستدامة، فنياً وتسويقياً وتنظيمياً.
وثالثها تحويل النجاح الدولي إلى استمرارية. كرة القدم مليئة بمنتخبات صنعت جيلاً رائعاً ثم تراجعت عندما اعتزل اللاعبون أو تغيرت الظروف.
ورابعها الموازنة بين استقطاب لاعبي المهجر وتطوير اللاعب المحلي. المساران ليسا متعارضين، بل يجب أن يكمل أحدهما الآخر.
وخامسها تحويل لقب كأس أمم إفريقيا 2025 إلى بداية دورة جديدة من التفوق القاري. فالنجمة الثانية أنهت انتظاراً امتد نصف قرن، لكن قيمة التتويج الأكبر ستظهر حين يصبح المغرب قادراً على بلوغ المراحل الأخيرة بانتظام والدفاع عن لقبه داخل الملعب وخارجه بقوة الأداء واحترام القانون.
كما يبقى توسيع ممارسة كرة القدم النسوية وتطوير مسابقاتها وتكوين المدربات واللاعبات تحدياً ضرورياً لاستدامة النتائج الأخيرة.
المغرب وكأس العالم 2030: من البحث عن التنظيم إلى الاستضافة
يحمل مونديال 2030 معنى خاصاً للمغرب.
فالمملكة حاولت على مدى عقود استضافة كأس العالم، وقدمت ملفات ترشح متعددة، بداية من السباق المتعلق بمونديال 1994، لكن التنظيم ظل حلماً مؤجلاً.
وفي 11 ديسمبر 2024 حسم كونغرس FIFA الاستثنائي الأمر رسمياً، باختيار المغرب وإسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030، مع إقامة مباريات احتفالية بالمئوية في الأوروغواي والأرجنتين وباراغواي. FIFA: تعيين المغرب وإسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030
وستكون البطولة ذات رمزية استثنائية لأنها تتزامن مع مرور مئة عام على أول كأس عالم سنة 1930.
بالنسبة إلى المغرب، تمثل الاستضافة انتقالاً تاريخياً آخر.
فالدولة التي ذهبت إلى المكسيك سنة 1970 بحثاً عن أول حضور عالمي، ستصبح بعد ستين عاماً واحدة من الدول المضيفة لأكبر بطولة كرة قدم على الأرض.
وهذا يمنح مشاريع الملاعب والنقل والتجهيز والتكوين بعداً يتجاوز أسابيع البطولة نفسها.
ويمكن هنا للقارئ الرجوع إلى مقالنا في كوكب المعرفة: كيف سيغير مونديال 2030 خريطة السياحة في المغرب؟ للتوسع في أبعاد الاستضافة والمشاريع المرتبطة بها، وإلى مقال تاريخ كأس العالم من 1930 إلى 2026 لوضع الاستضافة المغربية داخل المسار التاريخي للمونديال.
كرة القدم المغربية بين الهوية المحلية والعالمية
ثمة مفارقة جميلة في مسار الكرة المغربية.
كلما أصبحت أكثر عالمية، لم تفقد بالضرورة جذورها المحلية.
أشرف حكيمي يستطيع أن يكون نجماً في أكبر ملاعب أوروبا وأن يصبح في الوقت نفسه رمزاً لدى طفل يلعب الكرة في حي مغربي.
والرجاء والوداد والجيش ونهضة بركان وغيرها تستطيع خوض مسابقات دولية، بينما تظل هويتها مرتبطة بمدنها وجماهيرها.
والمنتخب يستطيع أن يضم لاعبين ولدوا في دول متعددة، ثم يدخل الجميع الملعب بقميص واحد.
هذه القدرة على الجمع بين المحلي والعالمي أصبحت إحدى خصائص التجربة المغربية الحديثة.
فالعالمية الناجحة لا تعني إلغاء الخصوصية، وإنما امتلاك القدرة على المنافسة بمعايير دولية مع الاحتفاظ بقاعدة اجتماعية وثقافية تمنح الرياضة معناها.
كرة القدم بوصفها ذاكرة مغربية مشتركة
لكل جيل مغربي تقريباً لحظته الكروية.
جيل يتذكر أحمد فرس وكأس إفريقيا 1976.
وجيل يتذكر بادو الزاكي والظلمي والتيمومي وبودربالة ومكسيكو 1986.
وجيل عاش حسرة فرنسا 1998 وتألق حجي وبصير والنيبت.
وجيل يتذكر نهائي تونس 2004.
وجيل عاش العودة إلى المونديال سنة 2018.
ثم جاء جيل قطر 2022 ليشاهد ما كان يبدو قبل ذلك بعيداً: المغرب في نصف نهائي كأس العالم.
وبعده جاء أطفال وشباب رأوا منتخبهم الأولمبي فوق منصة باريس 2024، والمنتخب المحلي يحرز «الشان»، والمنتخب المغربي يتوج بكأس العرب، ومنتخب أقل من 20 سنة يحمل كأس العالم في تشيلي 2025، ثم المنتخب الأول يستعيد كأس أمم إفريقيا بقرار رسمي من «الكاف» ويصل إلى ربع نهائي مونديال 2026.
هذه اللحظات تتحول مع الوقت إلى ذاكرة اجتماعية.
فالناس لا يتذكرون النتيجة وحدها، بل يتذكرون أين كانوا، ومع من شاهدوا المباراة، وكيف خرجت المدن بعد الفوز، وكيف كانت المدارس والمقاهي والبيوت والشوارع.
وهنا تتجاوز كرة القدم حدود الرياضة لتصبح جزءاً من السيرة العاطفية للمجتمع.
من البدايات إلى العالمية: ماذا تقول الرحلة المغربية؟
إذا نظرنا إلى تاريخ كرة القدم المغربية في امتداده الكامل، فلن نجد خطاً مستقيماً من الانتصارات.
سنجد نجاحات وإخفاقات، أجيالاً عظيمة وأخرى أقل توفيقاً، فترات حضور عالمي وأخرى من الغياب، أندية بلغت القمة وأندية تراجعت، ومدربين نجحوا وآخرين لم يستطيعوا تحقيق المنتظر.
وهذا طبيعي في تاريخ كرة القدم.
لكن وسط هذه التقلبات يمكن تمييز تحول عميق.
في المرحلة الأولى كان المغرب يتعلم موقعه داخل كرة القدم الدولية.
ثم بدأ ينافس إفريقيا.
ثم أصبح قادراً على صناعة مفاجآت عالمية.
أما في المرحلة الحديثة، فالتحدي أصبح مختلفاً: كيف تتحول الإنجازات الكبرى من لحظات استثنائية إلى مستوى دائم؟
هنا تكمن أهمية ما حدث بين 2022 و2026.
نصف نهائي كأس العالم للمنتخب الأول، وتألق المنتخب النسوي وبلوغه ثمن نهائي كأس العالم، وبرونزية الأولمبياد، واللقب الثالث في «الشان»، وكأس العرب، والتتويج بكأس العالم لأقل من 20 سنة، واستعادة كأس أمم إفريقيا، والحضور القوي للفوتسال، ثم العودة إلى ربع نهائي كأس العالم 2026، ليست نتائج متطابقة في قيمتها، لكنها حين توضع إلى جوار بعضها ترسم صورة منظومة اتسعت قاعدة نجاحها.
المستقبل: ما بعد الإنجاز
أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع رياضي ناجح هو أن يتحول الإنجاز إلى سبب للاكتفاء.
قطر 2022 أصبحت تاريخاً.
باريس 2024 أصبحت تاريخاً.
كأس العالم للشباب 2025 أصبحت تاريخاً.
وكأس أمم إفريقيا 2025 أصبحت النجمة الثانية في القميص المغربي
وربع نهائي مونديال 2026 أصبح بدوره صفحة مكتوبة.
أما كرة القدم فتنظر دائماً إلى المباراة المقبلة والجيل المقبل.
التحدي الحقيقي هو أن يجد الطفل المغربي الموهوب، سواء ولد في الدار البيضاء أو بركان أو الرباط أو طنجة أو قرية بعيدة، طريقاً واضحاً من ملعب الحي إلى التكوين المنظم.
وأن يجد اللاعب المغربي المولود في بروكسل أو أمستردام أو باريس أو مدريد مشروعاً وطنياً محترفاً يستطيع الاقتناع به.
وأن تمتلك الأندية مدارس تكوين حقيقية لا مجرد فرق أولى تبحث عن النتائج الآنية.
وأن تتحول قوة الجماهير إلى قوة اقتصادية وثقافية تدعم الأندية.
وأن تستمر كرة القدم النسوية في التوسع.
وأن تظل المنتخبات السنية مورداً فعلياً للمنتخب الأول.
وأن تستثمر استضافة مونديال 2030 في بناء ما يبقى بعد انتهاء البطولة، لا ما يخدم أسابيع المنافسة وحدها.
خاتمة: قصة لم تصل إلى فصلها الأخير
بدأت كرة القدم المغربية الحديثة في زمن كانت فيه اللعبة نفسها تبحث عن مكانها داخل المجتمع. مارسها الشباب في فضاءات بسيطة، وظهرت الأندية وسط تحولات سياسية واجتماعية كبرى، ثم جاء الاستقلال لتولد المؤسسات الوطنية والمسابقات الرسمية.
بعد ذلك أخذ المغرب مكانه في إفريقيا والعالم خطوة بعد أخرى.
مونديال 1970 فتح النافذة الأولى.
كأس إفريقيا 1976 منحت المغرب لقبه القاري الأول.
مكسيكو 1986 كسرت حاجزاً أمام الكرة الإفريقية كلها.
الأندية المغربية حملت اسم البلاد إلى منصات التتويج القارية وكأس العالم للأندية.
جيل التسعينيات حافظ على الحضور رغم لحظات الإحباط.
ثم جاءت مرحلة إعادة البناء والتكوين وتطوير المرافق والاستفادة من المواهب داخل المغرب وخارجه.
وفي قطر 2022 انتقلت الكرة المغربية إلى مستوى لم تبلغه من قبل، عندما أصبح المغرب أول بلد عربي وإفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم.
ولم تتوقف القصة هناك.
جاءت برونزية باريس 2024، ثم اجتمعت في سنة 2025 ألقاب بطولة إفريقيا للاعبين المحليين وكأس العرب وكأس العالم لأقل من 20 سنة، واستعاد المنتخب الأول كأس أمم إفريقيا بعد قرار لجنة الاستئناف في «الكاف»، ثم بلغ ربع نهائي مونديال 2026، فيما يستعد المغرب لاحتضان العالم سنة 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال.
وبموازاة الألقاب، قدم تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 وجهاً آخر للريادة: ملاعب حديثة، ومدن مترابطة، وخدمات تدريب واستقبال وإعلام رفعت صورة البطولة الإفريقية أمام العالم. وهكذا التقت قوة المنتخب مع قوة البلد المنظم، وأصبح المغرب لا يشارك في صناعة الحدث الكروي فحسب، بل يرفع معاييره أيضاً.
وبذلك لم تعد عبارة «من البدايات إلى العالمية» مجرد عنوان لتاريخ كرة القدم المغربية، بل وصفاً لمسار امتد أكثر من قرن: من الملاعب البسيطة إلى أكبر ملاعب العالم، ومن لاعب مغربي يبحث عن موطئ قدم في زمن الحماية إلى أجيال تنافس باسم المغرب على الألقاب العالمية.
ومع ذلك، فإن أجمل ما في هذا التاريخ ربما يكون أن نهايته لم تكتب بعد.
فمونديال 2030 ينتظر، وأجيال جديدة تتكون، وسقف الطموح الذي كان قبل عقود مجرد الوصول إلى كأس العالم أصبح اليوم أعلى بكثير.
لقد أثبت تاريخ كرة القدم المغربية أن الإنجاز لا يولد في تسعين دقيقة. تصنعه أجيال متعاقبة، وملاعب وأندية ومدربون وجماهير، وانتصارات وهزائم، ثم يأتي يوم تختصر فيه مباراة واحدة سنوات طويلة من العمل.
ومن مكسيكو 1970 إلى مكسيكو 1986، ومن أديس أبابا 1976 إلى الدوحة 2022، ومن باريس 2024 إلى تشيلي 2025، ومن مونديال 2026 إلى موعد 2030 على أرض المغرب، تستمر الرحلة.
رحلة كرة قدم أصبحت جزءاً من تاريخ بلد، وجزءاً من ذاكرة شعب، وقصة مغربية وجدت أخيراً مكانها بين قصص الكرة العالمية.
المصادر والمراجع
- الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (FRMF)، تاريخ كرة القدم المغربية؛ ويتضمن معلومات حول البدايات، تأسيس الجامعة، البطولة الوطنية، كأس العرش، المشاركات الأولى والإنجازات التاريخية.
- Fédération Royale Marocaine de Football (FRMF)، Histoire du football marocain، النسخة الفرنسية من الملف التاريخي للجامعة.
- الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA)، Morocco at the FIFA World Cup: Team Profile and History، السجل التاريخي لمشاركات المنتخب المغربي في كأس العالم.
- FIFA، أرشيف كأس العالم 1970، 1986، 1994، 1998، 2018، 2022 و2026.
- الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، The Atlas Lions’ Glory of 1976، توثيق مسيرة المغرب في كأس أمم إفريقيا 1976.
- CAF، السجل التاريخي لدوري أبطال إفريقيا، وتاريخ مشاركات وتتويجات الأندية المغربية.
- FIFA، Mohammed VI Academy – The Secret of Moroccan Brilliance، حول أكاديمية محمد السادس ودورها في تطوير المواهب.
- FIFA – Talent Development Scheme، مواد تطوير المواهب في المغرب واستراتيجية المرافق والتكوين والأطر التقنية.
- FIFA Forward، Moroccan Football’s Continuing Success، حول تطور منظومة كرة القدم المغربية.
- FIFA، تقارير كأس العالم قطر 2022 ومسار المنتخب المغربي إلى نصف النهائي.
- FIFA، التقرير الرسمي لمباراة المغرب ومصر في أولمبياد باريس 2024، التي انتهت 6-0 ومنحت المغرب أول ميدالية أولمبية في كرة القدم.
- اللجنة الوطنية الأولمبية المغربية، Paris 2024: Médaille de bronze، توثيق الميدالية البرونزية للمنتخب الأولمبي.
- FIFA، منتخب المغرب يصنع التاريخ بالتتويج بطلاً لكأس العالم تحت 20 سنة 2025، تقرير المباراة النهائية أمام الأرجنتين.
- FIFA، مراجعة إنجازات كرة القدم المغربية خلال سنة 2025، بما فيها التتويج العالمي لفئة أقل من 20 سنة.
- CAF، تقارير كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب، بما فيها مسار المنتخب المغربي، وأحداث النهائي، والعقوبات الانضباطية الصادرة في 28 يناير 2026.
- CAF Appeal Board، بيان 17 مارس 2026 الذي قبل استئناف الجامعة المغربية، واعتبر السنغال خاسرةً للنهائي، وسجل النتيجة 3-0 لمصلحة المغرب.
- Court of Arbitration for Sport (CAS/TAS)، بيان 25 مارس 2026 بشأن تسجيل طعن الاتحاد السنغالي في قرار لجنة الاستئناف.
- CAS/TAS، بيان 24 يوليو 2026 بشأن تحديد جلسة الاستماع في 8 أكتوبر 2026، من دون صدور حكم نهائي حتى تاريخ تحرير المقال.
- CAF، تقارير الحصيلة الرقمية والتجارية لكأس أمم إفريقيا المغرب 2025: ستة مليارات مشاهدة رقمية، ونمو دولي في التوزيع والبث، وزيادة تفوق 90 في المئة في إيرادات المسابقة.
- CAF، تقارير بطولة إفريقيا للاعبين المحليين 2024، وتتويج المغرب باللقب الثالث في أغسطس 2025.
- FIFA، تقارير كأس العرب قطر 2025، وفوز المغرب على الأردن 3-2 في النهائي.
- FIFA، النتائج الرسمية لكأس العالم 2026، بما فيها فوز المغرب على كندا 3-0 في ثمن النهائي ومباراة ربع النهائي أمام فرنسا.
- CAF، تقارير كأس أمم إفريقيا للسيدات 2022 و2024 و2026، وتأهل المغرب إلى كأس العالم للسيدات 2027.
- FIFA، تقارير كأس العالم للسيدات 2023 ومسار المنتخب المغربي إلى ثمن النهائي.
- FIFA، تقارير كأس إفريقيا لكرة القدم داخل القاعة 2024 وتطور المنتخب المغربي في الفوتسال.
- CAF، تقارير كأس الكونفدرالية 2024-2025 ودوري أبطال إفريقيا 2025-2026، بشأن تتويج نهضة بركان وبلوغ الجيش الملكي النهائي.
- FIFA Congress، قرار 11 ديسمبر 2024 المتعلق بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 إلى المغرب وإسبانيا والبرتغال.
- Maroc.ma وSNRT News، ملفات توثيق مشاركات المنتخب المغربي ومحطاته الكبرى، مع اعتماد FIFA وCAF مرجعين أوليين عند اختلاف التواريخ أو النتائج.
مصادر إلكترونية أساسية للتوسع
- الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم – تاريخ كرة القدم المغربية
- FIFA – تاريخ المغرب في كأس العالم
- CAF – تتويج المغرب بكأس إفريقيا 1976
- FIFA – أكاديمية محمد السادس لكرة القدم
- FIFA – تطوير المواهب في المغرب
- FIFA – برونزية المغرب في أولمبياد باريس 2024
- FIFA – تتويج المغرب بكأس العالم لأقل من 20 سنة 2025
- CAF – نهائي كأس أمم إفريقيا 2025
- FIFA – نتائج مونديال 2026
- FIFA – قرار استضافة المغرب وإسبانيا والبرتغال لكأس العالم 2030
- CAF – قرار لجنة الاستئناف بتسجيل النهائي 3-0 للمغرب
- محكمة التحكيم الرياضي – تسجيل الطعن السنغالي
- محكمة التحكيم الرياضي – أرشيف البيانات وتحديد جلسة 8 أكتوبر 2026
- CAF – ستة مليارات مشاهدة رقمية لنسخة المغرب 2025
- CAF – النجاح التجاري لكأس أمم إفريقيا المغرب 2025
- FIFA – المغرب بطلاً لكأس العرب 2025
- CAF – المغرب بطلاً لبطولة إفريقيا للاعبين المحليين للمرة الثالثة

